Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 31–40 of 75

31

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ ۙ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآَيَهَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كِلْدَةَ، وأنَّهُ لَمّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ قَصَصَ القُرُونِ الماضِيَةِ، قالَ: لَوْ شِئْتَ لَقُلْتَ مِثْلَ هَذا. وفي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا مِنكَ ولا نُطِيعُكَ.

والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ، وكانَ النَّضْرُ يَخْتَلِفُ إلى فارِسٍ تاجِرًا، فَيَسْمَعُ العِبادَ يَقْرَؤُونَ الإنْجِيلَ. وقَدْ بَيَّنَ التَّحَدِّي كَذِبَ مَن قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الأساطِيرِ في [الأنْعامِ:٢٥]

Al-Anfaal 8:31Listen in Qur'an →
32

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ أيْضًا، رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، فَهو القائِلُ لِهَذا؛ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وهو مُخَرَّجٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، قالُوا هَذا، ثُمَّ نَدِمُوا فَقالُوا: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، رَواهُ أبُو مَعْشَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وفي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ هَذا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ. والثّانِي: كُلُّ ما يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إكْرامُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ مِن بَيْنِ قُرَيْشٍ.

Al-Anfaal 8:32Listen in Qur'an →
33

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ قَرْيَةٌ حَتّى يَخْرُجَ نَبِيُّها والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ. والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَ المُؤْمِنِينَ بِضَرْبٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي أهْلَكَ بِهِ مَن قَبْلَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَصْلٌ

قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنْفالِ:٣٤]، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ النَّسَخَ لا يَدْخُلُ عَلى الأخْبارِ. وقالَ ابْنُ أبْزى: كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَخَرَجَ إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ . وجَمِيعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآَيَةُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، قالُوا: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وفي مَعْنى هَذا الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ، وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ

والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يُلَبُّونَ ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ اسْتِغْفارَ المُشْرِكِ لا أثَرَ لَهُ في القَبُولِ.

والثّالِثُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وهُمْ- يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ- يَسْتَغْفِرُونَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وُصِفُوا بِصِفَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَأُوقَعَ العُمُومَ عَلى الخُصُوصِ، كَما يُقالُ: قَتَلَ أهْلُ المَسْجِدِ رَجُلًا، وأخَذَ أهْلُ البَصْرَةِ فَلانًا، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ.

والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ مَعْنى تَعْذِيبِهِمْ: إهْلاكُهُمْ؛ فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَهم، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ لَهم أوْلادٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ؛ فَوَصَفَهم بِصِفَةِ ذَرارِيهِمْ، وغَلَبُوا عَلَيْهِمْ كَما غَلَبَ بَعْضُهم عَلى كُلِّهِمْ في الجَوابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَما عَذَّبَهُمُ اللهُ، ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَغْفِرُوا فاسْتَحَقُّوا العَذابَ؛ وهَذا كَما تَقُولُالعَرَبُ: ما كُنْتَ لِأُهِينَكَ وأنْتَ تُكْرِمُنِي؛ …

Al-Anfaal 8:33Listen in Qur'an →
34

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ أجازَتْ تَعْذِيبَهم، والأُولى نَفَتْ ذَلِكَ. وهَلِ المُرادُ بِهَذا: العَذابُ الأوَّلُ، أمْ لا فِيهِ قَوْلانِ

أحَدُهُما أنَّهُ هو الأوَّلُ إلّا أنَّ الأوَّلَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ. أحَدُهُما: كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ. والثّانِي: كَوْنُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ، وقَعَ العَذابُ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ.

والثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ، وفي ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ العَذابَ الثّانِي قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، والأوَّلَ اسْتِئْصالُ الكُلِّ؛ فَلَمْ يَقَعِ الأوَّلُ لِما قَدْ عُلِمَ مِن إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، ووَقْعِ الثّانِي. والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ عَذابُ الدُّنْيا. والثّانِي: عَذابُ الآَخِرَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا، وما لَهُمُ ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ في الآَخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصُدُّونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وهم يَصُدُّونَ ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أوْلِياءَهُ. وفي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى "المَسْجِدِ" وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ الحَسَنُ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: نَحْنُ أوْلِياءُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ﴾ أيْ: ما أوْلِياؤُهُ ﴿إلا المُتَّقُونَ﴾ لَلشِّرْكِ والمَعاصِي، ولَكِنَّ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ مَنِ الأوْلى بِبَيْتِ اللَّهِ.

Al-Anfaal 8:34Listen in Qur'an →
35

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

And their prayer at the House was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويَضَعُونَ خُدُودَهم بِالأرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ. فَأمّا المُكاءُ، فَفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: مَكا الطّائِرُ [يَمْكُو] مُكاءً: إذا صَفَّرَ، ويُقالُ: مَكِيَتْ يَدُهُ [تَمْكى] مَكًى، مَقْصُورٌ، أيْ: غَلُظَتْ وخَشُنَتْ، ويُقالُ: تَمَكّى: إذا تَوَضَّأ. وأنْشَدُوا:

؎ أنَّكَ والجَوْرُ عَلى سَبِيلِ كالمُتَمَكِّي بِدَمِ القَتِيلِ

وَسُئِلَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنَ عَنِ المُكاءِ، فَجَمَعَ كَفَّيْهِ، وجَعَلَ يَصْفِرُ فِيهِما.

والثّانِي: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ يَخْلِطُونَ بِهِ وبِالتَّصْدِيَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ صَلاتَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أهْلُ اللُّغَةِ يُنْكَرُونَ أنْ يَكُونَ المُكاءُ إدْخالَ الأصابِعِ في الأفْواهِ، وقالُوا: لا يَكُونُ إلّا الصَّفِيرُ. وفي التَّصْدِيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها التَّصْفِيقُ، قالَهُ [ابْنُ] عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: صَدى: إذا صَفَّقَ بِيَدَيْهِ. قالَ الرّاجِزُ:

؎ ضَنَّتْ بِخَدٍّ وجَلَّتْ عَنْ خَدٍّ ∗∗∗ وأنا مِن غَرْوِ الهَوى أُصْدِّي

الغَرْوُ: العَجَبُ، يُقالُ: لا غَرْوَ مِن كَذا، أيْ: لا عَجَبَ.

والثّانِي: أنَّ التَّصْدِيَةَ: صَدَّهُمُ النّاسُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ودِينِهِ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ، قامَ رَجُلانِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَنْ يَمِينِهِ فَيَصْفِرانِ، ورَجُلانِ عَنْ يَسارِهِ فَيُصَفِّقانِ، فَتَخْتَلِطُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ صَلاتُهُ وقِراءَتُهُ، فَقَتَلَهُمُ اللهُ بِبَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.»

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمّى المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ صَلاةً؟

فَعَنْهُ: جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُهُما: أنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ مَكانَ الصَّلاةِ، ومَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْتُ عَبْدَ اللهِ، فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ: أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ قُلْتُ لَهُ أطْعِمْنِي عَمِيمُ تَمْرًا ∗∗∗ فَكانَ تَمْرِي كَهْرَةً وزَبْرًا

أيْ: أقامَ الصِّياحَ عَلَيَّ مَقامَ التَّمْرِ.

والثّانِي: أنَّ مَن كانَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ صَلاتَهُ، فَلا صَلاةَ لَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ما لِفُلانٍ عَيْبٌ إلّا السَّخاءُ، يُرِيدُونَ: مِنَ السَّخاءِ عَيْبُهُ، فَلا عَيْبَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَتًى كَمُلَتْ خَيْراتُهُ غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ جَوادٌ فَلا يُبْقِي مِنَ المالِ باقِيًا

Al-Anfaal 8:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ بِبَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يُطْعِمُونَ النّاسَ الطَّعامَ، كُلُّ رَجُلٍ يُطْعِمُ يَوْمًا، وهُمْ: عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ومُنَبِّهٌ ونَبِيَّةُ ابْنا الحَجّاجِ، وأبُو البُخْتُرِيِّ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو جَهْلٍ، وأخُوهُ الحارِثُ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأُسُودِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لَقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ أبِي سُفْيانَ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. فَأمّا سَبِيلُ اللَّهِ، فَهو دِينُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أيْ: تَكُونُ عاقِبَةُ نَفَقَتِهِمْ نَدامَةً، لِأنَّهم لَمْ يَظْفَرُوا.

Al-Anfaal 8:36Listen in Qur'an →
37

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[This is] so that Allah may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، "لِيَمِيزَ" خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لِيُمَيِّزَ" بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ: مِزْتُهُ ومَيَّزْتُهُ. وفي لامِ "لِيُمَيِّزَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "فَسَيُنْفِقُونَها" قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ"، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. وفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَيُمَيِّزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاءِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: يُمَيِّزُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ.

والثّانِي: لَيُمَيِّزَ العَمَلَ الطَّيِّبَ مِنَ العَمَلِ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَيُمَيِّزَ الإنْفاقَ الطَّيِّبَ في سَبِيلِهِ، مِنَ الإنْفاقِ الخَبِيثِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يَجْمَعُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو قَوْلُهُ: فَيَرْكُمُهُ قالَ الزَّجّاجُ: الرُّكَمُ: أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الشَّيْءِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: رَكَمْتُ الشَّيْءَ أرَكُمُهُ رَكْمًا؛ والرُّكامُ: الِاسْمُ؛ فَمَن قالَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ: الكُفّارُ، فَإنَّهم في النّارِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ ومَن قالَ: أمْوالُهم، فَلَهُ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها أُلْقِيَتْ في النّارِ لَيُعَذِّبَ بِها أرْبابَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٥] .

والثّانِي: أنَّهم لَمّا عَظَّمُوها في الدُّنْيا، أراهم هَوانَها بِإلْقائِها في النّارِ كَما تُلْقى الشَّمْسُ والقَمَرُ في النّارِ، لَيَرى مَن عَبْدَهُما ذُلَّهُما.

Al-Anfaal 8:37Listen in Qur'an →
38

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِن حَرْبِهِمْ، فَلا يُؤاخَذُونَ بِهِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ، فَقَدْ مَضَتْ سَنَةٌ الأوَّلِينَ في نَصْرِ اللَّهِ أوْلِياءَهُ وقِيلَ: في قَتْلِ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ.

والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ، يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الإثْمِ؛ وإنْ يَعُودُوا إلَيْهِ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ حِينَ أُخِذُوا بِالعَذابِ المُسْتَأْصَلِ. قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ في هَذِهِ الآَيَةِ: إنَّ تَوْحِيدًا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ هَدْمِ ما قَبْلَهُ مِن كَفْرٍ، لا يَعْجِزُ عَنْ هَدْمِ ما بَعْدَهُ مِن ذَنْبٍ.

Al-Anfaal 8:38Listen in Qur'an →
39

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شِرْكٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: حَتّى لا يُفْتَنَ النّاسُ فِتْنَةَ كَفْرٍ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والقِتالِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا رَوْحًا "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتّاءِ.

Al-Anfaal 8:39Listen in Qur'an →
40

وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ

But if they turn away - then know that Allah is your protector. Excellent is the protector, and Excellent is the helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ وعادُوا إلى القِتالِ.

﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ أيْ: نِعْمَ الوَلِيُّ ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيِ: النّاصِرُ، مِثْلُ قَدِيرٍ وقادِرٍ، وسَمِيعٍ وسامِعٍ.

Al-Anfaal 8:40Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.