Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

صفحة ٣٠٢

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾

لَمّا أراهُمُ اللَّهُ آياتِ لُطْفِهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ، ورَأوْا فَوائِدَ امْتِثالِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، وقَدْ كانُوا كارِهِينَ الخُرُوجَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ، واعْتِبارًا بِأنَّ ما يَأْمُرُهم بِهِ خَيْرٌ عَواقِبُهُ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .

وفِي هَذا رُجُوعٌ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ رُجُوعُ الخَطِيبِ إلى مُقَدِّمَةِ كَلامِهِ ودَلِيلِهِ لِيَأْخُذَها بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ في صُورَةِ نَتِيجَةٍ أسْفَرَ عَنْها احْتِجاجُهُ، لِأنَّ مَطْلُوبَ القِياسِ هو عَيْنُ النَّتِيجَةِ، فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَقَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ في سِياقِ تَرْجِيحِ ما أمَرَهم بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِذَلِكَ بِحادِثَةِ كَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ في بَدْءِ الأمْرِ ومُجادَلَتِهِمْ لِلرَّغْبَةِ في عَدَمِهِ، ثُمَّ حادِثَةِ اخْتِيارِهِمْ لِقاءَ العِيرِ دُونَ لِقاءِ النَّفِيرِ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، وما نَجَمَ عَنْ طاعَتِهِمُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومُخالَفَتِهِمْ هَواهم ذَلِكَ مِنَ النَّصْرِ العَظِيمِ والغُنْمِ الوَفِيرِ لَهم مَعَ نَزارَةِ الرَّزْءِ، ومِنَ التَّأْيِيدِ المُبِينِ لِلرَّسُولِ ﷺ، والتَّأْسِيسِ لِإقْرارِ دِينِهِ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ”وكَيْفَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ العَجِيبِ لَمّا أطاعُوهُ وانْخَلَعُوا عَنْ هَواهم، وكَيْفَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. والمُشاقَّةُ ضِدُّ الطّاعَةِ تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوُجُوبِ التَّبَرُّؤِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ عِصْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِأمْرٍ شَدِيدٍ عَلى النُّفُوسِ ألا وهو“ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ”وأظْهَرَ لَهم ما كانَ مِن عَجِيبِ النَّصْرِ لَمّا ثَبَتُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ“ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ”، وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ هم أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعادَةِ أمْرِهِمْ بِأنْ

صفحة ٣٠٣

يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا يَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فَذْلَكَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ المَوْعِظَةِ الواقِعَةِ بِطُولِها عَقِبَ قَوْلِهِ“ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ”وذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي فَصْلَ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِينَ قَصْدًا لِإحْضارِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ ما سَيُقالُ لَهم، فَنَزَّلَ الحاضِرَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَطَلَبَ حُضُورَهُ بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِطَلَبِ الإقْبالِ. …

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

صفحة ٣٠٢

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾

لَمّا أراهُمُ اللَّهُ آياتِ لُطْفِهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ، ورَأوْا فَوائِدَ امْتِثالِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، وقَدْ كانُوا كارِهِينَ الخُرُوجَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ، واعْتِبارًا بِأنَّ ما يَأْمُرُهم بِهِ خَيْرٌ عَواقِبُهُ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .

وفِي هَذا رُجُوعٌ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ رُجُوعُ الخَطِيبِ إلى مُقَدِّمَةِ كَلامِهِ ودَلِيلِهِ لِيَأْخُذَها بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ في صُورَةِ نَتِيجَةٍ أسْفَرَ عَنْها احْتِجاجُهُ، لِأنَّ مَطْلُوبَ القِياسِ هو عَيْنُ النَّتِيجَةِ، فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَقَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ في سِياقِ تَرْجِيحِ ما أمَرَهم بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِذَلِكَ بِحادِثَةِ كَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ في بَدْءِ الأمْرِ ومُجادَلَتِهِمْ لِلرَّغْبَةِ في عَدَمِهِ، ثُمَّ حادِثَةِ اخْتِيارِهِمْ لِقاءَ العِيرِ دُونَ لِقاءِ النَّفِيرِ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، وما نَجَمَ عَنْ طاعَتِهِمُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومُخالَفَتِهِمْ هَواهم ذَلِكَ مِنَ النَّصْرِ العَظِيمِ والغُنْمِ الوَفِيرِ لَهم مَعَ نَزارَةِ الرَّزْءِ، ومِنَ التَّأْيِيدِ المُبِينِ لِلرَّسُولِ ﷺ، والتَّأْسِيسِ لِإقْرارِ دِينِهِ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ”وكَيْفَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ العَجِيبِ لَمّا أطاعُوهُ وانْخَلَعُوا عَنْ هَواهم، وكَيْفَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. والمُشاقَّةُ ضِدُّ الطّاعَةِ تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوُجُوبِ التَّبَرُّؤِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ عِصْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِأمْرٍ شَدِيدٍ عَلى النُّفُوسِ ألا وهو“ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ”وأظْهَرَ لَهم ما كانَ مِن عَجِيبِ النَّصْرِ لَمّا ثَبَتُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ“ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ”، وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ هم أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعادَةِ أمْرِهِمْ بِأنْ

صفحة ٣٠٣

يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا يَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فَذْلَكَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ المَوْعِظَةِ الواقِعَةِ بِطُولِها عَقِبَ قَوْلِهِ“ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ”وذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي فَصْلَ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِينَ قَصْدًا لِإحْضارِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ ما سَيُقالُ لَهم، فَنَزَّلَ الحاضِرَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَطَلَبَ حُضُورَهُ بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِطَلَبِ الإقْبالِ. …

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

صفحة ٣٠٢

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾

لَمّا أراهُمُ اللَّهُ آياتِ لُطْفِهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ، ورَأوْا فَوائِدَ امْتِثالِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، وقَدْ كانُوا كارِهِينَ الخُرُوجَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ، واعْتِبارًا بِأنَّ ما يَأْمُرُهم بِهِ خَيْرٌ عَواقِبُهُ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .

وفِي هَذا رُجُوعٌ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ رُجُوعُ الخَطِيبِ إلى مُقَدِّمَةِ كَلامِهِ ودَلِيلِهِ لِيَأْخُذَها بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ في صُورَةِ نَتِيجَةٍ أسْفَرَ عَنْها احْتِجاجُهُ، لِأنَّ مَطْلُوبَ القِياسِ هو عَيْنُ النَّتِيجَةِ، فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَقَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ في سِياقِ تَرْجِيحِ ما أمَرَهم بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِذَلِكَ بِحادِثَةِ كَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ في بَدْءِ الأمْرِ ومُجادَلَتِهِمْ لِلرَّغْبَةِ في عَدَمِهِ، ثُمَّ حادِثَةِ اخْتِيارِهِمْ لِقاءَ العِيرِ دُونَ لِقاءِ النَّفِيرِ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، وما نَجَمَ عَنْ طاعَتِهِمُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومُخالَفَتِهِمْ هَواهم ذَلِكَ مِنَ النَّصْرِ العَظِيمِ والغُنْمِ الوَفِيرِ لَهم مَعَ نَزارَةِ الرَّزْءِ، ومِنَ التَّأْيِيدِ المُبِينِ لِلرَّسُولِ ﷺ، والتَّأْسِيسِ لِإقْرارِ دِينِهِ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ”وكَيْفَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ العَجِيبِ لَمّا أطاعُوهُ وانْخَلَعُوا عَنْ هَواهم، وكَيْفَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. والمُشاقَّةُ ضِدُّ الطّاعَةِ تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوُجُوبِ التَّبَرُّؤِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ عِصْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِأمْرٍ شَدِيدٍ عَلى النُّفُوسِ ألا وهو“ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ”وأظْهَرَ لَهم ما كانَ مِن عَجِيبِ النَّصْرِ لَمّا ثَبَتُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ“ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ”، وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ هم أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعادَةِ أمْرِهِمْ بِأنْ

صفحة ٣٠٣

يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا يَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فَذْلَكَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ المَوْعِظَةِ الواقِعَةِ بِطُولِها عَقِبَ قَوْلِهِ“ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ”وذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي فَصْلَ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِينَ قَصْدًا لِإحْضارِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ ما سَيُقالُ لَهم، فَنَزَّلَ الحاضِرَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَطَلَبَ حُضُورَهُ بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِطَلَبِ الإقْبالِ. …

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ إعادَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوْ مَقْصِدِ الخُطْبَةِ مِن مُقَدِّمَتِها كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ.

فافْتِتاحُ السُّورَةِ كانَ بِالأمْرِ بِالطّاعَةِ والتَّقْوى، ثُمَّ بَيانِ أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِينَ الكُمَّلَ أنْ يَخافُوا اللَّهَ ويُطِيعُوهُ ويَمْتَثِلُوا أمْرَهُ وإنْ كانُوا كارِهِينَ، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِكَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ، ثُمَّ بِكَراهَتِهِمْ لِقاءَ النَّفِيرِ، وأوْقَفَهم عَلى ما اجْتَنَبُوهُ مِن بَرَكاتِ الِامْتِثالِ وكَيْفَ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ ونَصَبَ لَهم عَلَيْهِ أمارَةُ الوَعْدِ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِالنَّصْرِ، وما لَطَفَ بِهِمْ مِنَ الأحْوالِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ إقْناعًا لَهم بِوُجُوبِ الثَّباتِ في وجْهِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الزَّحْفِ، ثُمَّ عادَ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ وحَذَّرَهم مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ إذا دَعاهم إلى شَيْءٍ فَإنَّ في دَعْوَتِهِ إيّاهم إحْياءً لِنُفُوسِهِمْ، وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ يُكْسِبُ قُلُوبَهم بِتِلْكَ الِاسْتِجابَةِ قُوًى قُدْسِيَّةً.

واخْتِيرَ في تَعْرِيفِهِمْ، عِنْدَ النِّداءِ، وصْفُ الإيمانِ لِيُومِئَ إلى التَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ مِن قَبْلُ، أيْ أنَّ الإيمانَ هو الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَثِقُوا بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ فَيَمْتَثِلُوا أمْرَهُ إذا دَعاهم.

صفحة ٣١٢

والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُ الِاسْتِجابَةِ في إجابَةِ طَلَبٍ مُعَيَّنٍ أوْ في الأعَمِّ، فَأمّا الإجابَةُ فَهي إجابَةٌ لِنِداءٍ وغَلَبَ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ إذا اقْتَرَنَ بِالسِّينِ والتّاءِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]“ في آلِ عِمْرانَ.

وإعادَةُ حَرْفٍ بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ”ولِلرَّسُولِ“ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ المَجْرُورِ بِالتَّعَلُّقِ بِفِعْلِ الِاسْتِجابَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اسْتِجابَةَ الرَّسُولِ ﷺ أعَمُّ مِنَ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ لا تَكُونُ لا بِمَعْنى المَجازِ وهو الطّاعَةُ بِخِلافِ الِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّها بِالمَعْنى الأعَمِّ الشّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وهو اسْتِجابَةُ نِدائِهِ، ولِلْمَجازِ وهو الطّاعَةُ، فَأُرِيدَ أمْرُهم بِالِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ بِالمَعْنَيَيْنِ كُلَّما صَدَرَتْ مِنهُ دَعْوَةٌ تَقْتَضِي أحَدَهُما.

ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَ اللّامِ في المَوْقِعِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ الِاسْتِجابَةُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الطّاعَةُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - ”﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]“ فَإنَّها الطّاعَةُ لِلْأمْرِ بِاللَّحاقِ بِجَيْشِ قُرَيْشٍ في حَمْراءِ الأسَدِ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ فَهي اسْتِجابَةٌ لِدَعْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

وإفْرادُ ضَمِيرِ ”دَعاكم“ لِأنَّ الدُّعاءَ مِن فِعْلِ الرَّسُولِ مُباشَرَةً، كَما أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ“ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.

ولَيْسَ قَوْلُهُ ”﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾“ قَيْدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِجابَةٍ ولَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ دُعاءَهُ إيّاهم لا يَكُونُ إلّا إلى ما فِيهِ …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

﴿واتَّقَوْا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

عَقِبَ تَحْرِيضِ جَمِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، المُسْتَلْزَمِ تَحْذِيرَهم مِن ضِدِّها بِتَحْذِيرِ المُسْتَجِيبِينَ مِن إعْراضِ المُعْرِضِينَ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم قَدْ يَلْحَقُهم أذًى مِن جَرّاءِ فِعْلِ غَيْرِهِمْ إذا هم لَمْ يُقَوِّمُوا عِوَجَ قَوْمِهِمْ، كَيْلا يَحْسَبُوا أنَّ امْتِثالَهم كافٍ إذا عَصى دَهْماؤُهم، فَحَذَّرَهم فِتْنَةً تَلْحَقُهم فَتَعُمُّ الظّالِمَ وغَيْرَهُ.

فَإنَّ المُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُونُوا كَلِمَةً واحِدَةً في الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَبَّ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ واضْطَرَبَتْ أحْوالُهم واخْتَلَّ نِظامُ جَماعَتِهِمْ بِاخْتِلافِ الآراءِ وذَلِكَ الحالُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ.

وحاصِلُ مَعْنى الفِتْنَةِ يَرْجِعُ إلى اضْطِرابِ الآراءِ، واخْتِلالِ السَّيْرِ، وحُلُولِ الخَوْفِ والحَذَرِ في نُفُوسِ النّاسِ، قالَ - تَعالى - ”﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]“ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الفِتْنَةِ في قَوْلِهِ ”﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٣١٧

فَعَلى عُقَلاءِ الأقْوامِ وأصْحابِ الأحْلامِ مِنهم إذا رَأوْا دَبِيبَ الفَسادِ في عامَّتِهِمْ أنْ يُبادِرُوا لِلسَّعْيِ إلى بَيانِ ما حَلَّ بِالنّاسِ مِنَ الضَّلالِ في نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكْشِفُوا لَهم ماهِيَّتَهُ وشُبْهَتَهُ وعَواقِبَهُ، وأنْ يَمْنَعُوهم مِنهُ بِما أُوتُوهُ مِنَ المَوْعِظَةِ والسُّلْطانِ، ويَزْجُرُوا المُفْسِدِينَ عَنْ ذَلِكَ الفَسادِ حَتّى يَرْتَدِعُوا، فَإنْ هم تَرَكُوا ذَلِكَ، وتَوانَوْا فِيهِ لَمْ يَلْبَثِ الفَسادُ أنْ يَسْرِيَ في النُّفُوسِ ويَنْتَقِلَ بِالعَدْوى مِن واحِدٍ إلى غَيْرِهِ، حَتّى يَعُمَّ أوْ يَكادُ، فَيَعْسُرُ اقْتِلاعُهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ الِاخْتِلالُ يُفْسِدُ عَلى الصّالِحِينَ صَلاحُهم ويُنَكِّدُ عَيْشَهم عَلى الرَّغْمِ مِن صَلاحِهِمْ واسْتِقامَتِهِمْ، فَظَهَرَ أنَّ الفِتْنَةَ إذا حَلَّتْ بِقَوْمٍ لا تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بَلْ تَعُمُّهُ والصّالِحَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وجَبَ اتِّقاؤُها عَلى الكُلِّ لِأنَّ أضْرارَ حُلُولِها تُصِيبُ جَمِيعَهم.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ عِقابًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا، فَهي تَأْخُذُ حُكْمَ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُصِيبُ الأُمَمَ، فَإنَّ مِن سُنَّتِها أنْ لا تَخُصَّ المُجْرِمِينَ إذا كانَ الغالِبُ عَلى النّاسِ هو الفَسادُ، لِأنَّها عُقُوباتٌ تَحْصُلُ بِحَوادِثَ كَوْنِيَّةٍ يَسْتَتِبُّ في نِظامِ العالِمِ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ - تَعالى - في خَلْقِ هَذا العالَمِ أنْ يُوَزَّعَ عَلى الأشْخاصِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ مِثْلَ القائِمِ عَلى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلى سَفِينَةٍ فَأصابَ بَعْضُهم أعْلاها وبَعْضُهم أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلى مَن فَوْقَهم فَقالُوا لَوْ أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فَإنْ يَتْرُكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وإنْ أخَذُوا عَلى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ ثُمَّ يَحْشُرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» .

وحَرْفُ لا في قَوْلِهِ ”لا تُصِيبَنَّ“ نَهْيٌ بِقَرِينَةِ اتِّصالِ مَدْخُولِها بِنُونِ التَّوْكِيدِ …

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآوِيكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ، وعَلى إعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ نِيّاتُهم، وعَلى التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَةِ الخِلافِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ

صفحة ٣١٩

تَذْكِيرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالعِزَّةِ والنَّصْرِ، بَعْدَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ والخَوْفِ، لِيَذْكُرُوا كَيْفَ يَسَّرَ اللَّهُ لَهم أسْبابَ النَّصْرِ مِن غَيْرِ مَظانِّها، حَتّى أوْصَلَهم إلى مُكافَحَةِ عَدُوِّهِمْ وأنْ يَتَّقِيَ أعْداؤُهم بَأْسَهم، فَكَيْفَ لا يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، وهم قَدْ كَثُرُوا وعَزُّوا وانْتَصَرُوا، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَجِيءُ هَذِهِ الخِطاباتِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالَّذِينَ آمَنُوا إيماءٌ إلى أنَّ الإيمانَ هو الَّذِي ساقَ لَهم هَذِهِ الخَيْراتِ كُلِّها، وأنَّهُ سَيَكُونُ هَذا أثَرَهُ فِيهِمْ كُلَّما احْتَفَظُوا عَلَيْهِ كُفُوهُ مِن قَبْلِ سُؤالِهِمْ، ومِن قَبْلِ تَسْدِيدِ حالِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَكُونُونَ بَعْدَ تَرَفُّهِ حالِهِمْ أشَدَّ اسْتِجابَةً وأثْبَتَ قُلُوبًا.

وفَعْلُ ”واذْكُرُوا“ مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - وهو التَّذَكُّرُ لا ذِكْرَ اللِّسانِ، أيْ تَذَكَّرُوا.

وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيِ اذْكُرُوا زَمَنَ كُنْتُمْ قَلِيلًا.

وجُمْلَةُ ”أنْتُمْ قَلِيلٌ“ مُضافٌ إلَيْها إذْ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُضافِ، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ القِلَّةِ والِاسْتِضْعافِ فِيهِمْ.

وأخْبَرَ بِ ”قَلِيلٌ“ وهو مُفْرَدٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّ قَلِيلًا وكَثِيرًا قَدْ يَجِيئانِ غَيْرَ مُطابِقَيْنِ لِما جَرَيا عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والأرْضُ يُرادُ بِها الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ٥٦]“ في سُورَةِ الأعْرافِ، فالتَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أوْ أُرِيدَ بِها أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ بِأيّامِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ طائِفَةً قَلِيلَةَ العَدَدِ، قَدْ جَفاهم قَوْمُهم وعادَوْهم فَصارُوا لا قَوْمَ لَهم، وكانُوا عَلى دِينٍ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العالِمِ فَلا يَطْمَعُونَ في نَصْرٍ مُوافِقٍ لَهم في دِينِهِمْ وإذا كانُوا كَذَلِكَ وهم في مَكَّةَ فَهم كَذَلِكَ في غَيْرِها مِنَ الأرْضِ فَآواهُمُ اللَّهُ بِأنْ صَرَفَ أهْلَ مَكَّةَ عَنِ اسْتِيصالِهِمْ ثُمَّ بِأنْ قَيَّضَ الأنْصارَ أهْلَ العَقَبَةِ الأوْلى وأهْلَ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، فَأسْلَمُوا وصارُوا أنْصارًا لَهم بِيَثْرِبَ، ثُمَّ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ فَآواهم بِها، ثُمَّ أمَرَهم بِالهِجْرَةِ إلى يَثْرِبَ فَآواهم بِها، ثُمَّ صارَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِها أعْداءً لِلْمُشْرِكِينَ فَنَصَرَهم هُنالِكَ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فاللَّهُ

صفحة ٣٢٠

الَّذِي يَسَّرَ لَهم ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم فِيهِ كَسْبٌ أوْ تَعَمُّلٌ، أفَلا يَكُونُ ناصِرًا لَهم بَعْدَ أنِ ازْدادُوا وعَزُّوا وسَعَوْا لِلنَّصْرِ بِأسْبابِهِ، وأفَلا يَسْتَجِيبُونَ هم لَهُ إذا دَعاهم لِما يُحْيِيهِمْ وحالُهم أقْرَبُ إلى النَّصْرِ مِنها يَوْمَ …

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يُحَذِّرُهم مِنَ العِصْيانِ الخَفِيِّ، بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالطّاعَةِ والِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ حَذَّرَهم مِن أنْ يُظْهِرُوا الطّاعَةَ والِاسْتِجابَةَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ ويُبْطِنُوا المَعْصِيَةَ والخِلافَ في باطِنِهِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ وإنْ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ المُسْلِمِينَ خِيانَةٌ، وإنَّما هو تَحْذِيرٌ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، ورَوى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ السِّيَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ والكَلْبِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَسَألَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ الصُّلْحَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أبا لُبابَةَ وكانَ ولَدُهُ وعِيالُهُ ومالُهُ عِنْدَهم، فَلَمّا جاءَهم قالُوا لَهُ: ما تَرى أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ عَلى حَلْقِهِ: أنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ فَطِنَ أنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ»، وهَذا الخَبَرُ لَمْ

صفحة ٣٢٢

يَثْبُتْ في الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ السِّيَرِ والمُفَسِّرِينَ، فَإذا صَحَّ، وهو الأقْرَبُ كانَتِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِن وقْتِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِلافِ المُسْلِمِينَ في أمْرِ الأنْفالِ، فَإنَّ بَيْنَ الحادِثَتَيْنِ نَحْوًا مِن ثَلاثِ سِنِينَ، ويُقَرِّبُ هَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِنَ انْتِفاءِ وُقُوعِ خِيانَةٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

والخَوْنُ والخِيانَةُ: إبْطالُ ونَقْضُ ما وقَعَ عَلَيْهِ تَعاقُدٍ مِن دُونِ إعْلانٍ بِذَلِكَ النَّقْضِ، قالَ - تَعالى - ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] والخِيانَةُ ضِدَّ الوَفاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأصْلُ مَعْنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنُ في ضِدِّ الوَفاءِ لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ فِيهِ، أيْ واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتْمامِ بِالعَهْدِ، لِأنَّ مَن أنْجَزَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتَمَّ عَهْدَهُ فَلِذَلِكَ يُقالُ: أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ.

فالإيمانُ والطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ عَهْدٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَكَما حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ العَلَنِيَّةِ حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ الخَفِيَّةِ.

وتَشْمَلُ الخِيانَةُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهي داخِلَةٌ في ”لا تَخُونُوا“، لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ فَهي مُرادٌ مِن هَذا النَّهْيِ، فَتَشْمَلُ الغُلُولَ الَّذِي حامُوا حَوْلَهُ في قَضِيَّةِ الأنْفالِ، لِأنَّهم لَمّا سَألَ بَعْضُهُمُ النَّفَلَ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَتَتَبَّعُونَ آثارَ القَتْلى لِيَنْتَفِلُوا مِنهم، تَعَيَّنَ تَحْذِيرُهم مِنَ الغُلُولِ، فَذَلِكَ مُناسِبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ الآياتِ سَواءٌ صَحَّ ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أمْ كانَتْ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِقَرِيناتِها.

وفِعْلُ الخِيانَةِ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو …

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يُحَذِّرُهم مِنَ العِصْيانِ الخَفِيِّ، بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالطّاعَةِ والِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ حَذَّرَهم مِن أنْ يُظْهِرُوا الطّاعَةَ والِاسْتِجابَةَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ ويُبْطِنُوا المَعْصِيَةَ والخِلافَ في باطِنِهِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ وإنْ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ المُسْلِمِينَ خِيانَةٌ، وإنَّما هو تَحْذِيرٌ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، ورَوى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ السِّيَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ والكَلْبِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَسَألَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ الصُّلْحَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أبا لُبابَةَ وكانَ ولَدُهُ وعِيالُهُ ومالُهُ عِنْدَهم، فَلَمّا جاءَهم قالُوا لَهُ: ما تَرى أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ عَلى حَلْقِهِ: أنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ فَطِنَ أنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ»، وهَذا الخَبَرُ لَمْ

صفحة ٣٢٢

يَثْبُتْ في الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ السِّيَرِ والمُفَسِّرِينَ، فَإذا صَحَّ، وهو الأقْرَبُ كانَتِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِن وقْتِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِلافِ المُسْلِمِينَ في أمْرِ الأنْفالِ، فَإنَّ بَيْنَ الحادِثَتَيْنِ نَحْوًا مِن ثَلاثِ سِنِينَ، ويُقَرِّبُ هَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِنَ انْتِفاءِ وُقُوعِ خِيانَةٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

والخَوْنُ والخِيانَةُ: إبْطالُ ونَقْضُ ما وقَعَ عَلَيْهِ تَعاقُدٍ مِن دُونِ إعْلانٍ بِذَلِكَ النَّقْضِ، قالَ - تَعالى - ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] والخِيانَةُ ضِدَّ الوَفاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأصْلُ مَعْنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنُ في ضِدِّ الوَفاءِ لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ فِيهِ، أيْ واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتْمامِ بِالعَهْدِ، لِأنَّ مَن أنْجَزَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتَمَّ عَهْدَهُ فَلِذَلِكَ يُقالُ: أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ.

فالإيمانُ والطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ عَهْدٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَكَما حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ العَلَنِيَّةِ حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ الخَفِيَّةِ.

وتَشْمَلُ الخِيانَةُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهي داخِلَةٌ في ”لا تَخُونُوا“، لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ فَهي مُرادٌ مِن هَذا النَّهْيِ، فَتَشْمَلُ الغُلُولَ الَّذِي حامُوا حَوْلَهُ في قَضِيَّةِ الأنْفالِ، لِأنَّهم لَمّا سَألَ بَعْضُهُمُ النَّفَلَ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَتَتَبَّعُونَ آثارَ القَتْلى لِيَنْتَفِلُوا مِنهم، تَعَيَّنَ تَحْذِيرُهم مِنَ الغُلُولِ، فَذَلِكَ مُناسِبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ الآياتِ سَواءٌ صَحَّ ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أمْ كانَتْ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِقَرِيناتِها.

وفِعْلُ الخِيانَةِ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو …

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِالآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] الآيَةَ وما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ إلى هُنا.

وافْتُتِحَ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وخُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِوَصْفِ الإيمانِ تَذْكِيرًا لَهم بِعَهْدِ الإيمانِ وما يَقْتَضِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظائِرِهِ، وعَقِبَ التَّحْذِيرِ مِنَ العِصْيانِ والتَّنْبِيهِ عَلى سُوءِ عَواقِبِهِ، بِالتَّرْغِيبِ في التَّقْوى وبَيانِ حُسْنِ عاقِبَتِها وبِالوَعْدِ بِدَوامِ النَّصْرِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ إنْ هم دامُوا عَلى التَّقْوى.

فَفِعْلُ الشَّرْطِ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ، فَإنَّهم كانُوا مُتَّقِينَ، ولَكِنَّهم لَمّا حُذِّرُوا مِنَ المُخالَفَةِ والخِيانَةِ ناسَبَ أنْ تُفْرَضَ لَهُمُ الطّاعَةُ في مُقابِلِ ذَلِكَ.

ولَقَدْ بَدا حُسْنُ المُناسَبَةِ إذْ رُتِّبَتْ عَلى المَنهِيّاتِ تَحْذِيراتٌ مِن شُرُورٍ وأضْرارٍ

صفحة ٣٢٦

مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ، ورُتِّبَ عَلى التَّقْوى: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وسَعَةُ الفَضْلِ.

والفُرْقانُ أصْلُهُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ والبُهْتانِ، وهو ما يُفَرِّقُ أيْ يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، وقَدْ أُطْلِقَ بِالخُصُوصِ عَلى أنْواعٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ فَأُطْلِقَ عَلى النَّصْرِ، لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حالَيْنِ كانا مُحْتَمَلَيْنِ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرِ، ولُقِّبَ القُرْآنُ بِالفُرْقانِ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ - تَعالى - ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ هُنا لِقَصْدِ شُمُولِهِ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ مِن مَعانِيهِ، فَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصْرِ، وعَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، الفُرْقانُ: المَخْرَجُ، وفي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ أنَّهم سَألُوا مالِكًا عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: مَخْرَجًا، ثُمَّ قَرَأ ”﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]“ . وفُسِّرَ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ في الأحْوالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيها التَّمايُزُ في أحْوالِ الدُّنْيا، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ أحْوالُ النَّفْسِ: مِنَ الهِدايَةِ، والمَعْرِفَةِ، والرِّضى، وانْشِراحِ القَلْبِ، وإزالَةِ الحِقْدِ والغِلِّ والحَسَدِ بَيْنَهم، والمَكْرِ والخِداعِ وذَمِيمِ الخَلائِقِ.

وقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ ”لَكم“ أنَّ الفُرْقانَ شَيْءٌ نافِعٌ لَهم، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما فِيهِ مَخْرَجٌ لَهم ونَجاةٌ مِنَ التِباسِ الأحْوالِ وارْتِباكِ الأُمُورِ وانْبِهامِ المَقاصِدِ، فَيَئُولُ إلى اسْتِقامَةِ أحْوالِ الحَياةِ، حَتّى يَكُونُوا مُطْمَئِنِّي البالِ مُنْشَرِحِي الخاطِرِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونُوا مَنصُورِينَ، غالِبِينَ، بُصَراءَ بِالأُمُورِ، كَمَلَةَ الأخْلاقِ، سائِرِينَ في طَرِيقِ الحَقِّ والرُّشْدِ، وذَلِكَ هو مِلاكُ اسْتِقامَةِ الأُمَمِ، فاخْتِيارُ الفُرْقانِ هُنا لِأنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي لا يُؤَدِّي غَيْرُهُ مُؤَدّاهُ في هَذا الغَرَضِ وذَلِكَ مِن تَمامِ …

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ مِن قَصَصِ تَأْيِيدِ اللَّهِ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونَ إذْ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ في القُرْآنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] فَهو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”اذْكُرُوا“ مِن قَوْلِهِ ”واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ“، فَإنَّ المَكْرَ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَكْرٌ بِالمُسْلِمِينَ ويَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، فَهَذا تَعْدادٌ لِنِعَمِ النَّصْرِ، الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى رَسُولِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، في أحْوالٍ ما كانَ يَظُنُّ النّاسُ أنْ سَيَجِدُوا مِنها مَخْلَصًا، وهَذِهِ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ . والإنْعامُ بِحَياتِهِ وسَلامَتِهِ نِعْمَةٌ تَشْمَلُ المُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهَذا تَذْكِيرٌ بِأيّامِ مُقامِهِمْ بِمَكَّةَ، وما لاقاهُ المُسْلِمُونَ عُمُومًا وما لاقاهُ النَّبِيءُ ﷺ خُصُوصًا وأنَّ سَلامَةَ النَّبِيءِ ﷺ سَلامَةٌ لِأُمَّتِهِ.

والمَكْرُ إيقاعُ الضُّرِّ خُفْيَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في مَوْضِعِ الماضِي الَّذِي هو الغالِبُ مَعَ ”إذْ“ اسْتِحْضارٌ لِلْحالَةِ الَّتِي دَبَّرُوا فِيها المَكْرَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]

ومَعْنى لِيُثْبِتُوكَ لِيَحْبِسُوكَ. يُقالُ أثْبَتَهُ إذا حَبَسَهُ ومَنَعَهُ مِنَ الحَرَكَةِ وأوْثَقَهُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في يُثْبِتُوكَ، ويَقْتُلُوكَ، ويُخْرِجُوكَ، لِأنَّ تِلْكَ الأفْعالَ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ المَكْرِ، إذْ غايَةُ مَكْرِهِمْ تَحْصِيلُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ.

وأشارَتِ الآيَةُ إلى تَرَدُّدِ قُرَيْشٍ في أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا

صفحة ٣٢٨

لِلتَّشاوُرِ في ذَلِكَ بِدارِ النَّدْوَةِ في الأيّامِ الأخِيرَةِ قُبَيْلَ هِجْرَتِهِ، فَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوَثائِقِ وسُدُّوا عَلَيْهِ بابَ بَيْتٍ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إلَيْهِ مِنها الطَّعامَ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: أرى أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ بَطْنٍ في قُرَيْشٍ فَتًى جَلْدًا فَيَجْتَمِعُونَ ثُمَّ يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم سَيْفًا ويَأْتُونَ مُحَمَّدًا في بَيْتِهِ فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ بِأسْرِها فَيَأْخُذُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ مِنهُ، وقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: الرَّأْيُ أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ وتُخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ.

ومَوْقِعُ الواوِ في قَوْلِهِ ”ويَمْكُرُونَ“ لَمْ أرَ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ عَرَّجَ عَلى بَيانِهِ وهي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي حالٌ مُؤَسَّسَةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِها مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها، وهي جُمْلَةُ ”ويَمْكُرُ اللَّهُ“ فَقَوْلُهُ ”﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾“ هو مَناطُ الفائِدَةِ مِنَ الحالِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.