وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
صفحة ٣٠٢
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾
لَمّا أراهُمُ اللَّهُ آياتِ لُطْفِهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ، ورَأوْا فَوائِدَ امْتِثالِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، وقَدْ كانُوا كارِهِينَ الخُرُوجَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ، واعْتِبارًا بِأنَّ ما يَأْمُرُهم بِهِ خَيْرٌ عَواقِبُهُ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .
وفِي هَذا رُجُوعٌ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ رُجُوعُ الخَطِيبِ إلى مُقَدِّمَةِ كَلامِهِ ودَلِيلِهِ لِيَأْخُذَها بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ في صُورَةِ نَتِيجَةٍ أسْفَرَ عَنْها احْتِجاجُهُ، لِأنَّ مَطْلُوبَ القِياسِ هو عَيْنُ النَّتِيجَةِ، فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَقَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ في سِياقِ تَرْجِيحِ ما أمَرَهم بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِذَلِكَ بِحادِثَةِ كَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ في بَدْءِ الأمْرِ ومُجادَلَتِهِمْ لِلرَّغْبَةِ في عَدَمِهِ، ثُمَّ حادِثَةِ اخْتِيارِهِمْ لِقاءَ العِيرِ دُونَ لِقاءِ النَّفِيرِ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، وما نَجَمَ عَنْ طاعَتِهِمُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومُخالَفَتِهِمْ هَواهم ذَلِكَ مِنَ النَّصْرِ العَظِيمِ والغُنْمِ الوَفِيرِ لَهم مَعَ نَزارَةِ الرَّزْءِ، ومِنَ التَّأْيِيدِ المُبِينِ لِلرَّسُولِ ﷺ، والتَّأْسِيسِ لِإقْرارِ دِينِهِ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ”وكَيْفَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ العَجِيبِ لَمّا أطاعُوهُ وانْخَلَعُوا عَنْ هَواهم، وكَيْفَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. والمُشاقَّةُ ضِدُّ الطّاعَةِ تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوُجُوبِ التَّبَرُّؤِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ عِصْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِأمْرٍ شَدِيدٍ عَلى النُّفُوسِ ألا وهو“ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ”وأظْهَرَ لَهم ما كانَ مِن عَجِيبِ النَّصْرِ لَمّا ثَبَتُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ“ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ”، وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ هم أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعادَةِ أمْرِهِمْ بِأنْ
صفحة ٣٠٣
يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا يَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فَذْلَكَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ المَوْعِظَةِ الواقِعَةِ بِطُولِها عَقِبَ قَوْلِهِ“ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ”وذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي فَصْلَ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.
وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِينَ قَصْدًا لِإحْضارِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ ما سَيُقالُ لَهم، فَنَزَّلَ الحاضِرَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَطَلَبَ حُضُورَهُ بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِطَلَبِ الإقْبالِ. …