Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ .

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ أيِ: ادْعُوا السَّماعَ ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ، وهُمُ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ.

فالمَنفِيُّ سَماعٌ خاصٌّ، لَكِنَّهُ أتى بِهِ مُطْلَقًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا، بِجَعْلِ سَماعِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ. وقِيلَ: السَّماعُ عَنِ التَّصْدِيقِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا تَوَلَّيْتُمْ عَنْ طاعَةِ الرَّسُولِ في بَعْضِ الأُمُورِ، مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ وغَيْرِها، كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، وأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُؤْمِنُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى سُوءَ حالِ المُشَبَّهِ بِهِمْ، مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، وتَقْدِيرًا لِلنَّهْيِ، بِقَوْلِهِ:

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيْ: ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أوْ شَرَّ البَهائِمِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أيْ: عَنْ سَماعِ الحَقِّ ﴿البُكْمُ﴾ أيْ: عَنِ النُّطْقِ بِهِ ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَهُ، جَعَلَهم تَعالى مِن جِنْسِ البَهائِمِ، لِصَرْفِهِمْ جَوارِحَهم عَمّا خُلِقَتْ لَهُ، ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها لِأنَّهم عانَدُوا بَعْدَ الفَهْمِ، وكابَرُوا بَعْدَ العَقْلِ، وفي ذِكْرِهِمْ في مَعْرِضِ التَّشْبِيهِ بِهَذا الأُسْلُوبِ غايَةٌ في الذَّمِّ.

وقَدْ كَثُرَ في التَّنْزِيلِ تَشْبِيهُ الكافِرِينَ بِنَحْوِ هَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ ﴿خَيْرًا﴾ صِدْقًا ورَغْبَةً، ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ أيِ: الحُجَجَ والمَواعِظَ، سَماعَ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، أيْ: لَجَعَلَهم سامِعِينَ حَتّى يَسْمَعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ، أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، لِخُلُوِّهِمْ عَنْهُ بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يُسْمِعْهم كَذَلِكَ، لِخُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ وخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: ولَوْ أسْمَعُهم سَماعَ تَفَهُّمٍ، وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ العارِيَةِ عَنِ الخَيْرِ بِالكُلِّيَّةِ، لَتَوَلَّوْا عَمّا سَمِعُوهُ مِنَ الحَقِّ.

﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: عَنْ قَبُولِهِ جُحُودًا وعِنادًا.

قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ ما كانَ حاصِلًا، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَعَدَمُ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، مِن لَوازِمِ عَدَمِهِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ.

تَنْبِيهٌ:

قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ في الآيَةِ مُقَدِّمَتا قِياسٍ اقْتِرانِيٍّ، هَكَذا: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، يَنْتِجُ: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَتَوَلَّوْا، وفَسادُهُ بَيِّنٌ.

وأُجِيبُ: بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ النَّتِيجَةَ الفاسِدَةَ لَوْ كانَتِ الثّانِيَةُ كُلِّيَّةً، وهو مَمْنُوعٌ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا المَنعَ، وإنْ صَحَّ في قانُونِ النَّظَرِ، إلّا أنَّهُ خَطَأٌ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، لِابْتِنائِهِ عَلى أنَّ المَذْكُورَ قِياسٌ مَفْقُودُ شَرائِطِ الإنْتاجِ، ولا مَساغَ لِحَمْلِ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وأُجِيبُ: بِأنَّ المُرادَ مَنعُ كَوْنِ القَصْدِ إلى تَرْتِيبِ قِياسٍ، لِانْتِفاءِ شَرْطٍ، لا أنَّهُ قِياسٌ فَقَدَ شَرْطَهُ، كَما أنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ عَدَمُ تَكْرارِ الوَسَطِ أيْضًا، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدُ الأُولى، إذْ مَآلُهُ إلى أنَّهُ انْتَفى الإسْماعُ، لِعَدَمِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِمْ، ولَوْ وقَعَ الإسْماعُ، لا تَحْصُلُ الخَيْرِيَّةُ فِيهِمْ، لِعَدَمِ قابِلِيَّةِ المَحَلِّ. كَذا في " العِنايَةِ " .

وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم تَصْحِيحَ كَوْنِها قِياسًا شَرْطِيًّا، مُتَّحِدَ الوَسَطِ، صَحِيحَ الإنْتاجِ، بِتَقْدِيرِ: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا في وقْتٍ، لَتَوَلَّوْا بَعْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ: بِمَعْنى الإجابَةِ. قالَ:

؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

( يُرِيدُ: فَلَمْ يَجُبْهُ.

وقائِلُهُ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ، والقَصِيدَةُ في الأصْمَعِيّاتِ رَقْمَ ١٤ ) .

والمُرادُ بِها الطّاعَةُ والِامْتِثالُ، وإنَّما وحَّدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿دَعاكُمْ﴾ - أيِ: الرَّسُولُ - لِأنَّهُ هو المُباشِرُ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ اسْتِجابَتَهُ ﷺ، كاسْتِجابَتِهِ تَعالى، وإنَّما يُذْكَرُ أحَدُهُما مَعَ الآخَرِ لِلتَّوْكِيدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - فِيما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ - أيْ: لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكم بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكم مِن عَدُوِّكم بَعْدَ القَهْرِ مِنهم لَكم.

وإنَّما سُمِّيَ الجِهادُ حَياةً، لِأنَّ في وهَنِ عَدُوِّهِمْ بِسَبَبِهِ حَياةً لَهم وقُوَّةً، أوْ لِأنَّهُ سَبَبُ الشَّهادَةِ المُوجِبَةِ لِلْحَياةِ الدّائِمَةِ، أوْ سَبَبُ المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هي مَعْدِنُ الحَياةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أيِ: الحَياةُ الدّائِمَةُ، فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا، بِإطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، أوِ اسْتِعارَةً. وقِيلَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي هي مَناطُ حَياةِ القَلْبِ، كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتُهُ.

قالَ الشِّهابُ: وإطْلاقُ الحَياةِ عَلى العِلْمِ، والمَوْتِ عَلى الجَهْلِ اسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ، ذَكَرَها الأُدَباءُ، وأهْلُ المَعانِي. وأنْشَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِبَعْضِهِمْ:

؎لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حُلَّتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ، وثَوْبُهُ كَفَنُ

وقَدْ ألَمَّ فِيهِ بِقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ، مِن قَصِيدَتِهِ الَّتِي أوَّلُها:

؎أفاضِلُ النّاسِ أغْراضٌ لِذا الزَّمَنِ ∗∗∗ يَخْلُو مِنَ الهَمِّ أخْلاهم مِنَ الفِطَنِ

ومِنها

؎لا تُعْجِبَنَّ مُضِيمًا حُسْنُ بَزَّتِهِ ∗∗∗ وهَلْ تَرُوقُ دَفِينًا جَوْدَةُ الكَفَنِ

والأظْهَرُ أنْ يُعْنى بِـ (ما يُحْيِيكم)، ما يُصْلِحُكم مِن أعْمالِ البِرِّ والطّاعَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ وغَيْرُهُ.

تَنْبِيهٌ:

اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ إجابَتِهِ إذا نادى أحَدًا وهو في الصَّلاةِ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ، فَدَعانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ الآيَةَ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ المَعانِي.

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى يَمْلِكُ عَلى المَرْءِ قَلْبَهُ فَيَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، فَيَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، إنْ أرادَ هِدايَتَهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ، إنْ أرادَ ضَلالَتَهُ، وهَذا المَعْنى رَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وصَحَّحَهُ، وقالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.

ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: «يا …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ الفِتْنَةُ: إمّا بِمَعْنى الذَّنْبِ كَإقْرارِ المُنْكَرِ، وافْتِراقِ الكَلِمَةِ والتَّكاسُلِ في الجِهادِ وإمّا بِمَعْنى العَذابِ.

فَإنْ أُرِيدَ الذَّنْبُ فَإصابَتُهُ بِإصابَةِ أثَرِهِ، وإنْ أُرِيدَ العَذابُ، فَإصابَتُهُ بِنَفْسِهِ.

و: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ، أيْ: إنَّ إصابَتَكم لا تَخْتَصُّ إصابَتَها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم، بَلْ تَشْمَلُهم وغَيْرَهم بِشُؤْمِ صُحْبَتِهِمْ، وتَعَدِّي رَذِيلَتِهِمْ إلى مَن يُخالِطُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ [الروم: ٤١] قالَهُ القاشانِيُّ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جَرِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن قَوْمٍ يُعْلَمُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي هم أعَزُّ وأكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرُوهُ، إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» .

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ وحُذَيْفَةَ والنُّعْمانِ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ.

قالَ الكَرْخِيُّ: ولا يَسْتَشْكِلُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] لِأنَّ النّاسَ إذا تَظاهَرُوا بِالمُنْكَرِ، فالواجِبُ عَلى كُلِّ مَن رَآهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، إذا كانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ فَإذا سَكَتَ فَكُلُّهم عُصاةٌ. هَذا يَفْعَلُهُ، وهَذا بِرِضاهُ. وقَدْ جَعَلَ تَعالى، بِحِكْمَتِهِ الرّاضِيَ بِمَنزِلَةِ العامِلِ، فانْتَظَمَ في العُقُوبَةِ. انْتَهى.

وذَكَرَ القَسْطَلانِيُّ: أنَّ عَلامَةَ الرِّضا بِالمُنْكَرِ عَدَمُ التَّألُّمِ مِنَ الخَلَلِ الَّذِي يَقَعُ في الدِّينِ بِفِعْلِ المَعاصِي، فَلا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ الإنْسانِ كارِهًا لَهُ، إلّا إذا تَألَّمَ لِلْخَلَلِ الَّذِي يَقَعُ في الدِّينِ، كَما يَتَألَّمُ ويَتَوَجَّعُ لِفَقْدِ مالِهِ أوْ ولَدِهِ، فَكُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الحالَةِ فَهو راضٍ بِالمُنْكَرِ، فَتَعُمُّهُ العُقُوبَةُ والمُصِيبَةُ بِهَذا الِاعْتِبارِ. انْتَهى.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ألّا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَيَعُمُّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن يُخالِفُ أوامِرَهُ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، حَيْثُ كانُوا قَلِيلِينَ فَكَثَّرَهم، مُسْتَضْعَفِينَ خائِفِينَ فَقَوّاهم ونَصَرَهم، ورَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، لِيَشْكُرُوهُ بِدَوامِ الطّاعَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

﴿واذْكُرُوا﴾ أيْ: يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ ﴿إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أيْ: في العَدَدِ، ﴿مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: مَقْهُورُونَ في أرْضِ مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، تَسْتَضْعِفُكم قُرَيْشٌ ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ.

و(تَخَطَّفَهُ) و(اخْتَطَفَهُ) بِمَعْنى اسْتَلَبَهُ وأخَذَهُ بِسُرْعَةٍ ﴿فَآواكُمْ﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ يَعْنِي أعانَكم وقَوّاكم يَوْمَ بَدْرٍ بِنَصْرِهِ، وذَلِكَ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، وإمْدادِ المَلائِكَةِ، والتَّثْبِيتِ الرَّبّانِيِّ، ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: الغَنائِمِ لِأنَّها لَمْ تَطِبْ إلّا لَهم ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيِ: المَوْلى عَلى ما فَضَّلَ بِهِ وأوْلى.

وما ذَكَّرْنا مِن كَوْنِ الخِطابِ في الآيَةِ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً، هو أنْسَبُ بِالمَقامِ والسِّياقِ، والسِّياقُ يُشْعِرُ بِهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْعَرَبِ كافَّةً وعَلَيْهِ قَوْلُ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السَّدُوسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هَذِهِ الآيَةِ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأثْبَتَهُ ضَلالًا.

واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِ أهْلِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانُوا أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ. وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ. انْتَهى.

وأقُولُ: الأمْرُ في العَرَبِ، وإنْ كانَ كَما ذُكِرَ، لَكِنْ في تَنْزِيلِ بَعْضِ ألْفاظِ الآيَةِ عَلَيْهِ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى فالظّاهِرُ ما ذَكَرْنا.

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهم تَعالى بِإسْباغِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ لِيَشْكُرُوهُ، وكانَ مِن شُكْرِهِ الوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهِ، بَيَّنَ لَهم ما يُحْذَرُ مِنها، وهو الخِيانَةُ.

ويَدْخُلُ في خِيانَةِ اللَّهِ تَعْطِيلُ فَرائِضِهِ، ومُجاوَزَةُ حُدُودِهِ، وفي خِيانَةِ رَسُولِهِ رَفْضُ سُنَّتِهِ، وإفْشاءُ سِرِّهِ لِلْمُشْرِكِينَ. وفي خِيانَةِ أمانَتِهِمُ الغُلُولُ في المَغانِمِ، أيِ: السَّرِقَةُ مِنها، وخِيانَةُ كُلِّ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ النّاسُ مِن مالٍ أوْ أهْلٍ أوْ سِرٍّ، وكُلُّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ.

وقَدْ رُوِيَ في نُزُولِ الآيَةِ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرْنا. ولَفْظُ الآيَةِ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُهُ وغَيْرَهُ.

ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ حِينَ حاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْظَةَ وأمَرَهم أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فاسْتَشارَ قُرَيْظَةَ مِن أبِي لُبابَةَ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، وكانَ أهْلُ أبِي لُبابَةَ وأمْوالُهُ فِيهِمْ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ - أنَّهُ الذَّبْحُ - قالَ أبُو لُبابَةَ: ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ حَلَفَ ألّا يَذُوقَ ذَواقًا حَتّى يَمُوتَ، أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وانْطَلَقَ إلى المَسْجِدِ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ، فَمَكَثَ أيّامًا، حَتّى كانَ يَخِرُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنَ الجَهْدِ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وحَلَفَ لا يَحِلُّهُ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَحَلَّهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً، فَقالَ: ««يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَصَدَّقَ بِهِ»» .

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّ هَذا السَّبَبُ عَلى جَوازِ إظْهارِ الجَزَعِ عَلى المَعْصِيَةِ، وإتْعابِ النَّفْسِ وتَوْبِيخِها، لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلى أبِي لُبابَةَ.

ودَلَّ عَلى أنَّهُ يُسْتَحَبُّ إتْباعُ المَعْصِيَةِ بِالصَّدَقَةِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «يَجْزِيكَ ثُلُثُ مالِكَ»، وهَذا سَبِيلُ قَوْلِهِ في هُودٍ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤]

وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَنْبَ العالِمِ بِالخَطِيئَةِ أعْظَمُ مِنهُ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَبِعَةَ ذَلِكَ ووَبالَهُ.

قالَ الرّازِيُّ: ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ الدّاعِي إلى الإقْدامِ عَلى الخِيانَةِ هو حُبَّ الأمْوالِ والأوْلادِ، نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ المَضارَّةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن ذَلِكَ الحُبِّ فَقالَ:

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ لِيَبْلُوَكم، هَلْ تَقَعُونَ بِهِما في الخِيانَةِ، أوْ تَتْرُكُونَ لَهُما الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، أوْ لا تُلْهَوْنَ بِهِما عَنْ ذِكْرِهِ ولا تَعْتاضُونَ بِهِما مِنهُ.

فَسُمُّوا (فِتْنَةً) اعْتِبارًا بِما يَنالُ الإنْسانَ مِنَ الِاخْتِبارِ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (بِالفِتْنَةِ) الإثْمُ أوِ العَذابُ، فَإنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في ذَلِكَ.

قالَ الحاكِمُ: قَدْ أمَرَ اللَّهُ بِالعِلْمِ بِذَلِكَ، وطَرِيقُ العِلْمِ بِهِ التَّفَكُّرُ في أحْوالِهِما وزَوالِهِما، وقِلَّةُ الِانْتِفاعِ بِهِما، وكَثْرَةُ الضَّرَرِ، وأنَّهُ قَدْ يَعْصِي اللَّهَ بِسَبَبِهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن آثَرَ رِضاهُ عَلى جَمْعِ المالِ وحُبِّ الوَلَدِ، فَلَمْ يُوَرِّطْ نَفْسَهُ مِن أجْلِهِما.

وقَدْ جاءَ التَّحْذِيرُ مِن فِتْنَتِهِما صَراحَةً مَعَ التَّرْهِيبِ الشَّدِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ، وما فَرَطَ مِنهُ لِأجْلِ مالِهِ ووَلَدِهِ.

ولَمّا حَذَّرَ تَعالى فِيمَ تَقَدَّمَ عَنِ الفِتْنَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، بَشَّرَ مَنِ اتَّقاهُ في الِافْتِتانِ بِهِما، وفي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ:

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

قالَ المَهايِمِيُّ: أشارَ تَعالى إلى أنَّ مَن تَرَكَ الخِيانَةَ واسْتَجابَ لِلَّهِ، فَلا يَخافُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ وعِرْضِهِ، أيْ: كَما خافَ أبُو لُبابَةَ.

فَإنَّ مَنِ اتَّقاهُ تَعالى فَلا يَجْتَرِئُ أحَدٌ عَلى أهْلِهِ وحَوْزَتِهِ، لِأنَّهُ يُؤْتى فُرْقانًا يُفارِقُ بِهِ سائِرَ النّاسِ مِنَ المَهابَةِ والإعْزازِ. انْتَهى.

وقِيلَ: ﴿فُرْقانًا﴾ أيْ: نَصْرًا، لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبَيْنَ الكُفْرِ بِإذْلالِ حِزْبِهِ، والإسْلامِ بِإعْزازِ أهْلِهِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وقِيلَ: بَيانًا وُظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم، ويَبُثُّ صِيتَكم وآثارَكم في أقْطارِ الأرْضِ مِن قَوْلِهِمْ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيْ: طَلَعَ الفَجْرُ.

وقِيلَ: فَصْلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ومُخْرِجًا مِنَ الشُّبُهاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]

والفُرْقانُ (كالفَرْقِ) مَصْدَرُ (فَرَقَ)، أيْ: فَصَلَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، سَواءٌ كانَ بِما يُدْرِكُهُ البَصَرُ، أوْ بِما تُدْرِكُهُ البَصِيرَةُ، إلّا أنَّ الفُرْقانَ أبْلَغُ، لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحُجَّةِ والشُّبْهَةِ.

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

لَمّا ذَكَّرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] ذَكَّرَ النَّبِيَّ ﷺ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ خاصَّةً، في حِفْظِهِ مِن مَكْرِ قُرَيْشٍ بِهِ لِيَشْكُرَهُ تَعالى في نَجاتِهِ مِن مَكْرِهِمْ، واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ «أنَّ قُرَيْشًا، لَمّا أسْلَمَتِ الأنْصارُ، وأخَذَ نُورُ الإسْلامِ في الِانْتِشارِ، فَرَقُوا أنْ يَتَفاقَمَ أمْرُهُ، فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ - (وهي دارٌ بَناها قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ لِيُصْلِحَ فِيها بَيْنَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ صارَتْ لِمُشاوَرَتِهِمْ، وهي الآنَ مَقامُ الحَنَفِيِّ، والنَّدْوَةُ الجَماعَةُ مِنَ القَوْمِ، ونَدا بِالمَكانِ اجْتَمَعَ فِيهِ، ومِنهُ النّادِي) - لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِهِ ﷺ .

فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ، وتَشُدُّوا وثاقَهُ، وتَسُدُّوا بابَهُ، غَيْرَ كُوَّةٍ، تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها، وتَتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ.

وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أيْ: لِيَحْبِسُوكَ ويُوثِقُوكَ، لِأنَّ كُلَّ مَن حَبَسَ شَيْئًا ورَبَطَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ ثابِتًا لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ مِنهُ.

ثُمَّ اعْتَرَضَ هَذا الرَّأْيَ شَيْخٌ نَجْدِيٌّ دَخَلَ مَعَهم، فَقالَ: بِئْسَ الرَّأْيُ ! يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ، ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكم ! ثُمَّ قالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلِهِ، وتُخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم، فَلا يَسُرُّكم ما صَنَعَ، واسْتَرَحْتُمْ.

وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ النَّجْدِيُّ أيْضًا بِقَوْلِهِ: بِئْسَ الرَّأْيُ ! يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم، ويُقاتِلُكم بِهِمْ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ -: أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا، وتُعْطُوهُ سَيْفًا، فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشِ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ واسْتَرَحْنا، وهَذا ما ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾

ثُمَّ قالَ النَّجْدِيُّ اللَّعِينُ: صَدَقَ هَذا الفَتى، هو أجْوَدُكم رَأْيًا، فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِ أبِي جَهْلٍ، مَجْمِعِينَ عَلى قَتْلِهِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأذِنَ اللَّهُ لَهُ في الهِجْرَةِ، فَأمَرَ عَلِيًّا، فَنامَ في مَضْجَعِهِ، وقالَ لَهُ: اتَّشِحْ بِبُرْدَتِي، فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ أمْرٌ تَكْرَهُهُ.

ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ عَنْهُ، وجَعَلَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُؤُوسِهِمْ وهو يَقْرَأُ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]

ومَضى مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى الغارِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا، يَحْسَبُونَ أنَّهُ النَّبِيُّ. فَلَمّا أصْبَحُوا سارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَرَأوْا عَلِيًّا، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ! فاتَّبَعُوا …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.