Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِتَأْدِيبِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم ماذا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَمّا كانَ واقِعًا في الجِهادِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ دُعاءَهُ إلى الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ الجِهادَ اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ.

والثّانِي: الفَوْزُ بِالأمْوالِ.

ولَمّا كانَتِ المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، وكانَ تَرْكُ المالِ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ شاقًّا شَدِيدًا، لا جَرَمَ بالَغَ اللَّهُ تَعالى في التَّأْدِيبِ في هَذا البابِ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الإجابَةِ إلى الجِهادِ، وفي الإجابَةِ إلى تَرْكِ المالِ إذا أمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ، والمَقْصُودُ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ فَجَعَلَ الكِنايَةَ واحِدَةً مَعَ أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ .

صفحة ١١٦

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وبِطاعَةِ رَسُولِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا﴾ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وعَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وعَنْ مَعُونَتِهِ في الجِهادِ.

ثُمَّ قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْبَلَ التَّكْلِيفَ وأنْ يَلْتَزِمَهُ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْمَعَهُ، فَجَعَلَ السَّماعَ كِنايَةً عَنِ القَبُولِ، ومِنهُ قَوْلُهم سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ أنّا قَبِلْنا تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم بِقُلُوبِهِمْ لا يَقْبَلُونَها. وهو صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الدَّوابِّ، فَقِيلَ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ لِجَهْلِهِمْ وعُدُولِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَقُولُونَ ويُقالُ لَهُمْ؛ ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ وبِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. وقِيلَ: بَلْ هم مِنَ الدَّوابِّ لِأنَّهُ اسْمٌ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في مَعْرِضِ التَّشْبِيهِ، بَلْ وصَفَهم بِصِفَةٍ تَلِيقُ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، كَما يُقالُ لِمَن لا يَفْهَمُ الكَلامَ هو شَبَحٌ وجَسَدٌ وطَلَلٌ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَعَدَمُ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ مِن …

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِتَأْدِيبِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم ماذا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَمّا كانَ واقِعًا في الجِهادِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ دُعاءَهُ إلى الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ الجِهادَ اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ.

والثّانِي: الفَوْزُ بِالأمْوالِ.

ولَمّا كانَتِ المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، وكانَ تَرْكُ المالِ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ شاقًّا شَدِيدًا، لا جَرَمَ بالَغَ اللَّهُ تَعالى في التَّأْدِيبِ في هَذا البابِ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الإجابَةِ إلى الجِهادِ، وفي الإجابَةِ إلى تَرْكِ المالِ إذا أمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ، والمَقْصُودُ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ فَجَعَلَ الكِنايَةَ واحِدَةً مَعَ أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ .

صفحة ١١٦

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وبِطاعَةِ رَسُولِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا﴾ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وعَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وعَنْ مَعُونَتِهِ في الجِهادِ.

ثُمَّ قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْبَلَ التَّكْلِيفَ وأنْ يَلْتَزِمَهُ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْمَعَهُ، فَجَعَلَ السَّماعَ كِنايَةً عَنِ القَبُولِ، ومِنهُ قَوْلُهم سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ أنّا قَبِلْنا تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم بِقُلُوبِهِمْ لا يَقْبَلُونَها. وهو صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الدَّوابِّ، فَقِيلَ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ لِجَهْلِهِمْ وعُدُولِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَقُولُونَ ويُقالُ لَهُمْ؛ ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ وبِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. وقِيلَ: بَلْ هم مِنَ الدَّوابِّ لِأنَّهُ اسْمٌ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في مَعْرِضِ التَّشْبِيهِ، بَلْ وصَفَهم بِصِفَةٍ تَلِيقُ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، كَما يُقالُ لِمَن لا يَفْهَمُ الكَلامَ هو شَبَحٌ وجَسَدٌ وطَلَلٌ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَعَدَمُ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ مِن …

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ الدَّلائِلِ وبِالإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وأنَّهم لا يَقْبَلُونَهُ البَتَّةَ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ البَتَّةَ. فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، لِأنَّهُ لَوْ صَدَرَ الإيمانُ لَكانَ إمّا أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ الإيمانُ مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا أوْ مَعَ انْقِلابِهِ كَذِبًا، والأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ الإخْبارِ بِعَدَمِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ.

والثّانِي مُحالٌ، لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا مُحالٌ، لا سِيَّما في الزَّمانِ الماضِي المُنْقَضِي، وهَكَذا القَوْلُ في انْقِلابِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا، وتَقْرِيرُهُ سَبَقَ مِرارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ: كَلِمَةُ﴿ولَوْ﴾ وُضِعَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِأجْلِ انْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، أفادَ أنَّهُ ما حَصَلَ المَجِيءُ، وما حَصَلَ الإكْرامُ. ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الِاسْتِلْزامَ، فَأمّا الِانْتِفاءُ لِأجْلِ انْتِفاءِ الغَيْرِ، فَلا يُفِيدُهُ هَذا اللَّفْظُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ، فَهي هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ لَوْ أفادَتْ ما ذَكَرُوهُ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أسْمَعَهم. ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ فَيَكُونُ مَعْناهُ: أنَّهُ ما أسْمَعَهم وأنَّهم ما تَوَلَّوْا؛ لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَلِّي خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، فَأوَّلُ الكَلامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَيْرِ، وآخِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الخَيْرِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ يُوجِبُ هَذا التَّناقُضَ، فَوَجَبَ أنْ

صفحة ١١٧

لا يُصارَ إلَيْهِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» “ فَلَوْ كانَتْ لَفْظَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ ما ذَكَرُوهُ لَصارَ المَعْنى أنَّهُ خافَ اللَّهَ وعَصاهُ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ﴿ولَوْ﴾ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وإنَّما تُفِيدُ مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ أحْسَنُ إلّا أنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِ جُمْهُورِ الأُدَباءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:

أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ.

والثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُ.

الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمُقَدَّرِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو العِلْمُ بِالمُقَدَّراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحَشْرِ: ١٢] فَعَلِمَ تَعالى في …

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ مَعْناهُ أجِيبُوا وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلٍ فَقَدْ دَعاهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإجابَةِ في كُلِّ ما دَعاهُ اللَّهُ إلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ ؟ وهَلِ النِّزاعُ إلّا فِيهِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ هَذا الكَلامِ إلى إثْباتِ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِناءً عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، وهو يَقْتَضِي إثْباتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ.

والجَوابُ: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهو مُرَغَّبٌ فِيهِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى كانَ هَذا جارِيًا مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ وأنَّهُ عَبَثٌ،

صفحة ١١٨

فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهي الوُجُوبُ صَوْنًا لِهَذا النَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جارٍ مَجْرى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالإيجابِ.

الوَجْهُ الثّانِي: في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ هَذا المَطْلُوبِ، ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى بابِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَناداهُ وهو في الصَّلاةِ فَعَجَّلَ في صَلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ”ما مَنَعَكَ عَنْ إجابَتِي“ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قالَ: ”ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ“ فَقالَ: لا جَرَمَ لا تَدْعُونِي إلّا أُجِيبُكَ»، والِاسْتِدْلالُ بِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَعاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ لامَهُ عَلى تَرْكِ الإجابَةِ، وتَمَسَّكَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ اللَّوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَلَوْلا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ، وإلّا لَما صَحَّ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ مَسْألَةُ أنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الوُجُوبَ مَسْألَةٌ قَطْعِيَّةٌ، فَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِيها بِخَبَرِ الواحِدِ ضَعِيفٌ، لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَسْألَةَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ مَسْألَةٌ قَطْعِيَّةٌ، بَلْ هي عِنْدَنا مَسْألَةٌ ظَنِّيَّةٌ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها العَمَلُ، والدَّلائِلُ الظَّنِّيَّةُ كافِيَةٌ في المَطالِبِ العَمَلِيَّةِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى ما أمَرَ بِالإجابَةِ عَلى الإطْلاقِ بَلْ بِشَرْطٍ خاصٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ هَذا الشَّرْطَ حاصِلٌ في جَمِيعِ الأوامِرِ ؟ .

قُلْنا: قِصَّةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ وغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ، وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَياةِ هَهُنا عَلى نَفْسِ الحَياةِ؛ لِأنَّ إحْياءَ الحَيِّ مُحالٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ وهو الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وكُلُّ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ ورَغَّبَ فِيهِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى ثَوابٍ، …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما حَذَّرَ الإنْسانَ أنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، فَكَذَلِكَ حَذَّرَهُ مِنَ الفِتَنِ، والمَعْنى: واحْذَرُوا فِتْنَةً إنْ نَزَلَتْ بِكم لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى الظّالِمِينَ خاصَّةً بَلْ تَتَعَدّى إلَيْكم جَمِيعًا وتَصِلُ إلى الصّالِحِ والطّالِحِ. عَنِ الحَسَنِ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وهو يَوْمُ الجَمَلِ خاصَّةً. قالَ الزُّبَيْرُ: نَزَلَتْ فِينا وقَرَأْناها زَمانًا وما ظَنَنّا أنّا أهْلُها فَإذا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها، وعَنِ السُّدِّيِّ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الجَمَلِ، «ورُوِيَ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يُسامِرُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمًا إذْ أقْبَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَضَحِكَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”كَيْفَ حُبُّكَ لِعَلِيٍّ ؟“، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُحِبُّهُ كَحُبِّي لِوَلَدِي أوْ أشَدَّ، فَقالَ: ”كَيْفَ أنْتَ إذا سِرْتَ إلَيْهِ تُقاتِلُهُ» “ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ دُخُولُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ في جَوابِ الأمْرِ ؟ .

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَوابَ الأمْرِ جاءَ بِلَفْظِ النَّهْيِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ حَسُنَ إدْخالُ النُّونِ المُؤَكَّدَةِ في ذَلِكَ النَّهْيِ، كَقَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ أوْ لا تَطْرَحَنَّكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .

الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: واتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ مُبالَغَةً في نَفْيِ اخْتِصاصِ الفِتْنَةِ بِالظّالِمِينَ كَأنَّ الفِتْنَةَ نُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ لَها: لا تُصِيبِي الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً، والمُرادُ مِنهُ: المُبالَغَةُ في عَدَمِ الِاخْتِصاصِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمُرادُ مِنهُ: الحَثُّ عَلى لُزُومِ الِاسْتِقامَةِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُخَوِّفُهم مِن عَذابٍ لَوْ نَزَلَ لَعَمَّ المُذْنِبَ وغَيْرَهُ، وكَيْفَ يَلِيقُ

صفحة ١٢١

بِرَحْمَةِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ أنْ يُوصِلَ الفِتْنَةَ والعَذابَ إلى مَن لَمْ يُذْنِبْ ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ المَوْتَ والفَقْرَ والعَمى والزَّمانَةَ بِعَبْدِهِ ابْتِداءً، إمّا لِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ اشْتِمالَ ذَلِكَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ الصَّلاحِ عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ، وإذا جازَ ذَلِكَ لِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّقاءِ المَعْصِيَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، وبَعْدَ ظُهُورِهِ صارُوا في غايَةِ العِزَّةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الطّاعَةَ وتَرْكَ المُخالَفَةِ. أمّا بَيانُ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ فَمِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَهم يَسْتَضْعِفُهم، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِضْعافِ أنَّهم كانُوا يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مِن بَلَدِهِمْ خافُوا أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الأحْوالُ بِالسَّعاداتِ والخَيْراتِ:

فَأوَّلُها: أنَّهُ آواهم والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَهم إلى المَدِينَةِ، فَصارُوا آمِنِينَ مِن شَرِّ الكُفّارِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ والمُرادُ مِنهُ وُجُودُ النَّصْرِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهو أنَّهُ تَعالى أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن كانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ نَقَلْناكم مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، ومِنَ البَلاءِ إلى النَّعْماءِ والآلاءِ، حَتّى تَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ تَشْتَغِلُوا بِالمُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ بِسَبَبِ الأنْفالِ ؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، فَهَهُنا مَنَعَهم مِنَ الخِيانَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الخِيانَةِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قُرَيْظَةَ لَمّا حاصَرَهم، وكانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ فِيهِمْ، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ ما

صفحة ١٢٢

تَرى لَنا أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فِينا ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَشُقُّونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى المُشْرِكِينَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَخُونُوا كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.

الرّابِعُ: عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ خُرُوجَهُ وعَزَمَ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قالَ …

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّقاءِ المَعْصِيَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، وبَعْدَ ظُهُورِهِ صارُوا في غايَةِ العِزَّةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الطّاعَةَ وتَرْكَ المُخالَفَةِ. أمّا بَيانُ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ فَمِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَهم يَسْتَضْعِفُهم، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِضْعافِ أنَّهم كانُوا يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مِن بَلَدِهِمْ خافُوا أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الأحْوالُ بِالسَّعاداتِ والخَيْراتِ:

فَأوَّلُها: أنَّهُ آواهم والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَهم إلى المَدِينَةِ، فَصارُوا آمِنِينَ مِن شَرِّ الكُفّارِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ والمُرادُ مِنهُ وُجُودُ النَّصْرِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهو أنَّهُ تَعالى أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن كانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ نَقَلْناكم مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، ومِنَ البَلاءِ إلى النَّعْماءِ والآلاءِ، حَتّى تَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ تَشْتَغِلُوا بِالمُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ بِسَبَبِ الأنْفالِ ؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، فَهَهُنا مَنَعَهم مِنَ الخِيانَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الخِيانَةِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قُرَيْظَةَ لَمّا حاصَرَهم، وكانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ فِيهِمْ، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ ما

صفحة ١٢٢

تَرى لَنا أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فِينا ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَشُقُّونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى المُشْرِكِينَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَخُونُوا كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.

الرّابِعُ: عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ خُرُوجَهُ وعَزَمَ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قالَ …

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّقاءِ المَعْصِيَةِ، أكَّدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ القِلَّةِ والذِّلَّةِ، وبَعْدَ ظُهُورِهِ صارُوا في غايَةِ العِزَّةِ والرِّفْعَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الطّاعَةَ وتَرْكَ المُخالَفَةِ. أمّا بَيانُ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ فَمِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَهم يَسْتَضْعِفُهم، والمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِضْعافِ أنَّهم كانُوا يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مِن بَلَدِهِمْ خافُوا أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ العَرَبُ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا كَذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الأحْوالُ بِالسَّعاداتِ والخَيْراتِ:

فَأوَّلُها: أنَّهُ آواهم والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى نَقَلَهم إلى المَدِينَةِ، فَصارُوا آمِنِينَ مِن شَرِّ الكُفّارِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ والمُرادُ مِنهُ وُجُودُ النَّصْرِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهو أنَّهُ تَعالى أحَلَّ لَهُمُ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى مَن كانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ نَقَلْناكم مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، ومِنَ البَلاءِ إلى النَّعْماءِ والآلاءِ، حَتّى تَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ تَشْتَغِلُوا بِالمُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ بِسَبَبِ الأنْفالِ ؟ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، فَهَهُنا مَنَعَهم مِنَ الخِيانَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الخِيانَةِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قُرَيْظَةَ لَمّا حاصَرَهم، وكانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ فِيهِمْ، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ ما

صفحة ١٢٢

تَرى لَنا أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فِينا ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ إلى حَلْقِهِ، أيْ إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ خِيانَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَشُقُّونَهُ ويُلْقُونَهُ إلى المُشْرِكِينَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَخُونُوا كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.

الرّابِعُ: عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ خُرُوجَهُ وعَزَمَ عَلى الذَّهابِ إلَيْهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

الخامِسُ: قالَ …

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ عَنِ الفِتْنَةِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، رَغَّبَ في التَّقْوى الَّتِي تُوجِبُ تَرْكَ المَيْلِ والهَوى في مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إدْخالُ الشَّرْطِ في الحُكْمِ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن كانَ جاهِلًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَنا إنْ كانَ كَذا كانَ كَذا، لا يُفِيدُ إلّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، فَأمّا أنَّ وُقُوعَ الشَّرْطِ مَشْكُوكٌ فِيهِ أوْ مَعْلُومٌ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِن هَذا اللَّفْظِ، سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ هَذا الشَّكَّ إلّا أنَّهُ تَعالى يُعامِلُ العِبادَ في الجَزاءِ مُعامَلَةَ الشّاكِّ، وعَلَيْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ القَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ شَرْطُها شَيْءٌ واحِدٌ وهو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَتَناوَلُ اتِّقاءَ اللَّهِ في جَمِيعِ الكَبائِرِ. وإنَّما خَصَصْنا هَذا بِالكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الجَزاءِ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والجَزاءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلشَّرْطِ، فَحَمَلْنا التَّقْوى عَلى تَقْوى الكَبائِرِ وحَمَلْنا السَّيِّئاتِ عَلى الصَّغائِرِ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وأمّا الجَزاءُ المُرَتَّبُ عَلى هَذا الشَّرْطِ فَأُمُورٌ ثَلاثَةٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمّا كانَ اللَّفْظُ مُطْلَقًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الفُرُوقِ الحاصِلَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكُفّارِ فَنَقُولُ: هَذا الفُرْقانُ إمّا أنْ يُعْتَبَرَ في أحْوالِ الدُّنْيا أوْ في أحْوالِ الآخِرَةِ. أمّا في أحْوالِ الدُّنْيا فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ في أحْوالِ القُلُوبِ وهي الأحْوالُ الباطِنَةُ أوْ في الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، أمّا في أحْوالِ القُلُوبِ فَأُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ بِالهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَخُصُّ قُلُوبَهم وصُدُورَهم بِالِانْشِراحِ كَما قالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] .

وثالِثُها: أنَّهُ يُزِيلُ الغِلَّ والحِقْدَ والحَسَدَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ويُزِيلُ المَكْرَ والخِداعَ عَنْ صُدُورِهِمْ، مَعَ أنَّ المُنافِقَ والكافِرَ يَكُونُ قَلْبُهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الأحْوالِ الخَسِيسَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والسَّبَبُ في حُصُولِ هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ القَلْبَ إذا صارَ مُشْرِقًا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى زالَتْ عَنْهُ كُلُّ هَذِهِ الظُّلُماتِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ نُورٌ، وهَذِهِ الأخْلاقُ ظُلُماتٌ، وإذا ظَهَرَ النُّورُ فَلا بُدَّ مِن زَوالِ الظُّلْمَةِ.

وأمّا في الأحْوالِ الظّاهِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخُصُّ المُسْلِمِينَ بِالعُلُوِّ والفَتْحِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَما قالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨] وكَما قالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] وأمْرُ الفاسِقِ والكافِرِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ. وأمّا في أحْوالِ الآخِرَةِ، فالثَّوابُ والمَنافِعُ الدّائِمَةُ والتَّعْظِيمُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ وكُلُّ هَذِهِ الأحْوالِ داخِلَةٌ في الفُرْقانِ.

صفحة ١٢٤ …

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ فَكَذَلِكَ ذَكَّرَ رَسُولَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ وهو دَفْعُ كَيْدِ المُشْرِكِينَ ومَكْرِ الماكِرِينَ عَنْهُ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ تَآمَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ ودَخَلَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ، وذَكَرَ أنَّهُ مِن أهْلِ نَجْدٍ. فَقالَ بَعْضُهم: قَيِّدُوهُ نَتَرَبَّصْ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَقالَ إبْلِيسُ: لا مَصْلَحَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَغْضَبُ لَهُ قَوْمُهُ فَتُسْفَكُ لَهُ الدِّماءُ. وقالَ بَعْضُهم: أخْرِجُوهُ عَنْكم تَسْتَرِيحُوا مِن أذاهُ لَكم، فَقالَ إبْلِيسُ: لا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ طائِفَةً عَلى نَفْسِهِ ويُقاتِلُكم بِهِمْ.

وقالَ أبُو جَهْلٍ: الرَّأْيُ أنْ نَجْمَعَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلًا فَيَضْرِبُوهُ بِأسْيافِهِمْ ضَرْبَةً واحِدَةً فَإذا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى مُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَقالَ إبْلِيسُ: هَذا هو الرَّأْيُ الصَّوابُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ بِذَلِكَ وأُذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ اللَّهُ لَهُ في الهِجْرَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وقالَ لَهُ: تَسَجَّ

صفحة ١٢٥

بِبُرْدَتِي فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ أمْرٌ تَكْرَهُهُ، وباتُوا مُتَرَصِّدِينَ، فَلَمّا أصْبَحُوا ثارُوا إلى مَضْجَعِهِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا وخَيَّبَ اللَّهُ سَعْيَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيُوثِقُوكَ ويَشُدُّوكَ وكُلُّ مَن شُدَّ فَقَدْ أُثْبِتَ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ ولِهَذا يُقالُ لِمَنِ اشْتَدَّتْ بِهِ عِلَّةٌ أوْ جِراحَةٌ تَمْنَعُهُ مِنَ الحَرَكَةِ: قَدْ أُثْبِتَ فُلانٌ فَهو مُثْبَتٌ، وقِيلَ لِيَسْجِنُوكَ، وقِيلَ لِيَحْبِسُوكَ، وقِيلَ لِيُثْبِتُوكَ في بَيْتٍ فَحَذَفَ المَحَلَّ لِوُضُوحِ مَعْناهُ، وقَرَأ بَعْضُهم (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ (لِيُبَيِّتُوكَ) مِنَ البَياتِ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ وهو الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤] تَفْسِيرُ المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى.

والحاصِلُ أنَّهُمُ احْتالُوا عَلى إبْطالِ أمْرِ مُحَمَّدٍ واللَّهُ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ، فَضاعَ فِعْلُهم وظَهَرَ صُنْعُ اللَّهِ تَعالى. قالَ القاضِي: القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ مُوافِقَةٌ لِلْقُرْآنِ إلّا ما فِيها مِن حَدِيثِ إبْلِيسَ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ كانَتْ صُورَتُهُ مُوافِقَةً لِصُورَةِ الإنْسِ وذَلِكَ باطِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّصْوِيرَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ أوْ مِن فِعْلِ إبْلِيسَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيَفْتِنَ الكُفّارَ في المَكْرِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَقْدِرَ إبْلِيسُ عَلى …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.