Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ …

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ …

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ …

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

الأمْرُ هُنا بِالِاسْتِجابَةِ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ كَما وحَّدَهُ في قَوْلِهِ: " ولا تَتَوَلَّوْا " ( الأنْفالِ: ٢٠ ) وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في وجْهِ ذَلِكَ، والِاسْتِجابَةُ: الطّاعَةُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى اسْتَجِيبُوا: أجِيبُوا، وإنْ كانَ اسْتَجابَ يَتَعَدّى بِاللّامِ، وأجابَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ ( الأحْقافِ: ٣١ )، وقَدْ يَتَعَدّى اسْتَجابَ بِنَفْسِهِ كَما قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا أيِ اسْتَجِيبُوا لِما يُحْيِيكم إذا دَعاكم، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ دَعاكم، أيْ إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ حَياتُكم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، فالحَياةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ.

قالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: " لِما يُحْيِيكُمُ " الجِهادُ فَإنَّهُ سَبَبُ الحَياةِ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ إذا لَمْ يُغْزَ غَزا، ويُسْتَدَلُّ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ رَسُولِهِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يُبادِرَ إلى العَمَلِ بِهِ كائِنًا ما كانَ ويَدَعَ ما خالَفَهُ مِنَ الرَّأْيِ وأقْوالِ الرِّجالِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ باعِثٍ عَلى العَمَلِ بِنُصُوصِ الأدِلَّةِ وتَرْكِ التَّقَيُّدِ بِالمَذاهِبِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يُخالِفُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ كائِنًا ما كانَ.

قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بادِرُوا إلى الِاسْتِجابَةِ قَبْلَ أنْ لا تَتَمَكَّنُوا مِنها بِزَوالِ القُلُوبِ الَّتِي تَعْقِلُونَ بِها بِالمَوْتِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ خافَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كَثْرَةَ العَدُوِّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم مِنَ الأمْنِ خَوْفًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِقُرْبِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ( ق: ١٦ ) ومَعْناهُ: أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِ القُلُوبِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ عِبادِهِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي: " وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وأنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيْهِ وهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا، وبِالشَّرِّ شَرًّا.

قالَ الفَرّاءُ: ولَوِ اسْتَأْنَفْتَ فَكَسَرْتَ هَمْزَةَ " إنَّهُ " لَكانَ صَوابًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِثْلَ هَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيِ اتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدّى الظّالِمَ فَتُصِيبُ الصّالِحَ …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

الأمْرُ هُنا بِالِاسْتِجابَةِ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ كَما وحَّدَهُ في قَوْلِهِ: " ولا تَتَوَلَّوْا " ( الأنْفالِ: ٢٠ ) وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في وجْهِ ذَلِكَ، والِاسْتِجابَةُ: الطّاعَةُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى اسْتَجِيبُوا: أجِيبُوا، وإنْ كانَ اسْتَجابَ يَتَعَدّى بِاللّامِ، وأجابَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ ( الأحْقافِ: ٣١ )، وقَدْ يَتَعَدّى اسْتَجابَ بِنَفْسِهِ كَما قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا أيِ اسْتَجِيبُوا لِما يُحْيِيكم إذا دَعاكم، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِـ دَعاكم، أيْ إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ حَياتُكم مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ، فالحَياةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ.

قالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: " لِما يُحْيِيكُمُ " الجِهادُ فَإنَّهُ سَبَبُ الحَياةِ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ إذا لَمْ يُغْزَ غَزا، ويُسْتَدَلُّ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ رَسُولِهِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يُبادِرَ إلى العَمَلِ بِهِ كائِنًا ما كانَ ويَدَعَ ما خالَفَهُ مِنَ الرَّأْيِ وأقْوالِ الرِّجالِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ باعِثٍ عَلى العَمَلِ بِنُصُوصِ الأدِلَّةِ وتَرْكِ التَّقَيُّدِ بِالمَذاهِبِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما يُخالِفُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ كائِنًا ما كانَ.

قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بادِرُوا إلى الِاسْتِجابَةِ قَبْلَ أنْ لا تَتَمَكَّنُوا مِنها بِزَوالِ القُلُوبِ الَّتِي تَعْقِلُونَ بِها بِالمَوْتِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ خافَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كَثْرَةَ العَدُوِّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يُبَدِّلَهم بَعْدَ الخَوْفِ أمْنًا، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم مِنَ الأمْنِ خَوْفًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِقُرْبِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَبْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ( ق: ١٦ ) ومَعْناهُ: أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ضَمائِرِ القُلُوبِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ عِبادِهِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي: " وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ " مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وأنَّكم مَحْشُورُونَ إلَيْهِ وهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا، وبِالشَّرِّ شَرًّا.

قالَ الفَرّاءُ: ولَوِ اسْتَأْنَفْتَ فَكَسَرْتَ هَمْزَةَ " إنَّهُ " لَكانَ صَوابًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ مِثْلَ هَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيِ اتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدّى الظّالِمَ فَتُصِيبُ الصّالِحَ …

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.

والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، …

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.

والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، …

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ: أيِ اذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم، و﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، والأرْضُ: هي أرْضُ مَكَّةَ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِالنّاسِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ، " فَآواكم " يُقالُ: آوى إلَيْهِ بِالمَدِّ وبِالقَصْرِ بِمَعْنى: انْضَمَّ إلَيْهِ، فالمَعْنى: ضَمَّكُمُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أوْ إلى الأنْصارِ ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ أيْ قُواكم بِالنَّصْرِ في مُواطِنِ الحَرْبِ الَّتِي مِنها يَوْمُ بَدْرٍ، أوْ قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الغَنائِمُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، أيْ: إرادَةَ أنْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم.

والخَوْنُ أصْلُهُ كَما في الكَشّافِ: النَّقْصُ، كَما أنَّ الوَفاءَ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في ضِدِّ الأمانَةِ والوَفاءِ، لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الغَدْرُ وإخْفاءُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ ( غافِرٍ: ١٩ ) نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَخُونُوهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَّنَهم عَلَيْهِ، أوْ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا سَنَّهُ لَهم، أوْ يَخُونُوا شَيْئًا مِنَ الأماناتِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْها، وسُمِّيَتْ أماناتٍ لِأنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَها مِن مَنعِ الحَقِّ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأمْنِ، وجُمْلَةُ " وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ خِيانَةٌ فَتَفْعَلُونَ الخِيانَةَ عَنْ عَمْدٍ، أوْ أنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لا مَن أهْلِ الجَهْلِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّهم سَبَبُ الوُقُوعِ في كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَصارُوا مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مِحْنَةً يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وإنْ كانُوا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَآثِرُوا حَقَّهُ عَلى أمْوالِكم وأوْلادِكم لِيَحْصُلَ لَكم ما عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ المَذْكُورِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ أذَلَّ النّاسِ ذُلًّا، وأشْقاهُ عَيْشًا، وأجْوَعَهُ بُطُونًا، وأعْراهُ جُلُودًا، وأبْيَنَهُ ضَلالَةً، مَن عاشَ عاشَ شَقِيًّا، ومَن ماتَ مِنهم رُدِّيَ في النّارِ، يُؤَكَلُونَ ولا يَأْكُلُونَ، لا واللَّهِ ما نَعْلَمُ قَبِيلًا مِن حاضِرِي الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كانَ أشَرَّ مَنزِلًا مِنهم، حَتّى جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ، فَمَكَّنَ بِهِ في البِلادِ، ووَسَّعَ بِهِ في الرِّزْقِ، وجَعَلَهم بِهِ مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، وبِالإسْلامِ أعْطى اللَّهُ ما رَأيْتُمْ، فاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعَمَهُ، فَإنَّ رَبَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُّكْرَ، وأهْلُ الشُّكْرِ في مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ فَآواكم إلى الإسْلامِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ قالَ: النّاسُ إذْ ذاكَ فارِسُ والرُّومُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمَيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، …

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

جَعَلَ - سُبْحانَهُ - التَّقْوى شَرْطًا في الجَعْلِ المَذْكُورِ مَعَ سَبْقِ عِلْمِهِ بِأنَّهم يَتَّقُونَ أوْ لا يَتَّقُونَ جَرْيًا عَلى ما يُخاطِبُ بِهِ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا، والتَّقْوى: اتِّقاءُ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ والوُقُوعِ في مَناهِيهِ، والفُرْقانُ ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجْعَلُ لَهم مِن ثَباتِ القُلُوبِ، وثُقُوبِ البَصائِرِ، وحُسْنِ الهِدايَةِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَهُما عِنْدَ الِالتِباسِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ المَخْرَجُ مِنَ الشُّبَهاتِ، والنَّجاةُ مِن كُلِّ ما يَخافُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎وكَيْفَ أُرَجّى الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ وما لِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ

وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ بِالفُرْقانِ الفَتْحُ والنَّصْرُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفُرْقانُ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبِمَثَلِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ،: الفُرْقانُ النَّجاةُ.

ويُؤَيِّدُ تَفْسِيرُ الفُرْقانِ بِالمَخْرَجِ والنَّجاةِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ( الطَّلاقِ: ٢ ) وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ.

﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ يَسْتُرُها حَتّى تَكُونَ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ﴿ويَغْفِرْ لَكم﴾ ما اقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئاتِ: الصَّغائِرُ، وبِالذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ: الكَبائِرُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَهو المُتَفَضِّلُ عَلى عِبادِهِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: هو المَخْرَجُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هو النَّجاةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هو النَّصْرُ.

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ وقْتَ مَكْرِ الكافِرِينَ بِكَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا﴾ ذَكَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، وهي نَجاتُهُ مِن مَكْرِ الكافِرِينَ وكَيْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يُثْبِتُوكَ بِالجِراحاتِ كَما قالَ ثَعْلَبُ وأبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكم ما في صَحِيفَتِكم قالُوا الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعًا

وقِيلَ: المَعْنى لِيَحْبِسُوكَ، يُقالُ أثْبَتَهُ: إذا حَبَسَهُ؛ وقِيلَ: لِيُوثِقُوكَ، ومِنهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) .

وقَرَأ الشَّعْبِيُّ،: " لِيُبَيِّتُوكَ " مِنَ البَياتِ وقُرِئَ " لِيُثبِّتُوكَ " بِالتَّشْدِيدِ.

﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ الَّتِي هي بَلَدُكَ وبَلَدُ أهْلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَكْرُ: التَّدْبِيرُ في الأمْرِ في خُفْيَةٍ، والمَعْنى: أنَّهم يُخْفُونَ ما يُعِدُّونَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَكايِدِ فَيُجازِيهِمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ويَرِدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ، وسُمِّيَ ما يَقَعُ مِنهُ - تَعالى - مَكْرًا مُشاكَلَةً كَما في نَظائِرِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيِ المُجازِينَ لِمَكْرِ الماكِرِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ؛ فَهو يُعَذِّبُهم عَلى مَكْرِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وأعْظَمَ بَلاءً مِن مَكْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ بِها وتَتْلُوها عَلَيْهِمْ قالُوا تَعَنُّتًا وتَمَرُّدًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما تَتْلُوهُ عَلَيْنا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الَّذِي تَلَوْتَهُ عَلَيْنا، قِيلَ: إنَّهم قالُوا هَذا تَوَهُّمًا مِنهم أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رامُوا أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ عَجَزُوا عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا عِنادًا وتَمَرُّدًا: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ ما يَسْتَطِرُهُ الوَرّاقُونَ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى.

﴿وإذْ قالُوا﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ بِنَصْبِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، قالَ الزَّجّاجُ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها.

ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، والمَعْنى إنْ كانَ القُرْآنُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ هو الحَقُّ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ قالُوا: هَذِهِ المَقالَةُ مُبالَغَةٌ في الجُحُودِ والإنْكارِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أمْطَرَ في العَذابِ ومَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وقالَ في الكَشّافِ: قَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ.

﴿أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سَألُوا أنْ يُعَذَّبُوا بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ أوْ بِغَيْرِها مِن أنْواعِ العَذابِ الشَّدِيدِ.

فَأجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿فِيهِمْ﴾ مَوْجُودٌ فَإنَّكَ ما دُمْتَ فِيهِمْ فَهم في مُهْلَةٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .

رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الطَّوافِ غُفْرانَكَ: أيْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم في حالِ كَوْنِهِمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويَسْتَغْفِرُهُ لَمْ …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.