Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عنكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عنهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾

قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الحاضِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ وهو الحُكْمُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَقَدْ جاءَكم وقَدْ حَكَمَ اللهُ لَكُمْ، ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَمّا فَعَلْتُمْ مِنَ الكَلامِ في أمْرِ الغَنائِمِ وما شَجَرَ بَيْنَكم فِيها، وعن تَفاخُرِكم بِأفْعالِكم مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾ لِهَذِهِ الأفْعالِ ﴿نَعُدْ﴾ لِتَوْبِيخِكُمْ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ الفِئَةَ -وَهِيَ الجَماعَةُ- لا تُغْنِي وإنْ كَثُرَتْ إلّا بِنْصِرِ اللهِ تَعالى ومَعُونَتِهِ ثُمَّ آنَسَهم بِقَوْلِهِ وإيجابِهِ، أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَدْعُو أبَدًا في مَحافِلِ قُرَيْشٍ، ويَقُولُ: "اللهُمَّ، أقَطْعُنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا نَعْرِفُ، فَأهْلِكْهُ واجْعَلْهُ المَغْلُوبَ"، يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ وإيّاهم. ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ إلى حِمايَةِ العِيرِ، تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ واسْتَفْتَحُوا، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ بَدْرٍ: "اللهُمَّ، انْصُرْ أحَبَّ الفِئَتَيْنِ إلَيْكَ، وأظْهِرْ خَيْرَ الدِينَيْنِ عِنْدَكَ، اللهُمَّ أقَطْعُنا لِلرَّحِمِ، فَأحِنْهُ الغَداةَ، ونَحْوَ هَذا" فَقالَ لَهُمُ اللهُ: إنْ تَطْلُبُوا الفَتْحَ أيْ كَما تَرَوْنَهُ عَلَيْكم لا لَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا تَوْبِيخٌ. ثُمَّ قالَ لَهُمْ: وإنْ تَنْتَهُوا عن كُفْرِكم وغَيِّكم فَهو خَيْرٌ لَكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهم إنْ عادُوا لِلِاسْتِفْتاحِ عادَ بِمِثْلِ الوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ فِئَتَهم لا تُغْنِي شَيْئًا وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ هي مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وسائِرِ الآيَةِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمُ الكُفّارُ ( إنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم ).

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ، وما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مِن أنَّ التَقْدِيرَ: "لِكَثْرَتِها ولِأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ" مُحْتَمَلُ المَعْنى، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ كَثُرَتْ واللهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ"، وهَذا يُقَوِّي قِراءَةَ مَن كَسَرَ الألِفَ مِن "إنَّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ، جَدَّدَ عَلَيْهِمُ الأمْرَ بِطاعَةِ اللهِ والرَسُولِ، ونُهُوا عَنِ التَوَلِّي عنهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ويَكُونُ هَذا مُتَناصِرًا مَعَ قَوْلِ مَن …

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

المَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذِهِ الصَنِيفَةَ العاتِيَةَ مِنَ الكُفّارِ هي شَرُّ الناسِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها أخَسُّ المَنازِلِ لَدَيْهِ، وعَبَّرَ بِالدَوابِّ لِيَتَأكَّدَ ذَمُّهم ولِيُفَضَّلَ عَلَيْهِمُ الكَلْبُ العَقُورُ والخِنْزِيرُ ونَحْوُهُما مِنَ السَبُعِ والخَمْسِ الفَواسِقِ وغَيْرِها. والدَوابُّ: كُلُّ ما دَبَّ فَهو يَعُمُّ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصُمُّ البُكْمُ﴾ عِبارَةٌ عَمّا في قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ انْشِراحِ صُدُورِهِمْ وإدْراكِ عُقُولِهِمْ، فَلِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُمِّ والبُكْمِ وسَلَبَ العَقْلَ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدارِ، وظاهِرُها العُمُومُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوصافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَمْعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾، والمُرادُ: لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفْهِيمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عنهم بِما هم عَلَيْهِ مِن حَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: ولَوْ أفْهَمَهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ بِحُكْمِ القَضاءِ السابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ:المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةُ، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِلا خِلافٍ، و﴿اسْتَجِيبُوا﴾ بِمَعْنى أجِيبُوا، ولَكِنْ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَتَعَدّى "اسْتَجابَ" بِلامٍ ويَتَعَدّى "أجابَ" دَوْنَ لامٍ، وقَدْ يَجِيءُ تَعَدِّي "اسْتَجابَ" بِغَيْرِ لامٍ، والشاهِدُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وقَوْلُهُ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى: لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وهَذا إحْياءٌ مُسْتَعارٌ، لِأنَّهُ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ ويَضْعُفُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ في الإسْلامِ. وقِيلَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: لِلْحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهو يُحْيِي بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ والظَفَرِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ حَياةً، كَما تَقُولُ: حَيِيَتْ حالُ فُلانٍ إذا ارْتَفَعَتْ، ويُحْيِي أيْضًا كَما يُحْيِي الإسْلامُ والطاعَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحَياةِ الدائِمَةِ في الآخِرَةِ. وقالَ النَقّاشُ: المُرادُ: إذا دَعاكم لِلشَّهادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذِهِ صِلَةُ حَياةِ الدُنْيا بِحَياةِ الآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، مِنها أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ في الطاعَةِ حَضَّهم عَلى المُبادَرَةِ والِاسْتِعْجالِ، فَقالَ: واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ …

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

المَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذِهِ الصَنِيفَةَ العاتِيَةَ مِنَ الكُفّارِ هي شَرُّ الناسِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها أخَسُّ المَنازِلِ لَدَيْهِ، وعَبَّرَ بِالدَوابِّ لِيَتَأكَّدَ ذَمُّهم ولِيُفَضَّلَ عَلَيْهِمُ الكَلْبُ العَقُورُ والخِنْزِيرُ ونَحْوُهُما مِنَ السَبُعِ والخَمْسِ الفَواسِقِ وغَيْرِها. والدَوابُّ: كُلُّ ما دَبَّ فَهو يَعُمُّ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصُمُّ البُكْمُ﴾ عِبارَةٌ عَمّا في قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ انْشِراحِ صُدُورِهِمْ وإدْراكِ عُقُولِهِمْ، فَلِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُمِّ والبُكْمِ وسَلَبَ العَقْلَ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدارِ، وظاهِرُها العُمُومُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوصافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَمْعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾، والمُرادُ: لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفْهِيمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عنهم بِما هم عَلَيْهِ مِن حَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: ولَوْ أفْهَمَهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ بِحُكْمِ القَضاءِ السابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ:المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةُ، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِلا خِلافٍ، و﴿اسْتَجِيبُوا﴾ بِمَعْنى أجِيبُوا، ولَكِنْ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَتَعَدّى "اسْتَجابَ" بِلامٍ ويَتَعَدّى "أجابَ" دَوْنَ لامٍ، وقَدْ يَجِيءُ تَعَدِّي "اسْتَجابَ" بِغَيْرِ لامٍ، والشاهِدُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وقَوْلُهُ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى: لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وهَذا إحْياءٌ مُسْتَعارٌ، لِأنَّهُ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ ويَضْعُفُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ في الإسْلامِ. وقِيلَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: لِلْحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهو يُحْيِي بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ والظَفَرِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ حَياةً، كَما تَقُولُ: حَيِيَتْ حالُ فُلانٍ إذا ارْتَفَعَتْ، ويُحْيِي أيْضًا كَما يُحْيِي الإسْلامُ والطاعَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحَياةِ الدائِمَةِ في الآخِرَةِ. وقالَ النَقّاشُ: المُرادُ: إذا دَعاكم لِلشَّهادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذِهِ صِلَةُ حَياةِ الدُنْيا بِحَياةِ الآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، مِنها أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ في الطاعَةِ حَضَّهم عَلى المُبادَرَةِ والِاسْتِعْجالِ، فَقالَ: واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ …

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

المَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذِهِ الصَنِيفَةَ العاتِيَةَ مِنَ الكُفّارِ هي شَرُّ الناسِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها أخَسُّ المَنازِلِ لَدَيْهِ، وعَبَّرَ بِالدَوابِّ لِيَتَأكَّدَ ذَمُّهم ولِيُفَضَّلَ عَلَيْهِمُ الكَلْبُ العَقُورُ والخِنْزِيرُ ونَحْوُهُما مِنَ السَبُعِ والخَمْسِ الفَواسِقِ وغَيْرِها. والدَوابُّ: كُلُّ ما دَبَّ فَهو يَعُمُّ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصُمُّ البُكْمُ﴾ عِبارَةٌ عَمّا في قُلُوبِهِمْ وقِلَّةِ انْشِراحِ صُدُورِهِمْ وإدْراكِ عُقُولِهِمْ، فَلِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُمِّ والبُكْمِ وسَلَبَ العَقْلَ. ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدارِ، وظاهِرُها العُمُومُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوصافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَمْعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾، والمُرادُ: لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفْهِيمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عنهم بِما هم عَلَيْهِ مِن حَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَقالَ: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: ولَوْ أفْهَمَهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ بِحُكْمِ القَضاءِ السابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ:المَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُنافِقُونَ، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةُ، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِلا خِلافٍ، و﴿اسْتَجِيبُوا﴾ بِمَعْنى أجِيبُوا، ولَكِنْ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَتَعَدّى "اسْتَجابَ" بِلامٍ ويَتَعَدّى "أجابَ" دَوْنَ لامٍ، وقَدْ يَجِيءُ تَعَدِّي "اسْتَجابَ" بِغَيْرِ لامٍ، والشاهِدُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وقَوْلُهُ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى: لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وهَذا إحْياءٌ مُسْتَعارٌ، لِأنَّهُ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وقِيلَ: الإسْلامُ، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ ويَضْعُفُ مِن جِهَةِ أنَّ مَن آمَنَ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ في الإسْلامِ. وقِيلَ: ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: لِلْحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، وهو يُحْيِي بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ والظَفَرِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ حَياةً، كَما تَقُولُ: حَيِيَتْ حالُ فُلانٍ إذا ارْتَفَعَتْ، ويُحْيِي أيْضًا كَما يُحْيِي الإسْلامُ والطاعَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الحَياةِ الدائِمَةِ في الآخِرَةِ. وقالَ النَقّاشُ: المُرادُ: إذا دَعاكم لِلشَّهادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذِهِ صِلَةُ حَياةِ الدُنْيا بِحَياةِ الآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، مِنها أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالِاسْتِجابَةِ في الطاعَةِ حَضَّهم عَلى المُبادَرَةِ والِاسْتِعْجالِ، فَقالَ: واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ الناسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، أسْبَقُها إلى النَفْسِ أنْ يُرِيدَ اللهُ أنْ يُحَذِّرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن فِتْنَةٍ إنْ أصابَتْ لَمْ تَخُصَّ الظَلَمَةَ فَقَطْ، بَلْ تُصِيبُ الكُلَّ مِن ظالِمٍ وبَرِيءٍ، وهَذا التَأْوِيلُ تَأوَّلَ فِيها الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَإنَّهُ قالَ يَوْمَ الجَمَلِ: "وَما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها ذَلِكَ الوَقْتَ"، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فَإنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُبَيْرِ "، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: "أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُقِرُّوا المُنْكِرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ العَذابُ"، وبَيَّنَهُ القُتَبِيُّ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ عنهُ بَيانًا شافِيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- صِفَةً لِلْفِتْنَةِ، فَكانَ الواجِبُ -إذا قَدَّرْنا ذَلِكَ- أنْ يَكُونَ اللَفْظُ: "لا تُصِيبُ"، وتُلُطِّفَ لِدُخُولِ النُونِ الثَقِيلَةِ في الخَبَرِ عَنِ الفِتْنَةِ، فَقالَ الزَجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ أنَّ الكَلامَ جَزاءٌ فِيهِ طُرُقٌ مِنَ النَهْيِ، قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فالمَعْنى: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكُمْ، فَكَذَلِكَ هَذا: إنْ تَتَّقُوا لا تُصِيبَنَّ، وقالَ قَوْمٌ: هو خَبَرٌ بِمَعْنى الجَزاءِ فَلِذَلِكَ أمْكَنَ دُخُولُ النُونِ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: هو جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: "واتَّقَوْا فِتْنَةً واللهِ لا تُصِيبَنَّ"، ودَخَلَتِ النُونُ مَعَ "لا" حَمْلًا عَلى دُخُولِها مَعَ اللامِ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا القَوْلِ تَكَرُّهٌ، لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ إذا دَخَلَتْهُ "لا" أو كانَ مَنفِيًّا في الجُمْلَةِ لَمْ تَدْخُلِ النُونُ، وإذا كانَ مُوجَبًا دَخَلَتْهُ اللامُ والنُونُ الشَدِيدَةُ كَقَوْلِكَ: "واللهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، واللهِ لِيَقُومَنَّ زَيْدٌ"، هَذا هو قانُونُ البابِ، ولَكِنْ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَقِيمُ مَعَ التَكَرُّهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ في الآيَةِ هو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ ثُمَّ ابْتَدَأ نَهْيُ الظَلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَهْيُ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ لِلْفِتْنَةِ فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا كَما قالُوا: "لا أرَيْنَّكَ هاهُنا"، يُرِيدُونَ: لا تَقُمْ هاهُنا فَتَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، ولَمْ يُرِيدُوا نَهْيَ الإنْسانِ الرائِي نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ المُرادُ في الآيَةِ: لا يَقَعُ مِن ظَلَمَتِكم ظُلْمٌ فَتَقَعَ مِنَ الفِتْنَةِ إصابَتُهُمْ، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، وحَكاهُ النَقّاشُ عَنِ الفَرّاءِ، ونَهْيُ الظَلَمَةِ هاهُنا بِلَفْظِ مُخاطَبَةِ الجَمْعِ كَما تَقُولُ لِقَوْمٌ: "لا يَفْعَلْ سُفَهاؤُكم كَذا وكَذا" وأنْتَ إنَّما تُرِيدُ نَهْيَ السُفَهاءِ فَقَطْ. …

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ الناسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ، أسْبَقُها إلى النَفْسِ أنْ يُرِيدَ اللهُ أنْ يُحَذِّرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن فِتْنَةٍ إنْ أصابَتْ لَمْ تَخُصَّ الظَلَمَةَ فَقَطْ، بَلْ تُصِيبُ الكُلَّ مِن ظالِمٍ وبَرِيءٍ، وهَذا التَأْوِيلُ تَأوَّلَ فِيها الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَإنَّهُ قالَ يَوْمَ الجَمَلِ: "وَما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها ذَلِكَ الوَقْتَ"، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فَإنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُبَيْرِ "، وكَذَلِكَ تَأوَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: "أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُقِرُّوا المُنْكِرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ العَذابُ"، وبَيَّنَهُ القُتَبِيُّ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ عنهُ بَيانًا شافِيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- صِفَةً لِلْفِتْنَةِ، فَكانَ الواجِبُ -إذا قَدَّرْنا ذَلِكَ- أنْ يَكُونَ اللَفْظُ: "لا تُصِيبُ"، وتُلُطِّفَ لِدُخُولِ النُونِ الثَقِيلَةِ في الخَبَرِ عَنِ الفِتْنَةِ، فَقالَ الزَجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ أنَّ الكَلامَ جَزاءٌ فِيهِ طُرُقٌ مِنَ النَهْيِ، قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فالمَعْنى: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكُمْ، فَكَذَلِكَ هَذا: إنْ تَتَّقُوا لا تُصِيبَنَّ، وقالَ قَوْمٌ: هو خَبَرٌ بِمَعْنى الجَزاءِ فَلِذَلِكَ أمْكَنَ دُخُولُ النُونِ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: هو جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: "واتَّقَوْا فِتْنَةً واللهِ لا تُصِيبَنَّ"، ودَخَلَتِ النُونُ مَعَ "لا" حَمْلًا عَلى دُخُولِها مَعَ اللامِ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا القَوْلِ تَكَرُّهٌ، لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ إذا دَخَلَتْهُ "لا" أو كانَ مَنفِيًّا في الجُمْلَةِ لَمْ تَدْخُلِ النُونُ، وإذا كانَ مُوجَبًا دَخَلَتْهُ اللامُ والنُونُ الشَدِيدَةُ كَقَوْلِكَ: "واللهِ لا يَقُومُ زَيْدٌ، واللهِ لِيَقُومَنَّ زَيْدٌ"، هَذا هو قانُونُ البابِ، ولَكِنْ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَسْتَقِيمُ مَعَ التَكَرُّهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ في الآيَةِ هو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ ثُمَّ ابْتَدَأ نَهْيُ الظَلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَهْيُ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ لِلْفِتْنَةِ فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا كَما قالُوا: "لا أرَيْنَّكَ هاهُنا"، يُرِيدُونَ: لا تَقُمْ هاهُنا فَتَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، ولَمْ يُرِيدُوا نَهْيَ الإنْسانِ الرائِي نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ المُرادُ في الآيَةِ: لا يَقَعُ مِن ظَلَمَتِكم ظُلْمٌ فَتَقَعَ مِنَ الفِتْنَةِ إصابَتُهُمْ، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ، وحَكاهُ النَقّاشُ عَنِ الفَرّاءِ، ونَهْيُ الظَلَمَةِ هاهُنا بِلَفْظِ مُخاطَبَةِ الجَمْعِ كَما تَقُولُ لِقَوْمٌ: "لا يَفْعَلْ سُفَهاؤُكم كَذا وكَذا" وأنْتَ إنَّما تُرِيدُ نَهْيَ السُفَهاءِ فَقَطْ. …

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ﴾.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ. والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ. وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِتْنَةٌ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخُونُوا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، …

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ﴾.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ. والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ. وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِتْنَةٌ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخُونُوا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، …

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ﴾.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ. والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ. وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِتْنَةٌ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخُونُوا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، …

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ﴾.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ. والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ. وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِتْنَةٌ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَخُونُوا﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، …

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.