وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً أي [مخفقين] متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف التداني والتقارب.
قال الأعشى:
لمن الضغائن سيرهن زحيف ... عرم السفين إذا تقاذف مقذف
والزحف مصدر ولذلك لم يجمع كقولهم: قوم عدل ورضى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ يقول:
فلا تولّوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم ولكن اثبتوا لهم وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ظهره وقرأ الحسن ساكنة إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أي متعطّفا مستطردا لقتال عدوّه بطلب عورة له تمكنه إصابتها فيكرّ عليه تفسير الطبري: 9/ 265. .
أَوْ مُتَحَيِّزاً منضمّا صابرا إِلى فِئَةٍ جماعة من المؤمنين يفيئون به بسهم الى القتال فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ واختلف العلماء في حكم قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية هل هو خاص في أهل بدر أم هو في المؤمنين جميعا.
فقال أبو سعيد الخدري: إنّما كان ذلك يوم بدر خاصة لم يكن لهم أن ينحازوا ولو انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ في الأرض مسلم غيرهم ولا للمسلمين فيه غير النبيّ ﷺ فأمّا بعد ذلك فإنّ المسلمين بعضهم فئة لبعض ممثّلة، قاله الحسن والضحاك وقتادة.
قال يزيد ابن أبي حبيب: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار.
فقال مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية. فلمّا كان يوم أحد بعد ذلك قال: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ سورة آل عمران: 155. ثمّ كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين. فقال:
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ... ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ سورة التوبة: 25. 27. . وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ سورة الأنفال: 66. الآية فليس لقوم أن يفروا من مثليهم فنسخت تلك الآية إلّا هذه العدّة.
وقال الكلبي: من قبل اليوم مقبلا أو مدبرا فهو شهيد ولكن سبق المقبل المدبر الى الجنة.
وروي جرير عن منصور عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة الى عمر.
فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال عمر- رضي الله عنه- أنا فئتك تفسير القرطبي: 7/ 383. .
وقال محمد بن سيرين: لمّا قتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر- رضي الله عنه- فقال لو أنحاز إليّ فكنت له فئة [فأنا فئة] كل مسلم المصدر السابق. .
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر قال: كنّا في مصيل بعثنا رسول الله ﷺ فخاض الناس خيضة فانهزمنا وكنّا نفر، قلنا نهرب في الأرض حياء ممّا صنعنا فدخلنا البيوت.
ثمّ قلنا: يا رسول الله نحن الفارون. قال رسول الله ﷺ «بل أنتم الكرارون وإنّا فئة المسلمين»
[220] بدائع الصنائع: 7/ 99، والبداية والنهاية: 4/ 283. .
وقال بعضهم: بل حكمنا عام في كل من ولى عن العدو وفيهم من
روى ما قال رسول الله ﷺ لبعض أهله: « [إياك والفرار] من الزحف فإن هلكوا فاثبتوا فما [ ... ] »
إلّا على ارتكاب الكبائر وإلّا الشرك بالله والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ.» الآية.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ الآية
فقال أهل التفسير والمغازي لمّا ورد رسول الله ﷺ بدرا قال: «هذه مصارع القوم إن شاء الله» ، فلمّا طلعوا عليه قال رسول الله ﷺ: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهمّ إنّي أسألك ما وعدتني فأتاه جبرئيل وقال:
خذ حفنة من تراب فارمهم بها» [221] .
فقال رسول الله ﷺ لمّا التقى الجمعان لعلّي رضي الله عنه: «أعطني قبضة من حصا الوادي» فناوله من حصى عليه تراب فرمى رسول الله ﷺ به في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» .
فلم يبق مشرك إلّا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء ثمّ ردفهم المؤمنون يقتلونهم …