Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 75

11

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿إذْ﴾ مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في ذَلِكَ الوَقْتِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِي﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ ثَلاثُ قِراءاتٍ:

الأُولى: قَرَأ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وتَخْفِيفِ الشِّينِ﴿النُّعاسَ﴾ بِالنَّصْبِ.

الثّانِيَةُ: (يَغْشاكم) بِالألِفِ وفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ العَيْنِ (النُّعاسُ) بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنِ كَثِيرٍ.

الثّالِثَةُ: قَرَأ الباقُونَ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وضَمِّ الياءِ مِنَ التَّغْشِيَةِ﴿النُّعاسَ﴾ بِالنَّصْبِ، أيْ يُلْبِسَكُمُ النَّوْمَ. قالَ الواحِدِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مِن أغْشى، والثّانِيَةُ مِن غَشِيَ، والثّالِثَةُ مِن غَشّى، فَمَن قَرَأ (يَغْشاكم) فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمَنَةً نُعاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] يَعْنِي: فَكَما أسْنَدَ الفِعْلَ هُناكَ إلى النُّعاسِ والأمَنَةِ الَّتِي هي سَبَبُ النُّعاسِ كَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن قَرَأ (يُغْشِيكم) أوْ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ فالمَعْنى واحِدٌ، وقَدْ جاءَ التَّنْزِيلُ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] وقالَ: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النَّجْمِ: ٥٤] وقالَ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٧] وعَلى هَذا فالفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ اسْتَجابَ دُعاءَهم ووَعَدَهم بِالنَّصْرِ فَقالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وُجُوهَ النَّصْرِ وهي سِتَّةُ أنْواعٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ أيْ مِن قِبَلِ اللَّهِ،

صفحة ١٠٧

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ نَوْمٍ ونُعاسٍ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَتَخْصِيصُ هَذا النُّعاسِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ فِيهِ مِن مَزِيدِ فائِدَةٍ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ الخائِفَ إذا خافَ مِن عَدُوِّهِ الخَوْفَ الشَّدِيدَ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ فَإنَّهُ لا يَأْخُذُهُ النَّوْمُ، وإذا نامَ الخائِفُونَ أمِنُوا، فَصارَ حُصُولُ النَّوْمِ لَهم في وقْتِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ يَدُلُّ عَلى إزالَةِ الخَوْفِ وحُصُولِ الأمْنِ.

وثانِيها: أنَّهم خافُوا مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ:

أحَدُها: قِلَّةُ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةُ الكُفّارِ.

وثانِيها: الأُهْبَةُ والآلَةُ والعُدَّةُ لِلْكافِرِينَ وقِلَّتُها لِلْمُؤْمِنِينَ.

وثالِثُها: العَطَشُ الشَّدِيدُ، فَلَوْلا حُصُولُ هَذا النُّعاسِ وحُصُولُ الِاسْتِراحَةِ حَتّى تَمَكَّنُوا في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ القِتالِ لَما تَمَّ الظَّفَرُ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في بَيانِ كَوْنِ ذَلِكَ النُّعاسِ نِعْمَةً في حَقِّهِمْ: أنَّهم ما نامُوا نَوْمًا غَرَقًا يَتَمَكَّنُ العَدُوُّ مِن مُعافَصَتِهِمْ بَلْ كانَ ذَلِكَ نُعاسًا يَحْصُلُ لَهم زَوالُ الإعْياءِ والكَلالِ مَعَ أنَّهم كانُوا بِحَيْثُ لَوْ قَصَدَهُمُ العَدُوُّ لَعَرَفُوا وُصُولَهُ …

Al-Anfaal 8:11Listen in Qur'an →
12

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."

النَّوْعُ الخامِسُ: مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿إذْ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ حالَ ما يُوحِي إلى المَلائِكَةِ بِكَذا وكَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ اذْكُرُوا.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَ المُؤْمِنِينَ فانْصُرُوهم وثَبِّتُوهم، وهَذا الثّانِي أوْلى لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةُ التَّخْوِيفِ، والمَلائِكَةُ ما كانُوا يَخافُونَ الكُفّارَ، وإنَّما الخائِفُ هُمُ المُسْلِمُونَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّثْبِيتِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم عَرَّفُوا الرَّسُولَ ﷺ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَرَّفَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، فَهَذا هو التَّثْبِيتُ.

والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ كَما يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الوَسْوَسَةِ إلى الإنْسانِ، فَكَذَلِكَ المَلَكُ يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الإلْهامِ إلَيْهِ فَهَذا هو التَّثْبِيتُ في هَذا البابِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَتَشَبَّهُونَ بِصُوَرِ رِجالٍ مِن مَعارِفِهِمْ وكانُوا يَمُدُّونَهم بِالنَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ.

والنَّوْعُ السّادِسُ مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وهَذا مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أمِيرَ النَّفْسِ هو القَلْبُ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ رَبَطَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى أنَّهُ قَوّاها وأزالَ الخَوْفَ عَنْها ذَكَرَ أنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ والخَوْفَ في قُلُوبِ الكافِرِينَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ وقِيلَ: بَلْ أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا هو الأصَحُّ لِما بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ المَلائِكَةَ لِأجْلِ المُقاتَلَةِ والمُحارَبَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّ المُسْلِمِينَ جَمِيعُ مُوجِباتِ النَّصْرِ والظَّفَرِ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَهم بِمُحارَبَتِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ ما فَوْقَ العُنُقِ هو الرَّأْسُ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِإزالَةِ الرَّأْسِ عَنِ الجَسَدِ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ فاضْرِبُوا الأعْناقَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ يَعْنِي الأطْرافَ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ المُرادُ أنْ يَضْرِبُوهم كَما شاءُوا، لِأنَّ ما فَوْقَ العُنُقِ هو الرَّأْسُ، وهو أشْرَفُ الأعْضاءِ، والبَنانُ عِبارَةٌ عَنْ أضْعَفِ الأعْضاءِ، فَذَكَرَ الأشْرَفَ والأخَسَّ تَنْبِيهًا عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ إمّا القَتْلُ، وهو ضَرْبُ ما فَوْقَ الأعْناقِ، أوْ قَطْعُ البَنانِ، لِأنَّ الأصابِعَ هي الآلاتُ في أخْذِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ الأسْلِحَةِ، فَإذا قَطَعَ بَنانَهم عَجَزُوا عَنِ المُحارَبَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ مِنَ النِّعَمِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ألْقاهم في الخِزْيِ والنَّكالِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ …

Al-Anfaal 8:12Listen in Qur'an →
13

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

That is because they opposed Allah and His Messenger. And whoever opposes Allah and His Messenger - indeed, Allah is severe in penalty.

النَّوْعُ الخامِسُ: مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿إذْ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ حالَ ما يُوحِي إلى المَلائِكَةِ بِكَذا وكَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ اذْكُرُوا.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَ المُؤْمِنِينَ فانْصُرُوهم وثَبِّتُوهم، وهَذا الثّانِي أوْلى لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةُ التَّخْوِيفِ، والمَلائِكَةُ ما كانُوا يَخافُونَ الكُفّارَ، وإنَّما الخائِفُ هُمُ المُسْلِمُونَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّثْبِيتِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم عَرَّفُوا الرَّسُولَ ﷺ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَرَّفَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، فَهَذا هو التَّثْبِيتُ.

والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ كَما يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الوَسْوَسَةِ إلى الإنْسانِ، فَكَذَلِكَ المَلَكُ يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الإلْهامِ إلَيْهِ فَهَذا هو التَّثْبِيتُ في هَذا البابِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَتَشَبَّهُونَ بِصُوَرِ رِجالٍ مِن مَعارِفِهِمْ وكانُوا يَمُدُّونَهم بِالنَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ.

والنَّوْعُ السّادِسُ مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وهَذا مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أمِيرَ النَّفْسِ هو القَلْبُ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ رَبَطَ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى أنَّهُ قَوّاها وأزالَ الخَوْفَ عَنْها ذَكَرَ أنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ والخَوْفَ في قُلُوبِ الكافِرِينَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ وقِيلَ: بَلْ أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا هو الأصَحُّ لِما بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ المَلائِكَةَ لِأجْلِ المُقاتَلَةِ والمُحارَبَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّ المُسْلِمِينَ جَمِيعُ مُوجِباتِ النَّصْرِ والظَّفَرِ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَهم بِمُحارَبَتِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ ما فَوْقَ العُنُقِ هو الرَّأْسُ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِإزالَةِ الرَّأْسِ عَنِ الجَسَدِ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ فاضْرِبُوا الأعْناقَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ يَعْنِي الأطْرافَ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ المُرادُ أنْ يَضْرِبُوهم كَما شاءُوا، لِأنَّ ما فَوْقَ العُنُقِ هو الرَّأْسُ، وهو أشْرَفُ الأعْضاءِ، والبَنانُ عِبارَةٌ عَنْ أضْعَفِ الأعْضاءِ، فَذَكَرَ الأشْرَفَ والأخَسَّ تَنْبِيهًا عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ إمّا القَتْلُ، وهو ضَرْبُ ما فَوْقَ الأعْناقِ، أوْ قَطْعُ البَنانِ، لِأنَّ الأصابِعَ هي الآلاتُ في أخْذِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ الأسْلِحَةِ، فَإذا قَطَعَ بَنانَهم عَجَزُوا عَنِ المُحارَبَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ مِنَ النِّعَمِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ألْقاهم في الخِزْيِ والنَّكالِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ …

Al-Anfaal 8:13Listen in Qur'an →
14

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ رُفِعَ لِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ﴿ذَلِكُمْ﴾ ابْتِداءً، وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ خَبَرٌ، لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، إلّا أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وكُلُّ رَجُلٍ في الدّارِ فَمُكْرَمٌ. أمّا أنْ يُقالَ: زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، فَلا يَجُوزُ إلّا أنْ نَجْعَلَ زَيْدًا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هَذا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، أيْ فَهو مُنْطَلِقٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، بَيَّنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ صِفَةَ عِقابِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ وهو المُعَجَّلُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى المُؤَجَّلِ لَهم في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ ذَوْقًا، لِأنَّ الذَّوْقَ لا يَكُونُ إلّا تَعَرُّفَ طَعْمِ اليَسِيرِ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الكَثِيرِ، فَعاجِلُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الآلامِ في الدُّنْيا كالذَّوْقِ القَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْرِ العَظِيمِ المُعَدِّ لَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّوْقَ يَحْصُلُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوى إدْراكِ الطُّعُومِ المَخْصُوصَةِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» “ فَهَذا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الذَّوْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ بِطَرِيقٍ رُوحانِيٍّ مُغايِرٍ لِلطَّرِيقِ الجُسْمانِيِّ.

Al-Anfaal 8:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [for battle], do not turn to them your backs [in flight].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ الزَّحْفِ لِلصَّبِيِّ، وهو أنْ يَزْحَفَ عَلى إسْتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ، وشَبَّهَ بِزَحْفِ الصَّبِيِّ مَشْيَ الطّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَذْهَبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى صاحِبَتِها لِلْقِتالِ، فَيَمْشِي كُلُّ فِئَةٍ مَشْيًا رُوَيْدًا إلى الفِئَةِ الأُخْرى قَبْلَ التَّدانِي لِلضِّرابِ، قالَ ثَعْلَبٌ: الزَّحْفُ المَشْيُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ يَسْقُطُ مِمّا بَيْنَ حَرْفَيْنِ حَرْفٌ فَيَزْحَفُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ.

صفحة ١١١

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أيْ مُتَزاحِفِينَ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْمُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والزَّحْفُ مَصْدَرٌ مَوْصُوفٌ بِهِ كالعَدْلِ والرِّضا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، والمَعْنى: إذا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِلْقِتالِ فَلا تَنْهَزِمُوا، ومَعْنى﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ لا تَجْعَلُوا ظُهُورَكم مِمّا يَلِيهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ هَذا الِانْهِزامِ بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْهِزامَ مُحَرَّمٌ إلّا في حالَتَيْنِ:

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِلْقِتالٍ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخَيِّلَ إلى عَدُوِّهِ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو أحَدُ أبْوابِ خُدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها، يُقالُ: تَحَرَّفَ وانْحَرَفَ إذا زالَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ.

والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ التَّنَحِّي وفِيهِ لُغَتانِ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ. قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَوْزُ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ فانْحازَ وتَحَوَّزَ وتَحَيَّزَ إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، ثُمَّ سُمِّيَ التَّنَحِّي تَحَيُّزًا، لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ ويَمِيلُ إلى غَيْرِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفِئَةُ الجَماعَةُ، فَإذا كانَ هَذا المُتَحَيِّزُ كالمُنْفَرِدِ، وفي الكُفّارِ كَثْرَةٌ، وغَلَبَ عَلى ظَنِّ ذَلِكَ المُنْفَرِدِ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ قُتِلَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنْ تَحَيَّزَ إلى جَمْعٍ كانَ راجِيًا لِلْخَلاصِ، وطامِعًا في العَدُوِّ بِالكَثْرَةِ، فَرُبَّما وجَبَ عَلَيْهِ التَّحَيُّزُ إلى هَذِهِ الفِئَةِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جائِزًا، والحاصِلُ أنَّ الِانْهِزامَ مِنَ العَدُوِّ حَرامٌ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ونارَ جَهَنَّمَ، قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الكُفّارِ دُونَ أهْلِ الصَّلاةِ، كَصُنْعِهِمْ في سائِرِ آياتِ الوَعِيدِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ ذَكَرْناها عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا …

Al-Anfaal 8:15Listen in Qur'an →
16

وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allah, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ الزَّحْفِ لِلصَّبِيِّ، وهو أنْ يَزْحَفَ عَلى إسْتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ، وشَبَّهَ بِزَحْفِ الصَّبِيِّ مَشْيَ الطّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَذْهَبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى صاحِبَتِها لِلْقِتالِ، فَيَمْشِي كُلُّ فِئَةٍ مَشْيًا رُوَيْدًا إلى الفِئَةِ الأُخْرى قَبْلَ التَّدانِي لِلضِّرابِ، قالَ ثَعْلَبٌ: الزَّحْفُ المَشْيُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ يَسْقُطُ مِمّا بَيْنَ حَرْفَيْنِ حَرْفٌ فَيَزْحَفُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ.

صفحة ١١١

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أيْ مُتَزاحِفِينَ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْمُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والزَّحْفُ مَصْدَرٌ مَوْصُوفٌ بِهِ كالعَدْلِ والرِّضا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، والمَعْنى: إذا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِلْقِتالِ فَلا تَنْهَزِمُوا، ومَعْنى﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ لا تَجْعَلُوا ظُهُورَكم مِمّا يَلِيهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ هَذا الِانْهِزامِ بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْهِزامَ مُحَرَّمٌ إلّا في حالَتَيْنِ:

إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِلْقِتالٍ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخَيِّلَ إلى عَدُوِّهِ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو أحَدُ أبْوابِ خُدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها، يُقالُ: تَحَرَّفَ وانْحَرَفَ إذا زالَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ.

والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ التَّنَحِّي وفِيهِ لُغَتانِ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ. قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَوْزُ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ فانْحازَ وتَحَوَّزَ وتَحَيَّزَ إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، ثُمَّ سُمِّيَ التَّنَحِّي تَحَيُّزًا، لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ ويَمِيلُ إلى غَيْرِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفِئَةُ الجَماعَةُ، فَإذا كانَ هَذا المُتَحَيِّزُ كالمُنْفَرِدِ، وفي الكُفّارِ كَثْرَةٌ، وغَلَبَ عَلى ظَنِّ ذَلِكَ المُنْفَرِدِ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ قُتِلَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنْ تَحَيَّزَ إلى جَمْعٍ كانَ راجِيًا لِلْخَلاصِ، وطامِعًا في العَدُوِّ بِالكَثْرَةِ، فَرُبَّما وجَبَ عَلَيْهِ التَّحَيُّزُ إلى هَذِهِ الفِئَةِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جائِزًا، والحاصِلُ أنَّ الِانْهِزامَ مِنَ العَدُوِّ حَرامٌ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ونارَ جَهَنَّمَ، قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الكُفّارِ دُونَ أهْلِ الصَّلاةِ، كَصُنْعِهِمْ في سائِرِ آياتِ الوَعِيدِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ ذَكَرْناها عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا …

Al-Anfaal 8:16Listen in Qur'an →
17

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And you did not kill them, but it was Allah who killed them. And you threw not, [O Muhammad], when you threw, but it was Allah who threw that He might test the believers with a good test. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ مُجاهِدٌ: اخْتَلَفُوا يَوْمَ بَدْرٍ. فَقالَ هَذا: أنا قَتَلْتُ، وقالَ الآخَرُ: أنا قَتَلْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الكَسْرَةَ الكَبِيرَةَ لَمْ تَحْصُلْ مِنكم وإنَّما حَصَلَتْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ: أعْطِنِي قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ مِن حَصْباءِ الوادِي، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ فانْهَزَمُوا» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ يَعْنِي أنَّ القَبْضَةَ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمَيْتَها، فَأنْتَ ما رَمَيْتَها في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ رَمْيَكَ لا يَبْلُغُ أثَرُهُ إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ سائِرِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَماها حَيْثُ نَفَّذَ أجْزاءَ ذَلِكَ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ، فَصُورَةُ الرَّمْيَةِ صَدَرَتْ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأثَرُها إنَّما صَدَرَ مِنَ اللَّهِ، فَلِهَذا المَعْنى صَحَّ فِيهِ النَّفْيُ والإثْباتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم جُرِحُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الأفْعالِ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ أثْبَتَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رامِيًا، ونَفى عَنْهُ كَوْنَهُ رامِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ رَماهُ كَسْبًا وما رَماهُ خَلْقًا.

فَإنْ قِيلَ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ إنَّما تَيَسَّرَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ ونَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، فَصَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ.

الثّانِي: أنَّ الجُرْحَ كانَ إلَيْهِمْ، وإخْراجُ الرُّوحِ كانَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ تُمِيتُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ أماتَهم.

صفحة ١١٣

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .

قالَ القاضِي: فِيهِ أشْياءُ:

مِنها: أنَّ الرَّمْيَةَ الواحِدَةَ لا تُوجِبُ وُصُولَ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ، وكانَ إيصالُ أجْزاءِ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ لَيْسَ إلّا بِإيصالِ اللَّهِ تَعالى.

ومِنها: أنَّ التُّرابَ الَّذِي رَماهُ كانَ قَلِيلًا، فَيَمْتَنِعُ وصُولُ ذَلِكَ القَدْرِ إلى عُيُونِ الكُلِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ضَمَّ إلَيْها أشْياءَ أُخَرَ مِن أجْزاءِ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ.

ومِنها: أنَّ عِنْدَ رَمْيَتِهِ ألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ هو أنَّهُ تَعالى رَمى قُلُوبَهم بِذَلِكَ الرُّعْبِ.

والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ …

Al-Anfaal 8:17Listen in Qur'an →
18

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ

That [is so], and [also] that Allah will weaken the plot of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ مُجاهِدٌ: اخْتَلَفُوا يَوْمَ بَدْرٍ. فَقالَ هَذا: أنا قَتَلْتُ، وقالَ الآخَرُ: أنا قَتَلْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الكَسْرَةَ الكَبِيرَةَ لَمْ تَحْصُلْ مِنكم وإنَّما حَصَلَتْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ: أعْطِنِي قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ مِن حَصْباءِ الوادِي، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ فانْهَزَمُوا» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ يَعْنِي أنَّ القَبْضَةَ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمَيْتَها، فَأنْتَ ما رَمَيْتَها في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ رَمْيَكَ لا يَبْلُغُ أثَرُهُ إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ سائِرِ البَشَرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَماها حَيْثُ نَفَّذَ أجْزاءَ ذَلِكَ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ، فَصُورَةُ الرَّمْيَةِ صَدَرَتْ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأثَرُها إنَّما صَدَرَ مِنَ اللَّهِ، فَلِهَذا المَعْنى صَحَّ فِيهِ النَّفْيُ والإثْباتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم جُرِحُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الأفْعالِ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ أثْبَتَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رامِيًا، ونَفى عَنْهُ كَوْنَهُ رامِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ رَماهُ كَسْبًا وما رَماهُ خَلْقًا.

فَإنْ قِيلَ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ إنَّما تَيَسَّرَ بِمَعُونَةِ اللَّهِ ونَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، فَصَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ.

الثّانِي: أنَّ الجُرْحَ كانَ إلَيْهِمْ، وإخْراجُ الرُّوحِ كانَ إلى اللَّهِ تَعالى، والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ تُمِيتُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ أماتَهم.

صفحة ١١٣

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .

قالَ القاضِي: فِيهِ أشْياءُ:

مِنها: أنَّ الرَّمْيَةَ الواحِدَةَ لا تُوجِبُ وُصُولَ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ، وكانَ إيصالُ أجْزاءِ التُّرابِ إلى عُيُونِهِمْ لَيْسَ إلّا بِإيصالِ اللَّهِ تَعالى.

ومِنها: أنَّ التُّرابَ الَّذِي رَماهُ كانَ قَلِيلًا، فَيَمْتَنِعُ وصُولُ ذَلِكَ القَدْرِ إلى عُيُونِ الكُلِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ضَمَّ إلَيْها أشْياءَ أُخَرَ مِن أجْزاءِ التُّرابِ وأوْصَلَها إلى عُيُونِهِمْ.

ومِنها: أنَّ عِنْدَ رَمْيَتِهِ ألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ هو أنَّهُ تَعالى رَمى قُلُوبَهم بِذَلِكَ الرُّعْبِ.

والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ …

Al-Anfaal 8:18Listen in Qur'an →
19

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you [disbelievers] seek the victory - the defeat has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allah is with the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (مُوَهِّنُ) بِتَشْدِيدِ الهاءِ مِنَ التَّوْهِينِ﴿كَيْدِ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ بِالإضافَةِ، والباقُونَ﴿مُوهِنُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ﴿كَيْدِ﴾ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] بِالتَّنْوِينِ وبِالإضافَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في ذَلِكَ ومَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَوْهِينُ اللَّهِ تَعالى كَيْدَهَمْ يَكُونُ بِأشْياءَ: بِإطْلاعِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَوْراتِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ، ونَقْضِ ما أبْرَمُوا بِسَبَبِ اخْتِلافِ عَزائِمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «يُنْبِئُ رَسُولَ اللَّهِ ويَقُولُ: إنِّي قَدْ أوْهَنْتُ كَيْدَ عَدُوِّكَ حَتّى قَتَلْتَ خِيارَهم وأسَرْتَ أشْرافَهم» .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أفْضَلَ الدِّينَيْنِ وأحَقَّهُ بِالنَّصْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أقْطَعَ لِلرَّحِمِ وأفْجَرَ فَأهْلِكْهُ الغَداةَ، وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أرادُوا الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ أخَذُوا أسْتارَ الكَعْبَةِ وقالُوا اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَفْتِحُوا أيْ تَسْتَنْصِرُوا لِأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمِ الحِزْبَيْنِ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ. وقالَ آخَرُونَ: إنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى المُشْرِكِينَ وكَثْرَةَ عَدَدِهِمُ اسْتَغاثَ بِاللَّهِ، وكَذَلِكَ الصَّحابَةُ، وطَلَبَ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ طَلَبَ النُّصْرَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِها الوَعْدُ، فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ، أيْ حَصَلَ ما وُعِدْتُمْ بِهِ فاشْكُرُوا اللَّهَ والزَمُوا طاعَتَهُ. قالَ القاضِي: وهَذا القَوْلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الفَتْحَ عَلى البَيانِ والحُكْمِ والقَضاءِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ يَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ الرَّسُولِ وعَداوَتِهِ وتَكْذِيبِهِ فَهو خَيْرٌ لَكم، أمّا في الدِّينِ فَبِالخَلاصِ مِنَ العِقابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ. وأمّا في الدُّنْيا فَبِالخَلاصِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ.

صفحة ١١٥

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ إلى القَتْلِ﴿نَعُدْ﴾ أيْ نُسَلِّطْهم عَلَيْكم، فَقَدْ …

Al-Anfaal 8:19Listen in Qur'an →
20

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ

O you who have believed, obey Allah and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِتَأْدِيبِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم ماذا يَسْمَعُونَ إلّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا لَمّا كانَ واقِعًا في الجِهادِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ دُعاءَهُ إلى الجِهادِ، ثُمَّ إنَّ الجِهادَ اشْتَمَلَ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ.

والثّانِي: الفَوْزُ بِالأمْوالِ.

ولَمّا كانَتِ المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، وكانَ تَرْكُ المالِ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ شاقًّا شَدِيدًا، لا جَرَمَ بالَغَ اللَّهُ تَعالى في التَّأْدِيبِ في هَذا البابِ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الإجابَةِ إلى الجِهادِ، وفي الإجابَةِ إلى تَرْكِ المالِ إذا أمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ، والمَقْصُودُ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ فَجَعَلَ الكِنايَةَ واحِدَةً مَعَ أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ .

صفحة ١١٦

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وبِطاعَةِ رَسُولِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا﴾ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وعَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وعَنْ مَعُونَتِهِ في الجِهادِ.

ثُمَّ قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقْبَلَ التَّكْلِيفَ وأنْ يَلْتَزِمَهُ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْمَعَهُ، فَجَعَلَ السَّماعَ كِنايَةً عَنِ القَبُولِ، ومِنهُ قَوْلُهم سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ أنّا قَبِلْنا تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم بِقُلُوبِهِمْ لا يَقْبَلُونَها. وهو صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في الدَّوابِّ، فَقِيلَ: شَبَّهَهم بِالدَّوابِّ لِجَهْلِهِمْ وعُدُولِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَقُولُونَ ويُقالُ لَهُمْ؛ ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ وبِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. وقِيلَ: بَلْ هم مِنَ الدَّوابِّ لِأنَّهُ اسْمٌ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في مَعْرِضِ التَّشْبِيهِ، بَلْ وصَفَهم بِصِفَةٍ تَلِيقُ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، كَما يُقالُ لِمَن لا يَفْهَمُ الكَلامَ هو شَبَحٌ وجَسَدٌ وطَلَلٌ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَعَدَمُ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ مِن …

Al-Anfaal 8:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.