إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
﴿إذْ يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾
لَقَدْ أبْدَعَ نَظْمُ الآياتِ في التَّنَقُّلِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ
صفحة ٢٧٨
- تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقَرَنَها في قَرْنِ زَمانِها، وجَعَلَ يَنْتَقِلُ مِن إحْداها إلى الأُخْرى بِواسِطَةِ ”إذِ“ الزَّمانِيَّةُ، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّخَلُّصِ، وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فِيما أحْسَبُ.
ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا الظَّرْفُ مَفْعُولًا فِيهِ لِقَوْلِهِ ”وما النَّصْرُ“ فَإنَّ إغْشاءَهُمُ النُّعاسَ كانَ مِن أسْبابِ النَّصْرِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ وقْتُ حُصُولِهِ ظَرْفًا لِلنَّصْرِ.
والغَشْيُ والغَشَيانُ كَوْنُ الشَّيْءِ غاشِيًا أيْ غامًّا ومُغَطِّيًا، فالنَّوْمُ يُغَطِّي العَقْلَ، والنُّعاسُ النَّوْمُ غَيْرُ الثَّقِيلِ، وهو مِثْلُ السِّنَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: يُغْشِيكم، بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ بَعْدَها ياءٌ مُضارِعُ أغْشاهُ وبِنَصْبِ النُّعاسِ، والتَّقْدِيرُ إذْ يُغْشِيكُمُ اللَّهُ النُّعاسَ، والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَغْشى بِسَبَبِ تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ بَعْدَها ألِفٌ، وبِرَفْعِ النُّعاسِ، عَلى أنَّ ”يَغْشاكم“ مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ فاعِلٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ: بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، ونَصْبِ النُّعاسِ، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ غَشّاهُ المُضاعَفِ والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ.
فَإسْنادُ الإغْشاءِ أوِ التَّغْشِيَةِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ أنْ يَنامُوا في وقْتٍ لا يَنامُ في مِثْلِهِ الخائِفُ، ولا يَكُونُ عامًّا سائِرَ الجَيْشِ فَهو نَوْمٌ مَنَحَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ لِفائِدَتِهِمْ.
وإسْنادُ الغَشْيِ إلى النُّعاسِ حَقِيقَةٌ عَلى المُتَعارَفِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ أمَنَةً مِنهُ.
والأمَنَةُ الأمْنُ، وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ النُّعاسَ، وعَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ النُّعاسَ.
وإنَّما كانَ النُّعاسُ أمْنًا لَهم لِأنَّهم لَمّا نامُوا زالَ أثَرُ الخَوْفِ مِن نُفُوسِهِمْ في مُدَّةِ النَّوْمِ فَتِلْكَ نِعْمَةٌ، ولَمّا اسْتَيْقَظُوا وجَدُوا نَشاطًا، ونَشاطُ الأعْصابِ يُكْسِبُ صاحِبَهُ شَجاعَةً ويُزِيلُ شُعُورِ الخَوْفِ الَّذِي هو فُتُورُ الأعْصابِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُغْشِيكم“ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
صفحة ٢٧٩
و”مَن“ في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، وهو وصْفٌ لِأمْنِهِ لِإفادَةِ تَشْرِيفِ ذَلِكَ النُّعاسِ وأنَّهُ وارِدٌ مِن جانِبِ القُدُسِ، فَهو لُطْفٌ وسَكِينَةٌ ورَحْمَةٌ رَبّانِيَّةٌ، ويَتَأكَّدُ بِهِ إسْنادُ الإغْشاءِ إلى اللَّهِ، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبُوا النُّعاسَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إسْنادٌ مَخْصُوصٌ، ولَيْسَ الإسْنادُ الَّذِي يَعُمُّ المَقْدُوراتِ كُلِّها، وعَلى قِراءَةِ مَن رَفَعُوا النُّعاسَ يَكُونُ وصْفُ الأمَنَةِ بِأنَّها مِنهُ سارِيًا إلى الغَشْيِ فَيُعْلَمُ أنَّهُ غَشْيٌ خاصٌّ قُدْسِيٌّ، ولَيْسَ مِثْلَ سائِرِ غَشَيانِ النُّعاسِ فَهو خارِقٌ لِلْعادَةِ كانَ كَرامَةً لَهم وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَما هو صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ، وحَصَلَ النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ لِطائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ قالَ - تَعالى - ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا …