Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

صفحة ٩٢

[ سُورَةُ الأنْفالِ ]

مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن آيَةِ: ٣٠ إلى غايَةِ ٣٦ فَمَكِّيَّةٌ وآياتُها ٧٥ نَزَلَتْ بَعْدَ البَقَرَةِ

﷽

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﷽

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ يَقْتَضِي البَحْثَ عَنْ خَمْسَةِ أشْياءَ، السّائِلِ، والمَسْؤُولِ، وحَقِيقَةِ النَّفْلِ، وكَوْنِ ذَلِكَ السُّؤالِ عَنْ أيِّ الأحْكامِ كانَ، وأنَّ المُفَسِّرِينَ بِأيِّ شَيْءٍ فَسَّرُوا الأنْفالَ.

أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو أنَّ السّائِلِينَ مَن كانُوا ؟ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ إخْبارٌ عَمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم وحَسُنَ ذَلِكَ هَهُنا، لِأنَّ حالَةَ النُّزُولِ كانَ السّائِلُ عَنْ هَذا السُّؤالِ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ إلَيْهِمْ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا أقْوامًا لَهم تُعَلُّقٌ بِالغَنائِمِ والأنْفالِ، وهم أقْوامٌ مِنَ الصَّحابَةِ.

وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو أنَّ المَسْؤُولَ مَن كانَ ؟ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو النَّبِيُّ ﷺ .

وأمّا البَحْثُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الأنْفالَ ما هي ؟ فَنَقُولُ: قالَ الزُّهْرِيُّ: النَّفْلُ والنّافِلَةُ ما كانَ زِيادَةً عَلى الأصْلِ، وسُمِّيَتِ الغَنائِمُ أنْفالًا لِأنَّ المُسْلِمِينَ فُضِّلُوا بِها عَلى سائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الغَنائِمُ، وصَلاةُ التَّطَوُّعِ نافِلَةٌ لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى الفَرْضِ الَّذِي هو الأصْلُ، وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٢] أيْ زِيادَةً عَلى ما سَألَ.

وأمّا البَحْثُ الرّابِعُ: وهو أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ أحْكامِ الأنْفالِ كانَ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لَفْظُ السُّؤالِ وإنْ كانَ مُبْهَمًا إلّا أنَّ تَعْيِينَ الجَوابِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنْ ذَلِكَ المُعَيَّنِ، ونَظِيرُهُ

صفحة ٩٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢]﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٠] فَعُلِمَ مِنهُ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ حُكْمٍ مِن أحْكامِ المَحِيضِ واليَتامى، وذَلِكَ الحُكْمُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، إلّا أنَّ الجَوابَ كانَ مُعَيَّنًا لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المَحِيضِ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢] فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ سُؤالًا عَنْ مُخالَطَةِ النِّساءِ في المَحِيضِ.

وقالَ في اليَتامى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٠] فَدَلَّ هَذا الجَوابُ المُعَيَّنُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ المُعَيَّنَ كانَ واقِعًا عَنِ التَّصَرُّفِ في مالِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ في المُؤاكَلَةِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] فَدَلَّ هَذا الجَوابُ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ عَنْ كَوْنِ الرُّوحِ مُحْدَثًا أوْ قَدِيمًا، فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ في جَوابِ السُّؤالِ عَنِ الأنْفالِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ دَلَّ هَذا عَلى أنَّهم سَألُوهُ عَنِ الأنْفالِ كَيْفَ مَصْرِفُها ومَنِ المُسْتَحِقُّ لَها ؟ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ أيْ مِنَ الأنْفالِ، والمُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ: الِاسْتِعْطاءُ عَلى ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ واقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإيمانِ مُسْتَلْزِمًا لِلطّاعَةِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَفْصِيلٍ، وبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الطّاعاتِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ يُقالُ: وجِلَ يَوْجَلُ وجَلًا، فَهو وجِلٌ، وأوْجَلَ إذا خافَ. قالَ الشّاعِرُ:

لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ

والمُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَكُونُ مُؤْمِنًا إذا كانَ خائِفًا مِنَ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢] .

وقالَ أصْحابُ الحَقائِقِ: الخَوْفُ عَلى قِسْمَيْنِ: خَوْفُ العِقابِ، وخَوْفُ العَظَمَةِ والجَلالِ. أمّا خَوْفُ العِقابِ فَهو لِلْعُصاةِ، وأمّا خَوْفُ الجَلالِ والعَظَمَةِ فَهو لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، سَواءً كانَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ وما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ فَمُحْتاجُونَ إلَيْهِ، والمُحْتاجُ إذا حَضَرَ عِنْدَ المَلِكِ الغَنِيِّ يَهابُهُ ويَخافُهُ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الهَيْبَةُ مِنَ العِقابِ، بَلْ مُجَرَّدُ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ يُوجِبُ تِلْكَ المَهابَةَ وذَلِكَ الخَوْفَ.

صفحة ٩٦

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الوَجَلِ القِسْمَ الأوَّلَ، فَذَلِكَ لا يَحْصُلُ مِن مُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ مِن ذِكْرِ عِقابِ اللَّهِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلْزامُ أصْحابِ بَدْرٍ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ الرَّسُولِ في قِسْمَةِ الأنْفالِ، وأمّا إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الوَجَلِ القِسْمَ الثّانِيَ، فَذَلِكَ لازِمٌ مِن مُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ، ولا حاجَةَ في الآيَةِ إلى الإضْمارِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وأيْضًا قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] قُلْنا: الِاطْمِئْنانُ إنَّما يَكُونُ عَنْ ثَلْجِ اليَقِينِ، وشَرْحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، والوَجَلُ إنَّما يَكُونُ مِن خَوْفِ العُقُوبَةِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: هَذانِ الوَصْفانِ اجْتَمَعا في آيَةٍ واحِدَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] والمَعْنى: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ مِن خَوْفِ …

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ واقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الإيمانِ مُسْتَلْزِمًا لِلطّاعَةِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدَ شَرْحٍ وتَفْصِيلٍ، وبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الطّاعاتِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ يُقالُ: وجِلَ يَوْجَلُ وجَلًا، فَهو وجِلٌ، وأوْجَلَ إذا خافَ. قالَ الشّاعِرُ:

لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ

والمُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَكُونُ مُؤْمِنًا إذا كانَ خائِفًا مِنَ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢] .

وقالَ أصْحابُ الحَقائِقِ: الخَوْفُ عَلى قِسْمَيْنِ: خَوْفُ العِقابِ، وخَوْفُ العَظَمَةِ والجَلالِ. أمّا خَوْفُ العِقابِ فَهو لِلْعُصاةِ، وأمّا خَوْفُ الجَلالِ والعَظَمَةِ فَهو لا يَزُولُ عَنْ قَلْبِ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، سَواءً كانَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ وما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ فَمُحْتاجُونَ إلَيْهِ، والمُحْتاجُ إذا حَضَرَ عِنْدَ المَلِكِ الغَنِيِّ يَهابُهُ ويَخافُهُ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الهَيْبَةُ مِنَ العِقابِ، بَلْ مُجَرَّدُ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ يُوجِبُ تِلْكَ المَهابَةَ وذَلِكَ الخَوْفَ.

صفحة ٩٦

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الوَجَلِ القِسْمَ الأوَّلَ، فَذَلِكَ لا يَحْصُلُ مِن مُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ مِن ذِكْرِ عِقابِ اللَّهِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلْزامُ أصْحابِ بَدْرٍ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ الرَّسُولِ في قِسْمَةِ الأنْفالِ، وأمّا إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الوَجَلِ القِسْمَ الثّانِيَ، فَذَلِكَ لازِمٌ مِن مُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ، ولا حاجَةَ في الآيَةِ إلى الإضْمارِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وأيْضًا قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] قُلْنا: الِاطْمِئْنانُ إنَّما يَكُونُ عَنْ ثَلْجِ اليَقِينِ، وشَرْحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، والوَجَلُ إنَّما يَكُونُ مِن خَوْفِ العُقُوبَةِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: هَذانِ الوَصْفانِ اجْتَمَعا في آيَةٍ واحِدَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] والمَعْنى: تَقْشَعِرُّ الجُلُودُ مِن خَوْفِ …

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَ: أثْبَتَ لِلْمَوْصُوفِينَ بِها أُمُورًا ثَلاثَةً:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ .

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ بِماذا يَتَّصِلُ ؟، فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِيقَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في انْتِصابِ﴿حَقًّا﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ أُخْبِرُكم بِذَلِكَ حَقًّا، أيْ إخْبارًا حَقًّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النِّساءِ: ١٥١] .

والثّانِي: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ كانَ حَقًّا صِدْقًا.

الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ أُحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا أمْ لا ؟ فَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولا يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوْلى أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. أمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّهُ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَهم فِيهِ مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ حُصُولِ الشَّكِّ في حُصُولِ الإيمانِ.

المَقامُ الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإيمانَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَ الإنْسانِ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والشَّكُّ في أحَدِ أجْزاءِ الماهِيَّةِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حُصُولِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالإنْسانُ وإنْ كانَ جازِمًا بِحُصُولِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ شاكًّا في حُصُولِ العَمَلِ كانَ هَذا القَدْرُ يُوجِبُ كَوْنَهُ شاكًّا في حُصُولِ الإيمانِ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَلَمّا كانَ الإيمانُ اسْمًا لِلِاعْتِقادِ والقَوْلِ، وكانَ العَمَلُ خارِجًا عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الشَّكِّ في حُصُولِ الأعْمالِ الشَّكُّ في الإيمانِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن قالَ إنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ يَلْزَمُهُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الإيمانِ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الخِلافَ لَيْسَ إلّا في اللَّفْظِ فَقَطْ. وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ لَيْسَ لِأجْلِ الشَّكِّ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا أشْرَفُ صِفاتِهِ وأعْرَفُ نُعُوتِهِ وأحْوالِهِ، فَإذا قالَ أنا مُؤْمِنٌ فَكَأنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ بِأعْظَمِ المَدائِحِ، فَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لِيَصِيرَ هَذا سَبَبًا لِحُصُولِ الِانْكِسارِ في القَلْبِ وزَوالِ العُجْبِ. رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ لِقَتادَةَ: لِمَ تَسْتَثْنِي في إيمانِكَ ؟ قالَ اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ:

صفحة ٩٩

﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] …

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِهَذا الإخْراجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى كَثْرَةَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالَ: ”«مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا» “ لِيُرَغِّبَهم في القِتالِ، فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِكَ وقَوْمِكَ فَدَوْكَ بِأنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَتَأخَّرُوا عَنِ القِتالِ جُبْنًا ولا بُخْلًا بِبَذْلِ مُهَجِهِمْ ولَكِنَّهم أشْفَقُوا عَلَيْكَ مِن أنْ تُغْتالَ، فَمَتى أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ ما سَمَّيْتَهُ لَهم بَقِيَ خَلْقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ، فَأمْسَكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الطَّلَبِ وفي أنْفُسِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الكَراهِيَةِ، وأيْضًا حِينَ خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ إلى القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا كارِهِينَ لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ عَلى ما سَنَشْرَحُ حالَةَ تِلْكَ الكَراهِيَةِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم رَضُوا بِهَذا الحُكْمِ في الأنْفالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكِ بِالحَقِّ إلى القِتالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ثَبَتَ الحُكْمُ بِأنَّ الأنْفالَ لِلَّهِ وإنْ كَرِهُوهُ، كَما ثَبَتَ حُكْمُ اللَّهِ بِإخْراجِكَ إلى القِتالِ وإنْ كَرِهُوهُ.

الثّالِثُ: لَمّا قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ حَقٌّ، كَما أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِإخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لِلْقِتالِ حَقٌّ.

الرّابِعُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”الكافُ“ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ والتَّقْدِيرُ

صفحة ١٠٢

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ عَلى كُرْهِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَذَلِكَ هم يَكْرَهُونَ القِتالَ ويُجادِلُونَكَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ يُرِيدُ بَيْتَهُ بِالمَدِينَةِ أوِ المَدِينَةَ نَفْسَها، لِأنَّها مَوْضِعُ هِجْرَتِهِ وسُكْناهُ﴿بِالحَقِّ﴾، أيْ إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ، والصَّوابُ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ أخْرَجَكَ في حالِ كَراهِيَتِهِمْ، رُوِيَ أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها أمْوالٌ كَثِيرَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأقْوامٌ آخَرُونَ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا أزْمَعُوا وخَرَجُوا، بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ: يا أهْلَ مَكَّةَ النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ ! إنْ أخَذَ مُحَمَّدٌ عِيرَكم لَنْ تَفْلَحُوا أبَدًا. وقَدْ رَأتْ أُخْتُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رُؤْيا، فَقالَتْ لِأخِيها: إنِّي رَأيْتُ عَجَبًا، رَأيْتُ كَأنَّ مَلَكًا …

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِهَذا الإخْراجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى كَثْرَةَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالَ: ”«مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا» “ لِيُرَغِّبَهم في القِتالِ، فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِكَ وقَوْمِكَ فَدَوْكَ بِأنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَتَأخَّرُوا عَنِ القِتالِ جُبْنًا ولا بُخْلًا بِبَذْلِ مُهَجِهِمْ ولَكِنَّهم أشْفَقُوا عَلَيْكَ مِن أنْ تُغْتالَ، فَمَتى أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ ما سَمَّيْتَهُ لَهم بَقِيَ خَلْقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ، فَأمْسَكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الطَّلَبِ وفي أنْفُسِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الكَراهِيَةِ، وأيْضًا حِينَ خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ إلى القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا كارِهِينَ لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ عَلى ما سَنَشْرَحُ حالَةَ تِلْكَ الكَراهِيَةِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم رَضُوا بِهَذا الحُكْمِ في الأنْفالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكِ بِالحَقِّ إلى القِتالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ثَبَتَ الحُكْمُ بِأنَّ الأنْفالَ لِلَّهِ وإنْ كَرِهُوهُ، كَما ثَبَتَ حُكْمُ اللَّهِ بِإخْراجِكَ إلى القِتالِ وإنْ كَرِهُوهُ.

الثّالِثُ: لَمّا قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ حَقٌّ، كَما أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِإخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لِلْقِتالِ حَقٌّ.

الرّابِعُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”الكافُ“ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ والتَّقْدِيرُ

صفحة ١٠٢

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ عَلى كُرْهِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَذَلِكَ هم يَكْرَهُونَ القِتالَ ويُجادِلُونَكَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ يُرِيدُ بَيْتَهُ بِالمَدِينَةِ أوِ المَدِينَةَ نَفْسَها، لِأنَّها مَوْضِعُ هِجْرَتِهِ وسُكْناهُ﴿بِالحَقِّ﴾، أيْ إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ، والصَّوابُ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ أخْرَجَكَ في حالِ كَراهِيَتِهِمْ، رُوِيَ أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها أمْوالٌ كَثِيرَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأقْوامٌ آخَرُونَ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا أزْمَعُوا وخَرَجُوا، بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ: يا أهْلَ مَكَّةَ النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ ! إنْ أخَذَ مُحَمَّدٌ عِيرَكم لَنْ تَفْلَحُوا أبَدًا. وقَدْ رَأتْ أُخْتُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رُؤْيا، فَقالَتْ لِأخِيها: إنِّي رَأيْتُ عَجَبًا، رَأيْتُ كَأنَّ مَلَكًا …

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ:(إذْ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أنَّها لَكم بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٦] و﴿أنَّ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما نَصَبَ السّاعَةَ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] (أنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِلَوْلا. والطّائِفَتانِ: العِيرُ والنَّفِيرُ. وغَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ: العِيرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا والشَّوْكَةُ كانَتْ في النَّفِيرِ لِعَدَدِهِمْ وعُدَّتِهِمْ، والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، ويُقالُ شَوْكُ القَنا لِسِنانِها، ومِنهُ قَوْلُهم شاكِي السِّلاحِ، أيْ تَتَمَنَّوْنَ أنْ يَكُونَ لَكُمُ العِيرُ لِأنَّها الطّائِفَةُ الَّتِي لا حِدَّةَ لَها ولا شِدَّةَ، ولا تُرِيدُونَ الطّائِفَةَ الأُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الطّائِفَةِ الأُخْرى لِيُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ ثُمَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ تَكْرِيرٌ مَحْضٌ ؟ .

والجَوابُ: لَيْسَ هَهُنا تَكْرِيرٌ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ سَبَبُ ما وعَدَ بِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ، والمُرادُ بِالثّانِي تَقْوِيَةُ القُرْآنِ والدِّينِ ونُصْرَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، لِأنَّ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِالكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِعِزَّةِ الدِّينِ وقُوَّتِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ الَّذِي هو الشِّرْكُ، وذَلِكَ في مُقابَلَةِ﴿الحَقَّ﴾ الَّذِي هو الدِّينُ والإيمانُ.

السُّؤالُ الثّانِي: الحَقُّ حَقٌّ لِذاتِهِ، والباطِلُ باطِلٌ لِذاتِهِ، وما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ فَما المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ؟ .

صفحة ١٠٤

والجَوابُ: المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، بِإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الحَقِّ حَقًّا، وإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الباطِلِ باطِلًا، وذَلِكَ تارَةً يَكُونُ بِإظْهارِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وتارَةً بِتَقْوِيَةِ رُؤَساءِ الحَقِّ وقَهْرِ رُؤَساءِ الباطِلِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ قالُوا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ يُوجَدُ الحَقُّ ويَكُونُهُ، والحَقُّ لَيْسَ إلّا الدِّينَ والِاعْتِقادَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى إظْهارِ آثارِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ حَصَلَ بِفِعْلِ العِبادِ، فامْتَنَعَ أيْضًا إضافَةُ ذَلِكَ الإظْهارِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِن إظْهارِهِ وضْعُ الدَّلائِلِ عَلَيْها، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ وإلى المُسْلِمِ، وقَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ وبَعْدَها، فَلا يَحْصُلُ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِهَذا المَعْنى فائِدَةٌ أصْلًا.

واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ …

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ:(إذْ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أنَّها لَكم بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٦] و﴿أنَّ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما نَصَبَ السّاعَةَ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] (أنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِلَوْلا. والطّائِفَتانِ: العِيرُ والنَّفِيرُ. وغَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ: العِيرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا والشَّوْكَةُ كانَتْ في النَّفِيرِ لِعَدَدِهِمْ وعُدَّتِهِمْ، والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، ويُقالُ شَوْكُ القَنا لِسِنانِها، ومِنهُ قَوْلُهم شاكِي السِّلاحِ، أيْ تَتَمَنَّوْنَ أنْ يَكُونَ لَكُمُ العِيرُ لِأنَّها الطّائِفَةُ الَّتِي لا حِدَّةَ لَها ولا شِدَّةَ، ولا تُرِيدُونَ الطّائِفَةَ الأُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الطّائِفَةِ الأُخْرى لِيُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ ثُمَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ تَكْرِيرٌ مَحْضٌ ؟ .

والجَوابُ: لَيْسَ هَهُنا تَكْرِيرٌ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ سَبَبُ ما وعَدَ بِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ، والمُرادُ بِالثّانِي تَقْوِيَةُ القُرْآنِ والدِّينِ ونُصْرَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، لِأنَّ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِالكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِعِزَّةِ الدِّينِ وقُوَّتِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ الَّذِي هو الشِّرْكُ، وذَلِكَ في مُقابَلَةِ﴿الحَقَّ﴾ الَّذِي هو الدِّينُ والإيمانُ.

السُّؤالُ الثّانِي: الحَقُّ حَقٌّ لِذاتِهِ، والباطِلُ باطِلٌ لِذاتِهِ، وما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ فَما المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ؟ .

صفحة ١٠٤

والجَوابُ: المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، بِإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الحَقِّ حَقًّا، وإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الباطِلِ باطِلًا، وذَلِكَ تارَةً يَكُونُ بِإظْهارِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وتارَةً بِتَقْوِيَةِ رُؤَساءِ الحَقِّ وقَهْرِ رُؤَساءِ الباطِلِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ قالُوا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ يُوجَدُ الحَقُّ ويَكُونُهُ، والحَقُّ لَيْسَ إلّا الدِّينَ والِاعْتِقادَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى إظْهارِ آثارِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ حَصَلَ بِفِعْلِ العِبادِ، فامْتَنَعَ أيْضًا إضافَةُ ذَلِكَ الإظْهارِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِن إظْهارِهِ وضْعُ الدَّلائِلِ عَلَيْها، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ وإلى المُسْلِمِ، وقَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ وبَعْدَها، فَلا يَحْصُلُ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِهَذا المَعْنى فائِدَةٌ أصْلًا.

واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ …

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى نَصَرَهم عِنْدَ الِاسْتِغاثَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِي﴿إذْ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرُوا إذْ تَسْتَغِيثُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةَ كانَتْ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ «ونَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ

صفحة ١٠٥

ونَيِّفٌ، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ“ ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، ورَدَّهُ أبُو بَكْرٍ ثُمَّ التَزَمَهُ ثُمَّ قالَ: كَفاكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولَمّا اصْطَفَّتِ القَوْمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ بِالدُّعاءِ المَذْكُورِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةَ كانَتْ مِن جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ أقْدَمَ الرَّسُولُ عَلى الِاسْتِغاثَةِ كانَ حاصِلًا فِيهِمْ، بَلْ خَوْفُهم كانَ أشَدَّ مِن خَوْفِ الرَّسُولِ، فالأقْرَبُ أنَّهُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ وتَضَّرَّعَ عَلى ما رُوِيَ، والقَوْمُ كانُوا يُؤَمِّنُونَ عَلى دُعائِهِ تابِعِينَ لَهُ في الدُّعاءِ في أنْفُسِهِمْ، فَنَقَلَ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ لِأنَّهُ رَفَعَ بِذَلِكَ الدُّعاءِ صَوْتَهُ، ولَمْ يَنْقُلْ دُعاءَ القَوْمِ. فَهَذا هو طَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أيْ تَطْلُبُونَ الإغاثَةَ، يَقُولُ الواقِعُ في بَلِيَّةٍ أغِثْنِي أيْ فَرِّجْ عَنِّي.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُمُ الِاسْتِغاثَةَ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أجابَهم وقالَ: ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أصْلُهُ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ اسْتَجابَ، فَنَصَبَ مَحَلَّهُ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهُ قَرَأ (إنِّي مُمِدُّكم) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِ والباقُونَ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أيْ مُتَتابِعِينَ يَأْتِي بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ كالقَوْمِ الَّذِينَ أُرْدِفُوا عَلى الدَّوابِّ و(مُرْدَفِينَ) أيْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أرْدَفَ المُسْلِمِينَ وأيَّدَهم بِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَمْسِمِائَةِ …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى نَصَرَهم عِنْدَ الِاسْتِغاثَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِي﴿إذْ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرُوا إذْ تَسْتَغِيثُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةَ كانَتْ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ «ونَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ

صفحة ١٠٥

ونَيِّفٌ، اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَهُ وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ“ ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، ورَدَّهُ أبُو بَكْرٍ ثُمَّ التَزَمَهُ ثُمَّ قالَ: كَفاكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولَمّا اصْطَفَّتِ القَوْمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أوْلانا بِالحَقِّ فانْصُرْهُ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ بِالدُّعاءِ المَذْكُورِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةَ كانَتْ مِن جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ أقْدَمَ الرَّسُولُ عَلى الِاسْتِغاثَةِ كانَ حاصِلًا فِيهِمْ، بَلْ خَوْفُهم كانَ أشَدَّ مِن خَوْفِ الرَّسُولِ، فالأقْرَبُ أنَّهُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ وتَضَّرَّعَ عَلى ما رُوِيَ، والقَوْمُ كانُوا يُؤَمِّنُونَ عَلى دُعائِهِ تابِعِينَ لَهُ في الدُّعاءِ في أنْفُسِهِمْ، فَنَقَلَ دُعاءَ رَسُولِ اللَّهِ لِأنَّهُ رَفَعَ بِذَلِكَ الدُّعاءِ صَوْتَهُ، ولَمْ يَنْقُلْ دُعاءَ القَوْمِ. فَهَذا هو طَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّواياتِ المُخْتَلِفَةِ في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أيْ تَطْلُبُونَ الإغاثَةَ، يَقُولُ الواقِعُ في بَلِيَّةٍ أغِثْنِي أيْ فَرِّجْ عَنِّي.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُمُ الِاسْتِغاثَةَ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أجابَهم وقالَ: ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أصْلُهُ بِأنِّي مُمِدُّكم، فَحَذَفَ الجارَّ وسَلَّطَ عَلَيْهِ اسْتَجابَ، فَنَصَبَ مَحَلَّهُ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهُ قَرَأ (إنِّي مُمِدُّكم) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ القَوْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِ والباقُونَ بِكَسْرِها. قالَ الفَرّاءُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أيْ مُتَتابِعِينَ يَأْتِي بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ كالقَوْمِ الَّذِينَ أُرْدِفُوا عَلى الدَّوابِّ و(مُرْدَفِينَ) أيْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أرْدَفَ المُسْلِمِينَ وأيَّدَهم بِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خَمْسِمِائَةِ …

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.