Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 75

11

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ أيْ: يُلْقِي عَلَيْكُمُ النُّوَّمَ لِلْأمْنِ الكائِنِ مِنهُ تَعالى مِمّا حَصَلَ لَكم مِنَ الخَوْفِ مِن كَثْرَةِ عَدُوِّكم.

وقَدْ كانَ أسَهَرَهُمُ الخَوْفُ، فَألْقى تَعالى عَلَيْهِمُ النَّوْمَ فَأمِنُوا واسْتَراحُوا. وكَذَلِكَ فَعَلَ تَعالى بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ، كَما قالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقُرِئَ: (يُغْشِيكم) مِنَ الإغْشاءِ، بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ والفاعِلُ في الوَجْهَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: (يَغْشاكم) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ.

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا كانَ يَوْمُ (بَدْرٍ) في العَرِيشِ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهُما يَدْعُوانِ، أخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُتَبَسِّمًا، فَقالَ: «أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ، هَذا جِبْرِيلُ، عَلى ثَغاياهُ النَّقْعُ» . ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ العَرِيشِ، وهو يَتْلُوا: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]»

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى مِنَّةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى نَصْرِهِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ، وهو تَطْهِيرُ الظّاهِرِ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: وسْوَسَتَهُ، بِأنَّكم عَلى هَذا الرَّمْلِ لا تَتَمَكَّنُونَ مِنَ المُحارَبَةِ، ومَعَ فَقْدِ الماءِ كَيْفَ تَفْعَلُونَ ؟ فَأزالَ تَعالى بِإنْزالِهِ ذَلِكَ، فَكانَ لَهم بِهِ طَهارَةٌ باطِنَةٌ، فَكَمُلَتْ لَهُمُ الطَّهارَتانِ، أيْ: مِن وسْوَسَةٍ أوْ خاطِرٍ سَيِّئٍ، وهو تَطْهِيرُ الباطِنِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُقَوِّيَها بِالثِّقَةِ، بِالأمْنِ وزَوالِ الخَوْفِ.

﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ: عَلى الرَّمْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، فَأطْفَأ بِهِ الغُبارَ، وتَلَبَّدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ نُفُوسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.

قالَ الجُشَمِيُّ: قالَ القاضِي: وهو أشْبَهُ بِالظّاهِرِ.

وقِيلَ بِالصَّبْرِ وقُوَّةِ القَلْبِ الَّتِي أفْرَغَها عَلَيْهِمْ، حَتّى ثَبَتُوا لِعَدُوِّهِمْ. وقَوْلُهُ (بِهِ)، يَرْجِعُ إلى الماءِ المُنَزَّلِ، أوْ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ البِشارَةِ والنَّصْرِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نِعْمَةٍ خَفِيَّةٍ أظْهَرَها تَعالى لَهم لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ:

Al-Anfaal 8:11Listen in Qur'an →
12

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ .

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ، ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

قالَ الجُشَمِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعَ المَلائِكَةِ، إذا أرْسَلَهم رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ، ويَحْتَمِلُ مَعَ المُسْلِمِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُوحِيَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَ المُؤْمِنِينَ، فانْصُرُوهم وثَبِّتُوهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِدَفْعِ الوَسْواسِ وبِالقِتالِ مَعَهم والحُضُورِ مَدَدًا وعَوْنًا ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفَ.

ثُمَّ عَلَّمَهم تَعالى كَيْفِيَّةَ الضَّرْبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لِلْمَلائِكَةِ. وعَلَيْهِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قاتَلُوا: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ: أعالِيَ الأعْناقِ الَّتِي هي المَذابِحُ، تَطْيِيرًا لِلرُّءُوسِ، لِأنَّها فَوْقَ الأعْناقِ.

﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أيْ: أصابِعَ، جَمْعُ (بَنانَةٍ)، قِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ، مُطْلَقُ الأطْرافِ مَجازًا، تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِالجُزْءِ، لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الأعْناقِ والمَقاتِلِ.

والمَعْنى: اضْرِبُوهم كَيْفَما اتُّفِقَ مِنَ المَقاتِلِ وغَيْرِها.

Al-Anfaal 8:12Listen in Qur'an →
13

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

That is because they opposed Allah and His Messenger. And whoever opposes Allah and His Messenger - indeed, Allah is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الضَّرْبُ أوِ الأمْرُ بِهِ ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: خالَفُوهُما فِيما شَرَعا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، إنْ أُرِيدَ بِالعِقابِ ما وقَعَ لَهم في الدُّنْيا، أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ، بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، وبَيانٌ لِخُسْرانِهِمْ في الدّارَيْنِ.

Al-Anfaal 8:13Listen in Qur'an →
14

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ .

﴿ذَلِكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ أيُّها الكُفّارُ في الدُّنْيا ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، مُبَيِّنًا وعِيدَهُ بِقَوْلِهِ:

Al-Anfaal 8:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [for battle], do not turn to them your backs [in flight].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ .

أيِ: الظُّهُورُ بِالِانْهِزامِ، و(الزَّحْفُ) الجَيْشُ الكَثِيرُ، تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، والجَمْعُ زُحُوفٌ، مِثْلَ فَلْسٍ وفُلُوسٍ.

ويُقالُ: زَحَفَ إلَيْهِ، أيْ: مَشى، وزَحَفَ الصَّبِيُّ عَلى اسْتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ. شَبَّهَ بِزَحْفِ الصِّبْيانِ مَشْيَ الجَيْشِ الكَثِيرِ لِلْقِتالِ، لِأنَّهُ لِكَثْرَتِهِ يُرى كَأنَّهُ يَزْحَفُ، أيْ: يَدِبُّ دَبِيبًا قَبْلَ التَّدانِي لِلضِّرابِ أوِ الطِّعانِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿زَحْفًا﴾ مَنصُوبٌ، إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ: ﴿لَقِيتُمُ﴾ أيْ: زاحِفِينَ نَحْوَكم، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هو الحالُ مِنهُ، أيْ: يَزْحَفُونَ زَحْفًا.

وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُ، ومِن مَفْعُولِهِ مَعًا كَما قِيلَ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ الإدْبارِ بِتَوَجُّهِهِمُ السّابِقِ إلى العَدُوِّ أوْ بِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ تَوَجُّهُ العَدُوِّ إلَيْهِمْ وكَثْرَتُهم هو الدّاعِي إلى الإدْبارِ عادَةً، والمُحْوِجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ.

وحَمْلُهُ عَلى الإشْعارِ بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ، حَيْثُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وهم زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا - بِعِيدٌ.

والمَعْنى: إذا لَقِيتُمُوهم لِلْقِتالِ، وهم كَثِيرٌ جَمٌّ وأنْتُمْ قَلِيلٌ، فَلا تُوَلُّوهم أدْبارَكم، فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، بَلْ قابِلُوهم وقاتِلُوهم، فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهم.

قالَ الشِّهابُ: عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الظُّهُورِ إلى الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِلِانْهِزامِ، وتَنْفِيرًا عَنْهُ.

Al-Anfaal 8:15Listen in Qur'an →
16

وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allah, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .

﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ أيْ: مائِلًا لَهُ.

يُقالُ: تَحَرَّفَ وانْحَرَفَ واحْرَوْرَفَ: مالَ وعَدَلَ، وهَذا التَّحَرُّفُ إمّا بِالتَّوَجُّهِ إلى قِتالِ طائِفَةٍ أُخْرى أهَمَ مِن هَؤُلاءِ، وإمّا بِالفَرِّ لِلْكَرِّ، بِأنْ يُخَيَّلَ عَدُوُّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَغُرَّهُ، ويُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أعْوانِهِ، فَيَفِرَّ عَنْهُ، ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِ وحْدَهُ أوْ مَعَ مَن في الكَمِينِ مِن أصْحابِهِ، وهو بابٌ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلى جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ: ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ مُصابَرَةِ العَدُوِّ، أيِ: الثَّباتِ عِنْدَ القِتالِ، وتَحْرِيمِ الفِرارِ مِنهُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، لِأنَّهُ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ وعِيدًا شَدِيدًا.

الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ، إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ، أوِ التَّحَيُّزِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ.

قالَ الحاكِمُ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ.

ورَوى عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ المَذْكُورِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ (بَدْرٍ)، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ وأُجِيبُ بِأنَّ الإشارَةَ في: (يَوْمَئِذٍ) إلى يَوْمِ لِقاءِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، لا إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

الثّالِثُ: ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ، سِوى الَّتِي هو فِيها، سَواءٌ قَرُبَتْ تِلْكَ الفِئَةُ أوْ بَعُدَتْ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا عُبَيْدٍ قُتِلَ عَلى الجِسْرِ بِأرْضِ فارِسَ، لِكَثْرَةِ الجَيْشِ مِن ناحِيَةِ المَجُوسِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: أيُّها النّاسُ ! أنا فِئَتُكم.

وقالَ الضَّحّاكُ: المُتَحَيِّزُ إلى فِئَةٍ، الفارُّ إلى النَّبِيِّ وأصْحابِهِ.

وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ أوْ أصْحابِهِ، وجَنَحَ إلى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قالَ: مَن فَرَّ مِن سَرِيَّةٍ إلى أمِيرِهِ، أوْ إلى الإمامِ الأعْظَمِ، دَخَلَ في هَذِهِ الرُّخْصَةِ.

ثُمَّ أوْرَدَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ المَرْوِيَّ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ، قالَ: «كُنْتُ في سَرِيَّةٍ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، فَكُنْتُ فِيمَن حاصَ، فَقُلْنا: كَيْفَ نَصْنَعُ، وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ، وبُؤْنا بِالغَضَبِ، ثُمَّ قُلْنا: لَوْ دَخَلْنا المَدِينَةَ فَبِتْنا ! ثُمَّ قُلْنا: لَوْ عَرَضْنا أنْفُسَنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنْ كانَتْ لَنا تَوْبَةٌ، وإلّا ذَهَبْنا ! فَأتَيْناهُ قَبْلَ صَلاةِ الغَداةِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ. فَقالَ: «لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، أنا فِئَتُكم وفِئَةُ المُسْلِمِينَ»، قالَ: فَأتَيْناهُ حَتّى قَبَّلْنا يَدَهُ».

قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أبِي …

Al-Anfaal 8:16Listen in Qur'an →
17

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And you did not kill them, but it was Allah who killed them. And you threw not, [O Muhammad], when you threw, but it was Allah who threw that He might test the believers with a good test. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: بِقُوَّتِكم ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أيْ: سَبَبٌ في قَتْلِهِمْ بِنُصْرَتِكم وخِذْلانِهِمْ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، وقَوّى قُلُوبَكم، وأمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ، وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ.

﴿وما رَمَيْتَ﴾ أيْ: أنْتَ يا خاتَمَ النَّبِيِّينَ، أيْ: ما بَلَغَتْ رَمْيَةُ الحَصْباءِ إلى وُجُوهِ المُشْرِكِينَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ: بِالحَصْباءِ، لِأنَّ كَفًّا مِنها لا يَمْلَأُ عُيُونَ الجَيْشِ الكَثِيرِ بِرَمْيَةِ بَشَرٍ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ: بَلَّغَ بِإيصالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِيَقْهَرَهم.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: ما أصَبْتَ إذا رَمَيْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أصابَ.

والرَّمْيُ لا يُطْلَقُ إلّا عِنْدَ الإصابَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في أشْعارِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ القَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي حَصَبَ بِها النَّبِيُّ ﷺ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجَ مِنَ العَرِيشِ، بَعْدَ دُعائِهِ وتَضَرُّعِهِ واسْتِكانَتِهِ، فَرَماهم بِها وقالَ: ««شاهَتِ الوُجُوهُ»» . ثُمَّ أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَصْدُقُوا الحَمْلَةَ إثْرَها، فَفَعَلُوا، فَأوْصَلَ اللَّهُ تِلْكَ الحَصْباءَ إلى أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنهم إلّا نالَهُ ما شَغَلَهُ عَنْ حالِهِ، وانْهَزَمُوا.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجُشَمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يُضافُ إلَيْهِ تَعالى إذا كانَ بِنُصْرَتِهِ ومَعُونَتِهِ وتَمْكِينِهِ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّهم قَتَلُوا، وأنَّهُ رَمى، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولِهَذا يُضافُ إلى السَّيِّدِ ما يَأْتِيهِ غُلامُهُ.

وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِالمَعُونَةِ والأمْرِ، صارَتْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾

وقالَ في (" العِنايَةِ "): اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِخَلْقِهِ تَعالى، حَيْثُ نَفى القَتْلَ والرَّمْيَ.

والمَعْنى: إذْ رَمَيْتَ أوْ باشَرْتَ صَرْفَ الآلاتِ.

والحاصِلُ: ما رَمَيْتَ خَلْقًا إذا رَمَيْتَ كَسْبًا. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المُدَّعى وإنْ كانَ حَقًّا، لَكِنْ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ التَّعارُضَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ الَّذِي يَتَراءى في بادِئِ النَّظَرِ، مَدْفُوعٌ بِأنَّ المُرادَ ما رَمَيْتَ رَمْيًا تَقْدِرُ بِهِ عَلى إيصالِهِ إلى جَمِيعِ العُيُونِ، وإنْ رَمَيْتَ حَقِيقَةً وصُورَةً، وهَذا مُرادُ مَن قالَ: (ما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ صُورَةً)، فالمَنفِيُّ هو الرَّمْيُ الكامِلُ، والمُثْبَتُ أصْلُهُ وقَدَرٌ مِنهُ.

فالإثْباتُ والنَّفْيُ لَمْ يَرِدا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، حَتّى يُقالَ: (المَنفِيُّ عَلى وجْهِ الخَلْقِ، والمُثْبَتُ عَلى وجْهِ المُباشِرَةِ)، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هَذا لَما ثَبَتَ المَطْلُوبُ بِها، الَّذِي هو سَبَبُ النُّزُولِ، مِن أنَّهُ أثْبَتَ لَهُ الرَّمْيَ، لِصُدُورِهِ عَنْهُ، ونَفى عَنْهُ، لِأنَّ أثَرَهُ لَيْسَ في طاقَةِ البَشَرِ، ولِذا عُدَّتْ مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى كَأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيها أصْلًا. فَمَبْنى الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ، لِأنَّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ. هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ هَذا المَقامُ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ما ذُكِرَ، لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِهَذا الرَّمْيِ، لِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِ العِبادِ …

Al-Anfaal 8:17Listen in Qur'an →
18

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ

That [is so], and [also] that Allah will weaken the plot of the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ .

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ، أوِ الرَّمْيِ. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، أيِ: المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أيْ: مُضْعِفٌ بَأْسَ الكافِرِينَ وحِيَلَهم بِنَصْرِكم وخِذْلانِهِمْ، أيْ: أنَّ المَقْصُودَ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ، وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا بِشارَةٌ أُخْرى، مَعَ ما حَصَلَ مِنَ النَّصْرِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهُ مُضْعِفٌ كَيْدَ الكافِرِينَ فِيما يُسْتَقْبَلُ، مُصَغِّرٌ أمْرَهم، وأنَّهُ في تَبارِ ودَمارٍ، أيْ: وقَدْ وُجِدَ المُخْبَرُ عَلى وفْقِ الخَبَرِ، فَصارَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:18Listen in Qur'an →
19

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you [disbelievers] seek the victory - the defeat has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allah is with the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: إنْ تَطْلُبُوا الفَتْحَ، أيِ: القَضاءَ وأنْ يَفْصِلَ بَيْنَكم وبَيْنَ أعْدائِكُمُ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ بِما سَألْتُمْ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ، حِينَ التَقى القَوْمُ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا نَعْرِفُهُ، فَأحِنْهُ - أيْ: فَأهْلِكْهُ - الغَداةَ، فَكانَ المُسْتَفْتَحَ.

وعَنِ السُّدِّيِّ، أنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ: أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، فاسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعَزَّ الجُنْدَيْنِ، وأكْرَمَ الفِئَتَيْنِ، وخَيْرَ القَبِيلَتَيْنِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآيَةَ.

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارٌ عَنْهم بِما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ، قِيلَ: في هَذا الخِطابِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، يَعْنِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ لِأنَّ الَّذِي جاءَهُمُ الهَلاكُ والذِّلَّةُ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفَتْحَ بِمَعْنى النَّصْرِ، ولَهُ مَعْنًى آخَرُ وهو الحُكْمُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ والقَضاءُ. وبِهِما فُسِّرَتِ الآيَةُ أيْضًا.

﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ وعَداوَةِ الرَّسُولِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: لِمُحارَبَةِ الرَّسُولِ: ﴿نَعُدْ﴾ أيْ: لِنَصْرِهِ عَلَيْكم ﴿ولَنْ تُغْنِيَ﴾ أيْ: تَدْفَعَ ﴿عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ. قُرِئَ بِكَسْرِ (إنَّ) اسْتِئْنافًا، وفَتْحِها، عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ.

تَنْبِيهٌ:

جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: إنْ تَطْلُبُوا النَّصْرَ بِاسْتِغاثَتِكم رَبَّكم، فَقَدْ حَصَلَ لَكم ذَلِكَ، فاشُكُرُوا رَبَّكم، والزَمُوا طاعَتَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنِ المُنازَعَةِ في أمْرِ الأنْفالِ، وعَنْ طَلَبِ الفِداءِ عَلى الأسْرى الَّذِي عُوتِبُوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾

عَنْ مِثْلِهِ -: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾ إلى تِلْكَ المُنازَعاتِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ، وتَهْيِيجِ العَدُوِّ؛ لِأنَّ الوَعْدَ بِنُصْرَتِكم مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ اسْتِمْرارِكم عَلى الطّاعَةِ، وتَرْكِ المُخالَفَةِ، ثُمَّ لا تَنْفَعُكُمُ الفِئَةُ والكَثْرَةُ، إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ، فَإنَّهُ مَعَ الكامِلِينَ في إيمانِهِمْ.

وهَذا الوَجْهُ قَرَّرَهُ الرّازِيُّ ونَقَلَهُ عَنِ القاضِي.

قالَ البَيْضاوِيُّ: ويُؤَكِّدُهُ الآيَةُ بَعْدُ، فَإنَّ المُرادَ بِها الأمْرُ بِطاعَةِ الرَّسُولِ، والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Anfaal 8:19Listen in Qur'an →
20

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ

O you who have believed, obey Allah and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَنْهُ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أيِ: القُرْآنَ النّاطِقَ بِوُجُوبِ طاعَتِهِ، والمَواعِظَ الزّاجِرَةَ عَنْ مُخالَفَتِهِ.

Al-Anfaal 8:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.