Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

سُورَةُ الأنْفالِ

مَدَنِيَّةٌ، أوْ، إلّا ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآياتِ السَّبْعِ، فَمَكِّيَّةٌ. وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً.

سُمِّيَتْ بِالأنْفالِ لِأنَّها مَبْدَأُ هَذِهِ السُّورَةِ، ومُنْتَهى ما ذُكِرَ فِيها مِن أثَرِ أمْرِ الحُرُوبِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ الأنْفالِ نَزَلَتْ في بَدْرٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فالتَقى النّاسُ، فَهَزَمَ اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ، فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في آثارِهِمْ يَهْزِمُونَ ويَقْتُلُونَ، وأقْبَلَتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ يَحُوزُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ، وفاءَ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الغَنائِمَ: نَحْنُ حَوَيْناها وجَمَعْناها، فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيها نَصِيبٌ.

قالَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِهِ مِنّا، نَحْنُ نَفَيْنا عَنْها العَدُوَّ وهَزَمْناهم.

وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِفْنا أنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، واشْتَغَلْنا بِهِ، فَنَزَلَتْ:

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى فَواقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ».

وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا وحَسَّنَهُ، ورَواهُ ابْنُ حَيّانَ في صَحِيحِهِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ.

ولَفْظُ ابْنِ إسْحاقَ عَنْ عُبادَةَ قالَ: «فِينا، أصْحابَ بَدْرٍ، نَزَلَتْ، حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْلِ، وساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا، فَجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلى السَّواءِ» .

ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَنَعَ كَذا وكَذا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذا وكَذا» . فَتَسارَعَ في ذَلِكَ شُبّانُ القَوْمِ، وبَقِيَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ.

فَلَمّا كانَتِ المَغانِمُ، جاءُوا يَطْلُبُونَ الَّذِي جُعِلَ لَهم، فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنا، فَإنّا كُنّا رِدْءًا لَكم، لَوِ انْكَشَفْتُمْ لَثُبْتُمْ إلَيْنا، فَتَنازَعُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةِ»، وهَذا مِمّا يُفِيدُ أنَّ التَّشاجُرَ كانَ مُتَنَوِّعًا، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِفَصْلِهِ.

والأنْفالُ: هي المَغانِمُ، جَمْعُ ( نَفَلٍ) مُحَرَّكَةً، وهو الغَنِيمَةُ، أيْ: كُلُّ نَيْلٍ نالَهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ.

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها زِيادَةٌ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ. أيْ: لِأنَّ النَّفَلَ يُطْلَقُ عَلى الزِّيادَةِ، كَما في (" التّاجِ)، ومِنهُ النّافِلَةُ لِصَلاةِ التَّطَوُّعِ لِزِيادَتِها عَلى الفَرِيضَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ _ قالَ المَهايِمِي: أيْ: لَيْسَتْ هي في مُقابَلَةِ الجِهادِ، …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ المُخْلِصُونَ فِيهِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَقُّهُ أوْ وعِيدُهُ ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ، واقْشَعَرَّتْ إشْفاقًا ألّا تَكُونَ قامَتْ بِحَقِّهِ، وتَهْيِبًا مِن جَلالِهِ وعِزَّةِ سُلْطانِهِ، وبَطْشِهِ بِالعُصاةِ وعِقابِهِ.

قالَ الجُشَمِيُّ: ومَتى قِيلَ: لِمَ جازَ وصْفُهم هاهُنا بِالوَجَلِ والطُّمَأْنِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ﴾ [الرعد: ٢٨] فَجَوابُنا فِيهِ وُجُوهٌ:

مِنها: أنَّهُ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم عِنْدَ ذِكْرِ نِعَمِهِ، وتَوْجَلُ لِخَوْفِ عِقابِهِ بِارْتِكابِ مَعاصِيهِ.

ومِنها: أنَّ قُلُوبَهم تَطْمَئِنُّ لِمَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوْجَلُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، خَوْفِ التَّقْصِيرِ في الواجِباتِ، والإقْدامِ عَلى المَعاصِي، والمُسْتَقْبَلُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ. انْتَهى.

﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: حُجَجُهُ وهي القُرْآنُ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: يَقِينًا وطُمَأْنِينَةَ نَفْسٍ، إلى ما عِنْدَهم؛ فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أقْوى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وأثْبَتُ لِقَدَمِهِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأشْباهِها، عَلى زِيادَةِ الإيمانِ وتَفاضُلِهِ في القُلُوبِ، كَما هو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، بَلْ قَدْ حَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأبِي عُبَيْدٍ.

﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: لا يَرْجُونَ سِواهُ، ولا يَخْشَوْنَ غَيْرَهُ، ولا يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلى غَيْرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أعْمالَ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، أعْقَبَهُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: المَفْرُوضَةَ بِحُدُودِها وأرْكانِها في أوْقاتِها.

والمَوْصُولُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ، وأنْواعِ البَرِّ والقُرُباتِ.

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: لا شَكَّ في إيمانِهِمْ.

و: ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيمانًا حَقًّا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، كَقَوْلِكَ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا.

قالَ عَمْرَةُ بْنُ مُرَّةَ (في هَذا الآيَةِ): إنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلِسانِ العَرَبِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ سَيِّدٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ سادَةٌ، وفُلانٌ تاجِرٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ تُجّارٌ، وفُلانٌ شاعِرٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ شُعَراءُ. انْتَهى.

وكَأنَّهُ أرادَ الرَّدَّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ ﴿حَقًّا﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ بَعْدُ، تَأْكِيدًا لَهُ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ هَذا الزَّعْمَ يُصانُ عِنْدَ أُسْلُوبِ التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ.

وقَدْ تَطَرَّفَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا لِمَسْألَةٍ شَهِيرَةٍ وهي: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا.

قالَ الطُّوسِيُّ في (" نَقْدِ المُحَصِّلِ): المُعْتَزِلَةُ ومَن تَبِعَهم يَقُولُونَ: اليَقِينُ لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ والزَّوالَ، فَقَوْلُ القائِلِ: ( أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ) لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ الشَّكِّ، أوْ خَوْفِ الزَّوالِ. وما يُوهِمُ أحَدَهُما، لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلتَّبَرُّكِ. انْتَهى.

والغَزالِيُّ في الإحْياءِ، بَسَطَ هَذِهِ المَسْألَةَ، وأجابَ عَمَّنْ سَوَّغَ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ:

مِنها: التَّخَوُّفُ مِنَ الخاتِمَةِ، لِأنَّ الإيمانَ مَوْقُوفٌ عَلى سَلامَةِ الخاتِمَةِ.

ومِنها: الِاحْتِرازُ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.

ومِنها: غَيْرُ ذَلِكَ انْظُرْهُ بِطُولِهِ.

وقالَ ابْنُ حَزْمٍ في (" الفَصْلِ): القَوْلُ عِنْدَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يُعْلَمُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ يَدْرِي أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِكُلِّ ما أتى بِهِ، وأنَّهُ يُقِرُّ بِلِسانِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ، كَما أمَرَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]

ولا نِعْمَةَ أوْكَدُ ولا أفْضَلُ، ولا أوْلى بِالشُّكْرِ، مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ قَطْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في وقْتِي هَذا.

ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ ( أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ)، وبَيْنَ قَوْلِهِ ( أنا أسْوَدُ أوْ أنا أبْيَضُ)، وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُشَكُّ فِيها، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِامْتِداحِ والعَجَبِ في شَيْءٍ، لِأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يَحْقِنَ دَمَهُ بِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ) عِنْدَنا صَحِيحٌ، لِأنَّ الإسْلامَ والإيمانَ إسْمانِ مَنقُولانِ عَنْ مَوْضُوعِهِما في اللُّغَةِ، إلى جَمِيعِ البِرِّ والطّاعاتِ.

فَإنَّما مَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ الجَزْمَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ، وهَذا صَحِيحٌ.

ومَنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ هَذا فَقَدَ كَذَبَ بِلا شَكٍّ، وما مَنَعَ أنْ يَقُولَ المَرْءُ ( إنِّي مُؤْمِنٌ) بِمَعْنى ( مُصَدِّقٌ) .

وأمّا قَوْلُ المانِعِينَ: (مَن قالَ أنا مُؤْمِنٌ، فَلْيَقُلْ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ) فالجَوابُ: إنّا نَقُولُ إنْ مِتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ، فَلا بُدَّ لَنا مِنَ الجَنَّةِ بِلا شَكٍّ.

وبُرْهانُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَنِ والإجْماعِ، أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ …

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ الكافُ في (كَما) كافُ التَّشْبِيهِ، والعامِلُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإمّا هو مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] تَقْدِيرُهُ نَزَعَ الأنْفالَ مِن أيْدِيهِمْ بِالحَقِّ، كَما أخْرَجَكَ بِالحَقِّ. وإمّا هو مَعْنى الحَقِّ، يَعْنِي هَذا الذِّكْرُ حَقٌّ، كَما أخْرَجَكَ بِالحَقِّ، وإمّا أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو المُشَبَّهُ، أيْ: حالُهم هَذِهِ في كَراهَةِ تَنْفِيلِ الغُزاةِ، كَحالِ إخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لِلْحَرْبِ في كَراهَتِهِمْ لَهُ (كَما سَيَأْتِي في تَفْصِيلِ القِصَّةِ) .

وهَذا هو قَوْلُ الفَرّاءِ، فَإنَّهُ قالَ: الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ، بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ وكَراهَتُهم لِما وقَعَ فِيها، مَعَ أنَّها أوْلى بِحالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ أرادَ بِهِ بِالمَدِينَةِ، أوِ المَدِينَةِ نَفْسِها، لِأنَّها مَثْواهُ، أيْ: إخْراجُهُ إلى بَدْرٍ.

وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ المُرادَ إخْراجُهُ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ، وهو ساقِطٌ بِرَدِّهِ سِياقَ القِصَّةِ البَدْرِيَّةِ في الآياتِ بَعْدُ.

ومُلَخَّصُها أنَّ أبا سُفْيانَ قَدِمَ بِعِيرٍ مِنَ الشّامِ في تِجارَةٍ عَظِيمَةٍ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ لِيَغْنَمُوها، فَعَلِمَتْ قُرَيْشٌ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومُقاتِلُو مَكَّةَ لِيَذُبُّوا عَنْها، وهُمُ النَّفِيرُ. وأخَذَ أبُو سُفْيانَ بِالعِيرِ طَرِيقَ السّاحِلِ، فَنَجَتْ، فَقِيلَ لِأبِي جَهْلٍ: ارْجِعْ، فَأبى وسارَ إلى بَدْرٍ.

فَشاوَرَ ﷺ أصْحابَهُ وقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَوافَقُوهُ عَلى قِتالِ النَّفِيرِ، وكَرِهَ بَعْضُهم ذَلِكَ، وقالُوا: لَمْ نَسْتَعِدَّ لَهُ، كَما قالَ تَعالى:

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ .

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ وهو الجِهادُ وتَلَقِّي النَّفِيرِ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم أنَّهم يُنْصَرُونَ فِيهِ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَكْرَهُونَ القِتالَ كَراهَةَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ، وهو ناظِرٌ إلى أسْبابِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ.

إذْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ فارِسانِ: المِقْدادُ والزُّبَيْرُ، وقِيلَ الأوَّلُ فَقَطْ. والمُشْرِكُونَ ألْفٌ، ذَوُو عِدَّةٍ وعُدَّةٍ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنَّما يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ لِلْوَعْدِ الحَقِّ.

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ .

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العِيرِ أوِ النَّفِيرِ ﴿أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ﴾ أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وهو العِيرُ، لا ذاتَ الشَّوْكَةِ، وهي النَّفِيرُ، والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ أوْ حِدَّتُهُ.

﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ ويُعْلِيهِ، وهو دَعْوَةُ رَسُولِهِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢] أيْ: بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ، وأوامِرِهِ في هَذا الشَّأْنِ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلُهم فَلا يَبْقى مِنهم أحَدًا.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، بِقَوْلِهِ:

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ .

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أيْ: لِيُثْبِتَ الدِّينَ الحَقَّ، ويَمْحَقَ الدِّينَ الباطِلَ، بِاسْتِئْصالِ أهْلِهِ، مَعَ ظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى التِجاءَهم إلَيْهِ، واسْتِمْدادَهم مِنهُ النَّصْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإمْدادَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مِنهُ الغَوْثَ، وهو التَّخَلُّصُ مِنَ الشِّدَّةِ، والعَوْنُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ أيِ: الدُّعاءَ ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: مُعِينُكم ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بِكَسْرِ الدّالِ، أيْ: مُتَتابِعِينَ، بَعْضُهم عَلى إثْرِ بَعْضٍ، أوَمُرْدِفِينَ غَيْرَهم.

وقُرِئَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، أوْ مُرْدَفِينَ بِغَيْرِهِمْ، أيْ: مِن مَلائِكَةٍ آخَرِينَ.

وقُرِئَ (بِآلافٍ) بِالجَمْعِ، كَما يَأْتِي.

رَوى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ، وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؛ فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ، لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» . فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ، فَأخَذَ رِداءَهُ، فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾»

ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ:

«هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أداةُ الحَرْبِ»» .

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ، عَنْ رافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أبِيهِ - وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكم ؟ قالَ: مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ - أوْ كَلِمَةً نَحْوَها - قالَ: وكَذَلِكَ مَن شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ».

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الجُشَمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلَكَ يَجُوزُ أنْ يَتَشَبَّهَ بِالآدَمِيِّ، ولا يَخْرُجَ مِن كَوْنِهِ مَلَكًا، بِأنْ يُغَيِّرَ أطْرافَهم دُونَ الأجْزاءِ الَّتِي صارُوا بِها أحْياءً والَّذِي يُنْكَرُ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى تَغْيِيرِ الصُّوَرِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.

انْتَهى.

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ السُّدِّيِّ: (بِآلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ) - عَلى الجَمْعِ - لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

فَإنْ قُلْتَ: فِيمَ يُعْتَذَرُ لِمَن قَرَأ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَمْ يُفَسَّرِ (المُرْدِفِينَ) بِإرْدافِ المَلائِكَةِ مَلائِكَةً آخَرِينَ، و(المُرْدَفِينَ) بِارْتِدافِهِمْ غَيْرَهم ؟

قُلْتُ: بِأنَّ المُرادَ بِالألْفِ، مَن قاتَلَ مِنهم، أوِ الوُجُوهُ مِنهُمُ، الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهُمُ. انْتَهى.

قالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (" زادِ المَعادِ ") في بَحْثِ غَزْوَةِ بَدْرٍ:

فَإنْ قِيلَ: هاهُنا ذَكَرَ أنَّهُ أمَدَّهم بِألْفٍ، وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: هَذا الإمْدادَ ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ، ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَرِكَةٌ لِغَيْرِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حِكْمَةَ إخْبارِهِمْ بِالنَّصْرِ، وأنَّهُ يُرِيدُ بُشْراهم وطُمَأْنِينَتَهم وتَوَكُّلَهم عَلَيْهِ، وهو أدْعى إلى قُوَّةِ العَزِيمَةِ، فَإنَّ العامِلَ إذا أيْقَنَ بِأنَّ مَعَهُ قاهِرَ الكَوْنِ: رَفَعَتْهُ تِلْكَ الفِكْرَةُ، وجَعَلَتْهُ أقْوى النّاسِ، وأقْدَرَهم عَلى صِعابِ الأُمُورِ، لا كَما يَظُنُّهُ المُنْتَكِسُونَ الجاهِلُونَ الكُسالى اليائِسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا التَّوَكُّلَ ذَرِيعَةً إلى البِطالَةِ، فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ. انْتَهى.

ثُمَّ ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعَمٍ أُخْرى جَعَلَها سَبَبًا لِنَصْرِهِمْ، ولِلْعِنايَةِ بِهِمْ، فَقالَ:

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.