۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾
صفحة ٥١
فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.
وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ …