Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 206

31

۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾

صفحة ٥١

فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.

وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ …

Al-A'raaf 7:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

Say, "Who has forbidden the adornment of Allah which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believe during the worldly life [but] exclusively for them on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾

صفحة ٥١

فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.

وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ …

Al-A'raaf 7:32Listen in Qur'an →
33

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin, and oppression without right, and that you associate with Allah that for which He has not sent down authority, and that you say about Allah that which you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أسْكَنَ حَمْزَةُ الياءَ مِن (رَبِّيَ) والباقُونَ فَتَحُوها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِي حَرَّمُوهُ لَيْسَ بِحَرامٍ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المُحَرَّماتِ، فَحَرَّمَ أوَّلًا الفَواحِشَ، وثانِيًا الإثْمَ، واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: إنَّ الفَواحِشَ عِبارَةٌ عَنِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَفاحَشَ قُبْحُها أيْ تَزايَدَ، والإثْمُ عِبارَةٌ عَنِ الصَّغائِرِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ حَرَّمَ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ، وطَعَنَ القاضِي فِيهِ، فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: الزِّنا، والسَّرِقَةُ، والكُفْرُ لَيْسَ بِإثْمٍ. وهو بَعِيدٌ.

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لا يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، والإثْمَ اسْمٌ لِما يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، وهَذا وإنْ كانَ مُغايِرًا لِلْأوَّلِ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، والسُّؤالُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لِلْكَبِيرَةِ، والإثْمُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الذَّنْبِ سَواءٌ كانَ كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الكَبِيرَةَ أرْدَفَها بِتَحْرِيمِ مُطْلَقِ الذَّنْبِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُودٌ عَلى الكَبِيرَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتِيارُ القاضِي.

والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ الفاحِشَةَ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ اسْمًا لِكُلِّ ما تَفاحَشَ وتَزايَدَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالزِّيادَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في الزِّنا: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (النِّساءِ: ٢٢) ولِأنَّ لَفْظَ الفاحِشَةِ إذا أُطْلِقَ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ إلّا ذَلِكَ، وإذا قِيلَ: فُلانٌ فَحّاشٌ، فُهِمَ أنَّهُ يَشْتُمُ النّاسَ بِألْفاظِ الوِقاعِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الفاحِشَةِ عَلى الزِّنا فَقَطْ.

صفحة ٥٥

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يُرِيدُ سِرَّ الزِّنا، وهو الَّذِي يَقَعُ عَلى سَبِيلِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ، وما ظَهَرَ مِنها بِأنْ يَقَعَ عَلانِيَةً.

والثّانِي: أنْ يُرادَ بِما ظَهَرَ مِنَ الزِّنا المُلامَسَةُ والمُعانَقَةُ (وما بَطَنَ) الدُّخُولُ. وأمّا الإثْمُ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالخَمْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ (البَقَرَةِ: ٢١٩) وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَنَقُولُ: أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِالفَواحِشِ جَمِيعُ الكَبائِرِ، وبِالإثْمِ جَمِيعُ الذُّنُوبِ. قالُوا: إنَّ البَغْيَ والشِّرْكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الفَواحِشِ وتَحْتَ الإثْمِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما أقْبَحُ أنْواعِ الذُّنُوبِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ (الأحْزابِ: ٧)، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: الفاحِشَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالزِّنا، والإثْمُ بِالخَمْرِ، قالُوا: البَغْيُ والشِّرْكُ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ غَيْرُ …

Al-A'raaf 7:33Listen in Qur'an →
34

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَلالَ والحَرامَ وأحْوالَ التَّكْلِيفِ، بَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ ماتَ لا مَحالَةَ، والغَرَضُ مِنهُ التَّخْوِيفُ لِيَتَشَدَّدَ المَرْءُ في القِيامِ بِالتَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأجَلَ، هو الوَقْتُ المُوَقَّتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ المُهْلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُقاتِلٍ: إنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْهَلَ كُلَّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وهو تَعالى لا يُعَذِّبُهم إلى أنْ يَنْظُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي يَصِيرُونَ فِيهِ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ نَزَلَ ذَلِكَ العَذابُ لا مَحالَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ بِهَذا الأجَلِ العُمُرُ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ الأجَلُ وكَمُلَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِكُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ هي الجَماعَةُ في كُلِّ زَمانٍ، ومَعْلُومٌ مِن حالِها التَّقارُبُ في الأجَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ فِيما يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ أفْحَمُ، وأيْضًا فالقَوْلُ الأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ في نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أُمَّتَنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى القَوْلِ الثّانِي: لَزِمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، لا يَقَعُ فِيهِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَيَكُونُ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى تَبْقِيَتِهِ أزْيَدَ مِن ذَلِكَ ولا أنْقَصَ، ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُمِيتَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ تَعالى عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا، وصَيْرُورَتِهِ كالمُوجِبِ لِذاتِهِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ يَقَعُ عَلى هَذا الوَجْهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ

صفحة ٥٧

المُعَيَّنِ لا بِساعَةٍ ولا بِما هو أقَلُّ مِن ساعَةٍ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السّاعَةَ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَإنَّ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ امْتَنَعَ عَقْلًا وُقُوعُ ذَلِكَ الأجَلِ في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ ؟

قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ عَلى قُرْبِ حُضُورِ الأجَلِ. تَقُولُ العَرَبُ: جاءَ الشِّتاءُ، إذا قارَبَ وقْتُهُ، ومَعَ مُقارَبَةِ الأجَلِ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ عَلى ذَلِكَ تارَةً والتَّأخُّرُ عَنْهُ أُخْرى.

Al-A'raaf 7:34Listen in Qur'an →
35

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses, then whoever fears Allah and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ التَّكْلِيفِ وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ المَوْتِ كانُوا مُطِيعِينَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ، وإنْ كانُوا مُتَمَرِّدِينَ وقَعُوا في أشَدِّ العَذابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ، وجَزاءُ هَذا الشَّرْطِ هو الفاءُ وما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وإنَّما قالَ: ”رُسُلٌ“ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى أجْرى الكَلامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سُنَّتُهُ في الأُمَمِ، وإنَّما قالَ: (مِنكم) لِأنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ وأبْيَنُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهاتٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِأحْوالِهِ وبِطَهارَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً.

وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِما يَلِيقُ بِقُدْرَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً، فَلا جَرَمَ لا يَقَعُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في أنَّها حَصَلَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُدْرَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] .

وثالِثُها: ما يَحْصُلُ مِنَ الأُلْفَةِ وسُكُونِ القَلْبِ إلى أبْناءِ الجِنْسِ، بِخِلافِ ما لا يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ الأُلْفَةُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فَقِيلَ: تِلْكَ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الدَّلائِلُ، وقِيلَ: الأحْكامُ والشَّرائِعُ. والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ آياتُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إذا جاءُوا فَلا بُدَّ وأنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ.

ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى حالَ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وجَمْعُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُوجِبُ الثَّوابَ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَتَّقِي كُلَّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودَخَلَ في قَوْلِهِ: (وأصْلَحَ) أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جُوِّزَ وُصُولُ المَضَرَّةِ إلَيْهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ خافَ، وإذا تَفَكَّرَ فَعَلِمَ

صفحة ٥٨

أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي في الزَّمانِ الماضِي؛ حَصَلَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ لِهَذا السَّبَبِ، والأوْلى في نَفْيِ الحُزْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حُزْنَهُ عَلى عِقابِ الآخِرَةِ يَجِبُ أنْ يَرْتَفِعَ بِما حَصَلَ لَهُ مِن زَوالِ الخَوْفِ فَيَكُونُ كالمَعادِ، وحَمْلُهُ عَلى الفائِدَةِ الزّائِدَةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ تُفارِقُ حالَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يَحْصُلُ في قَلْبِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ البَتَّةَ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الطّاعاتِ هَلْ يَلْحَقُهم خَوْفٌ وحُزْنٌ عِنْدَ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:35Listen in Qur'an →
36

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ التَّكْلِيفِ وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ المَوْتِ كانُوا مُطِيعِينَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ، وإنْ كانُوا مُتَمَرِّدِينَ وقَعُوا في أشَدِّ العَذابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ، وجَزاءُ هَذا الشَّرْطِ هو الفاءُ وما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وإنَّما قالَ: ”رُسُلٌ“ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى أجْرى الكَلامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سُنَّتُهُ في الأُمَمِ، وإنَّما قالَ: (مِنكم) لِأنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ وأبْيَنُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهاتٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِأحْوالِهِ وبِطَهارَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً.

وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِما يَلِيقُ بِقُدْرَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً، فَلا جَرَمَ لا يَقَعُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في أنَّها حَصَلَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُدْرَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] .

وثالِثُها: ما يَحْصُلُ مِنَ الأُلْفَةِ وسُكُونِ القَلْبِ إلى أبْناءِ الجِنْسِ، بِخِلافِ ما لا يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ الأُلْفَةُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فَقِيلَ: تِلْكَ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الدَّلائِلُ، وقِيلَ: الأحْكامُ والشَّرائِعُ. والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ آياتُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إذا جاءُوا فَلا بُدَّ وأنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ.

ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى حالَ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وجَمْعُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُوجِبُ الثَّوابَ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَتَّقِي كُلَّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودَخَلَ في قَوْلِهِ: (وأصْلَحَ) أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جُوِّزَ وُصُولُ المَضَرَّةِ إلَيْهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ خافَ، وإذا تَفَكَّرَ فَعَلِمَ

صفحة ٥٨

أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي في الزَّمانِ الماضِي؛ حَصَلَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ لِهَذا السَّبَبِ، والأوْلى في نَفْيِ الحُزْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حُزْنَهُ عَلى عِقابِ الآخِرَةِ يَجِبُ أنْ يَرْتَفِعَ بِما حَصَلَ لَهُ مِن زَوالِ الخَوْفِ فَيَكُونُ كالمَعادِ، وحَمْلُهُ عَلى الفائِدَةِ الزّائِدَةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ تُفارِقُ حالَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يَحْصُلُ في قَلْبِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ البَتَّةَ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الطّاعاتِ هَلْ يَلْحَقُهم خَوْفٌ وحُزْنٌ عِنْدَ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:36Listen in Qur'an →
37

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree until when Our messengers come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allah?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) أيْ: فَمَن أعْظَمُ ظُلْمًا مِمَّنْ يَقُولُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ. والأوَّلُ: هو الحُكْمُ بِوُجُودِ ما لَمْ يُوجَدْ.

والثّانِي: هو الحُكْمُ بِإنْكارِ ما وُجِدَ.

والأوَّلُ: دَخَلَ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الشَّرِيكَ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ عِبارَةً عَنِ الأصْنامِ أوْ عَنِ الكَواكِبِ، أوْ عَنْ مَذْهَبِ القائِلِينَ بِيَزْدانُ وأهْرَمَنُ. ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ البَناتَ والبَنِينَ لِلَّهِ تَعالى، ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أضافَ الأحْكامَ الباطِلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أنْكَرَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ مَن أنْكَرَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

صفحة ٥٩

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ النَّصِيبِ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ العَذابُ، والمَعْنى يَنالُهم ذَلِكَ العَذابُ المُعَيَّنُ الَّذِي جَعَلَهُ نَصِيبًا لَهم في الكِتابِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَذابِ المُعَيَّنِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو سَوادُ الوَجْهِ وزُرْقَةُ العَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقالَ الزَّجّاجُ: هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافِرٍ: ٧١] فَهَذِهِ الأشْياءُ هي نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ في كُفْرِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ شَيْءٌ سِوى العَذابِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى يَجِبُ لَهم عَلَيْنا إذا كانُوا أهْلَ ذِمَّةٍ لَنا أنْ لا نَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وأنْ نُنْصِفَهم وأنْ نَذُبَّ عَنْهم، فَذَلِكَ هو مَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الكِتابِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ. أيْ: ما سَبَقَ لَهم في حُكْمِ اللَّهِ وفي مَشِيئَتِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، فَإنْ قَضى اللَّهُ لَهم بِالخَتْمِ عَلى الشَّقاوَةِ، أبْقاهم عَلى كُفْرِهِمْ، وإنْ قَضى لَهم بِالخَتْمِ عَلى السَّعادَةِ نَقَلَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.

وقالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ والأعْمارِ، فَإذا فَنِيَتْ وانْقَرَضَتْ وفَرَغُوا مِنها ﴿جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما حَصَلَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ولَفْظُ ”النَّصِيبِ“ مُجْمَلٌ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: حَمْلُهُ عَلى العُمُرِ والرِّزْقِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم وإنْ بَلَغُوا في الكُفْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ العَظِيمَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمانِعٍ مِن …

Al-A'raaf 7:37Listen in Qur'an →
38

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ

[Allah] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister until, when they have all overtaken one another therein, the last of them will say about the first of them "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire. He will say, "For each is double, but you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.

والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.

وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم

صفحة ٦١

زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.

وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.

والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ …

Al-A'raaf 7:38Listen in Qur'an →
39

وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.

والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.

وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم

صفحة ٦١

زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.

وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.

والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ …

Al-A'raaf 7:39Listen in Qur'an →
40

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle. And thus do We recompense the criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.

والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.

وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم

صفحة ٦١

زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.

وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.

والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ …

Al-A'raaf 7:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.