Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 121–130 of 206

121

قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٨

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.

الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.

والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ …

Al-A'raaf 7:121Listen in Qur'an →
122

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ

The Lord of Moses and Aaron."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٨

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.

الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.

والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ …

Al-A'raaf 7:122Listen in Qur'an →
123

قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

Said Pharaoh, "You believed in him before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ

صفحة ١٧٠

السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن …

Al-A'raaf 7:123Listen in Qur'an →
124

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ

I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ

صفحة ١٧٠

السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن …

Al-A'raaf 7:124Listen in Qur'an →
125

قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ

صفحة ١٧٠

السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن …

Al-A'raaf 7:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience and let us die as Muslims [in submission to You]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ

صفحة ١٧٠

السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن …

Al-A'raaf 7:126Listen in Qur'an →
127

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ

And the eminent among the people of Pharaoh said," Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ بَعْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى ولا أخَذَهُ ولا حَبَسَهُ، بَلْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَقالَ قَوْمُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما رَأى مُوسى خافَهُ أشَدَّ الخَوْفِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَحَمَلُوهُ عَلى أخْذِهِ وحَبْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ يُفْسِدُوا عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وإذا أفْسَدُوا عَلَيْهِمْ أدْيانَهم تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى أخْذِ المُلْكِ.

صفحة ١٧٢

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ فِيهِ ”ويَذَرَكَ“ بِالنَّصْبِ. وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ويَذَرَكَ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ لِأنَّهُ إذا تَرَكَهم ولَمْ يَمْنَعْهم كانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَرَكَهم لِذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّهُ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، وكَما يُجابُ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ ؟

والتَّقْدِيرُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ فَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ مُوسى ؟ .

وثالِثُها: النَّصْبُ بِإضْمارِ ”أنْ“، تَقْدِيرُهُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا وأنْ يَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”ويَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”أتَذَرُ“ بِمَعْنى أتَذَرُهُ ”ويَذَرُكَ“ أيِ انْطَلِقْ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا عَلى مَعْنى: أتَذَرُهُ هو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ ”ويَذَرْكَ“ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أنَسٌ ”ونَذَرَكَ“ بِالنُّونِ والنُّصْبِ، أيْ يَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِكَ فَنَذَرُها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ قِراءَةَ العامَّةِ، ويَقْرَأُ إلاهَتَكَ ”أيْ عِبادَتَكَ، ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قِراءَةُ العامَّةِ“ وآلِهَتَكَ ”فالمُرادُ جَمْعُ إلَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وضَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، أمَرَهم بِعِبادَتِها. وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ. وأقُولُ: الَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ فِرْعَوْنَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ لَمْ يَجُزْ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَجُزْ في الجَمْعِ العَظِيمِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَسادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. بَلِ الأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا يُنْكِرُ وُجُودَ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو …

Al-A'raaf 7:127Listen in Qur'an →
128

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

Said Moses to his people, "Seek help through Allah and be patient. Indeed, the earth belongs to Allah. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ بَعْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى ولا أخَذَهُ ولا حَبَسَهُ، بَلْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَقالَ قَوْمُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما رَأى مُوسى خافَهُ أشَدَّ الخَوْفِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَحَمَلُوهُ عَلى أخْذِهِ وحَبْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ يُفْسِدُوا عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وإذا أفْسَدُوا عَلَيْهِمْ أدْيانَهم تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى أخْذِ المُلْكِ.

صفحة ١٧٢

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ فِيهِ ”ويَذَرَكَ“ بِالنَّصْبِ. وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ويَذَرَكَ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ لِأنَّهُ إذا تَرَكَهم ولَمْ يَمْنَعْهم كانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَرَكَهم لِذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّهُ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، وكَما يُجابُ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ ؟

والتَّقْدِيرُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ فَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ مُوسى ؟ .

وثالِثُها: النَّصْبُ بِإضْمارِ ”أنْ“، تَقْدِيرُهُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا وأنْ يَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”ويَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”أتَذَرُ“ بِمَعْنى أتَذَرُهُ ”ويَذَرُكَ“ أيِ انْطَلِقْ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا عَلى مَعْنى: أتَذَرُهُ هو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ ”ويَذَرْكَ“ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أنَسٌ ”ونَذَرَكَ“ بِالنُّونِ والنُّصْبِ، أيْ يَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِكَ فَنَذَرُها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ قِراءَةَ العامَّةِ، ويَقْرَأُ إلاهَتَكَ ”أيْ عِبادَتَكَ، ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قِراءَةُ العامَّةِ“ وآلِهَتَكَ ”فالمُرادُ جَمْعُ إلَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وضَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، أمَرَهم بِعِبادَتِها. وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ. وأقُولُ: الَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ فِرْعَوْنَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ لَمْ يَجُزْ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَجُزْ في الجَمْعِ العَظِيمِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَسادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. بَلِ الأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا يُنْكِرُ وُجُودَ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو …

Al-A'raaf 7:128Listen in Qur'an →
129

قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعُوا ما ذَكَرَهُ فِرْعَوْنُ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ خافُوا أوْ فَزِعُوا، وقالُوا: قَدْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا، وذَلِكَ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَضْعَفِينَ في يَدِ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ، فَكانَ يَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ويَمْنَعُهم مِنَ التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ، ويَقْتُلُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوِيَ رَجاؤُهم في زَوالِ تِلْكَ المَضارِّ والمَتاعِبِ، فَلَمّا سَمِعُوا أنَّ فِرْعَوْنَ أعادَ التَّهْدِيدَ مَرَّةً ثانِيَةً عَظُمَ خَوْفُهم وحُزْنُهم، فَقالُوا هَذا الكَلامَ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَرِهُوا مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يُوجِبُ كُفْرَهم ؟

صفحة ١٧٤

والجَوابُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَ، وعَدَهم بِزَوالِ تِلْكَ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها تَزُولُ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّها ما زالَتْ، رَجَعُوا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، فَبَيَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الوَعْدَ بِإزالَتِها لا يُوجِبُ الوَعْدَ بِإزالَتِها في الحالِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ تَعالى سَيُنْجِزُ لَهم ذَلِكَ الوَعْدَ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، والحاصِلُ أنَّ هَذا ما كانَ بِنَفْرَةٍ عَنْ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، بَلِ اسْتِكْشافًا لِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: ”عَسى“ طَمَعٌ وإشْفاقٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وما يَطْمَعُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو واجِبٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ ”عَسى“ هَهُنا لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هو حِكايَةً عَنْ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ إذا صَدَرَ عَنْ رَسُولٍ ظَهَرَتْ حُجَّةُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ - أفادَ قُوَّةَ النَّفْسِ، وأزالَ ما خامَرَها مِنَ الِانْكِسارِ والضَّعْفِ، فَقَوّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُلُوبَهم بِهَذا القَوْلِ، وحَقَّقَ عِنْدَهُمُ الوَعْدَ؛ لِيَتَمَسَّكُوا بِالصَّبْرِ، ويَتْرُكُوا الجَزَعَ المَذْمُومَ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ما يَجْرِي مَجْرى الحَثِّ لَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يُرادُ بِهِ النَّظَرُ الَّذِي يُفِيدُ العِلْمَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِظارُ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، ويَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ هَهُنا عَلَيْها. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَرى ذَلِكَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنكم؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهم، وإنَّما يُجازِيهِمْ عَلى ما يَقَعُ مِنهم.

فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمْ هَذا النَّظَرَ عَلى الرُّؤْيَةِ لَزِمَ الإشْكالُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لِتِلْكَ …

Al-A'raaf 7:129Listen in Qur'an →
130

وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

And We certainly seized the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ١٧٥

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ لا جَرَمَ بَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ ما أنْزَلَهُ بِفِرْعَوْنَ وبِقَوْمِهِ مِنَ المِحَنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ وصَلَ الأمْرُ إلى الهَلاكِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، خَوْفًا مِن نُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السِّنِينَ جَمْعُ السَّنَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: السَّنَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: يُرادُ بِها الحَوْلُ والعامُ.

والآخَرُ: يُرادُ بِها الجَدْبُ، وهو خِلافُ الخِصْبِ.

فَمِمّا أُرِيدَ بِهِ الجَدْبُ: هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لا نَقَعُ في عامِ السَّنَةِ، فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ يُعْنى بِها الجَدْبُ، اشْتَقُّوا مِنها كَما يُشْتَقُّ مِنَ الجَدَبِ. ويُقالُ: أسْنَتُوا كَما يُقالُ: أجْدَبُوا، قالَ الشّاعِرُ:

ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ

قالَ أبُو زَيْدٍ: بَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ: هَذِهِ سِنِينٌ، ورَأيْتُ سِنِينًا، فَتُعْرِبُ النُّونَ. ونَحْوَهُ قالَ الفَرّاءُ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا

قالَ الزَّجّاجُ: السِّنِينُ في كَلامِ العَرَبِ: الجُدُوبُ، يُقالُ مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ وشِدَّةُ السَّنَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يُرِيدُ الجُوعَ والقَحْطَ عامًا بَعْدَ عامٍ، فالسُّنُونُ لِأهْلِ البَوادِي ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِأهْلِ القُرى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَضارَّ لِأجْلِ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ طَرِيقَةِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ إلى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القَلْبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ إرادَةً مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا، لا أنْ يُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ لَفْظُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ في القُرْآنِ، لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ يُقْدِمُونَ عَلى ما يَزِيدُ في كُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالحَسَنَةِ العُشْبَ والخِصْبَ …

Al-A'raaf 7:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.