Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 101–110 of 206

101

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Those cities - We relate to you, [O Muhammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before. Thus does Allah seal over the hearts of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ حالَ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ العِبْرَةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ في مَصالِحِ أدْيانِهِمْ وطاعاتِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ بَعْضُهم ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُرِئَ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلُهُ، بِمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينِ يَخْلُفُونَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ويَرِثُونَ أرْضَهم ودِيارَهم، وهَذا الشَّأْنُ وهو أنّا لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم وأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المُوَرِّثِينَ، إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَهو مَنصُوبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ نَهْدِ لِلْوارِثِينَ هَذا الشَّأْنَ، بِمَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم أنَّ قُرَيْشًا أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نَبْعَثُهم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها فَنُهْلِكُهم بَعْدَهم ؟ وهو مَعْنى ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ عِقابِ ذُنُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعِقابِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ العَبْدَ عَنِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والطَّبْعُ والخَتْمُ والرَّيْنُ والكِنانُ والغِشاوَةُ والصَّدُّ والمَنعُ واحِدٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذا الطَّبْعِ أنَّهُ تَعالى يَسِمُ قُلُوبَ الكُفّارِ بِسِماتٍ وعَلاماتٍ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّ أصْحابَها لا يُؤْمِنُونَ، وتِلْكَ العَلامَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِنَ الإيمانِ.

وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما أضافَ الطَّبْعَ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ إنَّما صارُوا إلى ذَلِكَ الكُفْرِ عِنْدَ أمْرِهِ وامْتِحانِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] .

واعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الطَّبْعِ والخَتْمِ قَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

صفحة ١٥٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ هَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أصَبْنا) ماضٍ، وقَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ مُسْتَقْبَلٌ، وهَذا العَطْفُ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ، بَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى …

Al-A'raaf 7:101Listen in Qur'an →
102

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ

And We did not find for most of them any covenant; but indeed, We found most of them defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدَهُمُ اللَّهُ وهم في صُلْبِ آدَمَ، حَيْثُ قالَ:

صفحة ١٥٤

﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَلَمّا أخَذَ اللَّهُ مِنهم هَذا العَهْدَ وأقَرُّوا بِهِ، ثُمَّ خالَفُوا ذَلِكَ، صارَ كَأنَّهُ ما كانَ لَهم عَهْدٌ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ .

والثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَهْدُ هُنا الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] يَعْنِي: آمَنَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

والثّالِثُ: أنَّ العَهْدَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ ما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا أكْثَرَهم فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، صارِفِينَ عَنِ الدِّينِ.

Al-A'raaf 7:102Listen in Qur'an →
103

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ

Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them. So see how was the end of the corrupters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ ما لَمْ يَذْكُرْ في سائِرِ القِصَصِ؛ لِأجْلِ أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى كانَتْ أقْوى مِن مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وجَهْلَ قَوْمِهِ كانَ أعْظَمَ وأفْحَشَ مِن جَهْلِ سائِرِ الأقْوامِ.

واعْلَمْ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم، ويَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأُمَمِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِإهْلاكِهِمْ.

وقَوْلُهُ: (بِآياتِنا) فِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا بُدَّ لَهُ مِن آيَةٍ ومُعْجِزَةٍ بِها يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ قَبُولُ قَوْلِهِ أوْلى مِن قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِهِ.

والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى آتاهُ آياتٍ كَثِيرَةً ومُعْجِزاتٍ كَثِيرَةً.

والبَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أوَّلُ آياتِهِ العَصا ثُمَّ اليَدُ، ضَرَبَ بِالعَصا بابَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ مِنها فَشابَ رَأْسُهُ، فاسْتَحْيا فَخَضَّبَ بِالسَّوادِ، فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ.

قالَ: وآخِرُ الآياتِ الطَّمْسُ.

قالَ: ولِلْعَصا فَوائِدُ كَثِيرَةٌ مِنها ما هو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .

وذَكَرَ اللَّهُ مِن تِلْكَ المَآرِبِ في القُرْآنِ قَوْلَهُ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] .

وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أشْياءَ أُخْرى:

مِنها: أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ الأرْضَ بِها فَتَنْبُتُ.

ومِنها: أنَّهُ كانَتْ تُحارِبُ اللُّصُوصَ والسِّباعَ الَّتِي كانَتْ تَقْصِدُ غَنَمَهُ.

ومِنها: أنَّها كانَتْ تَشْتَعِلُ في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ.

ومِنها: أنَّها كانَتْ تَصِيرُ كالحَبْلِ الطَّوِيلِ فَيَنْزَحُ بِهِ الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ.

صفحة ١٥٥

واعْلَمْ أنَّ الفَوائِدَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مَعْلُومَةٌ، فَأمّا الأُمُورُ الَّتِي هي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في القُرْآنِ فَكُلُّ ما ورَدَ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَهو مَقْبُولٌ، وما لا فَلا، وقَوْلُهُ: إنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَتُخْرِجُ النَّباتَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ يَفْزَعُ إلى العَصا في الماءِ الخارِجِ مِنَ الحَجَرِ، وما كانَ يَفْزَعُ إلَيْها في طَلَبِ الطَّعامِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ فَظَلَمُوا بِالآياتِ الَّتِي جاءَتْهم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الآياتُ قاهِرَةً ظاهِرَةً، ثُمَّ إنَّهم كَفَرُوا بِها فَوَضَعُوا الإنْكارَ في مَوْضِعِ الإقْرارِ، والكُفْرَ في مَوْضِعِ الإيمانِ - كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنهم عَلى تِلْكَ الآياتِ.

ثُمَّ قالَ: (فانْظُرْ) أيْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ وكَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ.

Al-A'raaf 7:103Listen in Qur'an →
104

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:

إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا

صفحة ١٥٦

قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.

والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.

والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، …

Al-A'raaf 7:104Listen in Qur'an →
105

حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ

[Who is] obligated not to say about Allah except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:

إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا

صفحة ١٥٦

قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.

والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.

والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، …

Al-A'raaf 7:105Listen in Qur'an →
106

قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:

إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا

صفحة ١٥٦

قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.

والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.

والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، …

Al-A'raaf 7:106Listen in Qur'an →
107

فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ

So Moses threw his staff, and suddenly it was a serpent, manifest.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ

صفحة ١٥٨

الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.

والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ …

Al-A'raaf 7:107Listen in Qur'an →
108

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ

And he drew out his hand; thereupon it was white [with radiance] for the observers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ

صفحة ١٥٨

الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.

والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ …

Al-A'raaf 7:108Listen in Qur'an →
109

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌۭ

Said the eminent among the people of Pharaoh, "Indeed, this is a learned magician

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ

صفحة ١٥٨

الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.

والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ …

Al-A'raaf 7:109Listen in Qur'an →
110

يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ

Who wants to expel you from your land [through magic], so what do you instruct?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ

صفحة ١٥٨

الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.

والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ …

Al-A'raaf 7:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.