Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 206

91

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:

كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ

بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: يَدُلُّ

صفحة ١٤٩

عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.

وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ …

Al-A'raaf 7:91Listen in Qur'an →
92

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَٰسِرِينَ

Those who denied Shu'ayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shu'ayb - it was they who were the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:

كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ

بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: يَدُلُّ

صفحة ١٤٩

عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.

وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ …

Al-A'raaf 7:92Listen in Qur'an →
93

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍۢ كَٰفِرِينَ

And he turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:

كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ

بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: يَدُلُّ

صفحة ١٤٩

عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.

وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ …

Al-A'raaf 7:93Listen in Qur'an →
94

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ

And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allah].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَنا أحْوالَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأحْوالَ ما جَرى عَلى أُمَمِهِمْ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ

صفحة ١٥٠

أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا في زَمَنِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَقَطْ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الهَلاكِ قَدْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ القَرْيَةَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ القَوْمِ الَّذِينَ إلَيْهِمْ يُبْعَثُ الرُّسُلُ، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُجْتَمَعُ الأقْوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن نَبِيٍّ فَكُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَأْساءُ كُلُّ ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أحْوالِهِمْ، والضَّرّاءُ ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ. وقِيلَ عَلى العَكْسِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَيْ يَضَّرَّعُوا، مَعْناهُ: يَتَضَرَّعُوا، والتَّضَرُّعُ هو الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: (لَعَلَّهم) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الشَّكِّ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ هَذا الفِعْلَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ. وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مُحالٌ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالعِلَّةِ والغَرَضِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَدْبِيرَهُ في أهْلِ القُرى لا يَجْرِي عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإنَّما يُدَبِّرُهم بِما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقْرَبَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ لِأنَّ وُرُودَ النِّعْمَةِ في البَدَنِ والمالِ بَعْدَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ يَدْعُو إلى الِانْقِيادِ والِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، ومَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا الشِّدَّةُ والرَّخاءُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”السَّيِّئَةُ“ كُلُّ ما يَسُوءُ صاحِبَهُ، و”الحَسَنَةُ“ ما يَسْتَحْسِنُهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أهْلَ المَعاصِي بِالشِّدَّةِ تارَةً وبِالرَّخاءِ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَدْ عَفا الشَّعَرُ وغَيْرُهُ، إذا كَثُرَ، يَعْفُو فَهو عافٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يَعْنِي كَثُرُوا، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمَرَ أنْ تُحَفَّ الشَّوارِبُ، وتُعْفى اللِّحى» يَعْنِي تَوَفَّرَ وتُكَثَّرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم مَتى نالَهم شِدَّةٌ قالُوا: لَيْسَ هَذا بِسَبَبِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والعَمَلِ، وتِلْكَ عادَةُ الدَّهْرِ، ولَمْ يَكُنْ ما مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما دَبَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن رَخاءٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، …

Al-A'raaf 7:94Listen in Qur'an →
95

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease." So We seized them suddenly while they did not perceive.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَنا أحْوالَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأحْوالَ ما جَرى عَلى أُمَمِهِمْ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ

صفحة ١٥٠

أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا في زَمَنِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَقَطْ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الهَلاكِ قَدْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ القَرْيَةَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ القَوْمِ الَّذِينَ إلَيْهِمْ يُبْعَثُ الرُّسُلُ، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُجْتَمَعُ الأقْوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن نَبِيٍّ فَكُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَأْساءُ كُلُّ ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أحْوالِهِمْ، والضَّرّاءُ ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ. وقِيلَ عَلى العَكْسِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَيْ يَضَّرَّعُوا، مَعْناهُ: يَتَضَرَّعُوا، والتَّضَرُّعُ هو الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: (لَعَلَّهم) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الشَّكِّ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ هَذا الفِعْلَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ. وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مُحالٌ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالعِلَّةِ والغَرَضِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَدْبِيرَهُ في أهْلِ القُرى لا يَجْرِي عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإنَّما يُدَبِّرُهم بِما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقْرَبَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ لِأنَّ وُرُودَ النِّعْمَةِ في البَدَنِ والمالِ بَعْدَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ يَدْعُو إلى الِانْقِيادِ والِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، ومَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا الشِّدَّةُ والرَّخاءُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”السَّيِّئَةُ“ كُلُّ ما يَسُوءُ صاحِبَهُ، و”الحَسَنَةُ“ ما يَسْتَحْسِنُهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أهْلَ المَعاصِي بِالشِّدَّةِ تارَةً وبِالرَّخاءِ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَدْ عَفا الشَّعَرُ وغَيْرُهُ، إذا كَثُرَ، يَعْفُو فَهو عافٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يَعْنِي كَثُرُوا، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمَرَ أنْ تُحَفَّ الشَّوارِبُ، وتُعْفى اللِّحى» يَعْنِي تَوَفَّرَ وتُكَثَّرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم مَتى نالَهم شِدَّةٌ قالُوا: لَيْسَ هَذا بِسَبَبِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والعَمَلِ، وتِلْكَ عادَةُ الدَّهْرِ، ولَمْ يَكُنْ ما مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما دَبَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن رَخاءٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، …

Al-A'raaf 7:95Listen in Qur'an →
96

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And if only the people of the cities had believed and feared Allah, We would have opened upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning."

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.

‌‌والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.

* * *

ثُمَّ قالَ …

Al-A'raaf 7:96Listen in Qur'an →
97

أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَٰتًۭا وَهُمْ نَآئِمُونَ

Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.

‌‌والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.

* * *

ثُمَّ قالَ …

Al-A'raaf 7:97Listen in Qur'an →
98

أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًۭى وَهُمْ يَلْعَبُونَ

Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.

‌‌والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.

* * *

ثُمَّ قالَ …

Al-A'raaf 7:98Listen in Qur'an →
99

أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Then did they feel secure from the plan of Allah? But no one feels secure from the plan of Allah except the losing people.

صفحة ١٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.

‌‌والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.

* * *

ثُمَّ قالَ …

Al-A'raaf 7:99Listen in Qur'an →
100

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ حالَ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ العِبْرَةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ في مَصالِحِ أدْيانِهِمْ وطاعاتِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ بَعْضُهم ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُرِئَ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلُهُ، بِمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينِ يَخْلُفُونَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ويَرِثُونَ أرْضَهم ودِيارَهم، وهَذا الشَّأْنُ وهو أنّا لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم وأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المُوَرِّثِينَ، إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَهو مَنصُوبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ نَهْدِ لِلْوارِثِينَ هَذا الشَّأْنَ، بِمَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم أنَّ قُرَيْشًا أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نَبْعَثُهم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها فَنُهْلِكُهم بَعْدَهم ؟ وهو مَعْنى ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ عِقابِ ذُنُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعِقابِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ العَبْدَ عَنِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والطَّبْعُ والخَتْمُ والرَّيْنُ والكِنانُ والغِشاوَةُ والصَّدُّ والمَنعُ واحِدٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذا الطَّبْعِ أنَّهُ تَعالى يَسِمُ قُلُوبَ الكُفّارِ بِسِماتٍ وعَلاماتٍ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّ أصْحابَها لا يُؤْمِنُونَ، وتِلْكَ العَلامَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِنَ الإيمانِ.

وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما أضافَ الطَّبْعَ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ إنَّما صارُوا إلى ذَلِكَ الكُفْرِ عِنْدَ أمْرِهِ وامْتِحانِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] .

واعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الطَّبْعِ والخَتْمِ قَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

صفحة ١٥٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ هَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أصَبْنا) ماضٍ، وقَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ مُسْتَقْبَلٌ، وهَذا العَطْفُ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ، بَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى …

Al-A'raaf 7:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.