Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 141–150 of 206

141

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾

أعْلَمَهم مُوسى عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِفَسادِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمِ لِيَزُولَ ما اسْتَحْسَنُوهُ مِن حالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أُولَئِكَ القَوْمِ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ مَهْلَكٌ مُدَمَّرٌ رَدِيءُ العاقِبَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والتَبارُ: الهَلاكُ وسِوى العُقْبى، وإناءٌ مُتَبَّرٌ أيْ مَكْسُورٌ وكِسارَتُهُ تِبْرٌ، ومِنهُ تِبْرُ الذَهَبِ لِأنَّهُ كُسارَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما هم فِيهِ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ حالِهِمْ، ﴿وَباطِلٌ﴾ مَعْناهُ: فاسِدٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللهِ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُوقِفَهم ويُقْرِرَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن تِلْقائِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وَ ﴿أبْغِيكُمْ﴾ مَعْناهُ: أطْلُبُ لَكُمْ، مِن بَغَيْتُ الشَيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، و"غَيْرَ" مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هَذا هو الظاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قالَ أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللهِ؟ فَهي في مَكانِ الصِفَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ نُصِبَتْ عَلى الحالِ، و﴿العالَمِينَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ يُرادُ بِهِ تَخْصِيصُ عالَمِ زَمانِهِمْ، لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ مِنهم بِإجْماعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، اللهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ مِنهم فَإنَّهم فُضِّلُوا في ذَلِكَ عَلى العالَمِينَ بِالإطْلاقِ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ النِعَمَ الَّتِي يَجِبُ مِن أجْلِها ألّا يَكْفُرُوا بِهِ ولا يَرْغَبُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَجَّيْناكُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْجَيْناكُمْ" وقَدْ تَقَدَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَإذْ أنْجاكُمْ" أيْ: أنْجاكُمُ اللهُ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ مَعْناهُ: يُحَمِّلُونَكم ويُكَلِّفُونَكُمْ، تَقُولُ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، ونَحْوَ هَذا، ومُساوَمَةُ البَيْعِ يَنْظُرُ إلى هَذا وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَساوِمِينَ يُكَلِّفُ صاحِبَهُ إرادَتَهُ، ثُمَّ فُسِّرَ سُوءُ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ( يُقَتِّلُونَ ويَسْتَحْيُونَ )، و"بَلاءٌ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى التَنْجِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وفي تَنْجِيَتِكُمُ امْتِحانٌ لَكم واخْتِبارٌ، هَلْ يَكُونُ مِنكم وفاءٌ بِحَسَبِ النِعْمَةِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآياتُ خاطَبَ بِها مُوسى مَن حَضَرَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: بَلْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فُعِلَ بِأوائِلِهِمْ وبِما جازَوْا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.

Al-A'raaf 7:141Listen in Qur'an →
142

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them], and do not follow the way of the corrupters."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾

قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، …

Al-A'raaf 7:142Listen in Qur'an →
143

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allah] said, "You will not see Me, but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level, and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first of the believers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾

قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَوَعَدْنا"، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَتَهَيَّأ لِمُناجاتِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زادَهُ في الأجَلِ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَ لَيالٍ، فَذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَهُ العَشْرُ في حالِ مَغِيبِهِ دُونَ أنْ تَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ وجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم بِهِ، فَقالَ لَهُمُ السامِرِيُّ: إنَّ مُوسى قَدْ هَلَكَ ولَيْسَ بِراجِعٍ وأضَلَّهم بِالعْجِلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ كُلُّهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: بَلْ أخْبَرَهم بِمَغِيبِهِ أرْبَعِينَ، وكَذَلِكَ أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّهم عَدُّوا الأيّامَ واللَيالِيَ، فَلَمّا تَمَّ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ قالُوا: قَدْ أخْلَفَ مُوسى فَضَلُّوا، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الثَلاثِينَ هي شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، وإنَّ العَشْرَ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ، ورُوِيَ أنَّ الثَلاثِينَ إنَّما وُعِدَ بِأنْ يَصُومَها ويَتَهَيَّأ فِيها لِلْمُناجاةِ ويَسْتَعِدَّ، وأنَّ مُدَّةَ المُناجاةِ هي العَشْرُ، وقِيلَ: بَلْ مُدَّةُ المُناجاةِ الأرْبَعُونَ، وإقْبالُ مُوسى عَلى الأمْرِ والتِزامُهُ يُحَسِّنُ لَفْظَ المُواعَدَةِ، وحَيْثُ ورَدَ أنَّ المُواعَدَةَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَذَلِكَ إخْبارٌ بِجُمْلَةِ الأمْرِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِتَفْصِيلِهِ كَيْفَ وقَعَ، و"أرْبَعِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "أرْبَعِينَ" ظَرْفًا مِن حَيْثُ هي عَدَدُ أزْمِنَةٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَتَمَّمْناها" بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ قالَ: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِقُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِواكِ فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، و"ثَلاثِينَ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: أجَّلْناهُ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّ المُواعَدَةَ لَمْ تَقَعْ في الثَلاثِينَ، ثُمَّ رَدَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ أنَّ العَشْرَ لَمْ تَكُنْ ساعاتٍ، وبِالجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ وإيضاحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: وقالَ مُوسى حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها، و"اخْلُفْنِي" مَعْناهُ: كُنْ خَلِيفَتِي، وهَذا اسْتِخْلافٌ في حَياةٍ كالوِكالَةِ الَّتِي تَنْقَضِي بِعَزْلِ المُوَكَّلِ أو مَوْتِهِ ولا يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَمادٍ بَعْدَ وفاةٍ، …

Al-A'raaf 7:143Listen in Qur'an →
144

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

[Allah] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾

قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟ فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.

والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ﷺ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] …

Al-A'raaf 7:144Listen in Qur'an →
145

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى الناسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾

قالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي الباقِلّانِيُّ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ ظَهَرَ وبَدا سُلْطانُهُ، فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ، فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صَعِقَ"، وهَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ عن ثابِتٍ عن أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ: "فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا" قالَ: فَوَضَعَ الإبْهامَ قَرِيبًا مِن خِنْصَرِهِ، قالَ: فَساخَ الجَبَلُ، فَقالَ حُمَيْدٌ لِثابِتٍ: تَقُولُ هَذا؟ فَرَفَعَ ثابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وقالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ويَقُولُهُ أنَسٌ وأكْتُمُهُ أنا؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَلَمّا تَجَلّى اللهُ لِلْجَبَلِ بِقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ انْدَكَّ الجَبَلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يَتَمَسَّكُ بِهِ المُعْتَزِلَةُ تَمَسُّكًا شَدِيدًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ جائِزَةٍ، وقائِلُهُ مِن أهْلِ السُنَّةِ إنَّما يَقُولُهُ مَعَ اعْتِقادِهِ جَوازَ الرُؤْيَةِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ ألْيَقُ بِألْفاظِ الآيَةِ مِن أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ أنَّ الجَبَلَ خُلِقَ لَهُ إدْراكٌ وحَياةٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَن قالَ: إنَّ التَقْدِيرَ: "فَلَمّا تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ" فَقَدْ أخْطَأ، ولا يَعْرِفُ أهْلُ اللُغَةِ ذَلِكَ، ورَدَّ أبُو عَلِيٍّ في "الأغْفالِ" عَلَيْهِ.

والدَكُّ: الِانْسِحاقُ والتَفَتُّتُ، وقَرَأ النَبِيُّ ﷺ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "دَكًّا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وغَيْرُهُمْ: "دَكّاءَ" عَلى وزْنِ حَمْراءَ، والدَكّاءُ: الناقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فالمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالناقَةِ، فَرُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ الجَبَلُ بِرُمَّتِهِ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَفَتَّتَ وانْسَحَقَ حَتّى صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ ساخَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ انْكَسَرَ سِتَّ فِرَقٍ، فَوَقَعَتْ مِنهُ ثَلاثٌ بِمَكَّةَ: ثَبِيرٌ، وغارُ ثَوْرٍ، وحِراءُ، وثَلاثٌ بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ، ووَرْقانُ، ورَضْوى، قالَهُ النَقّاشُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: ساخَ في الأرْضِ فَلا يَظْهَرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"صَعِقًا" مَعْناهُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَحال مَن تُصِيبُهُ الصَعْقَةُ وهي الصَيْحَةُ المُفْرِطَةُ، قالَ الخَلِيلُ: وهي الوَقْعُ الشَدِيدُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ مَوْتًا، قالَ الزَجّاجُ: وهو ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ "أفاقَ" تَقْتَضِي غَيْرَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] …

Al-A'raaf 7:145Listen in Qur'an →
146

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness, they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.

والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا. أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم. و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ …

Al-A'raaf 7:146Listen in Qur'an →
147

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَأصْرِفُ عن آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عنها غافِلِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المَعْنى: سَأمْنَعُ وأصُدُّ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الآياتُ هُنا كُلُّ كِتابٍ مُنَزَّلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عن فَهْمِها وتَصْدِيقِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الآياتُ: العَلاماتُ المَنصُوبَةُ الدالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالمَعْنى: عَنِ النَظَرِ فِيها والتَفْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ بِها، واللَفْظُ يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ.

والمُتَكَبِّرُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ في الأرْضِ هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ حَتْمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الطائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ ألّا يُؤْمِنُوا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "يَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ، قَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمُ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وسائِرُ السَبْعَةِ، وقَرَأها مَضْمُومَةَ الياءِ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الرُشْدِ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأبُو البَرَهْسَمِ: "الرُشُدِ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى أنَّ "الرُشْدَ" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، و"الرَشَدَ" بِفَتْحِهِما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرُشْدُ بِضَمِّ الراءِ: الصَلاحُ في النَظَرِ، و"الرَشَدُ" بِفَتْحِهِما: الدِينُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما فَأتْبَعَتِ الضَمَّةُ الضَمَّةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَتَّخِذُوها" و"تَتَّخِذُوها" عَلى تَأْنِيثِ السَبِيلِ، والسَبِيلُ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الصَرْفِ، أيْ صَرَفْنا إيّاهم وعُقُوبَتُنا لَهم هي بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَظَرِ في الآياتِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحُجَجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، وسَوْقُها في جُمْلَةِ المُكَذَّبِ بِهِ، ولِقاءِ الآخِرَةِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا. أيْ: هُنالِكَ يُفْتَضَحُ لَهم حالُهم. و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ وفَسَدَتْ، وأصْلُ الحَبَطِ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الَّذِي كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ فاسِدًا، إذْ مَآلُ العامِلِينَ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، وساغَ أنْ يُسْتَعْمَلَ "حَبِطَتْ" هُنا إذْ كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً في طَرِيقِ صَلاحٍ، فَكَأنَّ الحَبَطَ فِيها إنَّما هو بِحَسَبِ مُعْتَقَداتِهِمْ، وأمّا بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها فَفاسِدَةٌ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ …

Al-A'raaf 7:147Listen in Qur'an →
148

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ. هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.

ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ. ﴿جَسَدًا﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ. وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. …

Al-A'raaf 7:148Listen in Qur'an →
149

وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And when regret overcame them and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ. هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.

ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ. ﴿جَسَدًا﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ. وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. …

Al-A'raaf 7:149Listen in Qur'an →
150

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people oppressed me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me and do not place me among the wrongdoing people."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمَ الظالِمِينَ﴾

يُرِيدُ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحِلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، والأسَفُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الغَضَبِ الشَدِيدِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحُزْنِ، والمَعْنَيانِ مُتَرَتِّبانِ هاهُنا، و"ما" المُتَّصِلَةُ بِـ "بِئْسَ" مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، وفِيها اخْتِلافٌ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: بِئْسَ خِلافَتُكم لِي مِن بَعْدِي، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أو بَشَرٍّ إذا فَعَلَهُ بِمَن تَرَكَ مِن بَعْدِهِ، ويُقالُ: عَجِلَ فُلانٌ الأمْرَ إذا سَبَقَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ﴾ مَعْناهُ: أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم واسْتَعْجَلْتُمْ إتْيانِي قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى الألْواحَ﴾ الآيَةُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ سَبَبُ إلْقائِهِ الألْواحَ غَضَبَهُ عَلى قَوْمِهِ في عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وغَضَبَهُ عَلى أخِيهِ في إهْمالِ أمْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ -إنْ صَحَّ عنهُ-: بَلْ كانَ ذَلِكَ لَمّا رَأى فِيها مِن فَضِيلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرَغِبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لِغَيْرِها غَضِبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ رَدِيءٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ. وبِالجُمْلَةِ فَكانَ في خُلُقِ مُوسى ضِيقٌ وذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ لَوْحانِ وجُمِعَ إذِ التَثْنِيَةُ جَمْعٌ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ وِقْرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ مِنها الجُزْءُ في سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ مُفْرِطٌ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مُوسى لَمّا ألْقاها تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَ أكْثَرُها الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ الَّذِي في نُسْخَتِهِ الهُدى والرَحْمَةُ، وهو الَّذِي أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتِ الألْواحُ، وأخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ مِنَ الخُلُقِ المَذْكُورِ، هَذا هو ظاهِرُ اللَفْظِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِيَسارِهِ فَخَشِيَ هارُونُ أنْ يَتَوَهَّمَ الناظِرُ إلَيْهِما أنَّهُ لِغَضَبٍ فَلِذَلِكَ نَهاهُ ورَغِبَ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وقَوْلُهُ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ اسْتِلْطافٌ بِرَحِمِ الأُمِّ إذْ هو ألْصَقُ القَراباتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "ابْنَ أُمَّ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ: ابْنَ أُمّاهُ فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هُما اسْمانِ بُنِيا عَلى الفَتْحِ كاسْمٍ واحِدٍ لِخَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي …

Al-A'raaf 7:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.