Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 191–200 of 206

191

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.

اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك.

قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من غير أذَى ليسكن إليها أي: ليأنس بها ويأوي إليها قالوا: والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم: أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ.

قال ابنُ الخطيبِ: وهذا مشكل؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول: المرادُ من كلمة مِنْ في قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه.

قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ «هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ»

والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - «في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون» والمُرادُ: نوعه.

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: 35] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا.

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: وخلق من نوع الإنسان زوجٍ آدم، أي: جعل زوج آدم إنساناً مثله، «فلمَّا تَغشَّاهَا» أي واقعها وجامعها: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها: «فَمَرَّتْ بِهِ» أي: استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها.

قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ: حَمْل وحِمْل.

وحكى يعقبوُ في حمل النَّخْلةِ: الكسر، والحمل في الية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك: حَمَلْتُ زيداً.

قوله: «فَمَرَّتْ» الجمهور على تشديد الراء، أي: استمرت به، أي: قامت وقعدت.

وقيل: هو على القلب أي: فمَرَّ بها أي: استمرَّ ودام.

وقرأ ابنُ عبَّاسٍ: وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب: فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان:

أحدهما: أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: 33] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ.

والثاني: أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي: فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض؟

وقرأ عبدُ الله بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ: فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنَّها من: «مَارَ، يمُورُ» إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي: جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ «فَعَلَتْ» والأصلُ «مَوَرَتْ» ثم قلبت الواو ألفاً فهو ك: طَافَتْ، تَطُوفُ.

والثاني: أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه «فَاعلَتْ» .

والأصْلُ «مَارَيتْ» ك «ضَارَبَتْ» فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو ك: بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة.

وقرأ أبيّ فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في «فَمَارَتْ» أي: أنَّهُ يجوز أن يكون من «المِرْيَة» ، والأصلُ: اسْتَمْريَتْ وأن يكون من «المَوْرِ» ، والأصلُ: اسْتَمْورَتْ.

قوله: «فَلمَّا أثقَلَتْ» أي: صَارتْ …

Al-A'raaf 7:191Listen in Qur'an →
192

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And the false deities are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.

اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك.

قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من غير أذَى ليسكن إليها أي: ليأنس بها ويأوي إليها قالوا: والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم: أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ.

قال ابنُ الخطيبِ: وهذا مشكل؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول: المرادُ من كلمة مِنْ في قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه.

قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ «هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ»

والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - «في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون» والمُرادُ: نوعه.

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: 35] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا.

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: وخلق من نوع الإنسان زوجٍ آدم، أي: جعل زوج آدم إنساناً مثله، «فلمَّا تَغشَّاهَا» أي واقعها وجامعها: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها: «فَمَرَّتْ بِهِ» أي: استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها.

قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ: حَمْل وحِمْل.

وحكى يعقبوُ في حمل النَّخْلةِ: الكسر، والحمل في الية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك: حَمَلْتُ زيداً.

قوله: «فَمَرَّتْ» الجمهور على تشديد الراء، أي: استمرت به، أي: قامت وقعدت.

وقيل: هو على القلب أي: فمَرَّ بها أي: استمرَّ ودام.

وقرأ ابنُ عبَّاسٍ: وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب: فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان:

أحدهما: أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: 33] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ.

والثاني: أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي: فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض؟

وقرأ عبدُ الله بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ: فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنَّها من: «مَارَ، يمُورُ» إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي: جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ «فَعَلَتْ» والأصلُ «مَوَرَتْ» ثم قلبت الواو ألفاً فهو ك: طَافَتْ، تَطُوفُ.

والثاني: أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه «فَاعلَتْ» .

والأصْلُ «مَارَيتْ» ك «ضَارَبَتْ» فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو ك: بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة.

وقرأ أبيّ فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في «فَمَارَتْ» أي: أنَّهُ يجوز أن يكون من «المِرْيَة» ، والأصلُ: اسْتَمْريَتْ وأن يكون من «المَوْرِ» ، والأصلُ: اسْتَمْورَتْ.

قوله: «فَلمَّا أثقَلَتْ» أي: صَارتْ …

Al-A'raaf 7:192Listen in Qur'an →
193

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.

اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك.

قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من غير أذَى ليسكن إليها أي: ليأنس بها ويأوي إليها قالوا: والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم: أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ.

قال ابنُ الخطيبِ: وهذا مشكل؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول: المرادُ من كلمة مِنْ في قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه.

قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ «هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ»

والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - «في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون» والمُرادُ: نوعه.

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: 35] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا.

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: وخلق من نوع الإنسان زوجٍ آدم، أي: جعل زوج آدم إنساناً مثله، «فلمَّا تَغشَّاهَا» أي واقعها وجامعها: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها: «فَمَرَّتْ بِهِ» أي: استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها.

قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ: حَمْل وحِمْل.

وحكى يعقبوُ في حمل النَّخْلةِ: الكسر، والحمل في الية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك: حَمَلْتُ زيداً.

قوله: «فَمَرَّتْ» الجمهور على تشديد الراء، أي: استمرت به، أي: قامت وقعدت.

وقيل: هو على القلب أي: فمَرَّ بها أي: استمرَّ ودام.

وقرأ ابنُ عبَّاسٍ: وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب: فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان:

أحدهما: أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: 33] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ.

والثاني: أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي: فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض؟

وقرأ عبدُ الله بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ: فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنَّها من: «مَارَ، يمُورُ» إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي: جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ «فَعَلَتْ» والأصلُ «مَوَرَتْ» ثم قلبت الواو ألفاً فهو ك: طَافَتْ، تَطُوفُ.

والثاني: أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه «فَاعلَتْ» .

والأصْلُ «مَارَيتْ» ك «ضَارَبَتْ» فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو ك: بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة.

وقرأ أبيّ فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في «فَمَارَتْ» أي: أنَّهُ يجوز أن يكون من «المِرْيَة» ، والأصلُ: اسْتَمْريَتْ وأن يكون من «المَوْرِ» ، والأصلُ: اسْتَمْورَتْ.

قوله: «فَلمَّا أثقَلَتْ» أي: صَارتْ …

Al-A'raaf 7:193Listen in Qur'an →
194

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

قوله: «إنَّ الذينَ» العامَّةُ على تشديدِ إنَّ والموصولُ اسمها، وعبادٌ خبرها، وقرأ سعيدُ بنُ جبيرٍ بتخفيف إنْ ونصب عباد وأمثالكم، وخرَّجها ابن جني وغيره أنها إنْ النَّافيةُ وهي عاملةُ عمل ما الحجازية وهو مذهب الكسائي وأكثر الكوفيين غير الفراء، وقال به من البصريين: ابن السراج والفارسي وابن جنِّي، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصحيحُ أنَّ إعمالها لغةٌ ثاتبة نظماً ونثراً؛ وأنشدوا: [المنسرح]

2649 - إنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً على أحِدٍ ... إلاَّ على أضْعَفِ المجانينِ

ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبِتُ ذلك ولا يجوزُ التَّناقض في كلام اللَّهِ تعالى.

وقد أجَابُوا عن ذلك بأنَّ هذه القراءة تُفْهِمُ تحقير أمرِ المعبودِ من دون اللَّهِ وعبادة عابِدِه.

وذلك أنَّ العابدين أتَمَّ حَالاً وأقدرُ على الضرِّ والنَّفْعِ من آلهتهم فإنَّهَا جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك، فكيف يَعْبُدُ الكاملُ من هُو دُونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأولى.

وقد ردَّ أبو جعفرٍ هذه القراءة بثلاثة أوجه:

أحدها: أنَّهَا مخالفةٌ لسواد المصحفِ.

والثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر إنْ المخففة فيقول: «إنْ زيدٌ منطلقٌ» ؛ لأنَّ عمل ما ضعيف وإنْ بمعناها، فهي أضعف منها.

الثالث: أنَّ الكسائي لا يرى أنَّهَا تكون بمعنى ما إلاَّ أن يكون بعدها إيجاب، وما ردَّ به النَّحَّاس ليس بشيءٍ؛ لأنَّهَا مخالفةٌ يسيرة.

قال أبُو حيان: يجوزُ أن يكون كتب المنصوب على للة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف، فلا تكون مخالفةٍ للسَّواد.

وأمَّا سيبويه فاختلف النَّاسُ في الفهم عنه في ذلك.

وأمَّا الكسائيُّ فهذا القيد غير معروف له.

وخرَّج ابو حيَّان القراءة على أنَّها إنْ المخففة.

قال: وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ [هود: 111] ثُمَّ إنَّها قد ثبت لها نصبُ الجُزأين؛ وأنشد: [الطويل]

2650 - ... ... ... ... ... ... ... .....

إنَّ حُرَّاسنَا أُسْدَا

قال: وهي لغة ثابتة ثم قال: فإن تأوَّلثوا ما ورد من ذلك؛ نحو: [الرجز]

2651 - يَا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعا ... أي: تُرَى رواجعاً، فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم.

قال شهابُ الدِّين: فيكون هذا التَّخريج مبنياً على مذهبين.

أحدهما: إعمالُ المخففَّة.

وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنَّه أقل من الإهمال، وعبارة بعضهم أنَّهُ قليل، ولا أرتضيه قليلاً لوروده في المتواتر.

الثاني: أنَّ إنَّ وأخواتها تنصب الجزأين، وهو مذهبٌ مرجوح، وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثةُ أوجه: كون إنْ نافية عاملة، والمخففة الناصبة للجزءين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى.

وقرأ بعضهم إنْ مخففة، عباداً نصباً أمثالكم رفعاً، وتخريجها على أن تكونَ المخففة وقد أهملت والذين مبتدأ، و «تَدْعُونَ» صلتها والعائدُ محذوف، وعباداً حال من ذلك العائد المحذوفِ، أمثالكُم خبره، والتقدير: إنَّ الذين تدعونهم حال كونهم عباداً أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين، فكيف يُعْبَدُون؟

ويضعفُ أن يكون الموصول اسماً منصوب المحل؛ لأن إعمال المخففة كما تقدَّم قليلٌ.

وحكى أبُو البقاءِ أيضاً قراءةُ رابعةً وهي بتشديدِ إنَّ ونصب عباد ورفع أمثالكم وتخريجها على ما تقدم قبلها.

فصل

في الآية سؤال: وهو أنه كيف يحسن وصف الأصنام بأنَّها عباد مع أنها جمادات؟

والجواب: من وجوه:

أحدها: أن المشركينَ لمَّا ادعوا أنَّها تضر وتنفعُ؛ وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلهذا وردت هذه الألفاظ وفق اعتقادهم؛ ولهذا قال: ﴿فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 194] .

وقال: «إنَّ الذينَ» ولم يقل: «إنَّ الَّتي» .

وثانيها: أن هذا اللَّفظ ورد في معرض الاستهزاء بهم أي: أمرهم أن …

Al-A'raaf 7:194Listen in Qur'an →
195

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muhammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

قوله: «إنَّ الذينَ» العامَّةُ على تشديدِ إنَّ والموصولُ اسمها، وعبادٌ خبرها، وقرأ سعيدُ بنُ جبيرٍ بتخفيف إنْ ونصب عباد وأمثالكم، وخرَّجها ابن جني وغيره أنها إنْ النَّافيةُ وهي عاملةُ عمل ما الحجازية وهو مذهب الكسائي وأكثر الكوفيين غير الفراء، وقال به من البصريين: ابن السراج والفارسي وابن جنِّي، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصحيحُ أنَّ إعمالها لغةٌ ثاتبة نظماً ونثراً؛ وأنشدوا: [المنسرح]

2649 - إنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً على أحِدٍ ... إلاَّ على أضْعَفِ المجانينِ

ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبِتُ ذلك ولا يجوزُ التَّناقض في كلام اللَّهِ تعالى.

وقد أجَابُوا عن ذلك بأنَّ هذه القراءة تُفْهِمُ تحقير أمرِ المعبودِ من دون اللَّهِ وعبادة عابِدِه.

وذلك أنَّ العابدين أتَمَّ حَالاً وأقدرُ على الضرِّ والنَّفْعِ من آلهتهم فإنَّهَا جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك، فكيف يَعْبُدُ الكاملُ من هُو دُونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأولى.

وقد ردَّ أبو جعفرٍ هذه القراءة بثلاثة أوجه:

أحدها: أنَّهَا مخالفةٌ لسواد المصحفِ.

والثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر إنْ المخففة فيقول: «إنْ زيدٌ منطلقٌ» ؛ لأنَّ عمل ما ضعيف وإنْ بمعناها، فهي أضعف منها.

الثالث: أنَّ الكسائي لا يرى أنَّهَا تكون بمعنى ما إلاَّ أن يكون بعدها إيجاب، وما ردَّ به النَّحَّاس ليس بشيءٍ؛ لأنَّهَا مخالفةٌ يسيرة.

قال أبُو حيان: يجوزُ أن يكون كتب المنصوب على للة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف، فلا تكون مخالفةٍ للسَّواد.

وأمَّا سيبويه فاختلف النَّاسُ في الفهم عنه في ذلك.

وأمَّا الكسائيُّ فهذا القيد غير معروف له.

وخرَّج ابو حيَّان القراءة على أنَّها إنْ المخففة.

قال: وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ [هود: 111] ثُمَّ إنَّها قد ثبت لها نصبُ الجُزأين؛ وأنشد: [الطويل]

2650 - ... ... ... ... ... ... ... .....

إنَّ حُرَّاسنَا أُسْدَا

قال: وهي لغة ثابتة ثم قال: فإن تأوَّلثوا ما ورد من ذلك؛ نحو: [الرجز]

2651 - يَا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعا ... أي: تُرَى رواجعاً، فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم.

قال شهابُ الدِّين: فيكون هذا التَّخريج مبنياً على مذهبين.

أحدهما: إعمالُ المخففَّة.

وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنَّه أقل من الإهمال، وعبارة بعضهم أنَّهُ قليل، ولا أرتضيه قليلاً لوروده في المتواتر.

الثاني: أنَّ إنَّ وأخواتها تنصب الجزأين، وهو مذهبٌ مرجوح، وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثةُ أوجه: كون إنْ نافية عاملة، والمخففة الناصبة للجزءين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى.

وقرأ بعضهم إنْ مخففة، عباداً نصباً أمثالكم رفعاً، وتخريجها على أن تكونَ المخففة وقد أهملت والذين مبتدأ، و «تَدْعُونَ» صلتها والعائدُ محذوف، وعباداً حال من ذلك العائد المحذوفِ، أمثالكُم خبره، والتقدير: إنَّ الذين تدعونهم حال كونهم عباداً أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين، فكيف يُعْبَدُون؟

ويضعفُ أن يكون الموصول اسماً منصوب المحل؛ لأن إعمال المخففة كما تقدَّم قليلٌ.

وحكى أبُو البقاءِ أيضاً قراءةُ رابعةً وهي بتشديدِ إنَّ ونصب عباد ورفع أمثالكم وتخريجها على ما تقدم قبلها.

فصل

في الآية سؤال: وهو أنه كيف يحسن وصف الأصنام بأنَّها عباد مع أنها جمادات؟

والجواب: من وجوه:

أحدها: أن المشركينَ لمَّا ادعوا أنَّها تضر وتنفعُ؛ وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلهذا وردت هذه الألفاظ وفق اعتقادهم؛ ولهذا قال: ﴿فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 194] .

وقال: «إنَّ الذينَ» ولم يقل: «إنَّ الَّتي» .

وثانيها: أن هذا اللَّفظ ورد في معرض الاستهزاء بهم أي: أمرهم أن …

Al-A'raaf 7:195Listen in Qur'an →
196

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ

Indeed, my protector is Allah, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ العامة على تشديد وَلِيِّيَ مضافاً لياء المتكلم المفتوحة، وهي قراءة واضحة أضاف الوليَّ إلى نفسه.

وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه «إنَّ وليَّ» بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان:

أحدهما: قال أبُو عليٍّ: إن ياء «فعيل» مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإنَّ الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس.

والثاني: أن يكون وليَّ اسمها، وهو اسمُ نكرة غيرُ مضافِ لياء المتكلم، والأصلُ: إنَّ وليّاً الله ف «وليّاً» اسمها والله خبرها، ثم حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]

2652 - فأَلْفَيْتُه غَيْر مُسْتَعْتبٍ ... ولا ذَاكِر اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا

وكقراءة من قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: 1 - 2] ولم يبق إلاَّ الإخبارُ عن نكرةٍ بمرعفة، وهو واردٌ.

قال الشاعر: [الطويل]

2653 - وإنْ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بآبَائِي الشمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ

وقرأ الجحدريُّ في رواية إنَّ وليِّ الله بكسر الياءِ مشددة، وأصلها أنَّهُ سكن ياء المتكلم، فالتقت مع لام التعريف فحذفت، لالتقاء الساكنين، وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلام الرَّجلُ.

وقرأ في رواية أخرى إنَّ وليَّ اللَّهِ بياء مشددة مفتوحة، والجلالة بالجرِّ، نقلهما عنه أبو عمرو الدَّاني أضاف الولي إلى الجلالةِ.

وذكر الأخفشُ وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولمْ يذكرا نَصْبَ الياء، وخرَّجها النَّاسُ على ثلاثة أوجه: الأولُ: قولُ الأخفش - وهو أن يكون وَليّ الله اسمُها والَّذي نزَّلَ الكتاب خبرها، والمراد ب «الذين نزّل الكتابَ» جبريل، لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: 193] : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ [النحل: 102] إلاَّ أنَّ الأخفش قال في قوله ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ هو من صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تحتم ذلك نظرٌ.

والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون ثمَّ عائدٌ محذوفٌ لفهم المعنى والتقدير إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نزَّ الله الكتاب عليه، فحذف عليه وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف، لكنَّه قد جاء قليلاً، كقوله: [الطويل]

2654 - وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ

أي: صبة اللَّهُ عليه، وقال آخر: [الطويل]

2655 - فأصْبَحَ مِنْ أسْمَاءَ قَيْسٌ كقَابضٍ ... عَلى المَاءِ لا يَدْرِي بِمَا هُوَ قَابِضُ

أي بما هو قابض عليه. وقال آخر: [الطويل]

1656 - لَعَلَّ الَّذي أصْعَدْتني أنْ يَرُدَّنِي ... إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدرِ الخَيْرَ قَادِرُه

أي: أصعدتني به.

وقال آخر: [الوافر] 2657 - ومِنْ حَسَدٍ يَجُوزُ عَليَّ قَوْمِي ... وأيُّ الدَّهْر ذُو لم يَحْسُدُونِي

أي يحسدوني فيه.

وقال آخر: [الطويل]

2658 - فَقُلْتُ لهَا لاَ والَّذي حَجَّ حَاتِمٌ ... أخُونُكِ عَهْداً إنَّنِي غَيْرُ خَوَّانِ

أي: حج إليه، وقال آخر: [الرجز]

2659 - فأبْلِغَنَّ خَالدَ بنَ نَضْلَةٍ ... والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بِلوْمِ مَنْ يَثقْ

أي: يثقُ به.

وإذا ثبت أنَّ الضمير يُحْذَف في مثل هذه الأماكن، وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة الشاذة في التخريج المذكور أسوةٌ بها.

والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ وليَّ الله الصَّالحُ، أو من هو صالح وحذف، لدلالة قوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [فصلت: 41] أي: معذبون، وكقوله ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: 25] .

فصل

المعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾ يعني القرآن، أي: يتولاّني وينصرني كما أيَّدني بإنزال الكتاب ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ قال ابنُ عباسٍ: «يريد الذين لا يعدلُون بالله شيئاً، فاللَّهُ يتولاهم بنصره ولا يضرهم …

Al-A'raaf 7:196Listen in Qur'an →
197

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ العامة على تشديد وَلِيِّيَ مضافاً لياء المتكلم المفتوحة، وهي قراءة واضحة أضاف الوليَّ إلى نفسه.

وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه «إنَّ وليَّ» بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان:

أحدهما: قال أبُو عليٍّ: إن ياء «فعيل» مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإنَّ الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس.

والثاني: أن يكون وليَّ اسمها، وهو اسمُ نكرة غيرُ مضافِ لياء المتكلم، والأصلُ: إنَّ وليّاً الله ف «وليّاً» اسمها والله خبرها، ثم حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]

2652 - فأَلْفَيْتُه غَيْر مُسْتَعْتبٍ ... ولا ذَاكِر اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا

وكقراءة من قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: 1 - 2] ولم يبق إلاَّ الإخبارُ عن نكرةٍ بمرعفة، وهو واردٌ.

قال الشاعر: [الطويل]

2653 - وإنْ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بآبَائِي الشمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ

وقرأ الجحدريُّ في رواية إنَّ وليِّ الله بكسر الياءِ مشددة، وأصلها أنَّهُ سكن ياء المتكلم، فالتقت مع لام التعريف فحذفت، لالتقاء الساكنين، وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلام الرَّجلُ.

وقرأ في رواية أخرى إنَّ وليَّ اللَّهِ بياء مشددة مفتوحة، والجلالة بالجرِّ، نقلهما عنه أبو عمرو الدَّاني أضاف الولي إلى الجلالةِ.

وذكر الأخفشُ وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولمْ يذكرا نَصْبَ الياء، وخرَّجها النَّاسُ على ثلاثة أوجه: الأولُ: قولُ الأخفش - وهو أن يكون وَليّ الله اسمُها والَّذي نزَّلَ الكتاب خبرها، والمراد ب «الذين نزّل الكتابَ» جبريل، لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: 193] : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ [النحل: 102] إلاَّ أنَّ الأخفش قال في قوله ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ هو من صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تحتم ذلك نظرٌ.

والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون ثمَّ عائدٌ محذوفٌ لفهم المعنى والتقدير إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نزَّ الله الكتاب عليه، فحذف عليه وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف، لكنَّه قد جاء قليلاً، كقوله: [الطويل]

2654 - وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ

أي: صبة اللَّهُ عليه، وقال آخر: [الطويل]

2655 - فأصْبَحَ مِنْ أسْمَاءَ قَيْسٌ كقَابضٍ ... عَلى المَاءِ لا يَدْرِي بِمَا هُوَ قَابِضُ

أي بما هو قابض عليه. وقال آخر: [الطويل]

1656 - لَعَلَّ الَّذي أصْعَدْتني أنْ يَرُدَّنِي ... إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدرِ الخَيْرَ قَادِرُه

أي: أصعدتني به.

وقال آخر: [الوافر] 2657 - ومِنْ حَسَدٍ يَجُوزُ عَليَّ قَوْمِي ... وأيُّ الدَّهْر ذُو لم يَحْسُدُونِي

أي يحسدوني فيه.

وقال آخر: [الطويل]

2658 - فَقُلْتُ لهَا لاَ والَّذي حَجَّ حَاتِمٌ ... أخُونُكِ عَهْداً إنَّنِي غَيْرُ خَوَّانِ

أي: حج إليه، وقال آخر: [الرجز]

2659 - فأبْلِغَنَّ خَالدَ بنَ نَضْلَةٍ ... والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بِلوْمِ مَنْ يَثقْ

أي: يثقُ به.

وإذا ثبت أنَّ الضمير يُحْذَف في مثل هذه الأماكن، وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة الشاذة في التخريج المذكور أسوةٌ بها.

والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ وليَّ الله الصَّالحُ، أو من هو صالح وحذف، لدلالة قوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [فصلت: 41] أي: معذبون، وكقوله ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: 25] .

فصل

المعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾ يعني القرآن، أي: يتولاّني وينصرني كما أيَّدني بإنزال الكتاب ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ قال ابنُ عباسٍ: «يريد الذين لا يعدلُون بالله شيئاً، فاللَّهُ يتولاهم بنصره ولا يضرهم …

Al-A'raaf 7:197Listen in Qur'an →
198

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ العامة على تشديد وَلِيِّيَ مضافاً لياء المتكلم المفتوحة، وهي قراءة واضحة أضاف الوليَّ إلى نفسه.

وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه «إنَّ وليَّ» بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان:

أحدهما: قال أبُو عليٍّ: إن ياء «فعيل» مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإنَّ الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس.

والثاني: أن يكون وليَّ اسمها، وهو اسمُ نكرة غيرُ مضافِ لياء المتكلم، والأصلُ: إنَّ وليّاً الله ف «وليّاً» اسمها والله خبرها، ثم حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]

2652 - فأَلْفَيْتُه غَيْر مُسْتَعْتبٍ ... ولا ذَاكِر اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا

وكقراءة من قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: 1 - 2] ولم يبق إلاَّ الإخبارُ عن نكرةٍ بمرعفة، وهو واردٌ.

قال الشاعر: [الطويل]

2653 - وإنْ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً ... بآبَائِي الشمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ

وقرأ الجحدريُّ في رواية إنَّ وليِّ الله بكسر الياءِ مشددة، وأصلها أنَّهُ سكن ياء المتكلم، فالتقت مع لام التعريف فحذفت، لالتقاء الساكنين، وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلام الرَّجلُ.

وقرأ في رواية أخرى إنَّ وليَّ اللَّهِ بياء مشددة مفتوحة، والجلالة بالجرِّ، نقلهما عنه أبو عمرو الدَّاني أضاف الولي إلى الجلالةِ.

وذكر الأخفشُ وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولمْ يذكرا نَصْبَ الياء، وخرَّجها النَّاسُ على ثلاثة أوجه: الأولُ: قولُ الأخفش - وهو أن يكون وَليّ الله اسمُها والَّذي نزَّلَ الكتاب خبرها، والمراد ب «الذين نزّل الكتابَ» جبريل، لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: 193] : ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ [النحل: 102] إلاَّ أنَّ الأخفش قال في قوله ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ هو من صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تحتم ذلك نظرٌ.

والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويكون ثمَّ عائدٌ محذوفٌ لفهم المعنى والتقدير إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نزَّ الله الكتاب عليه، فحذف عليه وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف، لكنَّه قد جاء قليلاً، كقوله: [الطويل]

2654 - وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا ... وهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ

أي: صبة اللَّهُ عليه، وقال آخر: [الطويل]

2655 - فأصْبَحَ مِنْ أسْمَاءَ قَيْسٌ كقَابضٍ ... عَلى المَاءِ لا يَدْرِي بِمَا هُوَ قَابِضُ

أي بما هو قابض عليه. وقال آخر: [الطويل]

1656 - لَعَلَّ الَّذي أصْعَدْتني أنْ يَرُدَّنِي ... إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدرِ الخَيْرَ قَادِرُه

أي: أصعدتني به.

وقال آخر: [الوافر] 2657 - ومِنْ حَسَدٍ يَجُوزُ عَليَّ قَوْمِي ... وأيُّ الدَّهْر ذُو لم يَحْسُدُونِي

أي يحسدوني فيه.

وقال آخر: [الطويل]

2658 - فَقُلْتُ لهَا لاَ والَّذي حَجَّ حَاتِمٌ ... أخُونُكِ عَهْداً إنَّنِي غَيْرُ خَوَّانِ

أي: حج إليه، وقال آخر: [الرجز]

2659 - فأبْلِغَنَّ خَالدَ بنَ نَضْلَةٍ ... والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بِلوْمِ مَنْ يَثقْ

أي: يثقُ به.

وإذا ثبت أنَّ الضمير يُحْذَف في مثل هذه الأماكن، وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة الشاذة في التخريج المذكور أسوةٌ بها.

والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ وليَّ الله الصَّالحُ، أو من هو صالح وحذف، لدلالة قوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ وكقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر﴾ [فصلت: 41] أي: معذبون، وكقوله ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: 25] .

فصل

المعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾ يعني القرآن، أي: يتولاّني وينصرني كما أيَّدني بإنزال الكتاب ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ قال ابنُ عباسٍ: «يريد الذين لا يعدلُون بالله شيئاً، فاللَّهُ يتولاهم بنصره ولا يضرهم …

Al-A'raaf 7:198Listen in Qur'an →
199

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ

Take what is given freely, enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

قوله: ﴿خُذِ العفو﴾ .

قال عبدُ الله بنُ الزُّبير: أمر اللَّهُ نبيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأخذ العفو من أخلاق النَّاسِ.

قال مجاهدٌ: يعني خذ العفو من أخلاق النَّاسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسِ وذلك مثل قبول الاعتذار، والعفو المتساهل، وترك البَحْثِ عن الأشياء ونحو ذلك. روي أنَّهُ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لجبريل: «ما هذا؟ قال: لا أدْرِي حتى أسْألَ ثم رجع فقال:» إنَّ اللَّهَ يأمر أنَّ تصلَ مَنْ قطعك، وتُعْطي مَنْ حَرَمكَ، وتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمكَ»

قال العلماءُ: تفسيرُ جبريل - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - مطابق للفظ الآية؛ لأنَّك إن وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإن أعطيت من حرمك فقد أتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمَّن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين.

وقال ابنُ عباَّسٍ، والسدُّ، والضحاك، والكلبيُّ: والمعنى خُذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال، وذلك معنى قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ [البقرة: 219] ثم نسخت هذه الآية بالصَّدقات المفروضات.

قوله: ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ ، أي: بالمعروف، وهو كلُّ ما يعرفه الشَّرع، وقال عطاءٌ: ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ بلا إله إلا الله وأعرض عن الجاهلين» يعني أبا جهل وأصحابه، نسختها آية السَّيْفِ، وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل، فلا تقابله بالسَّفهِ كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] .

قال جعفرُ الصَّادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاقِ من هذه الآية.

فصل

اعلم أنَّ تَخْصِيصَهُمْ قوله: «خُذِ العَفْوَ» بما ذكروه من أخذ الفضل تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضاً إذا حملناه على أداء الزَّكَاةِ كالمقادير المخصوصة مُنافياً لذلك؛ لأنَّ أخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم الأموال ولا يشدد الأمر على المزكي، فلم يك إيجاب الزَّكاةِ ناسخاً لهذه الآية.

وأمَّا قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ فالمقصودُ منه أمر الرَّسُول بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثالها وليس فيه دلالة على المنع من القتالِ؛ لأنَّهُ لا يمتنع أن يؤمؤ عليه الصَّلاة والسَّلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنَّهُ لا تناقض بأن يقول الشَّارعُ لا تُقابلْ سفاهتهم بمثلها ولكن قاتلهم، وإذا أمكن الجمع بين الأمرين؛ فلا حاجة إلى التزامِ النَّسْخٍ.

قوله تعالى: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾ الآية.

قال: عبدُ الرحم بن زيد: لما نزل قوله: «خُذِ العَفْوَ» الآية: قال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «كيف يا رب بالغضب؟»

فنزل قوله: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾ الآية والنَّزْغُ: أدنى حركة تكونُ، قاله الزَّجَّاجُ، ومن الشَّيطان أدنى وسوسة وقال عبد الرحمن بن زيد لما نزلت: قوله وأكثر ما يُسْند للشيطان؛ لأنه أسرعُ في ذلك وقيل النَّزْغُ الدخول في أمر لإفساده.

وقال الزمخشري: والنَّزغُ والنِّسْغُ: الغَرْزُ والنَّخْسُ، وجعل النزغ نازغاً كما قيل «جَدَّ جَدُّه» يعني: قصد بذلك المبالغة.

وقيل: النَّزغ: الإزعاج، وأكثرُ ما يكون عند الغضب وأصله الانزعاج بالحركة إلى الشَّرِّ، وتقريره: أنَّ الآمر بالمعروف إذا أمر بما يهيج السفيه ويظهر السَّفاهة فعند ذلك أمره اللَّه بالسكوت عن مقابلته فقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ ثُمَّ أمره الله تعالى بما يجري مجرى العلاجِ بهذا المرض إن حدث فقال: فاستَعِذْ باللَّهِ «وهذا الخطابُ وإن كان للرَّسُول إلاَّ أنه عام لَجميع المكلفين. وقد تقدَّم الكلامُ في الاستعاذة؛ وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستعاذة باللِّسانِ لا تفيدُ إلاَّ إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنَّه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معنى الاستعاذة …

Al-A'raaf 7:199Listen in Qur'an →
200

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allah. Indeed, He is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿خُذِ العفو﴾ .

قال عبدُ الله بنُ الزُّبير: أمر اللَّهُ نبيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأخذ العفو من أخلاق النَّاسِ.

قال مجاهدٌ: يعني خذ العفو من أخلاق النَّاسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسِ وذلك مثل قبول الاعتذار، والعفو المتساهل، وترك البَحْثِ عن الأشياء ونحو ذلك. روي أنَّهُ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لجبريل: «ما هذا؟ قال: لا أدْرِي حتى أسْألَ ثم رجع فقال:» إنَّ اللَّهَ يأمر أنَّ تصلَ مَنْ قطعك، وتُعْطي مَنْ حَرَمكَ، وتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمكَ»

قال العلماءُ: تفسيرُ جبريل - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - مطابق للفظ الآية؛ لأنَّك إن وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإن أعطيت من حرمك فقد أتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمَّن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين.

وقال ابنُ عباَّسٍ، والسدُّ، والضحاك، والكلبيُّ: والمعنى خُذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال، وذلك معنى قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ [البقرة: 219] ثم نسخت هذه الآية بالصَّدقات المفروضات.

قوله: ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ ، أي: بالمعروف، وهو كلُّ ما يعرفه الشَّرع، وقال عطاءٌ: ﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾ بلا إله إلا الله وأعرض عن الجاهلين» يعني أبا جهل وأصحابه، نسختها آية السَّيْفِ، وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل، فلا تقابله بالسَّفهِ كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] .

قال جعفرُ الصَّادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاقِ من هذه الآية.

فصل

اعلم أنَّ تَخْصِيصَهُمْ قوله: «خُذِ العَفْوَ» بما ذكروه من أخذ الفضل تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضاً إذا حملناه على أداء الزَّكَاةِ كالمقادير المخصوصة مُنافياً لذلك؛ لأنَّ أخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم الأموال ولا يشدد الأمر على المزكي، فلم يك إيجاب الزَّكاةِ ناسخاً لهذه الآية.

وأمَّا قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ فالمقصودُ منه أمر الرَّسُول بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثالها وليس فيه دلالة على المنع من القتالِ؛ لأنَّهُ لا يمتنع أن يؤمؤ عليه الصَّلاة والسَّلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنَّهُ لا تناقض بأن يقول الشَّارعُ لا تُقابلْ سفاهتهم بمثلها ولكن قاتلهم، وإذا أمكن الجمع بين الأمرين؛ فلا حاجة إلى التزامِ النَّسْخٍ.

قوله تعالى: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾ الآية.

قال: عبدُ الرحم بن زيد: لما نزل قوله: «خُذِ العَفْوَ» الآية: قال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «كيف يا رب بالغضب؟»

فنزل قوله: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾ الآية والنَّزْغُ: أدنى حركة تكونُ، قاله الزَّجَّاجُ، ومن الشَّيطان أدنى وسوسة وقال عبد الرحمن بن زيد لما نزلت: قوله وأكثر ما يُسْند للشيطان؛ لأنه أسرعُ في ذلك وقيل النَّزْغُ الدخول في أمر لإفساده.

وقال الزمخشري: والنَّزغُ والنِّسْغُ: الغَرْزُ والنَّخْسُ، وجعل النزغ نازغاً كما قيل «جَدَّ جَدُّه» يعني: قصد بذلك المبالغة.

وقيل: النَّزغ: الإزعاج، وأكثرُ ما يكون عند الغضب وأصله الانزعاج بالحركة إلى الشَّرِّ، وتقريره: أنَّ الآمر بالمعروف إذا أمر بما يهيج السفيه ويظهر السَّفاهة فعند ذلك أمره اللَّه بالسكوت عن مقابلته فقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ ثُمَّ أمره الله تعالى بما يجري مجرى العلاجِ بهذا المرض إن حدث فقال: فاستَعِذْ باللَّهِ «وهذا الخطابُ وإن كان للرَّسُول إلاَّ أنه عام لَجميع المكلفين. وقد تقدَّم الكلامُ في الاستعاذة؛ وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يدلُّ على أنَّ الاستعاذة باللِّسانِ لا تفيدُ إلاَّ إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنَّه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معنى الاستعاذة …

Al-A'raaf 7:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.