Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 206

81

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالُ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾

عُطِفَ ولُوطًا عَلى نُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إذِ ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ لُوطًا كَما ابْتُدِئَتْ قِصَّةٌ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ. و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْنا“ المُقَدَّرُ يَعْنِي أرْسَلْناهُ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وجُعِلَ وقْتُ القَوْلِ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، والمُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ بَيْنَ وقْتِ الإرْسالِ ووَقْتِ قَوْلِهِ، مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِمَعْنى شِدَّةِ القُرْبِ بِأقْصى ما يُسْتَطاعُ مِن مُبادَرَةِ التَّبْلِيغِ.

وقَوْمُ لُوطٍ كانُوا خَلِيطًا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ ومِمَّنْ نَزَلَ حَوْلَهم. ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ مِن قَبائِلِهِمْ، وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ واسْتَوْطَنَ دِيارَهم. ولُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وكانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَزَلَ بِبِلادِ سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ قُرابَةٌ.

صفحة ٢٣٠

والقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم أهْلُ قَرْيَةِ سَدُومَ وعَمُورَةَ مِن أرْضِ كَنْعانَ، ورُبَّما أُطْلِقَ اسْمُ سَدُومَ وعَمُورَةَ عَلى سُكّانِها. وهم أسْلافُ الفَنِيقِيِّينَ وكانَتا عَلى شاطِئِ السَّدِيمِ، وهو بَحْرُ المِلْحِ، كَما جاءَ في التَّوْراةِ وهو البَحْرُ المَيِّتُ المَدْعُوُّ بُحَيْرَةُ لُوطٍ بِقُرْبِ أُرْشَلِيمَ. وكانَتْ قُرْبَ سَدُومَ ومَن مَعَهم أحْدَثُوا فاحِشَةَ اسْتِمْتاعُ الرِّجالِ بِالرِّجالِ، فَأمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا نَزَلَ بِقَرْيَتِهِمْ سَدُومَ في رِحْلَتِهِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَنْهاهم ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ.

فالِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، والإتْيانُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَجازٌ في التَّلَبُّسِ والعَمَلِ، أيْ أتَعْمَلُونَ الفاحِشَةَ، وكُنِّيَ بِالإتْيانِ عَلى العَمَلِ المَخْصُوصِ وهي كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ.

والفاحِشَةُ: الفِعْلُ الدَّنِيءُ الذَّمِيمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨]: والمُرادُ هُنا فاحِشَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.

وجُمْلَةُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ صِفَةً لِلْفاحِشَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: تَأْتُونَ أوْ مِنَ: الفاحِشَةِ

والسَّبْقُ حَقِيقَتُهُ: وُصُولُ الماشِي إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِ غَيْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أيِ الأوَّلِيَّةِ والِابْتِداءِ، وهو المُرادُ هُنا، والمَقْصُودُ أنَّهم سَبَقُوا النّاسَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ إذْ لا …

Al-A'raaf 7:81Listen in Qur'an →
82

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى جُمْلَةِ: قالَ لِقَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: وإذْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا إلَخْ، والمَعْنى: أنَّهم أُفْحِمُوا عَنْ تَرْوِيجِ شَنْعَتِهِمْ والمُجادَلَةِ في شَأْنِها، وابْتَدَرُوا بِالتَّآمُرِ عَلى إخْراجِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ مِنَ القَرْيَةِ، لِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم وقَدْ أرادُوا الِاسْتِراحَةَ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ، شَأْنُ مَن يَشْعُرُونَ بِفَسادِ حالِهِمْ، المَمْنُوعِينَ بِشَهَواتِهِمْ عَنِ الإقْلاعِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، المُصَمِّمِينَ عَلى مُداوَمَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَإنَّ صُدُورَهم تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِ المَوْعِظَةِ، وأسْماعُهم تَصَمُّ لِقَبُولِها، ولَمْ يَزَلْ مِن شَأْنِ المُنْغَمِسِينَ في الهَوى تَجَهُّمُ حُلُولِ مَن لا يُشارِكُهم بَيْنَهم.

صفحة ٢٣٥

والجَوابُ: الكَلامُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ كَلامٌ آخَرُ: تَقْرِيرًا، أوْ رَدًّا، أوْ جَزاءً.

وانْتَصَبَ قَوْلُهُ (جَوابَ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ (كانَ) مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها الواقِعِ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، وهَذا هو الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، إذا كانَ أحَدُ مَعْمُولَيْ كانَ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِن أنْ والفِعْلِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وسُورَةِ الأنْعامِ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى نَصْبِ المَعْمُولِ الأوَّلِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: أخْرِجُوهم عائِدٌ عَلى مَحْذُوفٍ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، وهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلُهُ: وهم زَوْجُهُ وابْنَتاهُ.

وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ، وذَلِكَ شَأْنُ إنَّ إذا جاءَتْ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ ولا إنْكارَ، بَلْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَإنَّها تُفِيدُ مَفادَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتَدُلُّ عَلى الرَّبْطِ والتَّعْلِيلِ.

والتَّطَهُّرُ تَكَلُّفُ الطَّهارَةِ. وحَقِيقَتُها النَّظافَةُ، وتُطْلَقُ الطَّهارَةُ - مَجازًا - عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ والحَذَرِ مِنَ الرَّذائِلِ وهي المُرادُ هُنا، وتِلْكَ صِفَةُ كَمالٍ، لَكِنَّ القَوْمَ لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى الفُسُوقِ كانُوا يَعُدُّونَ الكَمالَ مُنافِرًا لِطِباعِهِمْ، فَلا يُطِيقُونَ مُعاشَرَةَ أهْلِ الكَمالِ، ويَذُمُّونَ ما لَهم مِنَ الكَمالاتِ فَيُسَمُّونَها ثِقْلًا، ولِذا وصَفُوا تَنَزُّهَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ تَطَهُّرًا، بِصِيغَةِ التَّكَلُّفِ والتَّصَنُّعِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما في كَلامِهِمْ مِنَ التَّهَكُّمِ بِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ، وهَذا مِن قَلْبِ الحَقائِقِ لِأجْلِ مُشايَعَةِ العَوائِدِ الذَّمِيمَةِ، وأهْلُ المُجُونِ والِانْخِلاعِ، يُسَمُّونَ المُتَعَفِّفَ عَنْ سِيرَتِهِمْ بِالتّائِبِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهم (﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾) قَصَدُوا بِهِ ذَمَّهم.

وهم قَدْ عَلِمُوا هَذا التَّطَهُّرَ مِن خُلُقِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ لِأنَّهم عاشَرُوهم، ورَأوْا سِيرَتَهم، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالخَبَرِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى أنَّ التَّطَهُّرَ مُتَكَرِّرٌ مِنهم، ومُتَجَدِّدٌ، وذَلِكَ أدْعى لِمُنافَرَتِهِمْ طِباعَهم

صفحة ٢٣٦

والغَضَبِ عَلَيْهِمْ وتَجَهُّمِ إنْكارِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ.

Al-A'raaf 7:82Listen in Qur'an →
83

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: فَأنْجَيْناهُ تَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أوْ لِجُمْلَةِ: (قالَ لِقَوْمِهِ) وهَذا التَّعْقِيبُ يُؤْذِنُ بِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ.

و(أنْجَيْناهُ) مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ. والتَّقْدِيرُ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ، فَقَدَّمَ الخَبَرَ بِإنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَبَرِ بِإمْطارِهِمْ مَطَرَ العَذابِ، لِقَصْدِ إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ إنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لِحُسْنِ عَواقِبِ أسْلافِهِمْ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وأهْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم زَوْجُهُ وابْنَتانِ لَهُ بِكْرانِ، وكانَ لَهُ ابْنَتانِ مُتَزَوِّجَتانِ - كَما ورَدَ في التَّوْراةِ - امْتَنَعَ زَوْجاهُما مِنَ الخُرُوجِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكَتا مَعَ أهْلِ القَرْيَةِ.

وأمّا امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَجِّها، فَهَلَكَتْ مَعَ قَوْمِ لُوطٍ، وذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ ما ظاهِرُهُ أنَّها لَمْ تَمْتَثِلْ ما أمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَلْتَفِتَ هو ولا أحَدٌ مِن أهْلِهِ الخارِجِينَ مَعَهُ إلى المُدُنِ حِينَ يُصِيبُها العَذابُ فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ فَأصابَها العَذابُ، وذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كافِرَةً. وقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُظْهِرُ الإيمانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ التِفاتِها لِأنَّها كانَتْ غَيْرَ مُوقِنَةٍ بِنُزُولِ العَذابِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّها لَمْ

صفحة ٢٣٧

تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ قَوْلَهُ: إلّا امْرَأتَكَ في سُورَةِ هُودٍ، اسْتِثْناءٌ مَن أهْلِكَ لا مَنِ (أحَدٍ) . لَعَلَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ مِن أهْلِ سَدُومَ تَزَوَّجَها لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنالِكَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنَّهُ أقامَ في سَدُومَ سِنِينَ طَوِيلَةً بَعْدَ أنْ هَلَكَتْ أُمُّ بَناتِهِ وقَبْلَ أنْ يُرْسَلَ، ولَيْسَتْ هي أُمُّ بِنْتَيْهِ فَإنَّ التَّوْراةَ لَمْ تَذْكُرْ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا في آخِرِ القِصَّةِ.

ومَعْنى مِنَ الغابِرِينَ مِنَ الهالِكِينَ، والغابِرُ يُطْلَقُ عَلى المُنْقَضِي، ويُطْلَقُ عَلى الآتِي، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأشْهَرُ إطْلاقَيْهِ هو المُنْقَضِي، ولِذَلِكَ يُقالُ: غَبَرَ بِمَعْنى هَلَكَ، وهو المُرادُ هُنا: أيْ كانَتْ مِنَ الهالِكِينَ، أيْ هَلَكَتْ مَعَ مَن هَلَكَ مِن أهْلِ سَدُومَ.

والإمْطارُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَطَرِ، والمَطَرُ اسْمٌ لِلْماءِ النّازِلِ مِنَ السَّحابِ، يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ - بِدُونِ هَمْزَةٍ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، كَما يُقالُ: غاثَتْهم ووَبِلَتْهم، ويُقالُ: مَكانٌ مَمْطُورٌ، أيْ أصابَهُ المَطَرُ، ولا يُقالُ: مُمْطِرٌ، ويُقالُ أُمْطِرُوا - بِالهَمْزَةِ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ ما يُشْبِهُ المَطَرَ، ولَيْسَ هو بِمَطَرٍ، فَلا يُقالُ: هم …

Al-A'raaf 7:83Listen in Qur'an →
84

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: فَأنْجَيْناهُ تَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أوْ لِجُمْلَةِ: (قالَ لِقَوْمِهِ) وهَذا التَّعْقِيبُ يُؤْذِنُ بِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ.

و(أنْجَيْناهُ) مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ. والتَّقْدِيرُ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ، فَقَدَّمَ الخَبَرَ بِإنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَبَرِ بِإمْطارِهِمْ مَطَرَ العَذابِ، لِقَصْدِ إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ إنْجاءِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لِحُسْنِ عَواقِبِ أسْلافِهِمْ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَيَعْلَمُوا أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وأهْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم زَوْجُهُ وابْنَتانِ لَهُ بِكْرانِ، وكانَ لَهُ ابْنَتانِ مُتَزَوِّجَتانِ - كَما ورَدَ في التَّوْراةِ - امْتَنَعَ زَوْجاهُما مِنَ الخُرُوجِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكَتا مَعَ أهْلِ القَرْيَةِ.

وأمّا امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَجِّها، فَهَلَكَتْ مَعَ قَوْمِ لُوطٍ، وذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ ما ظاهِرُهُ أنَّها لَمْ تَمْتَثِلْ ما أمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ لا يَلْتَفِتَ هو ولا أحَدٌ مِن أهْلِهِ الخارِجِينَ مَعَهُ إلى المُدُنِ حِينَ يُصِيبُها العَذابُ فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ فَأصابَها العَذابُ، وذُكِرَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كافِرَةً. وقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُظْهِرُ الإيمانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ التِفاتِها لِأنَّها كانَتْ غَيْرَ مُوقِنَةٍ بِنُزُولِ العَذابِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّها لَمْ

صفحة ٢٣٧

تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ قَوْلَهُ: إلّا امْرَأتَكَ في سُورَةِ هُودٍ، اسْتِثْناءٌ مَن أهْلِكَ لا مَنِ (أحَدٍ) . لَعَلَّ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ مِن أهْلِ سَدُومَ تَزَوَّجَها لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنالِكَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنَّهُ أقامَ في سَدُومَ سِنِينَ طَوِيلَةً بَعْدَ أنْ هَلَكَتْ أُمُّ بَناتِهِ وقَبْلَ أنْ يُرْسَلَ، ولَيْسَتْ هي أُمُّ بِنْتَيْهِ فَإنَّ التَّوْراةَ لَمْ تَذْكُرْ امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا في آخِرِ القِصَّةِ.

ومَعْنى مِنَ الغابِرِينَ مِنَ الهالِكِينَ، والغابِرُ يُطْلَقُ عَلى المُنْقَضِي، ويُطْلَقُ عَلى الآتِي، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأشْهَرُ إطْلاقَيْهِ هو المُنْقَضِي، ولِذَلِكَ يُقالُ: غَبَرَ بِمَعْنى هَلَكَ، وهو المُرادُ هُنا: أيْ كانَتْ مِنَ الهالِكِينَ، أيْ هَلَكَتْ مَعَ مَن هَلَكَ مِن أهْلِ سَدُومَ.

والإمْطارُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَطَرِ، والمَطَرُ اسْمٌ لِلْماءِ النّازِلِ مِنَ السَّحابِ، يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ - بِدُونِ هَمْزَةٍ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ، كَما يُقالُ: غاثَتْهم ووَبِلَتْهم، ويُقالُ: مَكانٌ مَمْطُورٌ، أيْ أصابَهُ المَطَرُ، ولا يُقالُ: مُمْطِرٌ، ويُقالُ أُمْطِرُوا - بِالهَمْزَةِ - بِمَعْنى نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوِّ ما يُشْبِهُ المَطَرَ، ولَيْسَ هو بِمَطَرٍ، فَلا يُقالُ: هم …

Al-A'raaf 7:84Listen in Qur'an →
85

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.

ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها

صفحة ٢٤٠

قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.

وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.

وقَدْ خَبَطَ في …

Al-A'raaf 7:85Listen in Qur'an →
86

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allah those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.

ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها

صفحة ٢٤٠

قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.

وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.

وقَدْ خَبَطَ في …

Al-A'raaf 7:86Listen in Qur'an →
87

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allah judges between us. And He is the best of judges."

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

تَفْسِيرُ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِها في قِصَّةِ ثَمُودَ، سِوى أنَّ تَجْرِيدَ فِعْلِ (قالَ يا قَوْمِ) مِنَ الفاءِ هُنا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ هو الَّذِي فاتَحَهم بِهِ في ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بَلْ هو مِمّا خاطَبَهم بِهِ بَعْدَ أنْ دَعاهم مِرارًا، وبَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم كَما يَأْتِي.

ومَدْيَنُ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِن زَوْجِهِ الثّالِثَةِ الَّتِي تَزَوَّجَها في آخِرِ عُمُرِهِ وهي سُرِّيَّةٌ اسْمُها

صفحة ٢٤٠

قَطُورا. وتَزَوَّجَ مَدْيَنُ ابْنَةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُلِدَ لَهُ أبْناءٌ: هم (عَيْفَةُ) و(عَفَرُ) و(حَنُوكُ) و(ابْيَداعُ) و(ألْدَعَةُ) وقَدْ أسْكَنَهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِيارِهِمْ، وسَطًا بَيْنَ مَسْكَنِ ابْنِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَسْكَنِ ابْنِهِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ تَفَرَّعَتْ بُطُونُ مَدْيَنَ، وكانُوا يُعَدُّونَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، ومَواطِنُهم بَيْنَ الحِجازِ وخَلِيجِ العَقَبَةِ بِقُرْبِ ساحِلِ البَحْرِ الأحْمَرِ، وقاعِدَةُ بِلادِهِمْ (وجُّ) عَلى البَحْرِ الأحْمَرِ وتَنْتَهِي أرْضُهم مِنَ الشَّمالِ إلى حُدُودِ مَعانٍ مِن بِلادِ الشّامِ، وإلى نَحْوِ تَبُوكَ مِنَ الحِجازِ، وتُسَمّى بِلادُهُمُ الأيْكَةَ. ويُقالُ: إنَّ الأيْكَةَ هي تَبُوكُ فَعَلى هَذا هي مِن بِلادِ مَدْيَنَ، وكانَتْ بِلادُهم قُرًى وبَوادِي، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القَرْيَةِ وهي الأيْكَةُ، وقَدْ تَعَرَّبُوا بِمُجاوَرَةِ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ وكانُوا في مُدَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحْتَ مُلُوكِ مِصْرَ، وقَدِ اكْتَسَبُوا، بِمُجاوَرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ ومُخالَطَتِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ في طَرِيقِ مِصْرَ، عَرَبِيَّةً فَأصْبَحُوا في عِدادِ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، مِثْلَ بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ كانَ شاعِرٌ في الجاهِلِيَّةِ يُعْرَفُ بِأبِي الهَمَيْسَعِ هو مِن شُعَراءِ مَدْيَنَ وهو القائِلُ: إنْ تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ يَجْرِي عَلى الخَدِّ كَضِئْبِ الثَّعْثَعِ مِن طَمْحَةٍ صَبِيرُها جَحْلَنْجَعِ ويُقالُ: إنَّ الخَطَّ العَرَبِيَّ أوَّلُ ما ظَهَرَ في مَدْيَنَ.

وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو رَسُولٌ لِأهْلِ مَدْيَنَ، وهو مِن أنْفُسِهِمْ، اسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْمُهُ في التَّوْراةِ: ”يَثْرُونُ“ ويُسَمّى أيْضًا ”رَعْوَئِيلَ“ وهو ابْنُ ”نُوَيْلى أوْ نُوَيْبِ بْنِ رَعْوِيلَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ. وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِن مِصْرَ نَزَلَ بِلادَ مَدْيَنَ وزَوَّجَهُ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ صَفُورَهْ وأقامَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ أجِيرًا.

وقَدْ خَبَطَ في …

Al-A'raaf 7:87Listen in Qur'an →
88

۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shu'ayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?"

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ كانَ جَوابُهم عَنْ حُجَّةِ شُعَيْبٍ جَوابَ المُفْحَمِ عَنِ الحُجَّةِ، الصّائِرِ إلى الشِّدَّةِ، المُزْدَهِي بِالقُوَّةِ، المُتَوَقِّعِ أنْ يَكْثُرَ مُعانِدُوهُ، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى إقْصاءِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ عَنْ بِلادِهِمْ خَشْيَةَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وبَثِّ أتْباعِهِ دَعْوَتَهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا)

وتَفْسِيرُ صَدْرِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِهِ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.

وإيثارُ وصْفِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ هُنا دُونَ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم هَنا خِطابُ المُسْتَضْعَفِينَ، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِكْبارِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوا المُؤْمِنِينَ كَما اقْتَضَتْهُ قِصَّةُ ثَمُودَ، فاخْتِيرَ وصْفُ الِاسْتِكْبارِ هُنا لِمُناسَبَةِ مُخاطَبَتِهِمْ شُعَيْبًا بِالإخْراجِ أوِ الإكْراهِ عَلى اتِّباعِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ الجَبّارِينَ أصْحابِ القُوَّةِ.

وكانَ إخْراجُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن دِيارِ قَبِيلَتِهِ عُقُوبَةً مُتَّبَعَةً في العَرَبِ إذا أجْمَعَتِ القَبِيلَةُ عَلى ذَلِكَ ويُسَمّى هَذا الإخْراجُ عِنْدَ العَرَبِ بِالخَلْعِ، والمُخْرَجِ يُسَمّى خَلِيعًا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعِيلِ

وأكَّدُوا التَّوَعُّدَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ: لِيُوقِنَ شُعَيْبٌ بِأنَّهم مُنْجِزُو ذَلِكَ الوَعِيدِ.

صفحة ٦

وخِطابُهم إيّاهُ بِالنِّداءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ الغَضَبِ، كَما حَكى اللَّهُ قَوْلَ آزَرَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ.

وقَوْلُهُ (مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ لَنُخْرِجَنَّكَ، ومُتَعَلِّقُ آمَنُوا مَحْذُوفٌ، أيْ بِكَ، لِأنَّهم لا يَصِفُونَهم بِالإيمانِ الحَقِّ في اعْتِقادِهِمْ.

والقَرْيَةُ المَدِينَةُ لِأنَّها يَجْتَمِعُ بِها السُّكّانُ. والتَّقَرِّي: الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، والمُرادُ بِقَرْيَتِهِمْ هُنا هي الأيْكَةُ وهي تَبُوكُ وقَدْ رَدَّدُوا أمْرَ شُعَيْبٍ ومَن مَعَهُ بَيْنَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ القَرْيَةِ وبَيْنَ العَوْدِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ.

وقَدْ جَعَلُوا عَوْدَ شُعَيْبٍ والَّذِينَ مَعَهُ إلى مِلَّةِ القَوْمِ مُقْسَمًا عَلَيْهِ فَقالُوا أوْ لَتَعُودُنَّ ولَمْ يَقُولُوا: لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ تَعُودُنَّ في مِلَّتِنا، لِأنَّهم أرادُوا تَرْدِيدَ الأمْرَيْنِ في حَيِّزِ القَسَمِ لِأنَّهم فاعِلُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ وأنَّهم مُلِحُّونَ في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ.

وكانُوا يَظُنُّونَ اخْتِيارَهُ العَوْدَ إلى مِلَّتِهِمْ، فَأكَّدُوا هَذا العَوْدَ بِالقَسَمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ حُصُولِهِ عِوَضًا عَنْ حُصُولِ الإخْراجِ لِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مُرْضٍ لِلْمُقْسِمِينَ، وأيْضًا فَإنَّ التَّوْكِيدَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم إنْ أبَوُا الخُرُوجَ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى العَوْدِ إلى مِلَّةِ القَوْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ شُعَيْبٍ في جَوابِهِمْ: أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ كانَ ذِكْرُ الإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ أهَمَّ، فَلِذَلِكَ قَدَّمُوا القَسَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِالمَعْطُوفِ بِحَرْفِ أوْ.

والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى ما كانَ فِيهِ …

Al-A'raaf 7:88Listen in Qur'an →
89

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ

We would have invented against Allah a lie if we returned to your religion after Allah had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allah, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allah we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ كانَ جَوابُهم عَنْ حُجَّةِ شُعَيْبٍ جَوابَ المُفْحَمِ عَنِ الحُجَّةِ، الصّائِرِ إلى الشِّدَّةِ، المُزْدَهِي بِالقُوَّةِ، المُتَوَقِّعِ أنْ يَكْثُرَ مُعانِدُوهُ، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى إقْصاءِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ عَنْ بِلادِهِمْ خَشْيَةَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وبَثِّ أتْباعِهِ دَعْوَتَهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا)

وتَفْسِيرُ صَدْرِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِهِ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.

وإيثارُ وصْفِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ هُنا دُونَ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم هَنا خِطابُ المُسْتَضْعَفِينَ، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِكْبارِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوا المُؤْمِنِينَ كَما اقْتَضَتْهُ قِصَّةُ ثَمُودَ، فاخْتِيرَ وصْفُ الِاسْتِكْبارِ هُنا لِمُناسَبَةِ مُخاطَبَتِهِمْ شُعَيْبًا بِالإخْراجِ أوِ الإكْراهِ عَلى اتِّباعِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ الجَبّارِينَ أصْحابِ القُوَّةِ.

وكانَ إخْراجُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن دِيارِ قَبِيلَتِهِ عُقُوبَةً مُتَّبَعَةً في العَرَبِ إذا أجْمَعَتِ القَبِيلَةُ عَلى ذَلِكَ ويُسَمّى هَذا الإخْراجُ عِنْدَ العَرَبِ بِالخَلْعِ، والمُخْرَجِ يُسَمّى خَلِيعًا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعِيلِ

وأكَّدُوا التَّوَعُّدَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ: لِيُوقِنَ شُعَيْبٌ بِأنَّهم مُنْجِزُو ذَلِكَ الوَعِيدِ.

صفحة ٦

وخِطابُهم إيّاهُ بِالنِّداءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ الغَضَبِ، كَما حَكى اللَّهُ قَوْلَ آزَرَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ.

وقَوْلُهُ (مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ لَنُخْرِجَنَّكَ، ومُتَعَلِّقُ آمَنُوا مَحْذُوفٌ، أيْ بِكَ، لِأنَّهم لا يَصِفُونَهم بِالإيمانِ الحَقِّ في اعْتِقادِهِمْ.

والقَرْيَةُ المَدِينَةُ لِأنَّها يَجْتَمِعُ بِها السُّكّانُ. والتَّقَرِّي: الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، والمُرادُ بِقَرْيَتِهِمْ هُنا هي الأيْكَةُ وهي تَبُوكُ وقَدْ رَدَّدُوا أمْرَ شُعَيْبٍ ومَن مَعَهُ بَيْنَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ القَرْيَةِ وبَيْنَ العَوْدِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ.

وقَدْ جَعَلُوا عَوْدَ شُعَيْبٍ والَّذِينَ مَعَهُ إلى مِلَّةِ القَوْمِ مُقْسَمًا عَلَيْهِ فَقالُوا أوْ لَتَعُودُنَّ ولَمْ يَقُولُوا: لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ تَعُودُنَّ في مِلَّتِنا، لِأنَّهم أرادُوا تَرْدِيدَ الأمْرَيْنِ في حَيِّزِ القَسَمِ لِأنَّهم فاعِلُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ وأنَّهم مُلِحُّونَ في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ.

وكانُوا يَظُنُّونَ اخْتِيارَهُ العَوْدَ إلى مِلَّتِهِمْ، فَأكَّدُوا هَذا العَوْدَ بِالقَسَمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ حُصُولِهِ عِوَضًا عَنْ حُصُولِ الإخْراجِ لِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مُرْضٍ لِلْمُقْسِمِينَ، وأيْضًا فَإنَّ التَّوْكِيدَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم إنْ أبَوُا الخُرُوجَ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى العَوْدِ إلى مِلَّةِ القَوْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ شُعَيْبٍ في جَوابِهِمْ: أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ كانَ ذِكْرُ الإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ أهَمَّ، فَلِذَلِكَ قَدَّمُوا القَسَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِالمَعْطُوفِ بِحَرْفِ أوْ.

والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى ما كانَ فِيهِ …

Al-A'raaf 7:89Listen in Qur'an →
90

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shu'ayb, indeed, you would then be losers."

﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ (وقالَ المَلَأُ) ولَمْ تُفْصَلْ كَما فُصِلَتِ الَّتِي قَبْلَها لِانْتِهاءِ المُحاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ فَصْلَ الجُمَلِ في حِكايَةِ المُحاوَرَةِ، وهَذا قَوْلٌ أُنُفٌ وجَّهَ فِيهِ المَلَأُ خِطابَهم إلى عامَّةِ قَوْمِهِمُ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ تَحْذِيرًا لَهم مِنِ اتِّباعِ شُعَيْبٍ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِن أنْ تَحِيكَ في نُفُوسِهِمْ دَعْوَةُ شُعَيْبٍ وصِدْقُ مُجادَلَتِهِ، فَلَمّا رَأوْا حُجَّتَهُ ساطِعَةً ولَمْ يَسْتَطِيعُوا الفَلْجَ عَلَيْهِ في المُجادَلَةِ، وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أقْبَلُوا عَلى خِطابِ الحاضِرِينَ مِن قَوْمِهِمْ لِيُحَذِّرُوهم مِن مُتابَعَةِ شُعَيْبٍ ويُهَدِّدُوهم بِالخَسارَةِ.

وذَكَرَ المَلَأ في مَقامِ الإضْمارِ لِبُعْدِ المَعادِ.

وإنَّما وصَفَ المَلَأ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يَكْتَفِيَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ المُقْتَضِي أنَّ المَلَأ الثّانِيَ هو المَلَأُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ. لِقَصْدِ زِيادَةِ ذَمِّ المَلَأِ بِوَصْفِ الكُفْرِ، كَما ذُمَّ فِيما سَبَقَ بِوَصْفِ الِاسْتِكْبارِ.

ووَصْفُ المَلَأِ هُنا بِالكُفْرِ لِمُناسَبَةِ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهم، الدّالِّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في

صفحة ١٣

كُفْرِهِمْ، كَما وُصِفُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالِاسْتِكْبارِ لِمُناسَبَةِ حالِ مُجادَلَتِهِمْ شُعَيْبًا، كَما تَقَدَّمَ، فَحَصَلَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّهم مُسْتَكْبِرُونَ كافِرُونَ.

والمُخاطَبُ في قَوْلِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا هُمُ الحاضِرُونَ حِينَ الخِطابِ لَدى المَلَأِ، فَحُكِيَ كَلامُ المَلَأِ كَما صَدَرَ مِنهم، والسِّياقُ يُفَسِّرُ المَعْنِيِّينَ بِالخِطابِ، أعْنِي عامَّةَ قَوْمِ شُعَيْبٍ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ.

واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ. وإنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ جَوابُ القَسَمِ وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، كَما هو الشَّأْنُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.

والخُسْرانُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الضُّرِّ مِن حَيْثُ أُرِيدَ النَّفْعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحْذِيرُ مِن أضْرارٍ تَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا مِن جَرّاءِ غَضَبِ آلِهَتِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ البَعْثَ، فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، فالمُرادُ الخُسْرانُ الأعَمُّ، ولَكِنَّ الأهَمَّ عِنْدَهم هو الدُّنْيَوِيُّ.

والفاءُ في: فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَ أخْذُ الرَّجْفَةِ إيّاهم عَقِبَ قَوْلِهِمْ لِقَوْمِهِمْ ما قالُوا.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ في نَظِيرِها مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.

والرَّجْفَةُ الَّتِي أصابَتْ أهْلَ مَدْيَنَهِيَ صَواعِقُ خَرَجَتْ مِن ظُلَّةٍ، وهي السَّحابَةُ، قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنِ الرَّجْفَةِ في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ مِن نَوْعِ الأصْواتِ المُنْشَقَّةِ عَنْ قالِعٍ ومَقْلُوعٍ لا عَنْ قارِعٍ ومَقْرُوعٍ وهو الزِّلْزالُ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ أصابَهم زِلْزالٌ وصَواعِقُ فَتَكُونُ الرَّجْفَةُ الزِّلْزالَ والصَّيْحَةُ الصّاعِقَةَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها.

وجُمْلَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا …

Al-A'raaf 7:90Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.