Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 206

81

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”إنَّكم“ بِكَسْرِ الألْفٍ، ومَذْهَبُ نافِعٍ أنْ يُكْتَفى بِالِاسْتِفْهامِ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أئِنَّكم“ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ وبَيْنَ الثّانِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وبَيْنَ الثّانِي، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ. قالَ الواحِدِيُّ: مَنِ اسْتَفْهَمَ كانَ هَذا اسْتِفْهامًا مَعْناهُ الإنْكارُ؛ لِقَوْلِهِ: ”﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾“ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَحْتاجُ في تَمامِها إلى شَيْءٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شَهْوَةً﴾ مَصْدَرٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ شَهِيَ يَشْهى شَهْوَةً، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ مَعْناهُ أتَشْتَهُونَ شَهْوَةً ؟ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ إنَّها مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ الوُجُوهِ المُوجِبَةِ لَقُبْحِ هَذا العَمَلِ.

اعْلَمْ أنَّ قُبْحَ هَذا العَمَلِ كالأمْرِ المُقَرَّرِ في الطِّباعِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى تَعْدِيدِ الوُجُوهِ عَلى التَّفْصِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ مُوجِباتُ القُبْحِ فِيهِ كَثِيرَةٌ:

أوَّلُها: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَحْتَرِزُونَ عَنْ حُصُولِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى طَلَبِ المالِ وإتْعابِ النَّفْسِ في الكَسْبِ، إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوِقاعَ سَبَبًا لِحُصُولِ اللَّذَّةِ العَظِيمَةِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ بِطَلَبِ تِلْكَ اللَّذَّةِ يُقْدِمُ عَلى الوِقاعِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الوَلَدُ شاءَ أمْ أبى، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَبْقى النَّسْلُ ولا يَنْقَطِعُ النَّوْعُ، فَوَضَعَ اللَّذَّةَ في الوِقاعِ، كَشِبْهِ الإنْسانِ الَّذِي وضَعَ الفَخَّ لِبَعْضِ الحَيَواناتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ

صفحة ١٣٨

يَضَعَ في ذَلِكَ الفَخِّ شَيْئًا يَشْتَهِيهِ ذَلِكَ الحَيَوانُ حَتّى يَصِيرَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِ في ذَلِكَ الفَخِّ، فَوَضْعُ اللَّذَّةِ في الوِقاعِ يُشْبِهُ وضْعَ الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ الحَيَوانُ في الفَخِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْقاءُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ تَمَكَّنَ الإنْسانُ مِن تَحْصِيلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ بِطْرِيقٍ لا تُفْضِي إلى الوَلَدِ، لَمْ تَحْصُلِ الحِكْمَةُ المَطْلُوبَةُ، ولَأدّى ذَلِكَ إلى انْقِطاعِ النَّسْلِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِتَحْرِيمِهِ قَطْعًا، حَتّى تَحْصُلَ تِلْكَ اللَّذَّةُ بِالطَّرِيقِ المُفْضِي إلى الوَلَدِ.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الذُّكُورَةَ مَظِنَّةُ الفِعْلِ، والأُنُوثَةُ مَظِنَّةُ الِانْفِعالِ، فَإذا صارَ الذَّكَرُ مُنْفَعِلًا، والأُنْثى فاعِلًا، كانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ، وعَلى عَكْسِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: الِاشْتِغالُ بِمَحْضِ الشَّهْوَةِ تَشَبُّهٌ بِالبَهِيمَةِ، وإذا كانَ الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى سِوى قَضاءِ الشَّهْوَةِ، فَلْيَكُنْ قَضاءُ الشَّهْوَةِ مِنَ المَرْأةِ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى سِوى قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وهو حُصُولُ الوَلَدِ وإبْقاءُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ. فَأمّا قَضاءُ الشَّهْوَةِ مِنَ الذَّكَرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، فَكانَ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالبَهائِمِ، وخُرُوجًا عَنِ الغَرِيزَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَكانَ في غايَةِ …

Al-A'raaf 7:81Listen in Qur'an →
82

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ .

والمُرادُ مِنهُ أخْرِجُوا لُوطًا وأتْباعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ولِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم إنَّما سَعَوْا في إخْراجِ مَن نَهاهم عَنِ العَمَلِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ ويُرِيدُونَهُ، وذَلِكَ النّاهِي لَيْسَ إلّا لُوطًا وقَوْمَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ تَصَرُّفٌ في مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، فَمَن تَرَكَهُ فَقَدْ تَطَهَّرَ.

والثّانِي: أنَّ البُعْدَ عَنِ الإثْمِ يُسَمّى طَهارَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ أيْ يَتَباعَدُونَ عَنِ المَعاصِي والآثامِ.

الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما قالُوا: ﴿أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ وتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ، كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم: أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.

Al-A'raaf 7:82Listen in Qur'an →
83

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أهْلِهِ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ الَّذِينَ قَبِلُوا دِينَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُتَّصِلِينَ بِهِ بِالنَّسَبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنَتاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ أيْ زَوْجَتَهُ، يُقالُ: امْرَأةُ الرَّجُلِ بِمَعْنى زَوْجَتِهِ، ويُقالُ: رَجُلُ المَرْأةِ، بِمَعْنى زَوْجِها؛ لِأنَّ الزَّوْجَ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لَها، ولَيْسَتِ المَرْأةُ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لِلرَّجُلِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى الرَّجُلِ بِالِاسْمِ العامِّ عُرِفَتِ الزَّوْجِيَّةُ ومِلْكُ النِّكاحِ، والرَّجُلُ إذا أُضِيفَ إلى المَرْأةِ بِالِاسْمِ العامِّ تُعْرَفُ الزَّوْجِيَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ

صفحة ١٤٠

يَغْبُرُ غُبُورًا، إذا مَكَثَ وبَقِيَ. قالَ الهُذَلِيُّ:

فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناصِبٍ وأخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ

يَعْنِي بَقِيتُ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ عَنِ النَّجاةِ. أيْ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَنْها ولَمْ يُدْرِكُوا النَّجاةَ، يُقالُ: فُلانٌ غَبَرَ هَذا الأمْرَ، أيْ لَمْ يُدْرِكْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لَمْ تَسْرِ مَعَ لُوطٍ وأهْلِهِ، بَلْ تَخَلَّفَتْ عَنْهُ وبَقِيَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي هو مَوْضِعُ العَذابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ، والأوَّلُ أفْصَحُ، وأمْطَرَهم مَطَرًا وعَذابًا، وكَذَلِكَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّ المُرادَ سائِرُ المُكَلَّفِينَ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ فَيَنْزَجِرُوا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ وقَدْ أمِنُوا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ؟

قُلْنا: إنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أعْظَمُ وأدْوَنُ مِن ذَلِكَ، فَعِنْدَ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ يَذْكُرُونَ عَذابَ الآخِرَةِ مُؤَنِّبَةً عَلى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ويَكُونُ ذَلِكَ زَجْرًا وتَحْذِيرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ اللِّواطَةَ تُوجِبُ الحَدَّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تُوجِبُهُ، ولِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجْمُ اللُّوطِيِّ، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، إلّا أنْ يَظْهَرَ طَرَيانُ النّاسِخِ، ولَمْ يَظْهَرْ في شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِخٌ لِهَذا الحُكْمِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِهِ.

الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا حُجَّةٌ عَلَيْنا.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ العاقِبَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو إنْزالُ الحَجَرِ عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّ …

Al-A'raaf 7:83Listen in Qur'an →
84

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أهْلِهِ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ الَّذِينَ قَبِلُوا دِينَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُتَّصِلِينَ بِهِ بِالنَّسَبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنَتاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ أيْ زَوْجَتَهُ، يُقالُ: امْرَأةُ الرَّجُلِ بِمَعْنى زَوْجَتِهِ، ويُقالُ: رَجُلُ المَرْأةِ، بِمَعْنى زَوْجِها؛ لِأنَّ الزَّوْجَ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لَها، ولَيْسَتِ المَرْأةُ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لِلرَّجُلِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى الرَّجُلِ بِالِاسْمِ العامِّ عُرِفَتِ الزَّوْجِيَّةُ ومِلْكُ النِّكاحِ، والرَّجُلُ إذا أُضِيفَ إلى المَرْأةِ بِالِاسْمِ العامِّ تُعْرَفُ الزَّوْجِيَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ

صفحة ١٤٠

يَغْبُرُ غُبُورًا، إذا مَكَثَ وبَقِيَ. قالَ الهُذَلِيُّ:

فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناصِبٍ وأخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ

يَعْنِي بَقِيتُ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ عَنِ النَّجاةِ. أيْ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَنْها ولَمْ يُدْرِكُوا النَّجاةَ، يُقالُ: فُلانٌ غَبَرَ هَذا الأمْرَ، أيْ لَمْ يُدْرِكْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لَمْ تَسْرِ مَعَ لُوطٍ وأهْلِهِ، بَلْ تَخَلَّفَتْ عَنْهُ وبَقِيَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي هو مَوْضِعُ العَذابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ، والأوَّلُ أفْصَحُ، وأمْطَرَهم مَطَرًا وعَذابًا، وكَذَلِكَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّ المُرادَ سائِرُ المُكَلَّفِينَ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ فَيَنْزَجِرُوا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ وقَدْ أمِنُوا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ؟

قُلْنا: إنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أعْظَمُ وأدْوَنُ مِن ذَلِكَ، فَعِنْدَ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ يَذْكُرُونَ عَذابَ الآخِرَةِ مُؤَنِّبَةً عَلى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ويَكُونُ ذَلِكَ زَجْرًا وتَحْذِيرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ اللِّواطَةَ تُوجِبُ الحَدَّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تُوجِبُهُ، ولِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجْمُ اللُّوطِيِّ، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، إلّا أنْ يَظْهَرَ طَرَيانُ النّاسِخِ، ولَمْ يَظْهَرْ في شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِخٌ لِهَذا الحُكْمِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِهِ.

الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا حُجَّةٌ عَلَيْنا.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ العاقِبَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو إنْزالُ الحَجَرِ عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّ …

Al-A'raaf 7:84Listen in Qur'an →
85

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

صفحة ١٤١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا“ وذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُخُوَّةَ كانَتْ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، وذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، واخْتَلَفُوا في مَدْيَنَ، فَقِيلَ: أنَّهُ اسْمُ البَلَدِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ بِسَبَبِ أنَّهم أوْلادُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَدِينُ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ. وشُعَيْبٌ مِن أوْلادِهِ وهو: شُعَيْبُ بْنُ نُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهاهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في شَرائِعِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ فَقالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ البَيِّنَةِ هَهُنا المُعْجِزَةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لِمُدَّعِي النُّبُوَّةِ مِنها، وإلّا لَكانَ مُتَنَبِّئًا لا نَبِيًّا، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فَأمّا أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ مِن أيِّ الأنْواعِ كانَتْ فَلَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، كَما لَمْ يَحْصُلْ في القُرْآنِ الدَّلالَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِنا.

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن مُعْجِزاتِ شُعَيْبٍ: أنَّهُ دَفَعَ إلى مُوسى عَصاهُ، وتِلْكَ العَصا حارَبَتِ التِّنِّينَ، وأيْضًا قالَ لِمُوسى: إنَّ هَذِهِ الأغْنامَ تَلِدُ أوْلادًا فِيها سَوادٌ وبَياضٌ، وقَدْ وهَبْتُها مِنكَ، فَكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الأحْوالُ كانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى في ذَلِكَ الوَقْتِ ما ادَّعى الرِّسالَةَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بِناءً عَلى أصْلٍ مُخْتَلِفٍ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَنا أنَّ الَّذِي يَصِيرُ نَبِيًّا ورَسُولًا بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْواعَ المُعْجِزاتِ قَبْلَ إيصالِ الوَحْيِ، ويُسَمّى ذَلِكَ إرْهاصًا لِلنُّبُوَّةِ، فَهَذا الإرْهاصُ عِنْدَنا جائِزٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ جائِزٍ، فالأحْوالُ الَّتِي حَكاها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هي عِنْدَنا إرْهاصاتٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُعْجِزاتٌ لِشُعَيْبٍ لِما أنَّ الإرْهاصَ عِنْدَهم غَيْرُ جائِزٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا رَأوْا قَوْمَهم مُقْبِلِينَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ إقْبالًا أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى سائِرِ أنْواعِ المَفاسِدِ بَدَءُوا بِمْنَعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، وكانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مَشْغُوفِينَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْفُوا﴾ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ لِلْأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ كالمَعْلُولِ والنَّتِيجَةِ عَمّا …

Al-A'raaf 7:85Listen in Qur'an →
86

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allah those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمَّ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَنَعَهم مِن أنْ يَقْعُدُوا عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَناهِجِ الحَقِّ لِأجْلِ أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ عَنْ قَبُولِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: يُحْمَلُ الصِّراطُ عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ النّاسُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى

صفحة ١٤٣

الطُّرُقاتِ ويُخَوِّفُونَ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الصِّراطُ عَلى مَناهِجِ الدِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ ولا تَقْتَدُوا بِالشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] قالَ: والمُرادُ بِالصِّراطِ كُلُّ ما كانَ مِن مَناهِجِ الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ يُقالُ: قَعَدَ لَهُ بِمَكانِ كَذا وعَلى مَكانِ كَذا، وفي مَكانِ كَذا، وهَذِهِ الحُرُوفُ تَتَعاقَبُ في هَذِهِ المَواضِعِ لِتَقارُبِ مَعانِيها، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ قَعَدَ بِمَكانِ كَذا، فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وهو قَدِ التَصَقَ بِذَلِكَ المَكانِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ فَمَحَلُّهُ ومَحَلُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقْعُدُوا مُوعِدِينَ ولا صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا أنْ تَبْغُوا عِوَجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، والحاصِلُ: أنَّهُ نَهاهم عَنِ القُعُودِ عَلى صِراطِ اللَّهِ حالَ الِاشْتِغالِ بِأحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى البَعْضِ وجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ بَيْنَها، فَقَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ يَحْصُلُ بِذَلِكَ إنْزالُ المَضارِّ بِهِمْ، وأمّا الصَّدُّ، فَقَدْ يَكُونُ بِالإيعادِ بِالمَضارِّ، وقَدْ يَكُونُ بِالوَعْدِ بِالمَنافِعِ بِما لَوْ تَرَكَهُ، وقَدْ يَكُونُ بِأنْ لا يُمَكِّنَهُ مِنَ الذَّهابِ إلى الرَّسُولِ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ فالمُرادُ إلْقاءُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ شُعَيْبًا مَنَعَ القَوْمَ مِن أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ مِن قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ. وإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ مَنعَ غَيْرِهِ مِن قَبُولِ مَذْهَبٍ أوْ مَقالَةٍ إلّا بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم إذا تَذَكَّرُوا كَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى الطّاعَةِ والبُعْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، كَثَّرَ عَدَدُكم بَعْدَ القِلَّةِ، وكَثَّرَكم بِالغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، وكَثَّرَكم بِالقُدْرَةِ بَعْدَ الضَّعْفِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانُوا فُقَراءَ أوْ ضُعَفاءَ فَهم بِمَنزِلَةِ القَلِيلِ، في أنَّهُ لا يَحْصُلُ مِن وُجُودِهِمْ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَأمّا تَكْثِيرُ عَدَدِهِمْ بَعْدَ القِلَّةِ فَهو أنَّ …

Al-A'raaf 7:86Listen in Qur'an →
87

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allah judges between us. And He is the best of judges."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمَّ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَنَعَهم مِن أنْ يَقْعُدُوا عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَناهِجِ الحَقِّ لِأجْلِ أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ عَنْ قَبُولِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: يُحْمَلُ الصِّراطُ عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ النّاسُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى

صفحة ١٤٣

الطُّرُقاتِ ويُخَوِّفُونَ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الصِّراطُ عَلى مَناهِجِ الدِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ ولا تَقْتَدُوا بِالشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] قالَ: والمُرادُ بِالصِّراطِ كُلُّ ما كانَ مِن مَناهِجِ الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ يُقالُ: قَعَدَ لَهُ بِمَكانِ كَذا وعَلى مَكانِ كَذا، وفي مَكانِ كَذا، وهَذِهِ الحُرُوفُ تَتَعاقَبُ في هَذِهِ المَواضِعِ لِتَقارُبِ مَعانِيها، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ قَعَدَ بِمَكانِ كَذا، فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وهو قَدِ التَصَقَ بِذَلِكَ المَكانِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ فَمَحَلُّهُ ومَحَلُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقْعُدُوا مُوعِدِينَ ولا صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا أنْ تَبْغُوا عِوَجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، والحاصِلُ: أنَّهُ نَهاهم عَنِ القُعُودِ عَلى صِراطِ اللَّهِ حالَ الِاشْتِغالِ بِأحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى البَعْضِ وجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ بَيْنَها، فَقَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ يَحْصُلُ بِذَلِكَ إنْزالُ المَضارِّ بِهِمْ، وأمّا الصَّدُّ، فَقَدْ يَكُونُ بِالإيعادِ بِالمَضارِّ، وقَدْ يَكُونُ بِالوَعْدِ بِالمَنافِعِ بِما لَوْ تَرَكَهُ، وقَدْ يَكُونُ بِأنْ لا يُمَكِّنَهُ مِنَ الذَّهابِ إلى الرَّسُولِ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ فالمُرادُ إلْقاءُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ شُعَيْبًا مَنَعَ القَوْمَ مِن أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ مِن قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ. وإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ مَنعَ غَيْرِهِ مِن قَبُولِ مَذْهَبٍ أوْ مَقالَةٍ إلّا بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم إذا تَذَكَّرُوا كَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى الطّاعَةِ والبُعْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، كَثَّرَ عَدَدُكم بَعْدَ القِلَّةِ، وكَثَّرَكم بِالغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، وكَثَّرَكم بِالقُدْرَةِ بَعْدَ الضَّعْفِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانُوا فُقَراءَ أوْ ضُعَفاءَ فَهم بِمَنزِلَةِ القَلِيلِ، في أنَّهُ لا يَحْصُلُ مِن وُجُودِهِمْ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَأمّا تَكْثِيرُ عَدَدِهِمْ بَعْدَ القِلَّةِ فَهو أنَّ …

Al-A'raaf 7:87Listen in Qur'an →
88

۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shu'ayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وأنِفُوا مِن تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ قَوْلِهِ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ:

إمّا أنْ نُخْرِجَكَ ونُخْرِجَ أتْباعَكَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ.

وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا.

والإشْكالُ فِيهِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهم: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي هي الكُفْرُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أتْباعَ شُعَيْبٍ كانُوا قَبْلَ دُخُولِهِمْ في دِينِهِ كُفّارًا، فَخاطَبُوا شُعَيْبًا بِخِطابِ أتْباعِهِ وأجْرَوْا عَلَيْهِ أحْكامَهم.

الثّانِي: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّلْبِيسِ عَلى العَوامِّ يُوهِمُونَ أنَّهُ كانَ مِنهم، وأنَّ شُعَيْبًا ذَكَرَ جَوابَهُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإيهامِ.

الثّالِثُ: أنَّ شُعَيْبًا في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ يُخْفِي دِينَهُ ومَذْهَبَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ.

الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ شُعَيْبًا كانَ عَلى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِالوَحْيِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ.

الخامِسُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتِنا، فَوَقَعَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ قَدْ صارَ إلَيَّ مِنهُ المَكْرُوهُ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:

فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

أرادَ فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهَمْزَةُ

صفحة ١٤٥

لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ واوُ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا ومَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ ؟ .

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ والجَوابُ الأوَّلُ يَجْرِي مَجْرى الرَّمْزِ في أنَّهُ لا يَعُودُ إلى مِلَّتِهِمْ، وهَذا الجَوابُ الثّانِي تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ. وأصْلُ البابِ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الكَذِبِ، فالعَوْدُ في مِلَّتِكم يُبْطِلُ النُّبُوَّةَ، ويُزِيلُ الرِّسالَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْنى ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ عَلَّمَنا قُبْحَهُ وفَسادَهُ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ …

Al-A'raaf 7:88Listen in Qur'an →
89

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ

We would have invented against Allah a lie if we returned to your religion after Allah had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allah, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allah we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وأنِفُوا مِن تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ قَوْلِهِ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ:

إمّا أنْ نُخْرِجَكَ ونُخْرِجَ أتْباعَكَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ.

وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا.

والإشْكالُ فِيهِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهم: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي هي الكُفْرُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أتْباعَ شُعَيْبٍ كانُوا قَبْلَ دُخُولِهِمْ في دِينِهِ كُفّارًا، فَخاطَبُوا شُعَيْبًا بِخِطابِ أتْباعِهِ وأجْرَوْا عَلَيْهِ أحْكامَهم.

الثّانِي: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّلْبِيسِ عَلى العَوامِّ يُوهِمُونَ أنَّهُ كانَ مِنهم، وأنَّ شُعَيْبًا ذَكَرَ جَوابَهُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإيهامِ.

الثّالِثُ: أنَّ شُعَيْبًا في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ يُخْفِي دِينَهُ ومَذْهَبَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ.

الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ شُعَيْبًا كانَ عَلى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِالوَحْيِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ.

الخامِسُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتِنا، فَوَقَعَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ قَدْ صارَ إلَيَّ مِنهُ المَكْرُوهُ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:

فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

أرادَ فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهَمْزَةُ

صفحة ١٤٥

لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ واوُ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا ومَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ ؟ .

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ والجَوابُ الأوَّلُ يَجْرِي مَجْرى الرَّمْزِ في أنَّهُ لا يَعُودُ إلى مِلَّتِهِمْ، وهَذا الجَوابُ الثّانِي تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ. وأصْلُ البابِ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الكَذِبِ، فالعَوْدُ في مِلَّتِكم يُبْطِلُ النُّبُوَّةَ، ويُزِيلُ الرِّسالَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْنى ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ عَلَّمَنا قُبْحَهُ وفَسادَهُ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ …

Al-A'raaf 7:89Listen in Qur'an →
90

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shu'ayb, indeed, you would then be losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:

كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ

بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: يَدُلُّ

صفحة ١٤٩

عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.

وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ …

Al-A'raaf 7:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.