قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍۢ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ
[Hud] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them, you and your fathers, for which Allah has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾
جاوَبُوا هُودًا بِما أنْبَأ عَنْ ضَياعِ حُجَّتِهِ في جَنْبِ ضَلالَةِ عُقُولِهِمْ ومُكابَرَةِ نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ أعادُوا تَكْذِيبَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى دَعْوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ، وهَذا الجَوابُ أقَلُّ جَفْوَةً وغِلْظَةً مِن جَوابِهِمُ الأوَّلِ، إذْ قالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] كَأنَّهم رامُوا اسْتِنْزالَ نَفْسِ هُودٍ ومُحاوَلَةَ إرْجاعِهِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى الإنْكارِ وذَكَّرُوهُ بِأنَّ الأمْرَ الَّذِي أنْكَرَهُ هو دِينُ آباءِ الجَمِيعِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ سَفَّهَ آباءَهُ، وهَذا المَقْصِدُ هو الَّذِي اقْتَضى التَّعْبِيرَ عَنْ دَيْنِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إيماءً إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِ وإلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِمُتابَعَةِ دِينِ آبائِهِ، كَما قالَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ حِينَ
صفحة ٢٠٨
دَعاهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عِنْدَ احْتِضارِهِ فَقالُوا لِأبِي طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
واجْتِلابُ (كانَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّ عِبادَتَهم أمْرٌ قَدِيمٌ مَضَتْ عَلَيْهِ العُصُورُ.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ وكَوْنُهُ مُضارِعًا في قَوْلِهِ يَعْبُدُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مِن آبائِهِمْ ومُتَجَدِّدٌ وأنَّهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى أجِئْتَنا أقَصَدْتَ واهْتَمَمْتَ بِنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ فاسْتُعِيرَ فِعْلُ المَجِيءِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ والتَّحَفُّزِ والتَّصَلُّبِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَهَبَ يَفْعَلُ، وفي القُرْآنِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] وفِرْعَوْنُ لَمْ يُفارِقْ مَجْلِسَ مُلْكِهِ وإنَّما أُرِيدَ أنَّهُ أعْرَضَ واهْتَمَّ ومِثْلُهُ قَوْلُهم ذَهَبَ يَفْعَلُ كَذا قالَ النَّبَهانِيُّ: فَإنْ
كُنْتَ سَيِّدَنَـا سُـدْتَـنَـا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
فَقَصَدُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ المَجِيءِ زِيادَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِ وتَسْفِيهَهُ عَلى اهْتِمامِهِ بِأمْرٍ مِثْلِ ما دَعاهم إلَيْهِ.
ووَحْدَهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أوْحَدَهُ: إذا اعْتَقَدَهُ واحِدًا، فَقِياسُ المَصْدَرِ الإيحادُ، وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الحالِ: إمّا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْ مُوَحَّدًا أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وقالَ يُونُسُ: هو بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُوَحِّدِينَ لَهُ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لِنَعْبُدَ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى: ونَذَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَحْقِيقِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وتَحَدِّيًا لِهُودٍ، وإشْعارًا لَهُ بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنْ لا صِدْقَ لِلْوَعِيدِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم
صفحة ٢٠٩
فَلا يَخْشَوْنَ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ فَأْتِنا لِلتَّعْجِيزِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ أنْ …