Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 206

71

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍۢ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

[Hud] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them, you and your fathers, for which Allah has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾

جاوَبُوا هُودًا بِما أنْبَأ عَنْ ضَياعِ حُجَّتِهِ في جَنْبِ ضَلالَةِ عُقُولِهِمْ ومُكابَرَةِ نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ أعادُوا تَكْذِيبَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى دَعْوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ، وهَذا الجَوابُ أقَلُّ جَفْوَةً وغِلْظَةً مِن جَوابِهِمُ الأوَّلِ، إذْ قالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] كَأنَّهم رامُوا اسْتِنْزالَ نَفْسِ هُودٍ ومُحاوَلَةَ إرْجاعِهِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى الإنْكارِ وذَكَّرُوهُ بِأنَّ الأمْرَ الَّذِي أنْكَرَهُ هو دِينُ آباءِ الجَمِيعِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ سَفَّهَ آباءَهُ، وهَذا المَقْصِدُ هو الَّذِي اقْتَضى التَّعْبِيرَ عَنْ دَيْنِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إيماءً إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِ وإلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِمُتابَعَةِ دِينِ آبائِهِ، كَما قالَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ حِينَ

صفحة ٢٠٨

دَعاهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عِنْدَ احْتِضارِهِ فَقالُوا لِأبِي طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

واجْتِلابُ (كانَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّ عِبادَتَهم أمْرٌ قَدِيمٌ مَضَتْ عَلَيْهِ العُصُورُ.

والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ وكَوْنُهُ مُضارِعًا في قَوْلِهِ يَعْبُدُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مِن آبائِهِمْ ومُتَجَدِّدٌ وأنَّهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.

ومَعْنى أجِئْتَنا أقَصَدْتَ واهْتَمَمْتَ بِنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ فاسْتُعِيرَ فِعْلُ المَجِيءِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ والتَّحَفُّزِ والتَّصَلُّبِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَهَبَ يَفْعَلُ، وفي القُرْآنِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] وفِرْعَوْنُ لَمْ يُفارِقْ مَجْلِسَ مُلْكِهِ وإنَّما أُرِيدَ أنَّهُ أعْرَضَ واهْتَمَّ ومِثْلُهُ قَوْلُهم ذَهَبَ يَفْعَلُ كَذا قالَ النَّبَهانِيُّ: فَإنْ

كُنْتَ سَيِّدَنَـا سُـدْتَـنَـا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ

فَقَصَدُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ المَجِيءِ زِيادَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِ وتَسْفِيهَهُ عَلى اهْتِمامِهِ بِأمْرٍ مِثْلِ ما دَعاهم إلَيْهِ.

ووَحْدَهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أوْحَدَهُ: إذا اعْتَقَدَهُ واحِدًا، فَقِياسُ المَصْدَرِ الإيحادُ، وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الحالِ: إمّا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْ مُوَحَّدًا أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وقالَ يُونُسُ: هو بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُوَحِّدِينَ لَهُ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لِنَعْبُدَ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى: ونَذَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَحْقِيقِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وتَحَدِّيًا لِهُودٍ، وإشْعارًا لَهُ بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنْ لا صِدْقَ لِلْوَعِيدِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم

صفحة ٢٠٩

فَلا يَخْشَوْنَ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ فَأْتِنا لِلتَّعْجِيزِ.

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ أنْ …

Al-A'raaf 7:71Listen in Qur'an →
72

فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.

﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾

صفحة ٢١٤

الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ: أيْ فَعَجَّلَ اللَّهُ اسْتِئْصالَ عادٍ ونَجّى هُودًا والَّذِينَ مَعَهُ أيِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ، فالمُعَقَّبُ بِهِ هو قَطْعُ دابِرِ عادٍ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ النَّظْمُ هَكَذا: فَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا إلَخْ ونَجَّيْنا هُودًا إلَخْ، ولَكِنْ جَرى النَّظْمُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعْجِيلِ الإخْبارِ بِنَجاةِ هُودٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] في قِصَّةِ نُوحٍ المُتَقَدِّمَةِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَعْرِيفِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] . والَّذِينَ مَعَهُ هم مَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ، فالمَعِيَّةُ هي المُصاحِبَةُ في الدِّينِ، وهي مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ هُودًا ومَن مَعَهُ بِالهِجْرَةِ إلى مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ العَذابُ بِعادٍ، وإنَّهُ تُوُفِّيَ هُنالِكَ ودُفِنَ في الحِجْرِ ولا أحْسَبُ هَذا ثابِتًا لِأنَّ مَكَّةَ إنَّما بَناها إبْراهِيمُ وظاهِرُ القُرْآنِ في سُورَةِ هُودٍ أنَّ بَيْنَ عادٍ وإبْراهِيمَ زَمَنًا طَوِيلًا لِأنَّهُ حَكى عَنْ شُعَيْبٍ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ ﴿أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] فَهو ظاهِرٌ في أنَّ عادًا وثَمُودًا كانُوا بَعِيدِينَ مِن زَمَنِ شُعَيْبٍ وأنَّ قَوْمَ لُوطٍ غَيْرُ بَعِيدِينَ، والبُعْدُ مُرادٌ بِهِ بُعْدُ الزَّمانِ، لِأنَّ أمْكِنَةَ الجَمِيعِ مُتَقارِبَةٌ، وكانَ لُوطٌ في زَمَنِ إبْراهِيمَ فالأوْلى أنْ لا نُعَيِّنَ كَيْفِيَّةَ إنْجاءِ هُودٍ ومَن مَعَهُ. والأظْهَرُ أنَّها بِالأمْرِ بِالهِجْرَةِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ عَنِ العَذابِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ وهَذا أقْرَبُ.

وقَوْلُهُ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وتَنْكِيرُ رَحْمَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، وكَذَلِكَ وصَفُها بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِها، ومِن لِلِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: فَأنْجَيْناهُ ورَحِمْناهُ، فَكانَتِ الرَّحْمَةُ مُصاحِبَةً لَهم إذْ كانُوا بِمَحَلِّ اللُّطْفِ والرِّفْقِ حَيْثُما حَلُّوا إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ، ومَوْقِعُ (مِنّا) عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعٌ رَشِيقٌ جِدًّا يُؤْذِنُ بِأنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ عَنْهم كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] .

صفحة ٢١٥

وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الدَّبُّورَ فَأفْناهم جَمِيعًا ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنهم لَمْ يَكُنْ لَهم نَسْلٌ. وأمّا الآيَةُ فَلا تَقْتَضِي إلّا انْقِراضَ نَسْلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ والتَّعْرِيفُ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٦٤] في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا، فَهو لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَطْعُ دابِرِهِمْ.

﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا فَهو مِنَ الصِّلَةِ، وفائِدَةُ عَطْفِهِ الإشارَةُ إلى أنَّ كِلْتا الصِّلَتَيْنِ مُوجِبٌ لَقَطْعِ …

Al-A'raaf 7:72Listen in Qur'an →
73

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And to the Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allah [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allah 's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ وقَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةٌ فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ مِثْلُها في قَوْلِهِ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] . وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَفْسِيرِها إلى قَوْلِهِ تَعالى (مِن إلَهٍ غَيْرُهُ)

وثَمُودُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ وهم أبْناءُ ثَمُودَ بْنِ جاثِرَ - بِجِيمٍ ومُثَلَّثَةٍ كَما في القامُوسِ - بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ فَيَلْتَقُونَ مَعَ عادٍ في ”إرَمَ“

صفحة ٢١٦

وكانَتْ مَساكِنُهم بِالحِجْرِ - بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ - بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وهو المَكانُ المُسَمّى الآنَ مَدائِنُ صالِحٍ وسُمِّي في حَدِيثِ غَزْوَةِ تَبُوكٍ: حَجْرَ ثَمُودٍ.

وصالِحٌ هو ابْنُ عَبِيلٍ - بِلامٍ في آخِرِهِ وبِفَتْحِ العَيْنِ - ابْنِ آسِفَ بْنِ ماشِجَ أوْ شالِخَ بْنِ عَبِيلِ بْنِ جاثِرَ - ويُقالُ كاثِرَ - ابْنِ ثَمُودَ. وفي بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ اخْتِلافٌ في حُرُوفِها في كُتُبِ التّارِيخِ وغَيْرِها أحْسَبُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وهي غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ سِوى عَبِيلٍ فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ في سَمِيِّهِ الَّذِي هو جَدُّ قَبِيلَةٍ، كَما في القامُوسِ.

وثَمُودُ هُنا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ القَبِيلَةُ لا جَدُّها. وأسْماءُ القَبائِلِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ مَعَ العَلَمِيَّةِ وهو الغالِبُ في القُرْآنِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ آياتِ القُرْآنِ مَصْرُوفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٨] عَلى اعْتِبارِ الحَيِّ فَيَنْتَفِي مُوجِبُ مَنعِ الصَّرْفِ لِأنَّ الِاسْمَ عَرَبِيٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمُودَ كانُوا مُشْرِكِينَ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في آياتِ سُورَةِ هُودٍ وغَيْرِها. والظّاهِرُ أنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي عَبَدَتْها عادٌ لِأنَّ ثَمُودَ وعادًا أبْناءُ نَسَبٍ واحِدٍ، فَيُشْبِهُ أنْ تَكُونَ عَقائِدُهم مُتَماثِلَةٌ. وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ ثَمُودَ قامَتْ بَعْدَ عادٍ فَنَمَتْ وعَظُمَتْ واتَّسَعَتْ حَضارَتُها، وكانُوا مُوَحِّدِينَ، ولَعَلَّهُمُ اتَّعَظُوا بِما حَلَّ بِعادٍ، ثُمَّ طالَتْ مُدَّتُهم ونَعِمْ عَيْشُهم فَعَتَوْا ونَسُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وعَبَدُوا الأصْنامَ فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ صالِحًا رَسُولًا يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، وعَصاهُ سادَتُهم وكُبَراؤُهم، وذَكَرَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يُغْلِظُوا لَهُ القَوْلَ كَما أغْلَظَتْ قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ هُودٍ لِرَسُولِهِمْ، فَقَدْ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وتَدُلُّ آياتُ القُرْآنِ وما فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ القَصَصِ عَلى أنَّ صالِحًا أجَلَّهم مُدَّةً لِلتَّأمُّلِ وجَعَلَ النّاقَةَ لَهم آيَةً، وأنَّهم تارِكُوها ولَمْ يُهَيِّجُوها زَمَنًا طَوِيلًا.

صفحة ٢١٧

فَقَدْ أشْعَرَتْ مُجادَلَتُهم صالِحًا في أمْرِ الدِّينِ عَلى أنَّ التَّعَقُّلَ في المُجادَلَةِ أخَذَ يَدُبُّ في نُفُوسِ البَشَرِ، وأنَّ غَلْواءَهم في المُكابَرَةِ أخَذَتْ تَقْصُرُ؛ وأنَّ قَناةَ بِأْسِهِمْ ابْتَدَأتْ تَلِينُ، لِلْفَرْقِ الواضِحِ بَيْنَ جَوابِ قَوْمٍ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ، وبَيْنَ جَوابِ قَوْمِ صالِحٍ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ ومادَّهم …

Al-A'raaf 7:73Listen in Qur'an →
74

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍۢ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًۭا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًۭا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And remember when He made you successors after the 'Aad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allah and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

صفحة ٢٢٠

﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بِيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (اعْبُدُوا اللَّهَ) وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ إلَخْ. والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] .

وبَوَّأكم مَعْناهُ أنْزَلَكم، مُشْتَقٌّ مِنَ البَوْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّ المَرْءَ يَرْجِعُ إلى مَنزِلِهِ ومَسْكَنِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] .

وقَوْلُهُ في الأرْضِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ في أرْضِكم هَذِهِ، وهي أرْضُ الحِجْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ لِأنَّهُ لَمّا بَوَّأهم في أرْضٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَدْ بَوَّأهم في جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ.

والسُّهُولُ جَمْعُ سَهْلٍ، وهو المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ، وضِدُّهُ الجَبَلُ.

والقُصُورُ: جَمْعُ قَصْرٍ وهو المَسْكَنُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُشَيِّدُونَ القُصُورَ، وآثارُهم تَنْطِقُ بِذَلِكَ. و(مِن) في قَوْلِهِ مِن سُهُولِها لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ: تَتَّخِذُونَ في سُهُولِها قُصُورًا.

والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ والخَشَبِ بِآلَةٍ عَلى تَقْدِيرٍ مَخْصُوصٍ.

والجِبالُ: جَمْعُ جَبَلٍ وهو الأرْضُ النّاتِئَةُ عَلى غَيْرِها مُرْتَفِعَةٌ، والجِبالُ: ضِدُّ السُّهُولِ.

والبُيُوتُ: جَمْعُ بَيْتٍ وهو المَكانُ المُحَدَّدُ المُتَّخَذُ لِلسُّكْنى، سَواءٌ كانَ مَبْنِيًّا مِن حَجَرٍ أمْ كانَ مِن أثْوابِ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ. وفِعْلُ النَّحْتِ

صفحة ٢٢١

يَتَعَلَّقُ بِالجِبالِ لِأنَّ النَّحْتَ يَتَعَلَّقُ بِحِجارَةِ الجِبالِ، وانْتَصَبَ (بُيُوتًا) عَلى الحالِ مِنَ الجِبالِ، أيْ صائِرَةً بَعْدَ النَّحْتِ بُيُوتًا، كَما يُقالُ: خِطْ هَذا الثَّوْبَ قَمِيصًا، وابْرِ هَذِهِ القَصَبَةَ قَلَمًا، لِأنَّ الجَبَلَ لا يَكُونُ حالُهُ حالَ البُيُوتِ وقْتَ النَّحْتِ، ولَكِنْ يَصِيرُ بُيُوتًا بَعْدَ النَّحْتِ.

ومَحَلُّ الِامْتِنانِ هو أنْ جَعَلَ مَنازِلَهم قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ صالِحٌ لِلْبِناءِ فِيهِ، وقِسْمٌ صالِحٌ لِنَحْتِ البُيُوتِ، قِيلَ: كانُوا يَسْكُنُونَ في الصَّيْفِ القُصُورَ، وفي الشِّتاءِ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في الجِبالِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِذِكْرِ آلاءِ اللَّهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ تَفْرِيعُ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، لِأنَّهُ أمَرَهم بِذِكْرِ نِعْمَتَيْنِ، ثُمَّ أمَرَهم بِذِكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي لا يُحْصُونَها، فَكانَ هَذا بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.

وفِعْلُ: اذْكُرُوا مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، الَّذِي هو بِضَمِّ الذّالِ، وهو التَّذَكُّرُ بِالعَقْلِ والنَّظَرِ النَّفْسانِيِّ، وتَذَكُّرُ الآلاءِ يَبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ والطّاعَةِ وتَرْكِ الفَسادِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ نَهْيَهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ عَلى الأمْرِ بِذِكْرِ آلاءِ اللَّهِ.

ولا تَعْثُوا مَعْناهُ ولا تُفْسِدُوا، يُقالُ: عَثِيَ كَرَضِيَ، وهَذا الأفْصَحُ، ولِذَلِكَ جاءَ في الآيَةِ بِفَتْحِ الثّاءِ حِينَ أُسْنِدَ إلى واوِ الجَماعَةِ، ويُقالُ عَثا يَعْثُو - مِن بابِ سَما - عَثْوًا وهي لُغَةٌ دُونَ الأُولى، وقالَ كُراعٌ، كَأنَّهُ مَقْلُوبُ عاثَ. والعَثْيُ والعَثْوُ كُلُّهُ بِمَعْنى أفْسَدَ أشَدَّ الإفْسادِ.

و(مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى تَعْثُوا وهو وإنْ كانَ أعَمَّ مِنَ المُؤَكَّدِ فَإنَّ التَّأْكِيدَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ …

Al-A'raaf 7:74Listen in Qur'an →
75

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحًۭا مُّرْسَلٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ

Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Salih is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."

﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾

صفحة ٢٢٢

عَدَلَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجادَلَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى اخْتِبارِ تَصَلُّبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في إيمانِهِمْ، ومُحاوَلَةِ إلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِهِمْ، ولَمّا كانَ خِطابُهم لِلْمُؤْمِنِينَ مَقْصُودًا بِهِ إفْسادُ دَعْوَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ خِطابُهم بِمَنزِلَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ جُمَلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا وفِيما مَضى.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ قَرِيبًا.

ووَصْفُهم بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُنا لِتَفْظِيعِ كِبْرِهِمْ وتَعاظُمِهِمْ عَلى عامَّةِ قَوْمِهِمْ واسْتِذْلالِهِمْ إيّاهم. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما جاءَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم ضُعَفاءُ قَوْمِهِ.

واخْتِيارُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في وصْفِهِمْ ووَصْفِ الآخَرِينَ بِالَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ صُدُورِ هَذا الكَلامِ مِنهم، أيْ أنَّ اسْتِكْبارَهم هو صارِفُهم عَنْ طاعَةِ نَبِيِّهِمْ، وأنَّ احْتِقارَهُمُ المُؤْمِنِينَ هو الَّذِي لَمْ يُسِغْ عِنْدَهم سَبْقَهم إيّاهم إلى الخَيْرِ والهُدى، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلَهم: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وكَما حَكى عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، ولِهَذا لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ كَما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ.

والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هم عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ أذَلَّهم عُظَماؤُهم واسْتَعْبَدُوهم لِأنَّ زَعامَةَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كانَتْ قائِمَةً عَلى السِّيادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الخَلِيَّةِ عَنْ

صفحة ٢٢٣

خِلالِ الفَضِيلَةِ، مِنَ العَدْلِ والرَّأْفَةِ وحُبِّ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ المَلَأُ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وأُطْلِقَ عَلى العامَّةِ وصْفُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.

واللّامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: (﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِمِثْلِهِ المُبَدَلُ مِنهُ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَعْلَمُونَ) لِلتَّشْكِيكِ والإنْكارِ، أيْ: ما نَظُنُّكم آمَنتُمْ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ عِلْمٍ بِصِدْقِهِ، ولَكِنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ عَنْ عَمًى وضَلالٍ غَيْرَ مُوقِنِينَ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] وفي ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ.

وقَدْ جِيءَ في جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم بِمَزِيدِ الثَّباتِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مَطْمَعًا في تَشْكِيكِهِمْ، بَلْهَ صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِهِمْ.

وأكَّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ إنَّ لِإزالَةِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن شَكِّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في صِحَّةِ إيمانِهِمْ، والعُدُولُ في حِكايَةِ …

Al-A'raaf 7:75Listen in Qur'an →
76

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ

Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."

﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾

صفحة ٢٢٢

عَدَلَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجادَلَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى اخْتِبارِ تَصَلُّبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في إيمانِهِمْ، ومُحاوَلَةِ إلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِهِمْ، ولَمّا كانَ خِطابُهم لِلْمُؤْمِنِينَ مَقْصُودًا بِهِ إفْسادُ دَعْوَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ خِطابُهم بِمَنزِلَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ جُمَلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا وفِيما مَضى.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ قَرِيبًا.

ووَصْفُهم بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُنا لِتَفْظِيعِ كِبْرِهِمْ وتَعاظُمِهِمْ عَلى عامَّةِ قَوْمِهِمْ واسْتِذْلالِهِمْ إيّاهم. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما جاءَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم ضُعَفاءُ قَوْمِهِ.

واخْتِيارُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في وصْفِهِمْ ووَصْفِ الآخَرِينَ بِالَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ صُدُورِ هَذا الكَلامِ مِنهم، أيْ أنَّ اسْتِكْبارَهم هو صارِفُهم عَنْ طاعَةِ نَبِيِّهِمْ، وأنَّ احْتِقارَهُمُ المُؤْمِنِينَ هو الَّذِي لَمْ يُسِغْ عِنْدَهم سَبْقَهم إيّاهم إلى الخَيْرِ والهُدى، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلَهم: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وكَما حَكى عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، ولِهَذا لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ كَما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ.

والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هم عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ أذَلَّهم عُظَماؤُهم واسْتَعْبَدُوهم لِأنَّ زَعامَةَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كانَتْ قائِمَةً عَلى السِّيادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الخَلِيَّةِ عَنْ

صفحة ٢٢٣

خِلالِ الفَضِيلَةِ، مِنَ العَدْلِ والرَّأْفَةِ وحُبِّ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ المَلَأُ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وأُطْلِقَ عَلى العامَّةِ وصْفُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.

واللّامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: (﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾) بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِمِثْلِهِ المُبَدَلُ مِنهُ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَعْلَمُونَ) لِلتَّشْكِيكِ والإنْكارِ، أيْ: ما نَظُنُّكم آمَنتُمْ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ عِلْمٍ بِصِدْقِهِ، ولَكِنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ عَنْ عَمًى وضَلالٍ غَيْرَ مُوقِنِينَ، كَما قالَ قَوْمُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] وفي ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ.

وقَدْ جِيءَ في جَوابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم بِمَزِيدِ الثَّباتِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مَطْمَعًا في تَشْكِيكِهِمْ، بَلْهَ صَرْفَهم عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِهِمْ.

وأكَّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ إنَّ لِإزالَةِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن شَكِّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في صِحَّةِ إيمانِهِمْ، والعُدُولُ في حِكايَةِ …

Al-A'raaf 7:76Listen in Qur'an →
77

فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Salih, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ

صفحة ٢٢٥

الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.

وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.

وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .

والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ

صفحة ٢٢٦

فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي

وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.

والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.

وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ …

Al-A'raaf 7:77Listen in Qur'an →
78

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ

صفحة ٢٢٥

الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.

وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.

وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .

والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ

صفحة ٢٢٦

فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي

وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.

والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.

وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ …

Al-A'raaf 7:78Listen in Qur'an →
79

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ

صفحة ٢٢٥

الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.

وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.

وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .

والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ

صفحة ٢٢٦

فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي

وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.

والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.

وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ …

Al-A'raaf 7:79Listen in Qur'an →
80

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds?

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالُ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾

عُطِفَ ولُوطًا عَلى نُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إذِ ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ لُوطًا كَما ابْتُدِئَتْ قِصَّةٌ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ. و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْنا“ المُقَدَّرُ يَعْنِي أرْسَلْناهُ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وجُعِلَ وقْتُ القَوْلِ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، والمُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ بَيْنَ وقْتِ الإرْسالِ ووَقْتِ قَوْلِهِ، مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِمَعْنى شِدَّةِ القُرْبِ بِأقْصى ما يُسْتَطاعُ مِن مُبادَرَةِ التَّبْلِيغِ.

وقَوْمُ لُوطٍ كانُوا خَلِيطًا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ ومِمَّنْ نَزَلَ حَوْلَهم. ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ مِن قَبائِلِهِمْ، وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ واسْتَوْطَنَ دِيارَهم. ولُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وكانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَزَلَ بِبِلادِ سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ قُرابَةٌ.

صفحة ٢٣٠

والقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم أهْلُ قَرْيَةِ سَدُومَ وعَمُورَةَ مِن أرْضِ كَنْعانَ، ورُبَّما أُطْلِقَ اسْمُ سَدُومَ وعَمُورَةَ عَلى سُكّانِها. وهم أسْلافُ الفَنِيقِيِّينَ وكانَتا عَلى شاطِئِ السَّدِيمِ، وهو بَحْرُ المِلْحِ، كَما جاءَ في التَّوْراةِ وهو البَحْرُ المَيِّتُ المَدْعُوُّ بُحَيْرَةُ لُوطٍ بِقُرْبِ أُرْشَلِيمَ. وكانَتْ قُرْبَ سَدُومَ ومَن مَعَهم أحْدَثُوا فاحِشَةَ اسْتِمْتاعُ الرِّجالِ بِالرِّجالِ، فَأمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا نَزَلَ بِقَرْيَتِهِمْ سَدُومَ في رِحْلَتِهِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَنْهاهم ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ.

فالِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، والإتْيانُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَجازٌ في التَّلَبُّسِ والعَمَلِ، أيْ أتَعْمَلُونَ الفاحِشَةَ، وكُنِّيَ بِالإتْيانِ عَلى العَمَلِ المَخْصُوصِ وهي كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ.

والفاحِشَةُ: الفِعْلُ الدَّنِيءُ الذَّمِيمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨]: والمُرادُ هُنا فاحِشَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.

وجُمْلَةُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ صِفَةً لِلْفاحِشَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: تَأْتُونَ أوْ مِنَ: الفاحِشَةِ

والسَّبْقُ حَقِيقَتُهُ: وُصُولُ الماشِي إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِ غَيْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أيِ الأوَّلِيَّةِ والِابْتِداءِ، وهو المُرادُ هُنا، والمَقْصُودُ أنَّهم سَبَقُوا النّاسَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ إذْ لا …

Al-A'raaf 7:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.