Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 206

61

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.

والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً

صفحة ١٩٢

لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .

والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.

وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ

صفحة ١٩٣

مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ …

Al-A'raaf 7:61Listen in Qur'an →
62

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allah what you do not know.

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.

والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً

صفحة ١٩٢

لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .

والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.

وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ

صفحة ١٩٣

مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ …

Al-A'raaf 7:62Listen in Qur'an →
63

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allah so you might receive mercy."

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ.

والنِّداءُ في جَوابِهِ إيّاهم لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ولَمْ يَخُصَّ خُطّابَهُ بِالَّذِينَ جاوَبُوهُ، بَلْ أعادَ الخِطابَ إلى القَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ جَوابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجادَلَةً

صفحة ١٩٢

لِلْمَلَأِ مِن قَوْمِهِ هو أيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عامَّةً، كَما هو بَيِّنٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ، فَأعادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمّا سَيَعْقُبُ النِّداءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] .

والضَّلالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، والعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غالِبًا في أسْماءِ أجْناسِ المَعانِي، مِثْلِ الغَوايَةِ والسَّفاهَةِ، فالتّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ ولَيْسَ في هَذِهِ التّاءِ مَعْنى الوَحْدَةِ لِأنَّ أسْماءَ أجْناسِ المَعانِي لا تُراعى فِيها المُشَخِّصاتُ، فَلَيْسَ الضَّلالُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجَمْعِ لِلضَّلالَةِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ، وكَأنَّهُ حاوَلَ إثْباتَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ، وقَوْلِهِ هو ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ وتَبِعَهُ فِيهِ الفَخْرُ، وابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وقَدْ تَكَلَّفَ لِتَصْحِيحِهِ التَّفْتَزانِيُّ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَّخالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلالٍ وضَلالَةٍ اقْتَضاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلالٍ، ومُوجِبُ سَبْقِهِ إرادَةُ وصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)، فَلَوْ عَبَّرَ هُنالِكَ بِلَفْظِ ضَلالَةٍ لَكانَ وصْفُها بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمالِ، ولَمّا تَقَدَّمَ لَفْظُ (ضَلالٍ) اسْتُحْسِنَ أنْ يُعادَ بِلَفْظٍ يُغايِرُهُ في السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الإعادَةِ؛ فَقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] بِمُساوِيهِ لا بِأبْلَغَ مِنهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِي لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ، وهي تُناقِضُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَإنَّهم جَعَلُوا الضَّلالَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، فَنَفى هو أنْ يَكُونَ لِلضَّلالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.

وتَجْرِيدُ لَيْسَ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِها مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرى عَلى الجَوازِ في تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، إذا كانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، ولِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَجْرُورِ.

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ﴾ لِرَفْعِ ما تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّهُ في ضَلالٍ حَيْثُ خالَفَ دِينَهم، أيْ هو في حالِ رِسالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ ما تَقْتَضِي الرِّسالَةُ

صفحة ١٩٣

مِنَ التَّبْلِيغِ والنُّصْحِ والإخْبارِ بِما لا يَعْلَمُونَهُ، وذَلِكَ ما حَسِبُوهُ ضَلالًا، وشَأْنُ لَكِنَّ أنْ تَكُونَ جُمْلَتُها مُفِيدَةً مَعْنى يُغايِرُ مَعْنى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَها، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ الِاسْتِدْراكِ المَوْضُوعَةُ لَهُ لَكِنَّ فَلا بُدَّ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ: إمّا في المُسْنَدِ نَحْوَ ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ …

Al-A'raaf 7:63Listen in Qur'an →
64

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ وقَعَ التَّكْذِيبُ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ: مِن قادَتِهِمْ، ودَهْمائِهِمْ، عَدا بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ ومَن آمَنَ بِهِ عَقِبَ سَماعِ قَوْلِ نُوحٍ، فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ بِالفاءِ أيْ صَدَرَ مِنهم قَوْلٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ دَعْوى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ يُبَلِّغُ ويَنْصَحُ ويَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، فَصارَ تَكْذِيبًا أعَمَّ مِنَ التَّكْذِيبِ الأوَّلِ، فَهو بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَأِ يَئُولُ إلى مَعْنى الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْعامَّةِ تَكْذِيبٌ أُنُفٍ، بَعْدَ سَماعِ قَوْلِ قادَتِهِمْ وانْتِهاءِ المُجادَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ، فَلَيْسَ الفِعْلُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِمْرارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى القَوْمِ، والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، وهو تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ: لِأنَّ التَّكْذِيبَ حَصَلَ بَعْدَهُ الوَحْيُ إلى نُوحٍ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، ولا يُرْجى زِيادَةُ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَدْخُلَ الفُلْكَ ويَحْمِلَ مَعَهُ مَن آمَنَ إلى آخَرِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ هُودٍ.

وقُدِّمَ الإخْبارُ بِالإنْجاءِ عَلى الإخْبارِ بِالإغْراقِ، مَعَ أنَّ مُقْتَضى مَقامِ العِبْرَةِ تَقْدِيمُ الإخْبارِ بِإغْراقِ المُنْكِرِينَ، فَقُدِّمَ الإنْجاءُ لِلِاهْتِمامِ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ إذا أهْلَكَ المُشْرِكِينَ أنْ يُنَجِّيَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ التَّقْدِيمُ يُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِالنِّذارَةِ، وإلّا فَإنَّ الإغْراقَ وقَعَ قَبْلَ الإنْجاءِ، إذْ لا يَظْهَرُ تَحَقُّقُ إنْجاءِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ العَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فالمُعَقَّبُ بِهِ التَّكْذِيبُ ابْتِداءً هو

صفحة ١٩٨

الإغْراقُ، والإنْجاءُ واقِعٌ بَعْدَهُ، ولِيَتَأتّى هَذا التَّقْدِيمُ عُطِفَ فِعْلُ الإنْجاءِ بِالواوِ المُفِيدَةِ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، دُونَ الفاءِ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ مَعَهُ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ، وبِهَذا التَّعْلِيقِ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ في الفُلْكِ مَعْشَرًا، وأنَّهم كانُوا مُصَدِّقِينَ لَهُ، فَكانَ هَذا التَّعْلِيقٌ إيجازًا بَدِيعًا.

والفُلْكُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وسَنَذْكُرُ تَعْيِينَهم عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ هُودٍ.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأغْرَقْنا سائِرَهم، أوْ بَقِيَّتَهم، لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ تَعْلِيلِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ وأغْرَقْنا أيْ أغْرَقْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ أغْرَقْنا كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ إنَّ لِأنَّ حَرْفَ إنَّ هُنا لا يُقْصَدُ بِهِ رَدُّ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، إذْ لا شَكَّ فِيهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ الحَرْفِ الدَّلالَةُ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ومِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ لِلِاهْتِمامِ أنْ تَقُومَ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، وتُفِيدَ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ الجُمْلَةِ بِالَّتِي …

Al-A'raaf 7:64Listen in Qur'an →
65

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ

And to the 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾

صفحة ٢٠٠

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِأنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ أرْسَلْنا لِدَلالَةِ حَرْفِ إلى عَلَيْهِ، مَعَ دَلالَةِ سَبْقِ نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ وأرْسَلْنا إلى عادٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ اللَّفْظِيِّ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ: عَطَفَتِ الواوُ هُودًا عَلى نُوحًا، فَتَكُونُ الواوُ نائِبَةً عَنِ العامِلِ وهو أرْسَلْنا، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وهُودًا أخا عادٍ إلَيْهِمْ وقُدِّمَتْ إلى فَهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ، وتَقْدِيمُ (إلى) اقْتَضاهُ حُسْنُ نَظْمِ الكَلامِ في عَوْدِ الضَّمائِرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ.

وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الأصْلِيِّ لِيَتَأتّى الإيجازُ بِالإضْمارِ حَيْثُ أُرِيدَ وصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ مِن إخْوَةِ عادٍ مِن صَمِيمِهِمْ، مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى إعادَةِ لَفْظِ عادٍ، ومَعَ تَجَنُّبِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، فَقِيلَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وهُودًا بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن أخاهم.

وعادٌ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ البائِدَةِ، وكانُوا عَشْرَ قَبائِلَ، وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً وهم أبْناءُ عادِ بْنِ عُوصٍ، وعُوصٌ هو ابْنُ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كَذا اصْطَلَحَ المُؤَرِّخُونَ.

وهُودٌ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ، فَقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، فَقالَ القائِلُونَ بِهَذا: هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادٍ، وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ سامٍ جَدِّ عادٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا هو هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وذَكَرَ البَغَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ.

وعادٌ أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ وساغَ صَرْفُهُ لِأنَّهُ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطُ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بِبِلادِ العَرَبِ بِالشِّحْرِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ مِن أرْضِ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ وعُمانَ والأحْقافِ، وهي الرِّمالُ

صفحة ٢٠١

الَّتِي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ.

والأخُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ القَرِيبِ، عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ ومِنهُ قَوْلُهم يا أخا العَرَبِ، وقَدْ كانَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّ إرَمَ، ويُطْلَقُ الأخُ مَجازًا أيْضًا عَلى المُصاحِبِ المُلازِمِ، كَقَوْلِهِمْ: هو أخُو الحَرْبِ، ومِنهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وقَوْلُهُ ﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . فالمُرادُ أنَّ هُودًا كانَ مِن ذَوِي نَسَبِ قَوْمِهِ عادٍ، وإنَّما وُصِفَ هُودٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يُوصَفْ نُوحٌ بِأنَّهُ أخٌ لِقَوْمِهِ: لِأنَّ النّاسَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمْ يَكُونُوا قَدِ انْقَسَمُوا شُعُوبًا وقَبائِلَ، والعَرَبُ يَقُولُونَ، لِلْواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ: أخُو بَنِي فُلانٍ، قَصْدًا لَعَزْوِهِ ونِسْبَتِهِ تَمْيِيزًا لِلنّاسِ إذْ قَدْ يَشْتَرِكُونَ في الأعْلامِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها أنَّ نِظامَ القَبائِلِ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ …

Al-A'raaf 7:65Listen in Qur'an →
66

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾

صفحة ٢٠٠

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِأنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ أرْسَلْنا لِدَلالَةِ حَرْفِ إلى عَلَيْهِ، مَعَ دَلالَةِ سَبْقِ نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ وأرْسَلْنا إلى عادٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ اللَّفْظِيِّ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ: عَطَفَتِ الواوُ هُودًا عَلى نُوحًا، فَتَكُونُ الواوُ نائِبَةً عَنِ العامِلِ وهو أرْسَلْنا، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وهُودًا أخا عادٍ إلَيْهِمْ وقُدِّمَتْ إلى فَهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ، وتَقْدِيمُ (إلى) اقْتَضاهُ حُسْنُ نَظْمِ الكَلامِ في عَوْدِ الضَّمائِرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ.

وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الأصْلِيِّ لِيَتَأتّى الإيجازُ بِالإضْمارِ حَيْثُ أُرِيدَ وصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ مِن إخْوَةِ عادٍ مِن صَمِيمِهِمْ، مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى إعادَةِ لَفْظِ عادٍ، ومَعَ تَجَنُّبِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، فَقِيلَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وهُودًا بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن أخاهم.

وعادٌ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ البائِدَةِ، وكانُوا عَشْرَ قَبائِلَ، وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً وهم أبْناءُ عادِ بْنِ عُوصٍ، وعُوصٌ هو ابْنُ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كَذا اصْطَلَحَ المُؤَرِّخُونَ.

وهُودٌ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ، فَقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، فَقالَ القائِلُونَ بِهَذا: هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادٍ، وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ سامٍ جَدِّ عادٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا هو هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وذَكَرَ البَغَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ.

وعادٌ أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ وساغَ صَرْفُهُ لِأنَّهُ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطُ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بِبِلادِ العَرَبِ بِالشِّحْرِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ مِن أرْضِ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ وعُمانَ والأحْقافِ، وهي الرِّمالُ

صفحة ٢٠١

الَّتِي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ.

والأخُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ القَرِيبِ، عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ ومِنهُ قَوْلُهم يا أخا العَرَبِ، وقَدْ كانَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّ إرَمَ، ويُطْلَقُ الأخُ مَجازًا أيْضًا عَلى المُصاحِبِ المُلازِمِ، كَقَوْلِهِمْ: هو أخُو الحَرْبِ، ومِنهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وقَوْلُهُ ﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . فالمُرادُ أنَّ هُودًا كانَ مِن ذَوِي نَسَبِ قَوْمِهِ عادٍ، وإنَّما وُصِفَ هُودٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يُوصَفْ نُوحٌ بِأنَّهُ أخٌ لِقَوْمِهِ: لِأنَّ النّاسَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمْ يَكُونُوا قَدِ انْقَسَمُوا شُعُوبًا وقَبائِلَ، والعَرَبُ يَقُولُونَ، لِلْواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ: أخُو بَنِي فُلانٍ، قَصْدًا لَعَزْوِهِ ونِسْبَتِهِ تَمْيِيزًا لِلنّاسِ إذْ قَدْ يَشْتَرِكُونَ في الأعْلامِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها أنَّ نِظامَ القَبائِلِ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ …

Al-A'raaf 7:66Listen in Qur'an →
67

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Hud] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِأنَّها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا وفِيما مَضى.

وتَفْسِيرُ الآيَةِ تَقَدَّمَ في نَظِيرِها آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقالَ في هَذِهِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنِ النُّصْحِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وهُودٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نُصْحَهُ لَهم وصْفٌ ثابِتٌ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، وأنَّ ما زَعَمُوهُ سَفاهَةً هو نُصْحٌ.

وأُتْبِعَ ناصِحٌ بِـ أمِينٌ وهو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّ الأمِينَ هو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ، والأمانَةُ حالَةٌ في الإنْسانِ تَبْعَثُهُ عَلى حِفْظِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وتَمْنَعُهُ مِن إضاعَتِهِ، أوْ جَعْلِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، وضِدُّها الخِيانَةُ.

والأمانَةُ مِن أعَزِّ أوْصافِ البَشَرِ، وهي مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، وفي الحَدِيثِ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَ لَهُ» وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ إلى أنْ قالَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ! ! وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» فَذَكَرَ الإيمانَ في مَوْضِعِ الأمانَةِ. والكَذِبُ مِنَ الخِيانَةِ،

صفحة ٢٠٤

والصِّدْقُ مِنَ الأمانَةِ، لِأنَّ الكَذِبَ الخَبَرُ بِأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ في صُورَةٍ تُوهِمُ السّامِعَ أنَّهُ واقِعٌ، فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِلسّامِعِ، والصِّدْقُ إبْلاغُ الأمْرِ الواقِعِ كَما هو فَهو أداءٌ لِأمانَةِ ما عَلِمَهُ المُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ أمِينٌ وصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِن قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ إبْطالُ كَوْنِهِ مِنَ الكاذِبِينَ.

وتَقْدِيمُ لَكم عَلى عامِلِهِ لِلْإيذانِ بِاهْتِمامِهِ بِما يَنْفَعُهم.

Al-A'raaf 7:67Listen in Qur'an →
68

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِأنَّها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا وفِيما مَضى.

وتَفْسِيرُ الآيَةِ تَقَدَّمَ في نَظِيرِها آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقالَ في هَذِهِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنِ النُّصْحِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وهُودٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نُصْحَهُ لَهم وصْفٌ ثابِتٌ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، وأنَّ ما زَعَمُوهُ سَفاهَةً هو نُصْحٌ.

وأُتْبِعَ ناصِحٌ بِـ أمِينٌ وهو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّ الأمِينَ هو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ، والأمانَةُ حالَةٌ في الإنْسانِ تَبْعَثُهُ عَلى حِفْظِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وتَمْنَعُهُ مِن إضاعَتِهِ، أوْ جَعْلِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، وضِدُّها الخِيانَةُ.

والأمانَةُ مِن أعَزِّ أوْصافِ البَشَرِ، وهي مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، وفي الحَدِيثِ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَ لَهُ» وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ إلى أنْ قالَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ! ! وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» فَذَكَرَ الإيمانَ في مَوْضِعِ الأمانَةِ. والكَذِبُ مِنَ الخِيانَةِ،

صفحة ٢٠٤

والصِّدْقُ مِنَ الأمانَةِ، لِأنَّ الكَذِبَ الخَبَرُ بِأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ في صُورَةٍ تُوهِمُ السّامِعَ أنَّهُ واقِعٌ، فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِلسّامِعِ، والصِّدْقُ إبْلاغُ الأمْرِ الواقِعِ كَما هو فَهو أداءٌ لِأمانَةِ ما عَلِمَهُ المُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ أمِينٌ وصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِن قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ إبْطالُ كَوْنِهِ مِنَ الكاذِبِينَ.

وتَقْدِيمُ لَكم عَلى عامِلِهِ لِلْإيذانِ بِاهْتِمامِهِ بِما يَنْفَعُهم.

Al-A'raaf 7:68Listen in Qur'an →
69

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allah that you might succeed.

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ هَذا مُماثِلٌ قَوْلَ نُوحٍ لِقَوْمِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا سَبَبُ المُماثَلَةِ. وتَقَدَّمَ مِن قَبْلُ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ.

* * *

﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَصْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ واذْكُرُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ اعْبُدُوا ويَكُونَ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا حُكِيَ بِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي قاطَعُوهُ بِها عَقِبَ قَوْلِهِ لَهُمُ اعْبُدُوا اللَّهَ، فَلَمّا أتَمَّ جَوابَهم عَمّا قاطَعُوا بِهِ كَلامَهُ عادَ إلى دَعْوَتِهِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الدَّعْوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أيْ: لا تُنْكِرُوا أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم واذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم، فَيَكُونُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِدْلالِ، وأيًّا ما كانَ فالمَآلُ واحِدٌ، وانْتَقَلَ مِن أمْرِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي لا يُنْكِرُونَ أنَّها مِن نِعَمِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ والأمْرَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، تَذْكِيرًا مِن شَأْنِهِ إيصالُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ. وإنَّما أمَرَهم

صفحة ٢٠٥

بِالذِّكْرِ (بِضَمِّ الذّالِ) لِأنَّ النَّفْسَ تَنْسى النِّعَمَ فَتَكْفُرُ المُنْعِمَ، فَإذا تَذَكَّرَتِ النِّعْمَةَ رَأتْ حَقًّا عَلَيْها أنْ تَشْكُرَ المُنْعِمَ، ولِذَلِكَ كانَتْ مَسْألَةُ شُكْرِ المُنْعِمِ مِن أهَمِّ مَسائِلِ التَّكْلِيفِ، والِاكْتِفاءِ بِحُسْنِهِ عَقْلًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ سَواءٌ مِنهم مَنِ اكْتَفى بِالحُسْنِ العَقْلِيِّ ومَن لَمْ يَكْتَفِ بِهِ واعْتَبَرَ التَّوَقُّفَ عَلى الخِطابِ الشَّرْعِيِّ.

و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ إذْ لا تُلازِمُ الظَّرْفِيَّةَ بَلْ هي ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ، وهو مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ، والمَعْنى: اذْكُرُوا الوَقْتَ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ خِلافَتُكم عَنْ قَوْمِ نُوحٍ في تَعْمِيرِ الأرْضِ والهَيْمَنَةِ عَلى الأُمَمِ، فَإنَّ عادًا كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ ونِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

فالخُلَفاءُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في شَيْءٍ، أيْ يَتَوَلّى عَمَلَ ما كانَ يَعْمَلُهُ الآخَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمُرادُ: جَعَلَكم خُلَفاءَ في تَعْمِيرِ الأرْضِ. ولَمّا قالَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم خُلَفاءُ قَوْمِ نُوحٍ، فَعادٌ أوَّلُ أُمَّةٍ اضْطَلَعَتْ بِالحَضارَةِ بَعْدَ الطُّوفانِ، وكانَ بَنُو نُوحٍ قَدْ تَكاثَرُوا وانْتَشَرُوا في الأرْضِ، في أرْمِينِيَّةَ والمَوْصِلِ والعِراقِ وبِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أُمَمًا كَثِيرَةً، أوْ كانَتْ عادٌ أعْظَمَ تِلْكَ الأُمَمِ وأصْحابَ السِّيادَةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم خَلَّفُوا قَوْمَ نُوحٍ في دِيارِهِمْ لِأنَّ مَنازِلَ عادٍ غَيْرُ مُنازِلِ قَوْمِ نُوحٍ عِنْدَ المُؤَرِّخِينَ، وهَذا التَّذْكِيرُ تَصْرِيحٌ بِالنِّعْمَةِ، وتَعْرِيضٌ بِالنِّذارَةِ والوَعِيدِ بِأنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنَّما اسْتَأْصَلَهم وأبادَهم عَذابٌ مِنَ اللَّهِ عَلى شِرْكِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهم في صُنْعِهِمْ يُوشِكُ أنْ يَحِلَّ بِهِ عَذابٌ أيْضًا.

و(الخَلْقُ) يُحْتَمَلُ أنْ …

Al-A'raaf 7:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "Have you come to us that we should worship Allah alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾

جاوَبُوا هُودًا بِما أنْبَأ عَنْ ضَياعِ حُجَّتِهِ في جَنْبِ ضَلالَةِ عُقُولِهِمْ ومُكابَرَةِ نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ أعادُوا تَكْذِيبَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى دَعْوَتِهِ لِلتَّوْحِيدِ، وهَذا الجَوابُ أقَلُّ جَفْوَةً وغِلْظَةً مِن جَوابِهِمُ الأوَّلِ، إذْ قالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] كَأنَّهم رامُوا اسْتِنْزالَ نَفْسِ هُودٍ ومُحاوَلَةَ إرْجاعِهِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى الإنْكارِ وذَكَّرُوهُ بِأنَّ الأمْرَ الَّذِي أنْكَرَهُ هو دِينُ آباءِ الجَمِيعِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ سَفَّهَ آباءَهُ، وهَذا المَقْصِدُ هو الَّذِي اقْتَضى التَّعْبِيرَ عَنْ دَيْنِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إيماءً إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِ وإلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِمُتابَعَةِ دِينِ آبائِهِ، كَما قالَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ حِينَ

صفحة ٢٠٨

دَعاهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عِنْدَ احْتِضارِهِ فَقالُوا لِأبِي طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

واجْتِلابُ (كانَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّ عِبادَتَهم أمْرٌ قَدِيمٌ مَضَتْ عَلَيْهِ العُصُورُ.

والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ وكَوْنُهُ مُضارِعًا في قَوْلِهِ يَعْبُدُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مِن آبائِهِمْ ومُتَجَدِّدٌ وأنَّهم لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ.

ومَعْنى أجِئْتَنا أقَصَدْتَ واهْتَمَمْتَ بِنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ فاسْتُعِيرَ فِعْلُ المَجِيءِ لِمَعْنى الِاهْتِمامِ والتَّحَفُّزِ والتَّصَلُّبِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ذَهَبَ يَفْعَلُ، وفي القُرْآنِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١] وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] وفِرْعَوْنُ لَمْ يُفارِقْ مَجْلِسَ مُلْكِهِ وإنَّما أُرِيدَ أنَّهُ أعْرَضَ واهْتَمَّ ومِثْلُهُ قَوْلُهم ذَهَبَ يَفْعَلُ كَذا قالَ النَّبَهانِيُّ: فَإنْ

كُنْتَ سَيِّدَنَـا سُـدْتَـنَـا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ

فَقَصَدُوا مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ المَجِيءِ زِيادَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِ وتَسْفِيهَهُ عَلى اهْتِمامِهِ بِأمْرٍ مِثْلِ ما دَعاهم إلَيْهِ.

ووَحْدَهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ أوْحَدَهُ: إذا اعْتَقَدَهُ واحِدًا، فَقِياسُ المَصْدَرِ الإيحادُ، وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الحالِ: إمّا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أيْ مُوَحَّدًا أيْ مَحْكُومًا لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وقالَ يُونُسُ: هو بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُوَحِّدِينَ لَهُ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لِنَعْبُدَ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى: ونَذَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَحْقِيقِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وتَحَدِّيًا لِهُودٍ، وإشْعارًا لَهُ بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنْ لا صِدْقَ لِلْوَعِيدِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم

صفحة ٢٠٩

فَلا يَخْشَوْنَ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ فَأْتِنا لِلتَّعْجِيزِ.

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ أنْ …

Al-A'raaf 7:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.