Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 206

61

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في تَقْرِيرِ المَبْدَأِ والمَعادِ دَلائِلَ ظاهِرَةً، وبَيِّناتٍ قاهِرَةً، وبَراهِينَ باهِرَةً أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ فَوائِدُ:

أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ؛ فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ وحِكايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى الجَهْلِ والعِنادِ يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى الكُفْرِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.

وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهم بَلْ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.

ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أُمِّيًّا وما طالَعَ كِتابًا ولا تُلْمِذَ عَلى أُسْتاذٍ، فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ الماضِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ شاهَدَ هَذِهِ الوَقائِعَ فَألْقاها إلَيْهِ، أمّا الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ فَإنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها.

صفحة ١٢٠

والقِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ، وأخْنُوخُ اسْمُ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِدُونِ قَدْ نادِرٌ كَقَوْلِهِ:

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا

إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها. فَكانَتْ مَظِنَّةً لِمَنعِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى ”قَدْ“ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”غَيْرِهِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْإلَهِ عَلى اللَّفْظِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى …

Al-A'raaf 7:61Listen in Qur'an →
62

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allah what you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في تَقْرِيرِ المَبْدَأِ والمَعادِ دَلائِلَ ظاهِرَةً، وبَيِّناتٍ قاهِرَةً، وبَراهِينَ باهِرَةً أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ فَوائِدُ:

أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ؛ فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ وحِكايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى الجَهْلِ والعِنادِ يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى الكُفْرِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.

وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهم بَلْ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.

ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أُمِّيًّا وما طالَعَ كِتابًا ولا تُلْمِذَ عَلى أُسْتاذٍ، فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ الماضِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ شاهَدَ هَذِهِ الوَقائِعَ فَألْقاها إلَيْهِ، أمّا الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ فَإنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها.

صفحة ١٢٠

والقِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ، وأخْنُوخُ اسْمُ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِدُونِ قَدْ نادِرٌ كَقَوْلِهِ:

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا

إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها. فَكانَتْ مَظِنَّةً لِمَنعِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى ”قَدْ“ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”غَيْرِهِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْإلَهِ عَلى اللَّفْظِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى …

Al-A'raaf 7:62Listen in Qur'an →
63

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allah so you might receive mercy."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هو أنَّهم نَسَبُوهُ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ إلى الضَّلالِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ لِلَّهِ رَسُولٌ إلى خَلْقِهِ، لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ

صفحة ١٢٤

الإرْسالِ هو التَّكْلِيفُ، والتَّكْلِيفُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْمَعْبُودِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْعابِدِ؛ لِأنَّهُ في الحالِ يُوجِبُ المَضَرَّةَ العَظِيمَةَ، وكُلُّ ما يُرْجى فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ودَفْعِ العِقابِ، فاللَّهُ قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِهِ بِدُونِ واسِطَةِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، وإذا بَطَلَ التَّكْلِيفُ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ.

وثانِيها: أنَّهم وإنْ جَوَّزُوا التَّكْلِيفَ إلّا أنَّهم قالُوا: ما عُلِمَ حُسْنُهُ بِالعَقْلِ فَعَلْناهُ، وما عُلِمَ قُبْحُهُ تَرَكْناهُ، وما لا نَعْلَمُ فِيهِ لا حُسْنَهُ ولا قُبْحَهُ، فَإنْ كُنّا مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ فَعَلْناهُ؛ لِعِلْمِنا أنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، وإنْ لَمْ نَكُنْ مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ تَرَكْناهُ؛ لِلْحَذَرِ عَنْ خَطَرِ العِقابِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ العَقْلِ كافِيًا فَلا حاجَةَ إلى بِعْثَةِ رَسُولٍ آخَرَ.

وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّسُولِ فَإنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ أوْلى؛ لِأنَّ مَهابَتَهم أشَدُّ، وطَهاراتِهِمْ أكْمَلُ، واسْتِغْناءَهم عَنِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ أظْهَرُ، وبُعْدَهم عَنِ الكَذِبِ والباطِلِ أعْظَمُ.

ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَلَعَلَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ مَن كانَ فَقِيرًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ تَبَعٌ ورِياسَةٌ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ، ولَعَلَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الَّذِي ظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن بابِ الوَحْيِ فَهو مِن جِنْسِ الجُنُونِ والعَتَهِ وتَخْيِيلاتِ الشَّيْطانِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَجامِعِ الوُجُوهِ الَّتِي لِأجْلِها أنْكَرَ الكُفّارُ رِسالَةَ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَكَمُوا عَلى نُوحٍ بِالضَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أزالَ تَعَجُّبَهم وقالَ: إنَّهُ تَعالى خالِقُ الخَلْقِ، فَلَهُ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ أنْ يَأْمُرَ عَبِيدَهُ بِبَعْضِ الأشْياءِ ويَنْهاهم عَنْ بَعْضِها، ولا يَجُوزَ أنْ يُخاطِبَهم بِتِلْكَ التَّكالِيفِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلى حَدِّ الإلْجاءِ، وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ إيصالُ تِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ بِواسِطَةِ إنْسانٍ، وذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يُبَلِّغُهم تِلْكَ التَّكالِيفَ لِأجْلِ أنْ يُنْذِرَهم ويُحَذِّرَهم، ومَتى أنْذَرَهُمُ اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ، ومَتى اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ …

Al-A'raaf 7:63Listen in Qur'an →
64

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هو أنَّهم نَسَبُوهُ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ إلى الضَّلالِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ لِلَّهِ رَسُولٌ إلى خَلْقِهِ، لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ

صفحة ١٢٤

الإرْسالِ هو التَّكْلِيفُ، والتَّكْلِيفُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْمَعْبُودِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْعابِدِ؛ لِأنَّهُ في الحالِ يُوجِبُ المَضَرَّةَ العَظِيمَةَ، وكُلُّ ما يُرْجى فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ودَفْعِ العِقابِ، فاللَّهُ قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِهِ بِدُونِ واسِطَةِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، وإذا بَطَلَ التَّكْلِيفُ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ.

وثانِيها: أنَّهم وإنْ جَوَّزُوا التَّكْلِيفَ إلّا أنَّهم قالُوا: ما عُلِمَ حُسْنُهُ بِالعَقْلِ فَعَلْناهُ، وما عُلِمَ قُبْحُهُ تَرَكْناهُ، وما لا نَعْلَمُ فِيهِ لا حُسْنَهُ ولا قُبْحَهُ، فَإنْ كُنّا مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ فَعَلْناهُ؛ لِعِلْمِنا أنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، وإنْ لَمْ نَكُنْ مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ تَرَكْناهُ؛ لِلْحَذَرِ عَنْ خَطَرِ العِقابِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ العَقْلِ كافِيًا فَلا حاجَةَ إلى بِعْثَةِ رَسُولٍ آخَرَ.

وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّسُولِ فَإنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ أوْلى؛ لِأنَّ مَهابَتَهم أشَدُّ، وطَهاراتِهِمْ أكْمَلُ، واسْتِغْناءَهم عَنِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ أظْهَرُ، وبُعْدَهم عَنِ الكَذِبِ والباطِلِ أعْظَمُ.

ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَلَعَلَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ مَن كانَ فَقِيرًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ تَبَعٌ ورِياسَةٌ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ، ولَعَلَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الَّذِي ظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن بابِ الوَحْيِ فَهو مِن جِنْسِ الجُنُونِ والعَتَهِ وتَخْيِيلاتِ الشَّيْطانِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَجامِعِ الوُجُوهِ الَّتِي لِأجْلِها أنْكَرَ الكُفّارُ رِسالَةَ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَكَمُوا عَلى نُوحٍ بِالضَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أزالَ تَعَجُّبَهم وقالَ: إنَّهُ تَعالى خالِقُ الخَلْقِ، فَلَهُ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ أنْ يَأْمُرَ عَبِيدَهُ بِبَعْضِ الأشْياءِ ويَنْهاهم عَنْ بَعْضِها، ولا يَجُوزَ أنْ يُخاطِبَهم بِتِلْكَ التَّكالِيفِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلى حَدِّ الإلْجاءِ، وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ إيصالُ تِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ بِواسِطَةِ إنْسانٍ، وذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يُبَلِّغُهم تِلْكَ التَّكالِيفَ لِأجْلِ أنْ يُنْذِرَهم ويُحَذِّرَهم، ومَتى أنْذَرَهُمُ اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ، ومَتى اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ …

Al-A'raaf 7:64Listen in Qur'an →
65

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ

And to the 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وهي قِصَّةُ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ.

صفحة ١٢٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (أخاهم) بِقَوْلِهِ: (أرْسَلْنا) في أوَّلِ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا“ .

البَحْثُ الثّانِي: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هُودًا ما كانَ أخًا لَهم في الدِّينِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ أخا قَرابَةٍ قَرِيبَةٍ أمْ لا ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ واحِدًا مِن تِلْكَ القَبِيلَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكَفى هَذا القَدَرُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ الأُخُوَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا إلى عادٍ واحِدًا مِن جِنْسِهِمْ وهو البَشَرُ لِيَكُونَ ألْفُهم والأُنْسُ بِكَلامِهِ وأفْعالِهِ أكْمَلَ، وما بَعَثْنا إلَيْهِمْ شَخْصًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ مِثْلَ مَلِكٍ أوْ جِنِّيٍّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: أخاهم: أيْ صاحِبَهم ورَسُولَهم، والعَرَبُ تُسَمِّي صاحِبَ القَوْمِ أخَ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ صاحِبَتَها وشَبِيهَتَها. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ أخا صُداءٍ قَدْ أذَّنَ، وإنَّما يُقِيمُ مَن أذَّنَ» “ يُرِيدُ صاحِبَهم.

البَحْثُ الرّابِعُ: قالُوا: نَسَبُ هُودٍ هَذا: هُودُ بْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وأمّا عادٌ فَهم قَوْمٌ كانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والأحْقافُ: الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَ عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.

البَحْثُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ القِصَّةِ مُوافِقَةٌ لِلْألْفاظِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في أشْياءَ:

الأوَّلُ: في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وفي قِصَّةِ هُودٍ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْواهم وما كانَ يُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً، وأمّا هُودٌ فَما كانَتْ مُبالَغَتُهُ إلى هَذا الحَدِّ، فَلا جَرَمَ جاءَ ”فاءُ التَّعْقِيبِ“ في كَلامِ نُوحٍ دُونَ كَلامِ هُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَظْهَرْ في العالَمِ مِثْلُ تِلْكَ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ وهي الطُّوفانُ العَظِيمُ، فَلا جَرَمَ أخْبَرَ نُوحٌ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وأمّا واقِعَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِواقِعَةِ نُوحٍ، وكانَ عِنْدَ النّاسِ عِلْمٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ قَرِيبًا، فَلا جَرَمَ …

Al-A'raaf 7:65Listen in Qur'an →
66

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وهي قِصَّةُ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ.

صفحة ١٢٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (أخاهم) بِقَوْلِهِ: (أرْسَلْنا) في أوَّلِ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا“ .

البَحْثُ الثّانِي: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هُودًا ما كانَ أخًا لَهم في الدِّينِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ أخا قَرابَةٍ قَرِيبَةٍ أمْ لا ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ واحِدًا مِن تِلْكَ القَبِيلَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكَفى هَذا القَدَرُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ الأُخُوَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا إلى عادٍ واحِدًا مِن جِنْسِهِمْ وهو البَشَرُ لِيَكُونَ ألْفُهم والأُنْسُ بِكَلامِهِ وأفْعالِهِ أكْمَلَ، وما بَعَثْنا إلَيْهِمْ شَخْصًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ مِثْلَ مَلِكٍ أوْ جِنِّيٍّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: أخاهم: أيْ صاحِبَهم ورَسُولَهم، والعَرَبُ تُسَمِّي صاحِبَ القَوْمِ أخَ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ صاحِبَتَها وشَبِيهَتَها. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ أخا صُداءٍ قَدْ أذَّنَ، وإنَّما يُقِيمُ مَن أذَّنَ» “ يُرِيدُ صاحِبَهم.

البَحْثُ الرّابِعُ: قالُوا: نَسَبُ هُودٍ هَذا: هُودُ بْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وأمّا عادٌ فَهم قَوْمٌ كانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والأحْقافُ: الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَ عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.

البَحْثُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ القِصَّةِ مُوافِقَةٌ لِلْألْفاظِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في أشْياءَ:

الأوَّلُ: في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وفي قِصَّةِ هُودٍ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْواهم وما كانَ يُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً، وأمّا هُودٌ فَما كانَتْ مُبالَغَتُهُ إلى هَذا الحَدِّ، فَلا جَرَمَ جاءَ ”فاءُ التَّعْقِيبِ“ في كَلامِ نُوحٍ دُونَ كَلامِ هُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَظْهَرْ في العالَمِ مِثْلُ تِلْكَ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ وهي الطُّوفانُ العَظِيمُ، فَلا جَرَمَ أخْبَرَ نُوحٌ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وأمّا واقِعَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِواقِعَةِ نُوحٍ، وكانَ عِنْدَ النّاسِ عِلْمٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ قَرِيبًا، فَلا جَرَمَ …

Al-A'raaf 7:66Listen in Qur'an →
67

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Hud] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وهي قِصَّةُ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ.

صفحة ١٢٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (أخاهم) بِقَوْلِهِ: (أرْسَلْنا) في أوَّلِ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا“ .

البَحْثُ الثّانِي: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هُودًا ما كانَ أخًا لَهم في الدِّينِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ أخا قَرابَةٍ قَرِيبَةٍ أمْ لا ؟ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ واحِدًا مِن تِلْكَ القَبِيلَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ فَكَفى هَذا القَدَرُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ الأُخُوَّةِ، والمَعْنى أنّا بَعَثْنا إلى عادٍ واحِدًا مِن جِنْسِهِمْ وهو البَشَرُ لِيَكُونَ ألْفُهم والأُنْسُ بِكَلامِهِ وأفْعالِهِ أكْمَلَ، وما بَعَثْنا إلَيْهِمْ شَخْصًا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمْ مِثْلَ مَلِكٍ أوْ جِنِّيٍّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: أخاهم: أيْ صاحِبَهم ورَسُولَهم، والعَرَبُ تُسَمِّي صاحِبَ القَوْمِ أخَ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ صاحِبَتَها وشَبِيهَتَها. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ أخا صُداءٍ قَدْ أذَّنَ، وإنَّما يُقِيمُ مَن أذَّنَ» “ يُرِيدُ صاحِبَهم.

البَحْثُ الرّابِعُ: قالُوا: نَسَبُ هُودٍ هَذا: هُودُ بْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وأمّا عادٌ فَهم قَوْمٌ كانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: والأحْقافُ: الرَّمْلُ الَّذِي بَيْنَ عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.

البَحْثُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ القِصَّةِ مُوافِقَةٌ لِلْألْفاظِ المَذْكُورَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في أشْياءَ:

الأوَّلُ: في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وفي قِصَّةِ هُودٍ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْواهم وما كانَ يُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً، وأمّا هُودٌ فَما كانَتْ مُبالَغَتُهُ إلى هَذا الحَدِّ، فَلا جَرَمَ جاءَ ”فاءُ التَّعْقِيبِ“ في كَلامِ نُوحٍ دُونَ كَلامِ هُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَظْهَرْ في العالَمِ مِثْلُ تِلْكَ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ وهي الطُّوفانُ العَظِيمُ، فَلا جَرَمَ أخْبَرَ نُوحٌ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وأمّا واقِعَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِواقِعَةِ نُوحٍ، وكانَ عِنْدَ النّاسِ عِلْمٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ قَرِيبًا، فَلا جَرَمَ …

Al-A'raaf 7:67Listen in Qur'an →
68

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

والفَرْقُ الخامِسُ: بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ: ﴿أنْصَحَ لَكُمْ﴾ وهو صِيغَةُ الفِعْلِ، وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ وهو صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ زادَ فِيهِ كَوْنَهُ أمِينًا. والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القاهِرِ النَّحْوِيَّ ذَكَرَ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ أنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ ساعَةً فَساعَةً، وأمّا صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في السَّفاهَةِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّانِي كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] فَلَمّا كانَ مِن عادَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ العَوْدُ إلى تَجْدِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فَقالَ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُثَبَّتًا في تِلْكَ النَّصِيحَةِ مُسْتَقِرًّا فِيها. أمّا لَيْسَ فِيها إعْلامٌ بِأنَّهُ سَيَعُودُ إلى ذِكْرِها حالًا فَحالًا ويَوْمًا فَيَوْمًا، وأمّا الفَرْقُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودًا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا، فالفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلى شَأْنًا وأعْظَمَ مَنصِبًا في النُّبُوَّةِ مِن هُودٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا كانَ يَعْلَمُ مِن أسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ هُودٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمْسَكَ هُودٌ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِمَةِ، واقْتَصَرَ عَلى أنَّ وصْفَ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ أمِينًا، ومَقْصُودٌ مِنهُ أُمُورٌ:

أحَدُها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ .

وثانِيها: أنَّ مَدارَ أمْرِ الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ عَلى الأمانَةِ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا تَقْرِيرًا لِلرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.

وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ لَهم: كُنْتُ قَبْلَ هَذِهِ الدَّعْوى أمِينًا فِيكم، ما وجَدْتُمْ مِنِّي غَدْرًا ولا مَكْرًا ولا كَذِبًا، واعْتَرَفْتُمْ لِي بِكَوْنِي أمِينًا، فَكَيْفَ نَسَبْتُمُونِي الآنَ إلى الكَذِبِ ؟

واعْلَمْ أنَّ الأمِينَ هو الثِّقَةُ، وهو فَعِيلٌ مِن أمِنَ يَأْمَنُ أمْنًا، فَهو آمِنٌ وأمِينٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ فَهو لَمْ يُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالسَّفاهَةِ بَلْ قابَلَها بِالحِلْمِ والإغْضاءِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الِانْتِقامِ أوْلى كَما قالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .

أمّا قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو مَدْحٌ لِلنَّفْسِ بِأعْظَمِ صِفاتِ المَدْحِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلامُ القَوْمِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:68Listen in Qur'an →
69

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allah that you might succeed.

والفَرْقُ الخامِسُ: بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ: ﴿أنْصَحَ لَكُمْ﴾ وهو صِيغَةُ الفِعْلِ، وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ وهو صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ زادَ فِيهِ كَوْنَهُ أمِينًا. والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القاهِرِ النَّحْوِيَّ ذَكَرَ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ أنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ ساعَةً فَساعَةً، وأمّا صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في السَّفاهَةِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّانِي كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] فَلَمّا كانَ مِن عادَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ العَوْدُ إلى تَجْدِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فَقالَ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُثَبَّتًا في تِلْكَ النَّصِيحَةِ مُسْتَقِرًّا فِيها. أمّا لَيْسَ فِيها إعْلامٌ بِأنَّهُ سَيَعُودُ إلى ذِكْرِها حالًا فَحالًا ويَوْمًا فَيَوْمًا، وأمّا الفَرْقُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودًا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا، فالفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلى شَأْنًا وأعْظَمَ مَنصِبًا في النُّبُوَّةِ مِن هُودٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا كانَ يَعْلَمُ مِن أسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ هُودٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمْسَكَ هُودٌ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِمَةِ، واقْتَصَرَ عَلى أنَّ وصْفَ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ أمِينًا، ومَقْصُودٌ مِنهُ أُمُورٌ:

أحَدُها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ .

وثانِيها: أنَّ مَدارَ أمْرِ الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ عَلى الأمانَةِ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا تَقْرِيرًا لِلرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.

وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ لَهم: كُنْتُ قَبْلَ هَذِهِ الدَّعْوى أمِينًا فِيكم، ما وجَدْتُمْ مِنِّي غَدْرًا ولا مَكْرًا ولا كَذِبًا، واعْتَرَفْتُمْ لِي بِكَوْنِي أمِينًا، فَكَيْفَ نَسَبْتُمُونِي الآنَ إلى الكَذِبِ ؟

واعْلَمْ أنَّ الأمِينَ هو الثِّقَةُ، وهو فَعِيلٌ مِن أمِنَ يَأْمَنُ أمْنًا، فَهو آمِنٌ وأمِينٌ بِمَعْنًى واحِدٍ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ فَهو لَمْ يُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالسَّفاهَةِ بَلْ قابَلَها بِالحِلْمِ والإغْضاءِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الِانْتِقامِ أوْلى كَما قالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .

أمّا قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو مَدْحٌ لِلنَّفْسِ بِأعْظَمِ صِفاتِ المَدْحِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلامُ القَوْمِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "Have you come to us that we should worship Allah alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا قَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْأصْنامِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ عَلى الخَلْقِ لِأنَّها جَماداتٌ، والجَمادُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وظاهِرٌ أنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وأنْ لا يَعْبُدُوا شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ، ومَقْصُودُ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ أقْسامِ إنْعامِهِ عَلى العَبِيدِ، هَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرَها. ثُمَّ إنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحُجَّةَ اليَقِينِيَّةَ لَمْ يَكُنْ مِنَ القَوْمِ جَوابٌ عَنْ هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إلّا التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ، فَقالُوا: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ بِالوَعِيدِ، فَلِهَذا المَعْنى قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا اعْتَقَدُوا كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا لَهُ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ والغَرَضُ أنَّهُ إذا لَمْ يَأْتِهِمْ بِذَلِكَ العَذابِ ظَهَرَ لِلْقَوْمِ كَوْنُهُ كاذِبًا، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الوَعْدَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَأخَّرَ، فَلا جَرَمَ اسْتَعْجَلُوهُ عَلى هَذا الحَدِّ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ عِنْدَ هَذا الكَلامِ: ﴿قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو العَذابَ؛ لِأنَّ العَذابَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ القاضِي: تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا ظاهِرٌ، إلّا أنّا نَقُولُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أحْدَثَ إرادَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا أنَّ بَعْدَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ حَدَثَتْ هَذِهِ الإرادَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَنا باطِلٌ، بَلْ عِنْدَنا في الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْوِيلاتِ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنُزُولِ

صفحة ١٣٠

العَذابِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا حَدَثَ الإعْلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا جَرَمَ قالَ هُودٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ: ﴿وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ جَعَلَ التَّوَقُّعَ الَّذِي لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِمَن طَلَبَ مِنكَ شَيْئًا: قَدْ كانَ ذَلِكَ؛ …

Al-A'raaf 7:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.