Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ اعْتِراضٌ حُكِيَ بِهِ كَلامٌ يُعْلَنُ بِهِ، مِن جانِبٍ اللَّهِ تَعالى، يَسْمَعُهُ الفَرِيقانِ. وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الكَلامِ هو القَرِينَةُ عَلى اخْتِلافِ المُتَكَلِّمِ، وهَذا الألْيَقُ بِما رَجَّحْناهُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةً لِكَلامِ أصْحابِ الجَنَّةِ.

والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ الآيَةَ. وهَذا العَطْفُ بِالفاءِ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى بِعَطْفِ التَّلْقِينِ المُمَثَّلِ لَهُ غالِبًا بِمَعْطُوفٍ بِالواوِ فَهو عَطْفُ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى كَلامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ اللَّهُ فاليَوْمَ نَنْساهم، فَحَذَفَ فِعْلَ القَوْلِ، وهَذا تَصْدِيقٌ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، ومَن جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ الفاءُ عِنْدَهم تَفْرِيعًا في كَلامٍ واحِدٍ.

والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإهْمالِ والتَّرْكِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ النِّسْيانِ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا ناسِينَ لِقاءَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقَدْ كانُوا يَذْكُرُونَهُ ويَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ حَدِيثَ مَن لا يُصَدِّقُ بِوُقُوعِهِ.

وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ: نَنْساهم لِإظْهارِ أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الرَّحْمَةِ كانَ مِن أشَدِّ أوْقاتِ احْتِياجِهِمْ إلَيْها، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ أثَرٌ في إثارَةِ تَحَسُّرِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وذَلِكَ عَذابٌ نَفْسانِيٌّ.

صفحة ١٥١

ودَلَّ مَعْنى كافِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿كَما نَسُوا﴾ عَلى أنَّ حِرْمانَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كانَ مُماثِلًا لِإهْمالِهِمُ التَّصْدِيقَ بِاللِّقاءِ، وهي مُماثَلَةُ جَزاءِ العَمَلِ لِلْعَمَلِ، وهي مُماثَلَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ الكافَ في مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وإنَّما التَّعْلِيلُ مَعْنًى يَتَوَلَّدُ مِنِ اسْتِعْمالِ الكافِ في التَّشْبِيهِ الِاعْتِبارِيِّ، ولَيْسَ هَذا التَّشْبِيهُ بِمَجازٍ، ولَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ خَفِيَّةٌ لِخَفاءِ وجْهِ الشَّبَهِ.

وقَوْلُهُ ﴿كَما نَسُوا﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَنْساهم أيْ نِسْيانًا كَما نَسُوا.

وما في: ﴿كَما نَسُوا﴾ وفي ﴿وما كانُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ أيْ كَنِسْيانِهِمُ اللِّقاءَ وكَجَحْدِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. ومَعْنى جَحْدِ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الواوُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عاطِفَةٌ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والغَرَضِ عَلى الغَرَضِ، فَهو كَلامٌ أنِفٌ انْتُقِلَ بِهِ مِن غَرَضِ الخَبَرِ عَنْ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ إلى غَرَضِ وصْفِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا، المُسْتَوْجِبِينَ بِها لِما سَيُلاقُونَهُ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الكَلامِ الَّذِي عَقَّبَ اللَّهُ بِهِ كَلامَ أصْحابِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١] لِأنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] إلَخْ، يَقْتَضِي أنَّهُ حَدِيثٌ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ في الدُّنْيا، فَضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ: جِئْناهم عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ١٧٧] في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] الآيَةَ.

والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ.

صفحة ١٥٢

والباءُ في قَوْلِهِ بِكِتابٍ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ جِئْناهم، مِثْلُ الباءِ في قَوْلِهِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] فَمَعْناهُ: أجَأْناهم كِتابًا، أيْ جَعَلْناهُ جاءِيًا إيّاهم، فَيَئُولُ إلى مَعْنى أبْلَغْناهم إيّاهُ وأرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ.

وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ إمّا بِاعْتِبارِ صِفَةِ كِتابٍ، وهي جُمْلَةُ ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً﴾ فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأوْصافِ، وإمّا تَأْكِيدٌ لِفِعْلِ جِئْناهم بِكِتابٍ، وهو بُلُوغُ الكِتابِ إلَيْهِمْ فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ خارِجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، بِتَنْزِيلِ المُبَلَّغِ إلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ بُلُوغَ الكِتابِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في شَأْنِهِ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الكِتابُ، وقَدْ يُناسِبُ هَذا الِاعْتِبارُ ظاهِرَ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] .

وتَنْكِيرُ كِتابٍ، وهو مَعْرُوفٌ، قُصِدَ بِهِ تَعْظِيمُ الكِتابِ، أوْ قُصِدَ بِهِ النَّوْعِيَّةُ، أيْ ما هو إلّا كِتابٌ كالكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن قَبْلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وفَصَّلْناهُ أيْ بَيَّناهُ أيْ بَيَّنّا ما فِيهِ، والتَّفْصِيلُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و﴿عَلى عِلْمٍ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ فَصَّلْناهُ، أيْ حالَ كَوْنِنا عَلى عِلْمٍ، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، تَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ مِن مَجْرُورِها، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. ومَعْنى هَذا التَّمَكُّنِ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى ذاتِيٌّ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ.

وتَنْكِيرُ عِلْمٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عالِمِينَ أعْظَمَ العِلْمِ، والعَظَمَةُ هُنا راجِعَةٌ إلى كَمالِ الجِنْسِ في حَقِيقَتِهِ، وأعْظَمُ العِلْمِ هو العِلْمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الخَطَأ

صفحة ١٥٣

ولا الخَفاءَ أيْ عالِمِينَ عِلْمًا …

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ: فَماذا يُؤَخِّرُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَذا الكِتابِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ؟ وهَلْ أعْظَمُ مِنهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ؟ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ كالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، الَّذِي يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.

ومَعْنى يَنْظُرُونَ يَنْتَظِرُونَ مِنَ النَّظْرَةِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأشْياءِ المُنْتَظَراتِ، والمُرادُ المُنْتَظَراتُ مِن هَذا النَّوْعِ وهو الآياتُ، أيْ

صفحة ١٥٤

ما يَنْتَظِرُونَ آيَةً أعْظَمَ إلّا تَأْوِيلَ الكِتابِ، أيْ إلّا ظُهُورَ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، وإطْلاقُ الِانْتِظارِ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ: شَبَّهُ حالَ تَمَهُّلِهِمْ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ ما أوْعَدَهم بِهِ القُرْآنُ بِحالِ المُنْتَظِرِينَ، وهم لَيْسُوا بِمُنْتَظِرِينَ ذَلِكَ إذْ هم جاحِدُونَ وُقُوعَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] والِاسْتِثْناءُ عَلى حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِأنَّ المَجازَ في فِعْلِ يَنْظُرُونَ فَقَطْ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أغْراضِ نِسْيانِهِمْ وجُحُودِهِمْ بِالآياتِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّأْوِيلُ تَوْضِيحُ وتَفْسِيرُ ما خَفِيَ، مِن مَقْصِدِ كَلامٍ أوْ فِعْلٍ وتَحْقِيقُهُ. قالَ تَعالى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقالَ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُهُ ومَعْناهُ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وضَمِيرُ تَأْوِيلِهِ عائِدٌ إلى (كِتابٍ) مِن قَوْلِهِ ولَقَدْ ﴿جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] .

وتَأْوِيلُهُ وُضُوحُ مَعْنى ما عَدُّوهُ مُحالًا وكَذِبًا، مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ورِسالَةِ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّةِ الإلَهِ والعِقابِ، فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ما جاءَ بِهِ الكِتابُ أيْ تَحْقِيقُهُ ووُضُوحُهُ بِالمُشاهَدَةِ، وما بَعْدَ العَيانِ بَيانٌ.

وقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ﴾ إلَخْ، فَلِذَلِكَ فَصَّلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ لِلْمُرادِ مِن تَأْوِيلِهِ، وهو التَّأْوِيلُ الَّذِي سَيَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، بِدَلِيلِ تَعَلُّقِهِ بُقُولِهِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا …

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ‌ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾

جاءَتْ أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَناسِبَةً مُتَماسِكَةً. فَإنَّها ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ القُرْآنِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ ونَبْذِ ما يَصُدُّ عَنْهُ وهو اتِّباعُ الشِّرْكِ، ثُمَّ التَّذْكِيرِ بِالأُمَمِ الَّتِي أعْرَضَتْ عَنْ طاعَةِ رُسُلِ اللَّهِ. ثُمَّ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، والِامْتِنانِ بِخَلْقِ الأرْضِ والتَّمْكِينِ مِنها، وبِخَلْقِ أصْلِ البَشَرِ وخَلْقِهِمْ، وخَلَّلَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِأصْلِ البَشَرِ ولِلْبَشَرِ في قَوْلِهِ لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى التَّنْدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ فِيما اتَّبَعُوا فِيهِ تَسْوِيلَ الشَّيْطانِ مِن قَوْلِهِ وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً، ثُمَّ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى البَشَرِ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] الآيَةَ.

صفحة ١٥٩

وبِأنَّ المُشْرِكِينَ ظَلَمُوا بِنَكْثِ العَهْدِ بِقَوْلِهِ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ وتَوَعَّدَهم وذَكَّرَهم أحْوالَ أهْلِ الآخِرَةِ، وعَقِبُ ذَلِكَ عادَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ وأنْهاهُ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

فَلا جَرَمَ تَهَيَّأتِ الأسْماعُ والقُلُوبُ لِتَلَقِّي الحُجَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ، وأنَّ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ ضَلالٌ وباطِلٌ، ثُمَّ لِبَيانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ومَجْدِهِ فَلِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ بِجُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) الآيَةَ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عادَ بِهِ التَّذْكِيرُ إلى صَدْرِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، فَكانَ ما في صَدْرِ السُّورَةِ بِمَنزِلَةِ المَطْلُوبِ المَنطِقِيِّ، وكانَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ البُرْهانِ، وكانَ قَوْلُهُ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِلْبُرْهانِ، والنَّتِيجَةُ مُساوِيَةٌ لِلْمَطْلُوبِ إلّا أنَّها تُؤْخَذُ أوْضَحَ وأشَدَّ تَفْصِيلًا.

فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً، ولِذَلِكَ كانَ لِلتَّأْكِيدِ بِحَرْفِ إنَّ مَوْقِعُهُ لِرَدِّ إنْكارِ المُشْرِكِينَ انْفِرادَ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وإذْ كانَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ يَزِيدُ المُسْلِمِينَ بَصِيرَةً بِعِظَمِ مَجْدِ اللَّهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ، ويَزِيدُهم ذِكْرى بِدَلائِلِ قُدْرَتِهِ، كانَ الخِطابُ صالِحًا لِتَناوُلِ المُسْلِمِينَ، لِصَلاحِيَةِ ضَمِيرِ الخِطابِ لِذَلِكَ، ولا يَكُونُ حَرْفُ إنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ سُدًى، لِأنَّهُ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِالخَبَرِ، لِأنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْفَرِيقَيْنِ، ولِأنَّ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ما هو بِالمُؤْمِنِينَ أعْلَقُ مِثْلُ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وقَوْلِهِ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ وبَعْضُهُ بِالكافِرِينَ أنْسَبُ مِثْلُ قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ.

وقَدْ جُعِلَ المُخْبَرُ عَنْهُ الرَّبَّ، والخَبَرُ اسْمَ الجَلالَةِ: لِأنَّ المَعْنى أنَّ الرَّبَّ لَكُمُ المَعْلُومُ عِنْدَكم هو الَّذِي اسْمُهُ الدّالُّ عَلى ذاتِهِ: اللَّهُ، لا غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ

صفحة ١٦٠

لَهُ هَذا الِاسْمُ، …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِذِكْرِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى تَكْوِينِ أشْياءَ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ في تَكْوِينِها، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ

صفحة ١٧١

جُمْلَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وجُمْلَةِ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ جَرى هَذا الِاعْتِراضُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ تَهَيُّؤِ القُلُوبِ لِلذِّكْرى. والخِطابُ بِـ ادْعُوا خاصٌّ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ لِأدَبِ دُعاءِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ولَيْسَ المُشْرِكُونَ بِمُتَهَيِّئِينَ لِمِثْلِ هَذا الخِطابِ، وهو تَقْرِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإدْناءٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى رِضى اللَّهِ عَنْهم ومَحَبَّتِهِ، وشاهِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

والدُّعاءُ حَقِيقَتُهُ النِّداءُ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى النِّداءِ لِطَلَبٍ مُهِمٍّ، واسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِبادَةِ لِاشْتِمالِها عَلى الدُّعاءِ والطَّلَبِ بِالقَوْلِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، كَما في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، مَعَ مُقارَنَتِهِما لِلْأقْوالِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ هُنا الطَّلَبُ والتَّوَجُّهُ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ وأفْرَدُوهُ بِالعِبادَةِ، وإنَّما المُهِمُّ إشْعارُهم بِالقُرْبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ وإدْناءِ مَقامِهِمْ مِنها.

وجِيءَ لِتَعْرِيفِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ ضَمِيرِ الغائِبِ، مَعَ وُجُودِ مُعادٍ قَرِيبٍ في قَوْلِهِ تَبارَكَ اللَّهُ ودُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِأنَّ في لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارًا بِتَقْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بِصِلَةِ المَرْبُوبِيَّةِ، ولِيَتَوَسَّلَ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إلى تَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وعِنايَةِ الرَّبِّ بِهِمْ كَقَوْلِهِ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم.

والتَّضَرُّعُ: إظْهارُ التَّذَلُّلِ بِهَيْئَةٍ خاصَّةٍ، ويُطْلَقُ التَّضَرُّعُ عَلى الجَهْرِ بِالدُّعاءِ لِأنَّ الجَهْرَ مِن هَيْئَةِ التَّضَرُّعِ، لِأنَّهُ تَذَلُّلٌ جَهْرِيٌّ، وقَدْ فُسِّرَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً بِالجَهْرِ بِالدُّعاءِ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِمُقابَلَتِهِ بِالخُفْيَةِ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُهُ وفْقًا لِأُسْلُوبِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا وتَكُونُ، الواوُ لِلتَّقْسِيمِ بِمَنزِلَةِ أوْ وقَدْ قالُوا: إنَّها فِيهِ أجْوَدُ مِن أوْ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أبْقى التَّضَرُّعَ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو التَّذَلُّلُ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الحالِ، أيْ مُتَذَلِّلِينَ،

صفحة ١٧٢

أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ ادْعُوا، لِأنَّ التَّذَلُّلَ بَعْضٌ أحْوالِ الدُّعاءِ فَكَأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ (وخُفْيَةً) مَأْمُورًا بِهِ مَقْصُورًا بِذاتِهِ، أيِ ادْعُوهُ مُخْفِينَ دُعاءَكم، حَتّى أوْهَمَ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الإعْلانَ بِالدُّعاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ أوْ غَيْرُ مَثُوبٍ عَلَيْهِ، وهَذا خَطَأٌ: فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا عَلَنًا غَيْرَ مَرَّةٍ. وعَلى المِنبَرِ بِمَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ وقالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنا» . وقالَ: «اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا» . وقالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» . الحَدِيثَ. وما رُوِيَتْ أدْعِيَتُهُ إلّا لِأنَّهُ جَهَرَ بِها يَسْمَعُها مَن رَواها، فالصَّوابُ أنَّ قَوْلَهُ تَضَرُّعًا إذْنٌ بِالدُّعاءِ بِالجَهْرِ والإخْفاءِ، وأمّا ما ورَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ عُطِفَ النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ عَطْفًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، فَإنَّ الكَلامَ لَمّا أنْبَأ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ بِالمُسْلِمِينَ وتَقْرِيبِهِ إيّاهم إذْ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوَهُ وشَرَّفَهم بِذَلِكَ العُنْوانِ العَظِيمِ في قَوْلِهِ (رَبُّكم)، وعَرَّضَ لَهم بِمَحَبَّتِهِ إيّاهم دُونَ أعْدائِهِمُ المُعْتَدِينَ، أعْقَبَهُ بِما يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإدْلالِ عَلى اللَّهِ بِالِاسْتِرْسالِ فِيما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ شَهَواتُهم مِن ثَوَرانِ القُوَّتَيْنِ الشَّهْوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَإنَّهُما تَجْنِيانِ فَسادًا في الغالِبِ، فَذَكَّرَهم بِتَرْكِ الإفْسادِ لِيَكُونَ صَلاحُهم مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يُخالِطَهُ فَسادٌ، فَإنَّهم إنْ أفْسَدُوا في الأرْضِ أفْسَدُوا مَخْلُوقاتٍ كَثِيرَةً وأفْسَدُوا أنْفُسَهم في ضِمْنِ ذَلِكَ الإفْسادِ، فَأشْبَهَ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ، وكَذَلِكَ دَأْبُ القُرْآنِ أنْ يُعَقِّبَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ، وبِالعَكْسِ، لِئَلّا يَقَعَ النّاسُ في اليَأْسِ أوِ الأمْنِ.

والِاهْتِمامُ بِدَرْءِ الفَسادِ كانَ مَقامًا هُنا مُقْتَضِيًا التَّعْجِيلَ بِهَذا النَّهْيِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ الأمْرِ بِالدُّعاءِ.

صفحة ١٧٤

وفِي إيقاعِ هَذا النَّهْيِ عَقِبَ قَوْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُعْتَدِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وإرْباءٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ مُشابِهَتِهِمْ، أيْ لا يَلِيقُ بِكم وأنْتُمُ المُقَرَّبُونَ مِن رَبِّكم، المَأْذُونُ لَكم بِدُعائِهِ، أنْ تَكُونُوا مِثْلَ المُبْعَدِينَ مِنهُ المُبْغَضِينَ.

والإفْسادُ في الأرْضِ والإصْلاحُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنّا هُنالِكَ أُصُولَ الفَسادِ وحَقائِقَ الإصْلاحِ، ومَرَّ هُنالِكَ القَوْلُ في حَذْفِ مَفْعُولِ تُفْسِدُوا مِمّا هو نَظِيرُ ما هُنا.

والأرْضُ هُنا هي الجِسْمُ الكُرَوِيُّ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدُّنْيا.

والإفْسادُ في كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ هو إفْسادٌ لِمَجْمُوعِ الأرْضِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الإفْسادِ مُؤَدِّيًا إلى صَلاحٍ أعْظَمَ مِمّا جَرَّهُ الإفْسادُ مِنَ المَضَرَّةِ، فَيَتَرَجَّحُ الإفْسادُ إذا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ صَلاحٍ ضَرُورِيٍّ إلّا بِهِ، فَقَدْ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، ونَهى أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُ عَنْ قَطْعِ شَجَرِ العَدُوِّ، لِاخْتِلافِ الأحْوالِ.

والبَعْدِيَّةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ إصْلاحِها بَعْدِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لِأنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها عَلى صَلاحٍ قالَ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها عَلى نِظامٍ صالِحٍ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، وبِخاصَّةٍ الإنْسانُ الَّذِي هو أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلى الأرْضِ، وخَلَقَ لَهُ ما في الأرْضِ، وعَزَّزَ ذَلِكَ النِّظامَ بِقَوانِينَ وضْعَها اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ والصّالِحِينَ والحُكَماءِ مِن عِبادِهِ، الَّذِينَ أيَّدَهم بِالوَحْيِ والخِطابِ الإلَهِيِّ، أوْ بِالإلْهامِ والتَّوْفِيقِ والحِكْمَةِ، فَعَلَّمُوا النّاسَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ ما في الأرْضِ عَلى نِظامٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفاعُ بِنَفْعِ النّافِعِ وإزالَةِ ما في النّافِعِ مِنَ الضُّرِّ وتَجَنُّبِ ضُرِّ الضّارِّ، فَذَلِكَ النِّظامُ الأصْلِيُّ، والقانُونُ المُعَزِّزُ لَهُ، كِلاهُما

صفحة ١٧٥

إصْلاحٌ في الأرْضِ، لِأنَّ …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

صفحة ١٧٨

﴿وهْوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾

جُمْلَةُ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وقَدْ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ آخِرِ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُعْتَرَضِ بَيْنَها وبَيْنَ ما عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قُرْبَ رَحْمَتِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ ذَكَرَ بَعْضًا مِن رَحْمَتِهِ العامَّةِ وهو المَطَرُ. فَذِكْرُ إرْسالِ الرِّياحِ هو المَقْصُودُ الأهَمُّ لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ، ولِذَلِكَ جَعَلْناهُ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أوْ عَلى جُمْلَةِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ. وذِكْرُ بَعْضِ الأحْوالِ المُقارَنَةِ لِإرْسالِ الرِّياحِ يَحْصُلُ مِنهُ إدْماجُ الِامْتِنانِ في الِاسْتِدْلالِ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ الرِّياحَ لا تُرْسَلُ إلّا لِلتَّبْشِيرِ بِالمَطَرِ، ولا أنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ إلّا عَقِبَ إرْسالِ الرِّياحِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ حَوادِثِ الجَوِّ، وإذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي انْحِصارَ المُلازَمَةِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِإغْداقِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ ونِذارَةِ المُشْرِكِينَ بِالقَحْطِ والجُوعِ كَقَوْلِهِ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا وقَوْلِهِ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ.

وأُطْلِقَ الإرْسالُ عَلى الِانْتِقالِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، فَإرْسالُ الرِّياحِ هُبُوبُها مِنَ المَكانِ الَّذِي تَهُبُّ فِيهِ ووُصُولُها، وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ أنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ إلى المَكانِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ هُبُوبَها فِيهِ فَشُبِّهَتْ بِالعاقِلِ المُرْسَلِ إلى جِهَةٍ ما، ومِن بَدائِعِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الرِّيحَ لا تُفارِقُ كُرَةَ الهَواءِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَتَصْرِيفُ الرِّياحِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أشْبَهُ بِالإرْسالِ مِنهُ بِالإيجادِ.

صفحة ١٧٩

والرِّياحُ: جَمْعُ رِيحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّياحَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: الرِّيحَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، فَهو مُساوٍ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن قَرَأ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقِراءَتُهُ أسْعَدُ، لِأنَّ الرِّياحَ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ وأرْسَلْنا الرِّياحَ لِواقِحَ وأكْثَرُ ذِكْرِ الرِّيحِ المُفْرَدَةِ أنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً بِالعَذابِ كَقَوْلِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ونَحْوَ ذَلِكَ. ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَتَقْيِيدُها بِالنَّشْرِ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ أيِ الإيهامَ. والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَدْ يُرادُ بِهِ تَعَدُّدُ المَهابِّ أوْ حُصُولُ الفَتَراتِ في الهُبُوبِ، وأنَّ الإفْرادَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّها مَدْفُوعَةٌ دُفْعَةً واحِدَةً قَوِيَّةً لا فَتْرَةَ بَيْنَ هَبّاتِها.

وقَوْلُهُ ”نُشُرًا“ قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وهو فَعُولٌ …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ إذْ قَدْ بَيَّنَ فِيها اخْتِلافَ حالِ البَلَدِ الَّذِي يُصِيبُهُ ماءُ السَّحابِ، دَعا إلى هَذا التَّفْصِيلِ أنَّهُ لَمّا مُثِّلَ إخْراجُ ثَمَراتِ الأرْضِ بِإخْراجِ المَوْتى مِنها يَوْمَ البَعْثِ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإبْطالًا لِإحالَةِ البَعْثِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ، مُثِّلَ هُنا بِاخْتِلافِ حالِ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ اخْتِلافُ حالِ النّاسِ الأحْياءِ في الِانْتِفاعِ بِرَحْمَةِ هُدى اللَّهِ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى ولِذَلِكَ ذُيِّلَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ كَما ذُيِّلَ ما قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .

والمَعْنى: كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وكَذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِرَحْمَةِ الهَدْيِ مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ طَيِّبَةً قابِلَةً لِلْهُدى كالبَلَدِ الطَّيِّبِ يَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ، ويَحْرُمُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالهُدى مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ خَبِيثَةً كالأرْضِ الخَبِيثَةِ لا تَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ فَلا تُنْبِتُ نَباتًا نافِعًا، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ التَّمْثِيلُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْصِيلِ أحْوالِ الأرْضِ بَعْدَ نُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ

صفحة ١٨٥

يَجْمَعُ أمْرَيْنِ: العِبْرَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، والمَوْعِظَةَ بِما يُماثِلُ أحْوالَهُ. فالمَعْنى: كَما أنَّ البَلَدَ الطَّيِّبَ يَخْرُجُ نَباتُهُ سَرِيعًا بَهِجًا عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ، والبَلَدَ الخَبِيثَ لا يَكادُ يُنْبِتُ فَإنْ أنْبَتَ أخْرَجَ نَبْتًا خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ.

والطَّيِّبُ وصْفٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ وهي صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ في المَوْصُوفِ مِثْلُ: قَيِّمٍ، وهو المُتَّصِفُ بِالطَّيِّبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطَّيِّبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والبَلَدُ الطَّيِّبُ الأرْضُ المَوْصُوفَةُ بِالطَّيِّبِ، وطِيبُها زَكاءُ تُرْبَتِها ومُلاءَمَتُها لِإخْراجِ النَّباتِ الصّالِحِ ولِلزَّرْعِ والغَرْسِ وهي الأرْضُ النَّقِيَّةُ.

والَّذِي خَبُثَ ضِدَّ الطِّيبِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَباتِهِ. والإذْنُ: الأمْرُ، والمُرادُ بِهِ أمْرُ العِنايَةِ بِهِ كَقَوْلِهِ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لِيَدُلَّ عَلى تَشْرِيفِ ذَلِكَ النَّباتِ، فَهو في مَعْنى الوَصْفِ بِالزَّكاءِ، والمَعْنى: البَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ طَيِّبًا زَكِيًّا مِثْلَهُ، وقَدْ أشارَ إلى طِيبِ نَباتِهِ بِأنَّ خُرُوجَهُ بِإذْنِ رَبِّهِ، فَأُرِيدُ بِهَذا الإذْنِ إذْنٌ خاصٌّ هو إذْنُ عِنايَةٍ وتَكْرِيمٍ، ولَيْسَ المُرادُ إذْنَ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ فَإنَّ ذَلِكَ إذْنٌ مَعْرُوفٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِبَيانِهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ.

﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ حَمَلَهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْبَلَدِ، أيِ البَلَدُ الَّذِي خَبُثَ وهو مُقابِلُ البَلَدِ الطَّيِّبِ، وفَسَّرُوهُ بِالأرْضِ الَّتِي لا تُنْبِتُ …

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتَقَلَ بِهِ الغَرَضُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ والمِنَّةِ المُبْتَدِئَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠]، وتَنْبِيهِ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم غارِقُونَ في كَيْدِ الشَّيْطانِ، الَّذِي هو عَدُوُّ نَوْعِهِمْ، مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ثُمَّ بِالتَّهْدِيدِ بِوَصْفِ عَذابِ الآخِرَةِ وأحْوالِ النّاسِ فِيهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأمْثالِ والتَّعْرِيضِ؛ إلى غَرَضِ الِاعْتِبارِ والمَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ، وقَدْ أُفِيضَ القَوْلُ فِيهِ في مُعْظَمِ السُّورَةِ وتَتْبَعُ هَذا الِاعْتِبارَ أغْراضٌ أُخْرى: وهي تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ، وتَعْلِيمُ أُمَّتِهِ بِتارِيخِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، لِيَعْلَمَ المُكَذِّبُونَ مِنَ العَرَبِ أنْ لا غَضاضَةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ولا عَلى رِسالَتِهِ مِن تَكْذِيبِهِمْ، ولا يَجْعَلُهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، بَلْهَ أنْ يُؤَيِّدَ زَعْمَهم أنَّهُ لَوْ كانَ صادِقًا في رِسالَتِهِ لَأيَّدَهُ اللَّهُ بِعِقابِ مُكَذِّبِيهِ لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوِ الحِجاجِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . ولِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم أنَّ ما لَقِيَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قَوْمِهِ هو شِنْشِنَةُ أهْلِ الشَّقاوَةِ تِلْقاءَ دَعْوَةِ رُسُلِ اللَّهِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الأخْبارِ

صفحة ١٨٨

تَنْظِيرُ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها بِحالِ مُشْرِكِي العَرَبِ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وكَثُرَ في الكَلامِ اقْتِرانُ جُمْلَةِ جَوابِ القِسْمِ: بِـ قَدْ لِأنَّ القَسَمَ يُهَيِّئُ نَفْسَ السّامِعِ لِتَوَقُّعِ خَبَرٍ مُهِمٍّ فَيُؤْتى بِقَدْ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ أمْرٍ مُتَوَقَّعٍ، كَما أثْبَتَهُ الخَلِيلُ والزَّمَخْشَرِيُّ، والتَّوَقُّعُ قَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْمُخْبَرِ بِهِ، وقَدْ يَكُونُ تَوَقُّعًا لِلْخَبَرِ كَما هُنا.

وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِنُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ يَسْكُنُونَ الجَزِيرَةَ والعِراقَ - حَسَبَ ظَنِّ المُؤَرِّخِينَ - وعَبَّرَ عَنْهُمُ القُرْآنُ بِطَرِيقِ القَوْمِيَّةِ المُضافَةِ إلى نُوحٍ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ مِن أسْماءِ الأُمَمِ يُعْرَفُونَ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ هُنا لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ.

وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ عَلى جُمْلَةِ أرْسَلْنا بِالفاءِ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ مِنهُ بِفَوْرِ إرْسالِهِ، فَهي مَضْمُونُ ما أُرْسِلَ بِهِ.

وخاطَبَ نُوحٌ قَوْمَهُ كُلَّهم لِأنَّ الدَّعْوَةَ لا تَكُونُ إلّا عامَّةً لَهم، وعَبَّرَ في نِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِآصِرَةِ القَرابَةِ، لِيَتَحَقَّقُوا أنَّهُ ناصِحٌ ومُرِيدٌ خَيْرَهم ومُشْفِقٌ عَلَيْهِمْ، وأضافَ ”القَوْمَ“ إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّحْبِيبِ والتَّرْقِيقِ لِاسْتِجْلابِ …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ في المُحاوَراتِ، واقْتَرَنَ جَوابُهم بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم حَقَّقُوا وأكَّدُوا اعْتِقادَهم أنَّ نُوحًا مُنْغَمِسٌ في الضَّلالَةِ. المَلَأُ مَهْمُوزٌ بِغَيْرِ مَدٍّ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ ورَأْيُهم واحِدٌ لِأنَّهم يُمالِئُ بَعْضُهم بَعْضًا، أيْ يُعاوِنُهُ ويُوافِقُهُ، ويُطْلَقُ المَلَأُ عَلى أشْرافِ القَوْمِ وقادَتِهِمْ لِأنَّ شَأْنَهم أنْ يَكُونَ رَأْيُهم واحِدًا عَنْ تَشاوُرٍ، وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَرِينَةِ (مِن) الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ أيْ أنَّ قادَةَ القَوْمِ هُمُ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِمُجادَلَةِ نُوحٍ والمُناضَلَةِ عَنْ دِينِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ خاطَبَ جَمِيعَهم، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، أيْ إنّا لَنُوقِنُ أنَّكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ولَمْ يُوصَفِ المَلَأُ هُنا بِالَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كَما وُصِفَ المَلَأُ في قِصَّةِ هُودٍ بِالَّذِينَ

صفحة ١٩١

كَفَرُوا اسْتِغْناءً بِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّهم كَذَّبُوا وكَفَرُوا.

وظَرْفِيَّةُ في ضَلالٍ مَجازِيَّةٌ تَعْبِيرًا عَنْ تَمَكُّنِ وصْفِ الضَّلالِ مِنهُ حَتّى كَأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ مِن جَوانِبِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.

والضَّلالُ اسْمُ مَصْدَرِ ضَلَّ إذا أخْطَأ الطَّرِيقَ المُوصِلَ، والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُرادِفِ بانَ، وذَلِكَ هو الضَّلالُ البالِغُ الغايَةَ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ مِنهم، فَإنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ الحَقَّ هو ما هم عَلَيْهِ، فَلا عَجَبَ إذا جَعَلُوا ما بَعُدَ عَنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا ضَلالًا بَيِّنًا لِأنَّهُ خالَفَهم، وجاءَ بِما يَعُدُّونَهُ مِنَ المُحالِ، إذْ نَفى الإلَهِيَّةَ عَنْ آلِهَتِهِمْ، فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ، وأثْبَتَها لِلَّهِ وحْدَهُ، فَإنْ كانُوا وثَنِيِّينَ فَهَذِهِ مُخالَفَةٌ أُخْرى، وتَوَعَّدَهم بِعَذابٍ عَلى ذَلِكَ وهَذِهِ مُخالَفَةٌ أيْضًا، وإنْ كانَ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ فَقَدْ أخْبَرَهم بِأمْرٍ مُحالٍ عِنْدَهم وهو البَعْثُ، فَهي مُخالِفَةٌ أُخْرى، فَضَلالُهُ عِنْدَهم مُبِينٌ، وقَدْ يَتَفاوَتُ ظُهُورُهُ، وادَّعى أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ وهَذا في زَعْمِهِمْ تَعَمُّدُ كَذِبٍ وسَفاهَةُ عَقْلٍ وادِّعاءُ مُحالٍ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] - وقَوْلِهِ هُنا - ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] الآيَةَ.

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.