Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَقُولُهُ أهْلُ النّارِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ بِفَرَجٍ بَعْدَ اليَأْسِ. فَقالُوا: يا رَبِّ إنَّ لَنا قَراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَأمَرَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَتَزَحْزَحَتْ، ثُمَّ نَظَرَ أهْلُ جَهَنَّمَ إلى قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ وما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم، ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، وقَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ، فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وقالُوا: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ وإنَّما طَلَبُوا الماءَ خاصَّةً لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ الِاحْتِراقِ واللَّهِيبِ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرِّ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أفِيضُوا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا مِن أهْلِ النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: أسَألُوا مَعَ الرَّجاءِ والجَوازِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟

قُلْنا: ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا الماءَ مَعَ جَوازِ الحُصُولِ. وقالَ القاضِي: بَلْ مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْهم، ولَكِنَّ الآيِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغِيثُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ الثِّمارُ، وقِيلَ: إنَّهُ الطَّعامُ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَطَشِ الشَّدِيدِ، والجُوعِ الشَّدِيدِ لَهم، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعَ حَتّى يَزْدادَ عَذابُهم، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصَّةٍ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ الشَّرابَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمُ الحَمِيمُ والصَّدِيدُ بِكَلالِيبِ

صفحة ٧٧

الحَدِيدِ فَيَقْطَعُ ما في بُطُونِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ إلى أهْلِ الجَنَّةِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ، ويَقُولُونَ لِمالِكٍ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجِيبُهم عَلى ما قِيلَ بَعْدَ ألْفِ عامٍ، ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٧] فَيُجِيبُهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، ويَأْخُذُونَ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ ذَكَرَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ جُمُعَةٍ، ولِمَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ألْفُ بابٍ، فَإذا رَأوُا اللَّهَ تَعالى، دَخَلَ مِن كُلِّ بابٍ مَلَكٌ مَعَهُ الهَدايا الشَّرِيفَةُ وقالَ: إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ خَشَبُها الزُّمُرُّدُ، وتُرابُها الذَّهَبُ الأحْمَرُ، وسَعَفُها حُلَلٌ وكِسْوَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ، وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أوِ الدِّلاءِ، أشَدُّ بَياضًا …

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَقُولُهُ أهْلُ النّارِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ بِفَرَجٍ بَعْدَ اليَأْسِ. فَقالُوا: يا رَبِّ إنَّ لَنا قَراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَأمَرَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَتَزَحْزَحَتْ، ثُمَّ نَظَرَ أهْلُ جَهَنَّمَ إلى قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ وما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم، ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، وقَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ، فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وقالُوا: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ وإنَّما طَلَبُوا الماءَ خاصَّةً لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ الِاحْتِراقِ واللَّهِيبِ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرِّ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أفِيضُوا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا مِن أهْلِ النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: أسَألُوا مَعَ الرَّجاءِ والجَوازِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟

قُلْنا: ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا الماءَ مَعَ جَوازِ الحُصُولِ. وقالَ القاضِي: بَلْ مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْهم، ولَكِنَّ الآيِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغِيثُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ الثِّمارُ، وقِيلَ: إنَّهُ الطَّعامُ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَطَشِ الشَّدِيدِ، والجُوعِ الشَّدِيدِ لَهم، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعَ حَتّى يَزْدادَ عَذابُهم، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصَّةٍ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ الشَّرابَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمُ الحَمِيمُ والصَّدِيدُ بِكَلالِيبِ

صفحة ٧٧

الحَدِيدِ فَيَقْطَعُ ما في بُطُونِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ إلى أهْلِ الجَنَّةِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ، ويَقُولُونَ لِمالِكٍ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجِيبُهم عَلى ما قِيلَ بَعْدَ ألْفِ عامٍ، ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٧] فَيُجِيبُهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، ويَأْخُذُونَ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ ذَكَرَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ جُمُعَةٍ، ولِمَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ألْفُ بابٍ، فَإذا رَأوُا اللَّهَ تَعالى، دَخَلَ مِن كُلِّ بابٍ مَلَكٌ مَعَهُ الهَدايا الشَّرِيفَةُ وقالَ: إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ خَشَبُها الزُّمُرُّدُ، وتُرابُها الذَّهَبُ الأحْمَرُ، وسَعَفُها حُلَلٌ وكِسْوَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ، وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أوِ الدِّلاءِ، أشَدُّ بَياضًا …

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، وأهْلِ الأعْرافِ، ثُمَّ شَرَحَ الكَلِماتِ الدّائِرَةَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ عَلى وجْهٍ يَصِيرُ سَماعُ تِلْكَ المُناظَراتِ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى الحَذَرِ والِاحْتِرازِ، وداعِيًا لَهُ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَيَّنَ شَرَفَ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ ونِهايَةَ مَنفَعَتِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ وهو القُرْآنُ (فَصَّلْناهُ) أيْ مَيَّزْنا بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ، تَمْيِيزًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ويُؤْمِنُ عَنِ الغَلَطِ والخَبْطِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ والتَّمْيِيزَ إنَّما حَصَلَ مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِما في كُلِّ فَصْلٍ مِن تِلْكَ الفُصُولِ مِنَ الفَوائِدِ المُتَكاثِرَةِ، والمَنافِعِ المُتَزايِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: (هُدًى) في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فَصَّلْناهُ هادِيًا وذا رَحْمَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ جُعِلَ هُدًى لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، والمُرادُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إزاحَةَ العِلَّةِ بِسَبَبِ إنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن كَذَّبَ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ والنَّظَرُ هَهُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَقَّعُونَ ويَنْتَظِرُونَ مَعَ جَحْدِهِمْ لَهُ وإنْكارِهِمْ ؟

قُلْنا: لَعَلَّ فِيهِمْ أقْوامًا تَشَكَّكُوا وتَوَقَّفُوا، فَلِهَذا السَّبَبِ انْتَظَرُوهُ، وأيْضًا إنَّهم وإنْ كانُوا جاحِدِينَ إلّا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الأحْوالَ تَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ: (إلّا تَأْوِيلَهُ) قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (تَأْوِيلَهُ) لِلْكِتابِ يُرِيدُ عاقِبَةَ ما وُعِدُوا بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. والتَّأْوِيلُ مَرْجِعُ الشَّيْءِ ومَصِيرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: آلَ الشَّيْءُ يَئُولُ.

وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] أيْ ما يَعْلَمُ عاقِبَةَ الأمْرِ فِيهِ إلّا اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: (يَوْمَ) نُصِبَ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ)، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ مَن نَسِيَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (نَسُوهُ) أيْ تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ والإيمانَ بِهِ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ …

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ .

صفحة ٨٠

اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وهي التَّوْحِيدُ والنُّبُوَّةُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ إثْباتِ المَعادِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، فَلَمّا بالَغَ اللَّهُ تَعالى في تَقْرِيرِ أمْرِ المَعادِ عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وكَمالِ القُدْرَةِ، والعِلْمِ، لِتَصِيرَ تِلْكَ الدَّلائِلُ مُقَرِّرَةً لِأُصُولِ التَّوْحِيدِ، ومُقَرِّرَةً أيْضًا لِإثْباتِ المَعادِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: حَكى الواحِدِيُّ عَنِ اللَّيْثِ أنَّهُ قالَ: الأصْلُ في السِّتِّ والسِّتَّةِ سِدْسٍ وسِدْسَةٍ، أبْدَلَ السِّينَ تاءً، ولَمّا كانَ مَخْرَجُ الدّالِ والتّاءِ قَرِيبًا أدْغَمَ أحَدَهُما في الآخَرِ واكْتَفى بِالتّاءِ عَلَيْهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ في تَصْغِيرِ سِتَّةٍ سُدَيْسَةٌ، وكَذَلِكَ الأسْداسُ وجَمِيعُ تَصَرُّفاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الخَلْقُ) التَّقْدِيرُ عَلى ما قَرَّرْناهُ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةٌ إلى تَقْدِيرِ حالَةٍ مِن أحْوالِهِما، وذَلِكَ التَّقْدِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

أوَّلُها: تَقْدِيرُ ذَواتِهِما بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ أنَّ العَقْلَ يَقْضِي بِأنَّ الأزْيَدَ مِنهُ والأنْقَصَ مِنهُ جائِزٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى افْتِقارِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ.

وثانِيها: أنَّ كَوْنَ هَذِهِ الأجْسامِ مُتَحَرِّكَةً في الأزَلِ مُحالٌ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ انْتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالحَرَكَةُ يَجِبُ كَوْنُها مَسْبُوقَةً بِحالَةٍ أُخْرى، والأزَلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَرَكَةِ وبَيْنَ الأزَلِ مُحالًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ، إمّا أنْ يُقالَ: أنَّ ذَواتَها كانَتْ مَعْدُومَةً في الأزَلِ ثُمَّ وُجِدَتْ، أوْ يُقالُ: إنَّها وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً لَكِنَّها كانَتْ واقِفَةً ساكِنَةً في الأزَلِ، ثُمَّ ابْتَدَأتْ بِالحَرَكَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَتِلْكَ الحَرَكاتُ ابْتَدَأتْ بِالحُدُوثِ والوُجُودِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِها قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ وبَعْدَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ ابْتِداءِ تِلْكَ الحَرَكاتِ بِتِلْكَ الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ تَقْدِيرًا وخَلْقًا، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ ومُخْتارٍ.

وثالِثُها: أنَّ أجْرامَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والعَناصِرِ مُرَكَّبَةٌ مِن أجْزاءٍ صَغِيرَةٍ، ولا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأجْزاءِ حَصَلَتْ في داخِلِ تِلْكَ الأجْسامِ وبَعْضُها حَصَلَتْ عَلى سُطُوحِها، فاخْتِصاصُ حُصُولِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ بِحَيِّزِهِ المُعَيَّنِ ووَضْعِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ المُخَصِّصِ القادِرِ المُخْتارِ.

ورابِعُها: أنَّ بَعْضَ الأفْلاكِ أعْلى مِن بَعْضٍ، وبَعْضُ الكَواكِبِ حَصَلَ في المِنطَقَةِ وبَعْضُها في القُطْبَيْنِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمَوْضِعِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ مُخْتارٍ. …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ التَّكْلِيفُ المُتَوَجِّهُ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ النَّفْسانِيَّةِ، والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِتِلْكَ المَعارِفِ وهو الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَإنَّ الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

قالَ بَعْضُهم: ”اعْبُدُوا“ .

وقالَ آخَرُونَ: هو الدُّعاءُ.

ومَن قالَ بِالأوَّلِ عَقَلَ مِنَ الدُّعاءِ أنَّهُ طَلَبُ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ صِفَةُ العِبادَةِ؛ لِأنَّهُ يُفْعَلُ تَقَرُّبًا وطَلَبًا لِلْمُجازاةِ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ والمَعْطُوفُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الثّانِي هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ مُغايِرٌ لِلْعِبادَةِ في المَعْنى.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الدُّعاءِ، فَمِنهم مَن أنْكَرَهُ. واحْتَجَّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ كانَ واجِبَ الوُقُوعِ لِامْتِناعِ وُقُوعِ التَّغْيِيرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما كانَ واجِبَ الوُقُوعِ لَمْ يَكُنْ في طَلَبِهِ فائِدَةٌ، وإنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ أيْضًا في طَلَبِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ قَدْ أرادَ في الأزَلِ إحْداثَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَهو حاصِلٌ سَواءٌ حَصَلَ هَذا الدُّعاءُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإنْ كانَ قَدْ أرادَ في الأزَلِ أنْ لا يُعْطِيَهُ فَهو مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ في الطَّلَبِ، وإنْ قُلْنا أنَّهُ ما أرادَ في الأزَلِ إحْداثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لا وُجُودَهُ ولا عَدَمَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ الدُّعاءِ، صارَ مُرِيدًا لَهُ لَزِمَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في ذاتِ اللَّهِ وفي صِفاتِهِ، وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَصِيرُ إقْدامُ العَبْدِ عَلى الدُّعاءِ عِلَّةً لِحُدُوثِ صِفَةٍ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ العَبْدُ مُتَصَرِّفًا في صِفَةِ اللَّهِ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، وهو مُحالٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إعْطاءَهُ، فَهو تَعالى يُعْطِيهِ مِن غَيْرِ هَذا الدُّعاءِ

صفحة ١٠٥

لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بَخِيلًا، وإنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ مَنعَهُ، فَهو لا يُعْطِيهِ سَواءٌ أقَدَمَ العَبْدُ عَلى الدُّعاءِ أوْ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: أنَّ الدُّعاءَ غَيْرُ الأمْرِ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ البابَيْنِ إلّا كَوْنُ الدّاعِي أقَلَّ رُتْبَةً، وكَوْنُ الآمِرِ أعْلى رُتْبَةً، وإقْدامُ العَبْدِ عَلى أمْرِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

الخامِسُ: الدُّعاءُ يُشْبِهُ ما إذا أقْدَمَ العَبْدُ عَلى إرْشادِ رَبِّهِ وإلَهِهِ إلى فِعْلِ الأصْلَحِ والأصْوَبِ، وذَلِكَ سُوءُ أدَبٍ، أوْ أنَّهُ يُنَبِّهُ الإلَهَ عَلى شَيْءٍ ما كانَ مُنْتَبِهًا لَهُ وذَلِكَ كُفْرٌ، وأنَّهُ تَعالى قَصَّرَ في الإحْسانِ والفَضْلِ، فَأنْتَ بِهَذا تَحْمِلُهُ عَلى الإقْدامِ عَلى الإحْسانِ والفَضْلِ، وذَلِكَ جَهْلٌ.

السّادِسُ: أنَّ الإقْدامَ عَلى الدُّعاءِ يَدُلُّ …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ التَّكْلِيفُ المُتَوَجِّهُ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ النَّفْسانِيَّةِ، والعُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِتِلْكَ المَعارِفِ وهو الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَإنَّ الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ، فَقالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

قالَ بَعْضُهم: ”اعْبُدُوا“ .

وقالَ آخَرُونَ: هو الدُّعاءُ.

ومَن قالَ بِالأوَّلِ عَقَلَ مِنَ الدُّعاءِ أنَّهُ طَلَبُ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ صِفَةُ العِبادَةِ؛ لِأنَّهُ يُفْعَلُ تَقَرُّبًا وطَلَبًا لِلْمُجازاةِ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ والمَعْطُوفُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الثّانِي هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ مُغايِرٌ لِلْعِبادَةِ في المَعْنى.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الدُّعاءِ، فَمِنهم مَن أنْكَرَهُ. واحْتَجَّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأشْياءَ:

الأوَّلُ: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ كانَ واجِبَ الوُقُوعِ لِامْتِناعِ وُقُوعِ التَّغْيِيرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما كانَ واجِبَ الوُقُوعِ لَمْ يَكُنْ في طَلَبِهِ فائِدَةٌ، وإنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ أيْضًا في طَلَبِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ قَدْ أرادَ في الأزَلِ إحْداثَ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَهو حاصِلٌ سَواءٌ حَصَلَ هَذا الدُّعاءُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وإنْ كانَ قَدْ أرادَ في الأزَلِ أنْ لا يُعْطِيَهُ فَهو مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ في الطَّلَبِ، وإنْ قُلْنا أنَّهُ ما أرادَ في الأزَلِ إحْداثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لا وُجُودَهُ ولا عَدَمَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ الدُّعاءِ، صارَ مُرِيدًا لَهُ لَزِمَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في ذاتِ اللَّهِ وفي صِفاتِهِ، وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَصِيرُ إقْدامُ العَبْدِ عَلى الدُّعاءِ عِلَّةً لِحُدُوثِ صِفَةٍ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ العَبْدُ مُتَصَرِّفًا في صِفَةِ اللَّهِ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، وهو مُحالٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ إعْطاءَهُ، فَهو تَعالى يُعْطِيهِ مِن غَيْرِ هَذا الدُّعاءِ

صفحة ١٠٥

لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بَخِيلًا، وإنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ مَنعَهُ، فَهو لا يُعْطِيهِ سَواءٌ أقَدَمَ العَبْدُ عَلى الدُّعاءِ أوْ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: أنَّ الدُّعاءَ غَيْرُ الأمْرِ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ البابَيْنِ إلّا كَوْنُ الدّاعِي أقَلَّ رُتْبَةً، وكَوْنُ الآمِرِ أعْلى رُتْبَةً، وإقْدامُ العَبْدِ عَلى أمْرِ اللَّهِ سُوءُ أدَبٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

الخامِسُ: الدُّعاءُ يُشْبِهُ ما إذا أقْدَمَ العَبْدُ عَلى إرْشادِ رَبِّهِ وإلَهِهِ إلى فِعْلِ الأصْلَحِ والأصْوَبِ، وذَلِكَ سُوءُ أدَبٍ، أوْ أنَّهُ يُنَبِّهُ الإلَهَ عَلى شَيْءٍ ما كانَ مُنْتَبِهًا لَهُ وذَلِكَ كُفْرٌ، وأنَّهُ تَعالى قَصَّرَ في الإحْسانِ والفَضْلِ، فَأنْتَ بِهَذا تَحْمِلُهُ عَلى الإقْدامِ عَلى الإحْسانِ والفَضْلِ، وذَلِكَ جَهْلٌ.

السّادِسُ: أنَّ الإقْدامَ عَلى الدُّعاءِ يَدُلُّ …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ، وكَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، وهو السَّماواتُ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ مِن بَعْضِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ هَذا العالَمِ مَحْصُورَةٌ في أُمُورٍ أرْبَعَةٍ: الآثارُ العُلْوِيَّةُ، والمَعادِنُ، والنَّباتُ، والحَيَوانُ، ومِن جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ الرِّياحُ، والسَّحابُ، والأمْطارُ، ويَتَرَتَّبُ عَلى نُزُولِ الأمْطارِ أحْوالُ النَّباتِ، وذَلِكَ هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ في الآيَةِ الأُولى عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، أقامَ الدَّلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ لِيَحْصُلَ بِمَعْرِفَةِ

صفحة ١١٣

هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كُلُّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الرِّيحَ“ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، والباقُونَ ”الرِّياحَ“ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَمَن قَرَأ ”الرِّياحَ“ بِالجَمْعِ حَسُنَ وصْفُها بِقَوْلِهِ ”بُشْرًا“ فَإنَّهُ وصْفُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، ومَن قَرَأ ”الرِّيحَ“ واحِدَةً قَرَأ ”بُشُرًا“ جَمْعًا لِأنَّهُ أرادَ بِالرِّيحِ الكَثْرَةَ كَقَوْلِهِمْ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ والشّاةِ والبَعِيرِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العَصْرِ: ٣] فَلَمّا كانَ المُرادُ بِالرِّيحِ الجَمْعَ وصَفَها بِالجَمْعِ، وأمّا قَوْلُهُ ”بُشْرًا“ فَفِيهِ قِراءاتٌ:

إحْداها: قِراءَةُ الأكْثَرِينَ ”نُشُرًا“ بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ، وهو جَمْعُ نَشُورٍ مِثْلُ رُسُلٍ ورَسُولٍ، والنَّشُورُ بِمَعْنى المُنْشَرِ كالرَّكُوبِ بِمَعْنى المَرْكُوبِ، فَكانَ المَعْنى رِياحٌ مُنَشَّرَةٌ أيْ مُفَرَّقَةٌ مِن كُلِّ جانِبٍ، والنَّشْرُ التَّفْرِيقُ، ومِنهُ نَشْرُ الثَّوْبِ ونَشْرُ الخَشَبَةِ بِالمِنشارِ. وقالَ الفَرّاءُ: النَّشْرُ مِنَ الرِّياحِ الطَّيِّبَةُ اللَّيِّنَةُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحابَ واحِدُها نُشُورٌ وأصْلُهُ مِنَ النَّشْرِ وهو الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”ونَشْرُ العِطْرِ“ .

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”نُشْرًا“ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، فَخَفَّفَ العَيْنَ كَما يُقالُ كُتْبٌ ورُسْلٌ.

والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”نَشْرًا“ بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، والنَّشْرُ مَصْدَرُ نَشَرْتُ الثَّوْبَ ضِدَّ طَوَيْتُهُ، ويُرادُ بِالمَصْدَرِ هَهُنا المَفْعُولُ. والرِّياحُ كَأنَّها كانَتْ مَطْوِيَّةً، فَأرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مَنشُورَةً بَعْدَ انْطِوائِها، فَقَوْلُهُ: ”نَشْرًا“ مَصْدَرٌ هو حالٌ مِنَ الرِّياحِ والتَّقْدِيرُ: أرْسَلَ الرِّياحَ مُنْشِراتٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ النَّشْرُ هُنا بِمَعْنى الحَياةِ مِن قَوْلِهِمْ: أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ. …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ، وكَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، وهو السَّماواتُ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ مِن بَعْضِ أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ هَذا العالَمِ مَحْصُورَةٌ في أُمُورٍ أرْبَعَةٍ: الآثارُ العُلْوِيَّةُ، والمَعادِنُ، والنَّباتُ، والحَيَوانُ، ومِن جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ الرِّياحُ، والسَّحابُ، والأمْطارُ، ويَتَرَتَّبُ عَلى نُزُولِ الأمْطارِ أحْوالُ النَّباتِ، وذَلِكَ هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ في الآيَةِ الأُولى عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، أقامَ الدَّلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ لِيَحْصُلَ بِمَعْرِفَةِ

صفحة ١١٣

هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كُلُّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الرِّيحَ“ عَلى لَفْظِ الواحِدِ، والباقُونَ ”الرِّياحَ“ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَمَن قَرَأ ”الرِّياحَ“ بِالجَمْعِ حَسُنَ وصْفُها بِقَوْلِهِ ”بُشْرًا“ فَإنَّهُ وصْفُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، ومَن قَرَأ ”الرِّيحَ“ واحِدَةً قَرَأ ”بُشُرًا“ جَمْعًا لِأنَّهُ أرادَ بِالرِّيحِ الكَثْرَةَ كَقَوْلِهِمْ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ والشّاةِ والبَعِيرِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العَصْرِ: ٣] فَلَمّا كانَ المُرادُ بِالرِّيحِ الجَمْعَ وصَفَها بِالجَمْعِ، وأمّا قَوْلُهُ ”بُشْرًا“ فَفِيهِ قِراءاتٌ:

إحْداها: قِراءَةُ الأكْثَرِينَ ”نُشُرًا“ بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ، وهو جَمْعُ نَشُورٍ مِثْلُ رُسُلٍ ورَسُولٍ، والنَّشُورُ بِمَعْنى المُنْشَرِ كالرَّكُوبِ بِمَعْنى المَرْكُوبِ، فَكانَ المَعْنى رِياحٌ مُنَشَّرَةٌ أيْ مُفَرَّقَةٌ مِن كُلِّ جانِبٍ، والنَّشْرُ التَّفْرِيقُ، ومِنهُ نَشْرُ الثَّوْبِ ونَشْرُ الخَشَبَةِ بِالمِنشارِ. وقالَ الفَرّاءُ: النَّشْرُ مِنَ الرِّياحِ الطَّيِّبَةُ اللَّيِّنَةُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحابَ واحِدُها نُشُورٌ وأصْلُهُ مِنَ النَّشْرِ وهو الرّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”ونَشْرُ العِطْرِ“ .

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”نُشْرًا“ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، فَخَفَّفَ العَيْنَ كَما يُقالُ كُتْبٌ ورُسْلٌ.

والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”نَشْرًا“ بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، والنَّشْرُ مَصْدَرُ نَشَرْتُ الثَّوْبَ ضِدَّ طَوَيْتُهُ، ويُرادُ بِالمَصْدَرِ هَهُنا المَفْعُولُ. والرِّياحُ كَأنَّها كانَتْ مَطْوِيَّةً، فَأرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مَنشُورَةً بَعْدَ انْطِوائِها، فَقَوْلُهُ: ”نَشْرًا“ مَصْدَرٌ هو حالٌ مِنَ الرِّياحِ والتَّقْدِيرُ: أرْسَلَ الرِّياحَ مُنْشِراتٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ النَّشْرُ هُنا بِمَعْنى الحَياةِ مِن قَوْلِهِمْ: أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ. …

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في تَقْرِيرِ المَبْدَأِ والمَعادِ دَلائِلَ ظاهِرَةً، وبَيِّناتٍ قاهِرَةً، وبَراهِينَ باهِرَةً أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ فَوائِدُ:

أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ؛ فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ وحِكايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى الجَهْلِ والعِنادِ يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى الكُفْرِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.

وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهم بَلْ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.

ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أُمِّيًّا وما طالَعَ كِتابًا ولا تُلْمِذَ عَلى أُسْتاذٍ، فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ الماضِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ شاهَدَ هَذِهِ الوَقائِعَ فَألْقاها إلَيْهِ، أمّا الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ فَإنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها.

صفحة ١٢٠

والقِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ، وأخْنُوخُ اسْمُ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِدُونِ قَدْ نادِرٌ كَقَوْلِهِ:

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا

إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها. فَكانَتْ مَظِنَّةً لِمَنعِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى ”قَدْ“ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”غَيْرِهِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْإلَهِ عَلى اللَّفْظِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في تَقْرِيرِ المَبْدَأِ والمَعادِ دَلائِلَ ظاهِرَةً، وبَيِّناتٍ قاهِرَةً، وبَراهِينَ باهِرَةً أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ فَوائِدُ:

أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ؛ فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ وحِكايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى الجَهْلِ والعِنادِ يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى الكُفْرِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.

وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهم بَلْ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.

ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أُمِّيًّا وما طالَعَ كِتابًا ولا تُلْمِذَ عَلى أُسْتاذٍ، فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ الماضِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ شاهَدَ هَذِهِ الوَقائِعَ فَألْقاها إلَيْهِ، أمّا الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ فَإنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها.

صفحة ١٢٠

والقِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ، وأخْنُوخُ اسْمُ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِدُونِ قَدْ نادِرٌ كَقَوْلِهِ:

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا

إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها. فَكانَتْ مَظِنَّةً لِمَنعِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى ”قَدْ“ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”غَيْرِهِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْإلَهِ عَلى اللَّفْظِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى …

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.