Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ …

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.

وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ …

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾

"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.

و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.

ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ................. ∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا

ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في …

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾

"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.

و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.

ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ................. ∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا

ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ:﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ:﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.

وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾

هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.

ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾

هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ واسْتِدْلالٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "اَلرِّياحَ"؛ بِالجَمْعِ؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ والشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ واخْتَلَفَ عنهُمُ الأعْرَجُ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو يَحْيى ؛ وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيَّيْنِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نُشُرًا"؛ بِضَمِّها أيْضًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اَلرِّياحَ"؛ جَمْعًا؛ "نُشْرًا"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ؛ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وأبِي رَجاءٍ ؛ وقَتادَةَ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اَلرِّيحَ"؛ واحِدَةً؛ "نَشْرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ؛ وابْنِ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمَ؛ وطَلْحَةَ ؛ والأعْمَشِ ؛ ومَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ ؛ وقَرَأ ابْنُ جِنِّي قِراءَةَ مَسْرُوقٍ: "نَشَرًا"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ: "اَلرِّياحَ"؛ جَماعَةً؛ "بُشْرًا"؛ بِالباءِ المَضْمُومَةِ؛ والشِينِ الساكِنَةِ؛ ورُوِيَ عنهُ: "بُشُرًا"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ والشِينِ؛ وقَرَأ بِهاابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ؛ وأبُو قُطَيْبٍ: "بُشْرى"؛ عَلى وزْنِ "فُعْلى"؛ بِضَمِّ الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي يَحْيى؛ وأبِي نَوْفَلٍ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "بَشْرًا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ وسُكُونِ الشِينِ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَتْ هَذِهِ عن عاصِمٍ.

ومَن جَمَعَ "اَلرِّيحَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَهو أسْعَدُ؛ وذَلِكَ أنَّ "اَلرِّياحَ"؛ حَيْثُ وقَعَتْ في القُرْآنِ؛ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَحْمَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] ؛ وأكْثَرُ ذِكْرِ "اَلرِّيحَ"؛ مُفْرَدَةً إنَّما هو بِقَرِينَةِ عَذابٍ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] ؛ وقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؛ نَحا هَذا المَنحى يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وعاصِمٌ ؛ وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا؛ ولا تَجْعَلْها رِيحًا".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ بَيِّنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ رِيحَ السُقْيا والمَطَرِ إنَّما هي مُنْتَشِرَةٌ؛ لَيِّنَةٌ؛ تَجِيءُ مِن هَهُنا ومِن هَهُنا؛ وتَتَفَرَّقُ؛ فَيَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي مُنْفَصِلَةُ الأجْزاءِ مُتَغايِرَةُ المَهَبِّ يَسِيرًا أنْ يُقالَ لَها: …

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.

وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اَللّامُ لامُ القَسَمِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: سُمِّيَ "نُوحًا"؛ لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: "نُوحٌ"؛ و"لُوطٌ"؛ و"هُودٌ"؛ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ؛ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ؛ وهَذِهِ نِذارَةٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ؛ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةِ: "وَدًّا"؛ و"سُواعًا"؛ و"يَغُوثَ"؛ و"يَعُوقَ"؛ وغَيْرَها مِمّا لَمْ يُشْتَهَرْ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "غَيْرِهِ"؛ بِالكَسْرِ مِنَ الراءِ؛ عَلى النَعْتِ لِـ "إلَهٍ"؛ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ ؛ والأعْمَشِ ؛ وأبِي جَعْفَرٍ ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُهُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرِ اللهِ"؛ خَفْضًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرُ اللهِ"؛ رَفْعًا؛ والرَفْعُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ هُنا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ لِأنَّ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ"؛ رَفْعٌ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الفارِسِيُّ ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْرِيرَ: "ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ"؛ أو يُقَدَّرَ "غَيْرُ"؛ بِـ "إلّا"؛ فَيُعْرَبَ بِإعْرابِ ما يَقَعُ بَعْدَ "إلّا"؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "غَيْرَهُ"؛ بِنَصْبِ الراءِ؛ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ مِن أجْلِ النَفْيِ المُتَقَدِّمِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَذابَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ.

وَ"اَلْمَلَأُ": اَلْجَماعَةُ الشَرِيفَةُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لا امْرَأةَ فِيهِمْ؛ وحَكاهُ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ فِي: "اَلْمَلَأُ"؛ و"اَلرَّهْطُ"؛ و"اَلنَّفَرُ"؛ و"اَلْقَوْمُ"؛ وقِيلَ: هم مَأْخُوذُونَ مِن أنَّهم يَمْلَؤُونَ النَفْسَ والعَيْنَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أنَّهم إذا تَمالَؤُوا عَلى أمْرٍ تَمَّ؛ «وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ الأنْصارِيُّ عِنْدَ قُفُولِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ: "إنَّما قَتَلْنا عَجائِزَ صُلْعًا"؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ؛ لَوْ حَضَرْتَ أفْعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ"؛» و"اَلْمَلَأُ"؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ؛ وجَمْعُهُ "أمْلاءٌ"؛ ولَيْسَ مِن بابِ "رَهْطٌ"؛ وإنْ كانا اسْمَيْنِ لِلْجَمْعِ؛ لِأنَّ "رَهْطٌ"؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ و"مَلَأٌ"؛ يُوجَدُ مِن لَفْظِهِ "مالِئٌ"؛ قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: "اَلْمالِئُ": اَلرَّجُلُ الجَلِيلُ؛ الَّذِي يَمْلَأُ العَيْنَ بِجَهْرَتِهِ؛ فَيَجِيءُ كَـ "عازِبٌ" و"خادِمٌ"؛ ورائِحٌ"؛ فَإنَّ أسْماءَ جُمُوعِها: "عَزَبٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ و"رَوَحٌ"؛ وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مِن "تَمالَأ القَوْمُ عَلى كَذا"؛ فَهي مُفارِقَةٌ بابَ "رَهْطٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما قَتَلْتُ عُثْمانَ ؛ ولا مالَأتُ في دَمِهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "المَلَؤُ"؛ بِواوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ …

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.