الٓمٓصٓ
Alif, Lam, Meem, Sad.
No commentary on this ayah in this edition.
سُورَةُ الأَعۡرَافِ
Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti
Ayahs 1–10 of 206
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الٓمٓصٓ
Alif, Lam, Meem, Sad.
No commentary on this ayah in this edition.
كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
[This is] a Book revealed to you, [O Muhammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.
﷽
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ شَكٌّ، أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ في كَوْنِ هَذا القُرْآنِ حَقًّا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٤٩] .
والمُمْتَرِي: هو الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والمُرادُ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّكِّ في القُرْآنِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: [ الرَّجَزُ ]
؎إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٠ و١٤٥] و [الرعد: ١٣٧] .
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهُ لِيُوَجِّهَ الخِطابَ إلى غَيْرِهِ في ضِمْنِ خِطابِهِ ﷺ .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ: عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَرَجِ في الآيَةِ الضِّيقُ. أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ ضِيقٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ لِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، لِأنَّ تَحَمُّلَ عَداوَةِ الكُفّارِ، والتَّعَرُّضَ لِبَطْشِهِمْ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، وكَذَلِكَ تَكْذِيبُهم لَهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ. وقَدْ قالَ ﷺ: «إذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. والثَّلْغُ: الشَّدْخُ، وقِيلَ ضَرْبُ الرَّطْبِ بِاليابِسِ حَتّى يَنْشَدِخَ، وهَذا البَطْشُ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ في الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
وَيُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأخِيرَ في الآيَةِ أنَّ الحَرَجَ في لُغَةِ العَرَبِ: الضِّيقُ. وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، أوْ جَمِيلٍ: [ الكامِلُ ]
؎فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِها فَتَبَسَّمَتْ ∗∗∗ فَعَلِمْتُ أنَّ يَمِينَها لَمْ تُحْرَجِ
وَقَوْلُ العَرْجِيِّ [ السَّرِيعُ ]:
؎عُوجِي عَلَيْنا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ∗∗∗ إنَّكِ إلّا تَفْعَلِي تَحْرُجِي
والمُرادُ بِالإحْراجِ في البَيْتَيْنِ:
الإدْخالُ في الحَرَجِ. بِمَعْنى الضِّيقِ كَما ذَكَرْنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المَفْعُولَ بِهِ لِقَوْلِهِ لِتُنْذِرَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: …
ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ
Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.
Explained together with ayah 2
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ
And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾، خَوَّفَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ، بِأنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَمِنهم مَن أهْلَكَها ﴿بَياتًا﴾، أيْ: لَيْلًا، ومِنهم مَن أهْلَكَها وهم قائِلُونَ، أيْ في حالِ قَيْلُولَتِهِمْ، والقَيْلُولَةُ: الِاسْتِراحَةُ وسَطَ النَّهارِ. يَعْنِي: فاحْذَرُوا تَكْذِيبَ رَسُولِي ﷺ لِئَلّا أُنْزِلَ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلْتُ بِهِمْ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]،
وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُرِيدُ تَهْدِيدَهم بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ هَدَّدَ تَعالى أهْلَ القُرى بِأنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ لَيْلًا في حالَةِ النَّوْمِ، أوْ ضُحًى في حالَةِ اللَّعِبِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، وهَدَّدَ أمْثالَهم مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥، ٤٦، ٤٧] .
فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ
And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ تِلْكَ القُرى الكَثِيرَةَ الَّتِي أهْلَكَها في حالِ البَياتِ، أوْ في حالِ القَيْلُولَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ الدَّعْوى إلّا اعْتِرافُهم بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥] .
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى صِحَّةِ ما جاءَتْ بِهِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» . حَدَّثَنا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ أبِي سِنانٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرّادِ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قالَ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] .
فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ
Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ المُرْسَلُونَ، ولا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ يَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا أجابَتْهم بِهِ أُمَمُهم، ويَسْألُ الأُمَمَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم.
قالَ في الأوَّلِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] .
وَقالَ في الثّانِي: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ يَسْألُ جَمِيعَ الخَلْقِ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] .
وَهُنا إشْكالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ هُنا: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقالَ أيْضًا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقالَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ سُؤالِ الجَمِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .
وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) وسَنَزِيدُهُ إيضاحًا هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، أخَصُّ مِنَ السُّؤالِ المُثْبَتِ فِيها؛ لِأنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ فِيها مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ ذُنُوبٍ خاصَّةٍ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] فَخَصَّهُ بِكَوْنِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ أيْضًا، فَيَتَّضِحُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الرُّسُلِ والمَوْءُودَةِ مَثَلًا لَيْسَ عَنْ ذَنْبٍ فَعَلُوهُ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ المَنفِيَّ خُصُوصُ السُّؤالِ عَنْ ذَنْبٍ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١١٩]، وقَوْلُهُ بَعْدَ سُؤالِهِ لِعِيسى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، والسُّؤالُ عَنِ الذُّنُوبِ المَنفِيُّ في الآياتِ: المُرادُ بِهِ سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُنافِي نَفْيُ هَذا النَّوْعِ مِنَ السُّؤالِ ثُبُوتَ نَوْعٍ آخَرَ مِنهُ هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العَذابِ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّ سُؤالَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ في القُرْآنِ كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وباقِي أوْجُهِ الجَمْعِ مُبَيَّنٌ في كِتابِنا المَذْكُورِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ …
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ
Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَقُصُّ عَلى عِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، وأخْبَرَهم بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يَكُنْ غائِبًا عَمّا فَعَلُوهُ أيّامَ فِعْلِهِمْ لَهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ هو الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ ما فَعَلُوهُ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلى المُعْتَزِلَةِ النّافِينَ صِفاتِ المَعانِي، القائِلِينَ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ، لا بِصِفَةٍ قامَتْ بِذاتِهِ، هي العِلْمُ، وهَكَذا في قَوْلِهِمْ: قادِرٌ مُرِيدٌ، حَيٌّ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ، فَإنَّهُ هُنا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ \ [الأعراف: ٧] ٣٠ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] . وهي أدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ صَرِيحَةٌ في بُطْلانِ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي لا يَشُكُّ عاقِلٌ في بُطْلانِهِ وتَناقُضِهِ.
وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ وزْنَهُ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ حَقٌّ أيْ لا جَوْرَ فِيهِ، ولا ظُلْمَ، فَلا يُزادُ في سَيِّئاتِ مُسِيءٍ، ولا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِ مُحْسِنٍ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحَرْفُ المُنِيرُ \ سِحْرُ \ أضْواءِ البَيانِ \ ج ٢ \ مِن ص ٢٩٢ - إلى ص. . . . . . . . . ٣٠٢
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهم أفْلَحُوا، ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهم خَسِرُوا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ولَمْ يُفَصِّلِ الفَلاحَ والخُسْرانَ هُنا.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] .
وَبَيَّنَ أيْضًا خُسْرانَ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣، ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
Explained together with ayah 8
وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ هَذِهِ المَعايِشِ الَّتِي جَعَلَ لَنا في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤] .
وَذَكَرَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [ \ ٥ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.