Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 206

41

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌۭ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .

صفحة ٦٣

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إتْمامُ الكَلامِ في وعِيدِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ثُمَّ شَرَحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الخُلُودِ في حَقِّ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى المَسائِلِ الَّتِي هي أُصُولُ الدِّينِ، فالدَّهْرِيَّةُ يُنْكِرُونَ دَلائِلَ إثْباتِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، ومُنْكِرُو النُّبُوّاتِ يُكَذِّبُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوّاتِ، ومُنْكِرُو نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ يُنْكِرُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ومُنْكِرُو المَعادِ يُنْكِرُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ طَلَبُ التَّرَفُّعِ بِالباطِلِ، وهَذا اللَّفْظُ في حَقِّ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى الذَّمِّ، قالَ تَعالى في صِفَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو (لا تُفْتَحُ) بِالتّاءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتّاءِ مُشَدَّدَةً. أمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنْعامِ: ٤٤]، ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ [القَمَرِ: ١١] وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَوَجْهُها أنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ أقْوالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطِرٍ: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٨] وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ وتُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.

ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ ما رُوِيَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «أنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها، فَيُقالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ويُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، ويُسْتَفْتَحُ لِرُوحِ الكافِرِ فَيُقالُ لَها: ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإنَّهُ لا تُفْتَحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ» .

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ فالمَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ. ولا تَطَرُّقَ لَهم إلَيْها لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البِرْكَةُ والخَيْرُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القَمَرِ: ١١] وأقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ إنَّما تَكُونُ سَعِيدَةً؛ …

Al-A'raaf 7:41Listen in Qur'an →
42

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَوْفى الكَلامَ في الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ المَعانِي عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والتَّقْدِيرُ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ)، وإنَّما حَسُنَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَمَلَهُمُ الصّالِحَ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ في وُسْعِهِمْ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكَفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَحَلِّها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ الصَّعْبِ. وقالَ قَوْمٌ: مَوْضِعُهُ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا مِنهم إلّا وُسْعَها، وإنَّما حُذِفَ العائِدُ لِلْعِلْمِ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوُسْعِ ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ في حالِ السِّعَةِ والسُّهُولَةِ لا في حالِ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها. وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جُهْدًا لا وُسْعًا، وغَلِطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَ العَبْدَ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ بَطَلَ قَوْلُهم في خَلْقِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهُ تَعالى، لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كَلَّفَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنْ كَلَّفَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَكْوِينِ

صفحة ٦٦

ذَلِكَ الفِعْلِ وتَحْصِيلِهِ، قالُوا: وأيْضًا إذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ حاصِلَةً مَعَ الفِعْلِ، والكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَكانَ هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، ثَبَتَ فَسادُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ.

والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: وهَذا الإشْكالُ أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ العَبْدَ بِإيجادِ الفِعْلِ، حالَ اسْتِواءِ الدَّواعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الدّاعِيَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيجادَ تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الفِعْلِ، وحُصُولُ التَّرْجِيحِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ حالَ حُصُولِ الرُّجْحانِ كانَ الحُصُولُ …

Al-A'raaf 7:42Listen in Qur'an →
43

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment, [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allah, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allah had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَوْفى الكَلامَ في الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ المَعانِي عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والتَّقْدِيرُ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ)، وإنَّما حَسُنَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَمَلَهُمُ الصّالِحَ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ في وُسْعِهِمْ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكَفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَحَلِّها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ الصَّعْبِ. وقالَ قَوْمٌ: مَوْضِعُهُ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا مِنهم إلّا وُسْعَها، وإنَّما حُذِفَ العائِدُ لِلْعِلْمِ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوُسْعِ ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ في حالِ السِّعَةِ والسُّهُولَةِ لا في حالِ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها. وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جُهْدًا لا وُسْعًا، وغَلِطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَ العَبْدَ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ بَطَلَ قَوْلُهم في خَلْقِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهُ تَعالى، لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كَلَّفَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنْ كَلَّفَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَكْوِينِ

صفحة ٦٦

ذَلِكَ الفِعْلِ وتَحْصِيلِهِ، قالُوا: وأيْضًا إذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ حاصِلَةً مَعَ الفِعْلِ، والكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَكانَ هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، ثَبَتَ فَسادُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ.

والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: وهَذا الإشْكالُ أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ العَبْدَ بِإيجادِ الفِعْلِ، حالَ اسْتِواءِ الدَّواعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الدّاعِيَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيجادَ تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الفِعْلِ، وحُصُولُ التَّرْجِيحِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ حالَ حُصُولِ الرُّجْحانِ كانَ الحُصُولُ …

Al-A'raaf 7:43Listen in Qur'an →
44

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّۭا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّۭا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allah shall be upon the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ وعِيدَ الكُفّارِ وثَوابَ أهْلِ الإيمانِ والطّاعاتِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُناظَراتِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهي الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ في وقْتِ هَذا النِّداءِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم مِنَ العِقابِ حَقًّا ؟ والغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ إظْهارُ أنَّهُ وصْلٌ إلى السَّعاداتِ الكامِلَةِ وإيقاعُ الحُزْنِ في قَلْبِ العَدُوِّ وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتِ الجَنَّةُ في أعْلى السَّماواتِ والنّارُ في أسْفَلِ الأرْضِينَ فَمَعَ هَذا البُعْدِ الشَّدِيدِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذا النِّداءُ ؟

والجَوابُ: هَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنّا عِنْدَنا البُعْدَ الشَّدِيدَ والقُرْبَ الشَّدِيدَ لَيْسَ مِن مَوانِعِ الإدْراكِ، والتَزَمَ القاضِي ذَلِكَ وقالَ: إنَّ في العُلَماءِ مَن يَقُولُ: في الصَّوْتِ خاصِّيَّةُ أنَّ البُعْدَ فِيهِ وحْدَهُ لا يَكُونُ مانِعًا مِنَ السَّماعِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النِّداءُ يَقَعُ مِن كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ لِكُلِّ أهْلِ النّارِ أوْ مِنَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ ؟

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُوَزَّعُ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، وكُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يُنادِي مَن كانَ يَعْرِفُهُ مِنَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .

والجَوابُ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً كالَّتِي سَبَقَتْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .

السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلّا قِيلَ: (ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا) كَما قِيلَ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ ؟ .

والجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِهَذا الوَعْدِ، وكَوْنُهم مُخاطَبِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَعْدِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّشْرِيفِ. ومَزِيدُ التَّشْرِيفِ لائِقٌ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الكافِرُ فَهو لَيْسَ

صفحة ٧٠

أهْلًا لِأنْ يُخاطِبَهُ اللَّهُ تَعالى؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ بَلْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ هَذا الحُكْمَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَعْتَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إذا كانُوا عارِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانُوا عارِفِينَ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ مِن صِفاتِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، …

Al-A'raaf 7:44Listen in Qur'an →
45

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ وعِيدَ الكُفّارِ وثَوابَ أهْلِ الإيمانِ والطّاعاتِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُناظَراتِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهي الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ في وقْتِ هَذا النِّداءِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم مِنَ العِقابِ حَقًّا ؟ والغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ إظْهارُ أنَّهُ وصْلٌ إلى السَّعاداتِ الكامِلَةِ وإيقاعُ الحُزْنِ في قَلْبِ العَدُوِّ وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتِ الجَنَّةُ في أعْلى السَّماواتِ والنّارُ في أسْفَلِ الأرْضِينَ فَمَعَ هَذا البُعْدِ الشَّدِيدِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذا النِّداءُ ؟

والجَوابُ: هَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنّا عِنْدَنا البُعْدَ الشَّدِيدَ والقُرْبَ الشَّدِيدَ لَيْسَ مِن مَوانِعِ الإدْراكِ، والتَزَمَ القاضِي ذَلِكَ وقالَ: إنَّ في العُلَماءِ مَن يَقُولُ: في الصَّوْتِ خاصِّيَّةُ أنَّ البُعْدَ فِيهِ وحْدَهُ لا يَكُونُ مانِعًا مِنَ السَّماعِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النِّداءُ يَقَعُ مِن كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ لِكُلِّ أهْلِ النّارِ أوْ مِنَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ ؟

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُوَزَّعُ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، وكُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يُنادِي مَن كانَ يَعْرِفُهُ مِنَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .

والجَوابُ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً كالَّتِي سَبَقَتْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .

السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلّا قِيلَ: (ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا) كَما قِيلَ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ ؟ .

والجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِهَذا الوَعْدِ، وكَوْنُهم مُخاطَبِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَعْدِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّشْرِيفِ. ومَزِيدُ التَّشْرِيفِ لائِقٌ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الكافِرُ فَهو لَيْسَ

صفحة ٧٠

أهْلًا لِأنْ يُخاطِبَهُ اللَّهُ تَعالى؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ بَلْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ هَذا الحُكْمَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَعْتَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إذا كانُوا عارِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانُوا عارِفِينَ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ مِن صِفاتِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، …

Al-A'raaf 7:45Listen in Qur'an →
46

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌۭ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌۭ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ

And between them will be a partition, and on [its] elevations are men who recognize all by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ٧٢

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ أوْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا الحِجابُ هو المَشْهُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١٣] .

فَإنْ قِيلَ: وأيُّ حاجَةٍ إلى ضَرْبِ هَذا السُّورِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، وأنَّ الجَحِيمَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ ؟

قُلْنا: بُعْدُ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى لا يَمْنَعُ أنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُما سُورٌ وحِجابٌ، وأمّا الأعْرافُ فَهو جَمْعُ عُرْفٍ وهو كُلُّ مَكانٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ارْتِفاعِهِ يَصِيرُ أعْرَفَ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الأعْرافِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأعْرافِ أعالِي ذَلِكَ السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الأعْرافُ شَرَفُ الصِّراطِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ: في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ: وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بِسِيماهم. فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم ؟ فَضَرَبَ عَلى فَخْذَيْهِ ثُمَّ قالَ: هم قَوْمٌ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَعَرُّفِ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، يُمَيِّزُونَ البَعْضَ مِنَ البَعْضِ، واللَّهِ لا أدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهُمُ الآنَ مَعَنا.

أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ هم عَلى الأعْرافِ مَن هم ؟ ولَقَدْ كَثُرَتِ الأقْوالُ فِيهِمْ وهي مَحْصُورَةٌ في قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الثَّوابِ.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ السّافِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ.

أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ أبُو مِجْلَزٍ. هم مَلائِكَةٌ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ ؟ فَقالَ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ لا إناثٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الوَصْفُ بِالرُّجُولِيَّةِ إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ في مُقابَلَةِ الرَّجُلِ مَن يَكُونُ أُنْثى، ولَمّا امْتَنَعَ كَوْنُ المَلَكِ أُنْثى امْتَنَعَ وصْفُهم بِالرُّجُولِيَّةِ.

وثانِيَها: قالُوا: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْلَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَنْ سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ، وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ، وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وأجْلَسَهم عَلى ذَلِكَ المَكانِ العالِي لِيَكُونُوا مُشْرِفِينَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ مُطَّلِعِينَ عَلى أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ ثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ.

وثالِثُها: قالُوا: إنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.

ثُمَّ قالَ قَوْمٌ: إنَّهم …

Al-A'raaf 7:46Listen in Qur'an →
47

۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ٧٢

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ أوْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا الحِجابُ هو المَشْهُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١٣] .

فَإنْ قِيلَ: وأيُّ حاجَةٍ إلى ضَرْبِ هَذا السُّورِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، وأنَّ الجَحِيمَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ ؟

قُلْنا: بُعْدُ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى لا يَمْنَعُ أنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُما سُورٌ وحِجابٌ، وأمّا الأعْرافُ فَهو جَمْعُ عُرْفٍ وهو كُلُّ مَكانٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ارْتِفاعِهِ يَصِيرُ أعْرَفَ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الأعْرافِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأعْرافِ أعالِي ذَلِكَ السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الأعْرافُ شَرَفُ الصِّراطِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ: في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ: وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بِسِيماهم. فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم ؟ فَضَرَبَ عَلى فَخْذَيْهِ ثُمَّ قالَ: هم قَوْمٌ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَعَرُّفِ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، يُمَيِّزُونَ البَعْضَ مِنَ البَعْضِ، واللَّهِ لا أدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهُمُ الآنَ مَعَنا.

أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ هم عَلى الأعْرافِ مَن هم ؟ ولَقَدْ كَثُرَتِ الأقْوالُ فِيهِمْ وهي مَحْصُورَةٌ في قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الثَّوابِ.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ السّافِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ.

أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ أبُو مِجْلَزٍ. هم مَلائِكَةٌ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ ؟ فَقالَ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ لا إناثٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الوَصْفُ بِالرُّجُولِيَّةِ إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ في مُقابَلَةِ الرَّجُلِ مَن يَكُونُ أُنْثى، ولَمّا امْتَنَعَ كَوْنُ المَلَكِ أُنْثى امْتَنَعَ وصْفُهم بِالرُّجُولِيَّةِ.

وثانِيَها: قالُوا: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْلَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَنْ سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ، وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ، وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وأجْلَسَهم عَلى ذَلِكَ المَكانِ العالِي لِيَكُونُوا مُشْرِفِينَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ مُطَّلِعِينَ عَلى أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ ثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ.

وثالِثُها: قالُوا: إنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.

ثُمَّ قالَ قَوْمٌ: إنَّهم …

Al-A'raaf 7:47Listen in Qur'an →
48

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering and [the fact] that you were arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ

صفحة ٧٦

تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.

Al-A'raaf 7:48Listen in Qur'an →
49

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ

[Allah will say], "Are these the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allah would never offer them mercy? Enter Paradise, [O People of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ

صفحة ٧٦

تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.

Al-A'raaf 7:49Listen in Qur'an →
50

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allah has provided you." They will say, "Indeed, Allah has forbidden them both to the disbelievers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ

صفحة ٧٦

تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.

Al-A'raaf 7:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.