Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 206

41

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌۭ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ خُلُودِ الفَرِيقَيْنِ في النّارِ، الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ حَرَمَهم أسْبابَ النَّجاةِ، فَسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ، وبِأنَّهُ حَرَمَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ.

وأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) لِتَأْيِيسِهِمْ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخُلُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ الكِنايَةَ عَنْ طُولِ مُدَّةِ البَقاءِ في النّارِ فَإنَّهُ ورَدَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مُرادًا بِهِ هَذا المَعْنى.

صفحة ١٢٦

ووَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِدَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَحاوِرَتَيْنِ في النّارِ، واخْتِيرَ مِن طُرُقِ الإظْهارِ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها السّابِقِ آنِفًا.

والسَّماءُ أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ عَلى مَعانٍ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِها العَوالِمُ العُلْيا غَيْرُ الأرْضِيَّةِ، فالسَّماءُ مَجْمُوعُ العَوالِمِ العُلْيا وهي مَراتِبُ وفِيها عَوالِمُ القُدْسِ الإلَهِيَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّوحانِيّاتِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ، ومَصْدَرُ إفاضَةِ الخَيْراتِ الرُّوحِيَّةِ والجُثْمانِيَّةِ عَلى العالَمِ الأرْضِيِّ، ومَصْدَرُ المَقادِيرِ المُقَدَّرَةِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فالسَّماءُ هَنا مُرادٌ بِها عالَمُ القُدْسِ.

وأبْوابُ السَّماءِ أسْبابُ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الأبْوابِ لِتَقْرِيبِ حَقائِقِها إلى الأذْهانِ فَمِنها قَبُولُ الأعْمالِ، ومَسالِكُ وُصُولِ الأُمُورِ الخَيْرِيَّةِ الصّادِرَةِ مِن أهْلِ الأرْضِ، وطُرُقِ قَبُولِها، وهو تَمْثِيلٌ لِأسْبابِ التَّزْكِيَةِ، قالَ تَعالى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ، وما يَعْلَمُ حَقائِقَها بِالتَّفْصِيلِ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنّا، فَكَما أنَّ العُفاةَ والشُّفَعاءَ إذا ورَدُوا المَكانَ قَدْ يُقْبَلُونَ ويُرْضى عَنْهم فَتُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ القُصُورِ والقِبابِ ويَدْخُلُونَ مُكَرَّمِينَ، وقَدْ يُرَدُّونَ ويُسْخَطُونَ فَتُوصَدُ في وُجُوهِهِمُ الأبْوابُ، مَثَّلَ إقْصاءَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ وعَدَمَ الرِّضا عَنْهم في سائِرِ الأحْوالِ، بِحالِ مَن لا تُفَتَّحُ لَهُ أبْوابُ المَنازِلِ، وأُضِيفَتِ الأبْوابُ إلى السَّماءِ لِيَظْهَرَ أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن وسائِلِ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وعَدَمَ قَبُولِ الأعْمالِ والعِباداتِ، وحِرْمانَ أرْواحِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ مُشاهَدَةَ مَناظِرِ الجَنَّةِ ومَقاعِدِ المُؤْمِنِينَ مِنها. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعْنى الحِرْمانِ مِنَ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ المَحْضَةِ، وإنْ كانُوا يَنالُونَ مِن نِعَمِ

صفحة ١٢٧

اللَّهِ الجُثْمانِيَّةِ ما يَنالُهُ غَيْرُهم، فَيُغاثُونَ بِالمَطَرِ، ويَأْتِيهِمُ الرِّزْقُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا بَيانٌ …

Al-A'raaf 7:41Listen in Qur'an →
42

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

أعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ لِلْمُكَذِّبِينَ، بِالبِشارَةِ والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ أحَدِ الغَرَضَيْنِ بِالآخَرِ.

وعُطِفَ عَلى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٤٠] أيْ: وإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. . . . إلَخْ، لِأنَّ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مُناسَبَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ

صفحة ١٣٠

وكَمالِ الِانْقِطاعِ، وهو التَّضادُّ بَيْنَ وصْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِما في الجُمْلَتَيْنِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ والإيمانُ بِها، وبَيْنَ حُكْمِ المُسْنَدَيْنِ وهو العَذابُ والنَّعِيمُ، وهَذا مِن قَبِيلِ الجامِعِ الوَهْمِيِّ المَذْكُورِ في أحْكامِ الفَصْلِ والوَصْلِ مِن عِلْمِ المَعانِي.

ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقٌ لِـ: (آمَنُوا) لِأنَّ الإيمانَ صارَ كاللَّقَبِ لِلْإيمانِ الخاصِّ الَّذِي جاءَ بِهِ دِينُ الإسْلامِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ.

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ (الَّذِينَ آمَنُوا) . وجُمْلَةُ (﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ. وفائِدَةُ هَذا الإدْماجِ الِارْتِفاقُ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ لَمّا بَشَّرَهم بِالجَنَّةِ عَلى فِعْلِ الصّالِحاتِ أطْمَنَ قُلُوبَهم بِأنْ لا يُطْلَبُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِما يَخْرُجُ عَنِ الطّاقَةِ، حَتّى إذا لَمْ يَبْلُغُوا إلَيْهِ أيِسُوا مِنَ الجَنَّةِ، بَلْ إنَّما يُطْلَبُونَ مِنها بِما في وُسْعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ يُرْضِي رَبَّهم.

وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّهُ قالَ، في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها أيْ قالَهُ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِ لا أنَّهُ قِراءَةٌ.

والوُسْعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: لا ﴿يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ودَلَّ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ عَلى قَصْرِ مُلازَمَةِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ، دُونَ غَيْرِهِمْ، فَفِيهِ تَأْيِيسٌ آخَرُ لِلْمُشْرِكِينَ بِحَيْثُ قَوِيَتْ نَصِّيَّةُ حِرْمانِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وجُمْلَةُ: (﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾) حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .

Al-A'raaf 7:42Listen in Qur'an →
43

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment, [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allah, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allah had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

صفحة ١٣١

اتِساقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] . وتَكُونُ جُمْلَةُ: ونَزَعْنا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢]، وجُمْلَةُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلَخْ، اعْتِراضًا بُيِّنَ بِهِ حالُ نُفُوسِهِمْ في المُعامَلَةِ في الجَنَّةِ، لِيُقابِلَ الِاعْتِراضَ الَّذِي أُدْمِجَ في أثْناءِ وصْفِ عَذابِ أهْلِ النّارِ، والمُبِيَّنُ بِهِ حالُ نُفُوسِهِمْ في المُعامَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] .

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أيْ: ونَنْزِعُ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ، وهو تَعْبِيرٌ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

والنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَوْضِعِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في آلِ عِمْرانَ، ونَزْعُ الغِلِّ مِن قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ: هو إزالَةُ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الغِلِّ عِنْدَ تَلَقِّي ما يَسُوءُ مِنَ الغَيْرِ، بِحَيْثُ طَهَّرَ اللَّهُ نُفُوسَهم في حَياتِها الثّانِيَةِ عَنِ الِانْفِعالِ بِالخَواطِرِ الشَّرِّيَّةِ الَّتِي مِنها الغِلُّ، فَزالَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِن غِلِّ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا، أيْ أزالَ ما كانَ حاصِلًا مِن غِلٍّ وأزالَ طِباعَ الغِلِّ الَّتِي في النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ في نُفُوسِهِمْ.

والغِلُّ: الحِقْدُ والإحْنَةُ والضِّغْنُ، الَّتِي تَحْصُلُ في النَّفْسِ عِنْدَ إدْراكِ ما يَسُئُوها مِن عَمَلِ غَيْرِها، ولَيْسَ الحَسَدُ مِنَ الغِلِّ بَلْ هو إحْساسٌ باطِنِيٌّ آخَرُ.

صفحة ١٣٢

وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ هم في أمْكِنَةٍ عالِيَةٍ تُشْرِفُ عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ.

وجُمْلَةُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] .

والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ونَزَعْنا. وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَهُ في خاصَّتِهِمْ ونُفُوسِهِمْ، عَلى مَعْنى التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَهُ بَيْنَهم في مَجامِعِهِمْ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِمْ لِهَذا إلى جَمِيعِ ما هو حاضِرٌ مِنَ النَّعِيمِ في وقْتِ ذَلِكَ الحَمْدِ، والهِدايَةُ لَهُ هي الإرْشادُ إلى أسْبابِهِ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقالَ تَعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآيَةَ، وجَعَلَ الهِدايَةَ لِنَفْسِ النَّعِيمِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى ما يُوَصِّلُ إلى الشَّيْءِ إنَّما هي هِدايَةٌ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ الهِدايَةِ وتَعْدِيَتِهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

والمُرادُ بِهَدْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إرْسالُهُ مُحَمَّدًا ﷺ إلَيْهِمْ فَأيْقَظَهم مِن غَفْلَتِهِمْ فاتَّبَعُوهُ، ولَمْ يُعانِدُوا، ولَمْ …

Al-A'raaf 7:43Listen in Qur'an →
44

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّۭا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّۭا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allah shall be upon the wrongdoers."

﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] إلَخْ، عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ، إذْ حُكِيَ قَوْلُهم المُنْبِئُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ حُكِيَ ما يَقُولُونَهُ لِأهْلِ النّارِ حِينَما يُشاهِدُونَهم.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ نِداءٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى ذِكْرِ مُناداةِ أهْلِ الآخِرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ

صفحة ١٣٦

الجَنَّةِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الأعْرافِ ونِداءِ أصْحابِ النّارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِعُنْوانِهِ ولِيُكُونَ مِنهُ مُحَسِّنُ الطِّباقِ في مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابَ النّارِ﴾، وهَذا النِّداءُ خِطابٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّداءِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ إلى أسْماعِ أصْحابِ النّارِ مِن مَسافَةٍ سَحِيقَةِ البُعْدِ، فَإنَّ سِعَةَ الجَنَّةِ وسِعَةَ النّارِ تَقْتَضِيانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦])، ووَسِيلَةُ بُلُوغِ هَذا الخِطابِ مِنَ الجَنَّةِ إلى أصْحابِ النّارِ وسِيلَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ.

وعِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لِمُتَعَلَّقاتِهِما.

وأنْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنِّداءِ.

والخَبَرُ الَّذِي هو ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاغْتِباطُ بِحالِهِمْ، وتَنْغِيصُ أعْدائِهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِرَفاهِيَةِ حالِهِمْ، والتَّوَرُّكُ عَلى الأعْداءِ إذْ كانُوا يَحْسَبُونَهم قَدْ ضَلُّوا حِينَ فارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، وأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا بِالِانْكِفافِ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ كُلُّها مِن لَوازِمِ الإخْبارِ، والمَعانِي الكِنائِيَّةُ لا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُها لِأنَّها تَبَعٌ لِلَّوازِمِ العَقْلِيَّةِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ جُمِعَ فِيها بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ والمَعانِي الكِنائِيَّةِ، ولَكِنَّ المَعانِي الكِنائِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ إذْ لَيْسَ القَصْدُ أنْ يَعْلَمَ أهْلُ النّارِ بِما حَصَلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولَكِنَّ القَصْدَ ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا المَعانِي الصَّرِيحَةُ فَمَدْلُولَةٌ بِالأصالَةِ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ المانِعَةِ.

والِاسْتِفْهامُ في جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ في تَوْقِيفِ المُخاطَبِينَ عَلى غَلَطِهِمْ، وإثارَةِ نَدامَتِهِمْ وغَمِّهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم، والشَّماتَةِ بِهِمْ في عَواقِبِ عِنادِهِمْ. والمَعانِي المَجازِيَّةُ الَّتِي عَلاقَتُها اللُّزُومُ يَجُوزُ تَعَدُّدُها مِثْلُ الكِنايَةِ، وقَرِينَةُ المَجازِ هي: ظُهُورُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ يَعْلَمُونَ أنَّ أصْحابَ النّارِ وجَدُوا وعْدَهُ حَقًّا.

والوُجْدانُ: إلْفاءُ الشَّيْءِ ولُقِيُّهُ، قالَ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى …

Al-A'raaf 7:44Listen in Qur'an →
45

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers.

﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] إلَخْ، عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ، إذْ حُكِيَ قَوْلُهم المُنْبِئُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ حُكِيَ ما يَقُولُونَهُ لِأهْلِ النّارِ حِينَما يُشاهِدُونَهم.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ نِداءٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى ذِكْرِ مُناداةِ أهْلِ الآخِرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ

صفحة ١٣٦

الجَنَّةِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الأعْرافِ ونِداءِ أصْحابِ النّارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِعُنْوانِهِ ولِيُكُونَ مِنهُ مُحَسِّنُ الطِّباقِ في مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابَ النّارِ﴾، وهَذا النِّداءُ خِطابٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّداءِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ إلى أسْماعِ أصْحابِ النّارِ مِن مَسافَةٍ سَحِيقَةِ البُعْدِ، فَإنَّ سِعَةَ الجَنَّةِ وسِعَةَ النّارِ تَقْتَضِيانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦])، ووَسِيلَةُ بُلُوغِ هَذا الخِطابِ مِنَ الجَنَّةِ إلى أصْحابِ النّارِ وسِيلَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ.

وعِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لِمُتَعَلَّقاتِهِما.

وأنْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنِّداءِ.

والخَبَرُ الَّذِي هو ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاغْتِباطُ بِحالِهِمْ، وتَنْغِيصُ أعْدائِهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِرَفاهِيَةِ حالِهِمْ، والتَّوَرُّكُ عَلى الأعْداءِ إذْ كانُوا يَحْسَبُونَهم قَدْ ضَلُّوا حِينَ فارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، وأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا بِالِانْكِفافِ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ كُلُّها مِن لَوازِمِ الإخْبارِ، والمَعانِي الكِنائِيَّةُ لا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُها لِأنَّها تَبَعٌ لِلَّوازِمِ العَقْلِيَّةِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ جُمِعَ فِيها بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ والمَعانِي الكِنائِيَّةِ، ولَكِنَّ المَعانِي الكِنائِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ إذْ لَيْسَ القَصْدُ أنْ يَعْلَمَ أهْلُ النّارِ بِما حَصَلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولَكِنَّ القَصْدَ ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا المَعانِي الصَّرِيحَةُ فَمَدْلُولَةٌ بِالأصالَةِ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ المانِعَةِ.

والِاسْتِفْهامُ في جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ في تَوْقِيفِ المُخاطَبِينَ عَلى غَلَطِهِمْ، وإثارَةِ نَدامَتِهِمْ وغَمِّهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم، والشَّماتَةِ بِهِمْ في عَواقِبِ عِنادِهِمْ. والمَعانِي المَجازِيَّةُ الَّتِي عَلاقَتُها اللُّزُومُ يَجُوزُ تَعَدُّدُها مِثْلُ الكِنايَةِ، وقَرِينَةُ المَجازِ هي: ظُهُورُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ يَعْلَمُونَ أنَّ أصْحابَ النّارِ وجَدُوا وعْدَهُ حَقًّا.

والوُجْدانُ: إلْفاءُ الشَّيْءِ ولُقِيُّهُ، قالَ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى …

Al-A'raaf 7:45Listen in Qur'an →
46

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌۭ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌۭ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ

And between them will be a partition, and on [its] elevations are men who recognize all by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَقْدِيمُ وبَيْنَهُما وهو خَبَرٌ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ وما ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ. وبِهَذا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

وضَمِيرُ بَيْنِهِما يَعُودُ إلى لَفْظَيِ الجَنَّةِ والنّارِ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهُما اسْما مَكانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبارُ

صفحة ١٤١

التَّوَسُّطِ بَيْنَهُما. وجُعِلَ الحِجابُ فَصْلًا بَيْنَهُما، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ تُعَيِّنُ هَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الضَّمِيرِ فَرِيقا أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، لَقالَ: بَيْنَهم. كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ.

والحِجابُ سُورٌ ضُرِبَ فاصِلًا بَيْنَ مَكانِ الجَنَّةِ ومَكانِ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَمّاهُ القُرْآنُ سُورًا في قَوْلِهِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ، وسُمِّيَ السُّورُ حِجابًا لِأنَّهُ يُقْصَدُ مِنهُ الحَجْبُ والمَنعُ كَما سُمِّيَ سُورًا بِاعْتِبارِ الإحاطَةِ.

والأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ تُضَمُّ الرّاءُ أيْضًا وهو أعْلى الشَّيْءِ ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الفَرَسِ، الشَّعْرُ الَّذِي في أعْلى رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ. الرِّيشُ الَّذِي في أعْلى رَأْسِهِ.

و(ألْ) في الأعْرافِ لِلْعَهْدِ، وهي الأعْرافُ المَعْهُودَةُ الَّتِي تَكُونُ بارِزَةً في أعالِي السُّورِ، لِيَرْقُبَ مِنها النَّظّارَةُ حَرَكاتِ العَدِّ ولِيَشْعُرُوا بِهِ إذا داهَمَهم. ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْأعْرافِ هُنا حَتّى تُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها ما يَعْهَدُهُ النّاسُ في الأسْوارِ، أوْ يَجْعَلُ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ وعَلى أعْرافِ السُّورِ، وهُما وجْهانِ في نَظائِرِ هَذا التَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] وأيًّا ما كانَ فَنَظْمُ الآيَةِ يَأْبى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأعْرافِ مَكانًا مَخْصُوصًا يَتَعَرَّفُ مِنهُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الحَدِيثِ عَنْهُ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذِ اقْتَضى المَقامُ الحَدِيثَ عَنْ رِجالٍ مَجْهُولِينَ يَكُونُونَ عَلى أعْرافِ هَذا الحِجابِ. قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَشْهَدُونَ هُنالِكَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ، ويَعْرِفُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ كانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ في الدُّنْيا، وكانُوا يُكَذِّبُونَ وعْدَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ أنْ لَيْسَ في أهْلِ الأعْرافِ نِساءٌ، ولا اخْتِصاصُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ المُتَحَدَّثِ

صفحة ١٤٢

عَنْهم بِذَلِكَ المَكانِ دُونَ سِواهم مِنَ الرِّجالِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ رِجالٌ يَقَعُ لَهم هَذا الخَبَرُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلِاعْتِبارِ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ، لا لِقَصْدِ تَقْسِيمِ أهْلِ الآخِرَةِ وأمْكِنَتِهِمْ، ولَعَلَّ تَوَهُّمَ أنَّ تَخْصِيصَ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِقَصْدِ التَّقْسِيمِ قَدْ أوْقَعَ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ في حَيْرَةٍ لِتَطَلُّبِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ …

Al-A'raaf 7:46Listen in Qur'an →
47

۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَقْدِيمُ وبَيْنَهُما وهو خَبَرٌ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ وما ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ. وبِهَذا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

وضَمِيرُ بَيْنِهِما يَعُودُ إلى لَفْظَيِ الجَنَّةِ والنّارِ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] . وهُما اسْما مَكانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبارُ

صفحة ١٤١

التَّوَسُّطِ بَيْنَهُما. وجُعِلَ الحِجابُ فَصْلًا بَيْنَهُما، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ تُعَيِّنُ هَذا المَعْنى، ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الضَّمِيرِ فَرِيقا أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، لَقالَ: بَيْنَهم. كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآيَةَ.

والحِجابُ سُورٌ ضُرِبَ فاصِلًا بَيْنَ مَكانِ الجَنَّةِ ومَكانِ جَهَنَّمَ، وقَدْ سَمّاهُ القُرْآنُ سُورًا في قَوْلِهِ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣] في سُورَةِ الحَدِيدِ، وسُمِّيَ السُّورُ حِجابًا لِأنَّهُ يُقْصَدُ مِنهُ الحَجْبُ والمَنعُ كَما سُمِّيَ سُورًا بِاعْتِبارِ الإحاطَةِ.

والأعْرافُ: جَمْعُ عُرْفٍ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ تُضَمُّ الرّاءُ أيْضًا وهو أعْلى الشَّيْءِ ومِنهُ سُمِّيَ عُرْفُ الفَرَسِ، الشَّعْرُ الَّذِي في أعْلى رَقَبَتِهِ، وسُمِّيَ عُرْفُ الدِّيكِ. الرِّيشُ الَّذِي في أعْلى رَأْسِهِ.

و(ألْ) في الأعْرافِ لِلْعَهْدِ، وهي الأعْرافُ المَعْهُودَةُ الَّتِي تَكُونُ بارِزَةً في أعالِي السُّورِ، لِيَرْقُبَ مِنها النَّظّارَةُ حَرَكاتِ العَدِّ ولِيَشْعُرُوا بِهِ إذا داهَمَهم. ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِلْأعْرافِ هُنا حَتّى تُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها ما يَعْهَدُهُ النّاسُ في الأسْوارِ، أوْ يَجْعَلُ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ: أيْ وعَلى أعْرافِ السُّورِ، وهُما وجْهانِ في نَظائِرِ هَذا التَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] وأيًّا ما كانَ فَنَظْمُ الآيَةِ يَأْبى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأعْرافِ مَكانًا مَخْصُوصًا يَتَعَرَّفُ مِنهُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الحَدِيثِ عَنْهُ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَصْحِيحِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذِ اقْتَضى المَقامُ الحَدِيثَ عَنْ رِجالٍ مَجْهُولِينَ يَكُونُونَ عَلى أعْرافِ هَذا الحِجابِ. قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَشْهَدُونَ هُنالِكَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ، ويَعْرِفُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ كانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ في الدُّنْيا، وكانُوا يُكَذِّبُونَ وعْدَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ. ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ أنْ لَيْسَ في أهْلِ الأعْرافِ نِساءٌ، ولا اخْتِصاصُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ المُتَحَدَّثِ

صفحة ١٤٢

عَنْهم بِذَلِكَ المَكانِ دُونَ سِواهم مِنَ الرِّجالِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ رِجالٌ يَقَعُ لَهم هَذا الخَبَرُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلِاعْتِبارِ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ، لا لِقَصْدِ تَقْسِيمِ أهْلِ الآخِرَةِ وأمْكِنَتِهِمْ، ولَعَلَّ تَوَهُّمَ أنَّ تَخْصِيصَ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِقَصْدِ التَّقْسِيمِ قَدْ أوْقَعَ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ في حَيْرَةٍ لِتَطَلُّبِ المَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ …

Al-A'raaf 7:47Listen in Qur'an →
48

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering and [the fact] that you were arrogant."

﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجالُ يُنادِيهِمْ جَمِيعُ مَن كانَ عَلى الأعْرافِ، ولا أنْ يَعْرِفَهم بِسِيماهم جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الأعْرافِ، مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ والأُمَمِ، فالمَقْصُودُ بِأصْحابِ الأعْرافِ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونادى أُولَئِكَ الرِّجالُ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ رِجالًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهم هُنا بِأصْحابِ الأعْرافِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ونادَوْا رِجالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ وقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دَفْعًا لِلِالتِباسِ.

صفحة ١٤٥

والنِّداءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ المُخاطَبِ فَيَظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمّا تَطَلَّعُوا بِأبْصارِهِمْ إلى النّارِ عَرَفُوا رِجالًا، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ النّارِ عَرَفُوا رِجالًا كانُوا جَبّارِينَ في الدُّنْيا. والسِّيما هُنا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشَخِّصاتِ الذّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِها الأشْخاصُ، ولَيْسَتِ السِّيما الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها أهْلُ النّارِ كُلُّهم كَما هو في الآيَةِ السّابِقَةِ.

فالمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن أمْرِ الآخِرَةِ. فِيهِ نِذارَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِمْ عَبِيدٌ وفُقَراءُ فَإذا سَمِعُوا بِشاراتِ القُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كانَ مِن أحْرارِ المُسْلِمِينَ وسادَتِهِمْ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعافُ والعَبِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ بِأهْلٍ لِسُكْنى الجَنَّةِ لِأنَّهم ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ، وقَصْدُهم مِن هَذا تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارِ ما يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِن أقْوالِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الأجْسادِ وفَناءَها دَلِيلًا عَلى إبْطالِ الحَشْرِ. وسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الفَهْمِ وضَعْفِ الإدْراكِ والتَّخْلِيطِ بَيْنَ العادِيّاتِ والعَقْلِيّاتِ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: يُنادِي أهْلُ الأعْرافِ وهم عَلى السُّورِ يا ولِيدُ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلَ بْنَ هِشامٍ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَهَؤُلاءِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم وكانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ.

ومَعْنى جَمْعُكم يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ النّاسِ، أيْ ما أغْنَتْ عَنْكم كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ مِنَ الجَمْعِ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ ما جَمَعْتُمُوهُ مِنَ المالِ والثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .

صفحة …

Al-A'raaf 7:48Listen in Qur'an →
49

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ

[Allah will say], "Are these the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allah would never offer them mercy? Enter Paradise, [O People of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿أصْحابُ الأعْرافِ﴾ لِلْعَهْدِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ﴾ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الرِّجالُ يُنادِيهِمْ جَمِيعُ مَن كانَ عَلى الأعْرافِ، ولا أنْ يَعْرِفَهم بِسِيماهم جَمِيعُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الأعْرافِ، مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ والأُمَمِ، فالمَقْصُودُ بِأصْحابِ الأعْرافِ هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَكَأنَّهُ قِيلَ: ونادى أُولَئِكَ الرِّجالُ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ رِجالًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهم هُنا بِأصْحابِ الأعْرافِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ. ونادَوْا رِجالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَدَّدَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ما يَصْلُحُ لِعَوْدِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ وقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دَفْعًا لِلِالتِباسِ.

صفحة ١٤٥

والنِّداءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ المُخاطَبِ فَيَظْهَرُ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمّا تَطَلَّعُوا بِأبْصارِهِمْ إلى النّارِ عَرَفُوا رِجالًا، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ النّارِ عَرَفُوا رِجالًا كانُوا جَبّارِينَ في الدُّنْيا. والسِّيما هُنا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها المُشَخِّصاتِ الذّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِها الأشْخاصُ، ولَيْسَتِ السِّيما الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها أهْلُ النّارِ كُلُّهم كَما هو في الآيَةِ السّابِقَةِ.

فالمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن أمْرِ الآخِرَةِ. فِيهِ نِذارَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَقِّرُونَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِمْ عَبِيدٌ وفُقَراءُ فَإذا سَمِعُوا بِشاراتِ القُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كانَ مِن أحْرارِ المُسْلِمِينَ وسادَتِهِمْ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعافُ والعَبِيدُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ بِأهْلٍ لِسُكْنى الجَنَّةِ لِأنَّهم ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالجَنَّةِ، وقَصْدُهم مِن هَذا تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارِ ما يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِن أقْوالِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الأجْسادِ وفَناءَها دَلِيلًا عَلى إبْطالِ الحَشْرِ. وسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن سُوءِ الفَهْمِ وضَعْفِ الإدْراكِ والتَّخْلِيطِ بَيْنَ العادِيّاتِ والعَقْلِيّاتِ. قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: يُنادِي أهْلُ الأعْرافِ وهم عَلى السُّورِ يا ولِيدُ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلَ بْنَ هِشامٍ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَهَؤُلاءِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم وكانُوا مِن أهْلِ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ.

ومَعْنى جَمْعُكم يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ النّاسِ، أيْ ما أغْنَتْ عَنْكم كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ مِنَ الجَمْعِ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ ما جَمَعْتُمُوهُ مِنَ المالِ والثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .

صفحة …

Al-A'raaf 7:49Listen in Qur'an →
50

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allah has provided you." They will say, "Indeed, Allah has forbidden them both to the disbelievers."

﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١]

صفحة ١٤٨

القَوْلُ في نادى وفي أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ كالقَوْلِ في: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ. وأصْحابُ النّارِ مُرادٌ بِهِمْ مَن كانَ مِن مُشْرِكِي أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ كَما تَقَدَّمَ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ بَعْدُ ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ [الأعراف: ٥٢] .

فِعْلُ الفَيْضِ حَقِيقَتُهُ سَيَلانُ الماءِ وانْصِبابُهُ بِقُوَّةٍ ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الكَثْرَةِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ» ويَجِيءُ مِنهُ مَجازٌ في السَّخاءِ ووَفْرَةِ العَطاءِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «أنَّهُ قالَ لِطَلْحَةَ: أنْتَ الفَيّاضُ» فالفَيْضُ في الآيَةِ إذا حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أصْحابُ النّارِ طالِبِينَ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ أنْ يَصُبُّوا عَلَيْهِمْ ماءً لِيَشْرَبُوا مِنهُ، وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ، ولِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى المُفْرَدِ، فَيُقَدَّرُ عامِلٌ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ يُناسِبُ ما عَدا الماءَ تَقْدِيرُهُ: أوْ أعْطُونا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَـارِدًا حَتّى شَبَّتْ هَمّالَةً عَيْناها

تَقْدِيرُهُ: عَلَفْتُها تِبْنًا وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ مِن بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا مِنَ الماءِ، لِأنَّ: أفِيضُوا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الفَيْضُ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو سِعَةُ العَطاءِ والسَّخاءِ، مِنَ الماءِ والرِّزْقِ، إذْ لَيْسَ مَعْنى الصَّبِّ بِمُناسِبٍ بَلِ المَقْصُودُ الإرْسالُ والتَّفَضُّلُ، ويَكُونُ العَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ وهو أصْلُ العَطْفِ، ويَكُونُ سُؤْلُهم مِنَ الطَّعامِ مُماثِلًا لِسُؤْلِهِمْ مِنَ الماءِ في الكَثْرَةِ، فَيَكُونُ في هَذا الحَمْلِ

صفحة ١٤٩

تَعْرِيضٌ بِأنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ أهْلُ سَخاءٍ، وتَكُونُ مِن عَلى هَذا الوَجْهِ بَيانِيَّةً لِمَعْنى الإفاضَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ (أفِيضُوا) مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَتَتَعَلَّقُ مِن بِفِعْلِ أفِيضُوا.

والرِّزْقُ مُرادٌ بِهِ الطَّعامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةَ.

وضَمِيرُ قالُوا لِأصْحابِ الجَنَّةِ، وهو جَوابُهم عَنْ سُؤالِ أصْحابِ النّارِ، ولِذَلِكَ فَصَلَ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.

والتَّحْرِيمُ في قَوْلِهِ ﴿حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ وقَوْلِهِ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] .

والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا في القُرْآنِ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وعُرِفُوا بِإنْكارِ لِقاءِ يَوْمِ الحَشْرِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا …

Al-A'raaf 7:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.