۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾
جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر.
(فائدة أخرى)
قالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ مِن أئِمَّةِ الطِّبِّ: مَن أرادَ عافِيَةَ الجِسْمِ فَلْيُقَلِّلْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن أرادَ عافِيَةَ القَلْبِ فَلْيَتْرُكِ الآثامَ.
وَقالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ.
والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:
؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها
؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها
(لطيفة)
سَألَ سهل التسترِي الرجل يَأْكُل في اليَوْم أكلَة؟ قالَ أكل الصديقين.
قيل لَهُ فأكلتين؟ قالَ أكل المُؤمنِينَ.
قيل لَهُ فَثَلاث أكلات؟ فَقالَ قل لأهله يبنوا لَهُ معلفا.
[فَصْلٌ: المُفْسِدُ الرّابِعُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ الطَّعامُ]
والمُفْسِدُ لَهُ مِن ذَلِكَ نَوْعانِ: أحَدُهُما ما يُفْسِدُهُ لِعَيْنِهِ وذاتِهِ كالمُحَرَّماتِ، وهي نَوْعانِ: مُحَرَّماتٌ لِحَقِّ اللَّهِ، كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، وذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ والمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، ومُحَرَّماتٌ لِحَقِّ العِبادِ، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ والمَنهُوبِ، وما أُخِذَ بِغَيْرِ رِضا صاحِبِهِ، إمّا قَهْرًا وإمّا حَياءً وتَذَمُّمًا.
والثّانِي: ما يُفْسِدُهُ بِقَدْرِهِ وتَعَدِّي حَدِّهِ، كالإسْرافِ في الحَلالِ، والشِّبَعِ المُفْرِطِ، فَإنَّهُ يُثْقِلُهُ عَنِ الطّاعاتِ، ويَشْغَلُهُ بِمُزاوَلَةِ مُؤْنَةِ البِطْنَةِ ومُحاوَلَتِها، حَتّى يَظْفَرَ بِها، فَإذا ظَفِرَ بِها شَغَلَهُ بِمُزاوَلَةِ تَصَرُّفِها ووِقايَةِ ضَرَرِها، والتَّأذِّي بِثِقَلِها، وقَوّى عَلَيْهِ مَوادَّ الشَّهْوَةِ، وطُرُقَ مَجارِي الشَّيْطانِ ووَسَّعَها، فَإنَّهُ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ، فالصَّوْمُ يُضَيِّقُ مَجارِيَهُ ويَسُدُّ عَلَيْهِ طُرُقَهُ، والشِّبَعُ يَطْرُقُها ويُوَسِّعُها، ومَن أكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ «ما مَلَأ آدَمِيٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» ويُحْكى أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرَضَ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ لَهُ يَحْيى: هَلْ نِلْتَ مِنِّي شَيْئًا قَطُّ؟ قالَ: لا، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ إلَيْكَ الطَّعامُ لَيْلَةً فَشَهَّيْتُهُ إلَيْكَ حَتّى شَبِعْتَ مِنهُ، فَنِمْتَ عَنْ وِرْدِكَ، فَقالَ يَحْيى: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أشْبَعَ مِن طَعامٍ أبَدًا، فَقالَ إبْلِيسُ: وأنا، لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أنْصَحَ آدَمِيًّا أبَدًا.
[فَصْلٌ: الأدَبُ هو الدِّينُ كُلُّهُ]
فَإنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِنَ الأدَبِ. والوُضُوءَ وغُسْلَ الجَنابَةِ مِنَ الأدَبِ. والتَّطَهُّرَ مِنَ الخُبْثِ مِنَ الأدَبِ. حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طاهِرًا. ولِهَذا كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَجَمَّلَ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ. لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: أمَرَ اللَّهُ بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى …