Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 206

31

۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾

إعادَةُ النِّداءِ في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ، وتَعْرِيفُ المُنادى بِطَرِيقِ الإضافَةِ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ بَنِي آدَمَ مُتابَعَةٌ لِلْخِطابِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] .

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ، مِنَ الَّتِي بَعْدَها، وهي قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الجَدَلِ، فَقُدِّمَتْ عَلى الجَدَلِ فَصارَتْ غَرَضًا بِمَنزِلَةِ دَعْوى وجُعِلَ الجَدَلُ حُجَّةً عَلى الدَّعْوى، وذَلِكَ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الإنْشاءِ في تَرْتِيبِ المَعانِي ونَتائِجِها.

فالمَقْصِدُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ إبْطالُ ما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن لُزُومِ التَّعَرِّي في الحَجِّ في أحْوالٍ خاصَّةٍ، وعِنْدَ مَساجِدَ مُعَيَّنَةٍ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ وتَقُولُ مَن يُعِيرُنِي تِطْوافًا تَجْعَلُهُ عَلى فَرْجِها وتَقُولُ:

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

صفحة ٩٣

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً إلّا الحُمْسَ. والحُمْسُ قُرَيْشٌ وما ولَدَتْ، فَكانَ غَيْرُهم يَطُوفُونَ عُراةً إلّا أنْ يُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيابًا فَيُعْطِي الرِّجالُ الرِّجالَ والنِّساءُ النِّساءَ. وعَنْهُ: أنَّهم كانُوا إذا وصَلُوا إلى مِنًى طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. ورُوِيَ أنَّ الحُمْسَ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ أنْ يَطُوفَ إلّا في ثِيابِنا ولا يَأْكُلَ إذا دَخَلَ أرْضِنا إلّا مِن طَعامِنا. فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ العَرَبِ صَدِيقٌ بِمَكَّةَ يُعِيرُهُ ثَوْبًا ولا يَجِدْ ما يَسْتَأْجِرُ بِهِ كانَ بَيْنَ أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا أنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانًا وإمّا أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ فَإذا فَرَغَ مِن طَوافِهِ ألْقى ثَوْبَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَمَسَّهُ أحَدٌ وكانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمّى: اللَّقى - بِفَتْحِ اللّامِ - قالَ شاعِرُهم:

كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقًى بَيْنَ أيْدِي الطّائِفِينَ حَرامُ

وفِي الكَشّافِ، عَنْ طاوُسٍ: كانَ أحَدُهم يَطُوفُ عُرْيانًا ويَدَعُ ثِيابَهُ وراءَ المَسْجِدِ وإنْ طافَ وهي عَلَيْهِ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ لِأنَّهم قالُوا لا نَعْبُدُ اللَّهَ في ثِيابٍ أذْنَبْنا فِيها، وقَدْ أبْطَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ إذْ أمَرَ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عامَ حَجَّتِهِ سَنَةَ تِسْعٍ، أنْ يُنادِيَ في المَوْسِمِ: «أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» .

وعَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ عَبّاسٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ التَزَمُوا تَحْرِيمَ اللِّمَمِ والوَدَكَ في أيّامِ المَوْسِمِ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، ونَسَبَ في الكَشّافِ ذَلِكَ إلى بَنِي عامِرٍ، وكانَ الحُمْسُ يَقُولُونَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ إذا دَخَلَ أرْضَنا أنْ يَأْكُلَ إلّا مِن طَعامِنا، وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ

صفحة ٩٤

عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ كانُوا إذا حَجُّوا حَرَّمُوا الشّاةَ ولَبَنَها وسَمْنَها. وفِيهِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ الآيَةَ أرادَتْ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي.

فالأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ لِلْوُجُوبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ لِلْإباحَةِ لَبَنِي آدَمَ …

Al-A'raaf 7:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

Say, "Who has forbidden the adornment of Allah which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believe during the worldly life [but] exclusively for them on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الخِطاباتِ المَحْكِيَّةِ والمُوَجَّهَةِ، وهو مَوْضِعُ إبْطالِ مَزاعِمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما حَرَّمُوهُ مِنَ اللِّباسِ والطَّعامِ وهي زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِإباحَةِ التَّسَتُّرِ في المَساجِدِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ السّابِقُ بِأنَّ اللِّباسَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وثُنِّيَ بِالأمْرِ بِإجابِ التَّسَتُّرِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وثُلِّثَ بِإنْكارِ أنْ يُوجَدَ تَحْرِيمُ اللِّباسِ

صفحة ٩٦

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِقُلْ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلرَّدِّ والإنْكارِ والمُحاوَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ قُصِدَ بِهِ التَّهَكُّمُ إذْ جَعَلَهم بِمَنزِلَةِ أهْلِ عِلْمٍ يُطْلَبُ مِنهُمُ البَيانُ والإفادَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ: إضافَةُ الزِّينَةِ إلى اسْمِ اللَّهِ، وتَعْرِيفُها بِأنَّها أخْرَجَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، ووَصْفُ الرِّزْقِ بِالطَّيِّباتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّحْرِيمِ، فالِاسْتِفْهامُ يَؤُولُ أيْضًا إلى إنْكارِ تَحْرِيمِها.

ولِوُضُوحِ انْتِفاءِ تَحْرِيمِها، وأنَّهُ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ عالِمٍ لا سُؤالُ طالِبِ عِلْمٍ، أُمِرَ السّائِلُ بِأنْ يُجِيبَ بِنَفْسِهِ سُؤالَ نَفْسِهِ فَعُقِّبَ ما هو في صُورَةِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، - وقَوْلُهُ - ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] فَآلَ السُّؤالُ وجَوابُهُ إلى خَبَرَيْنِ.

وضَمِيرُ ”هي“ عائِدٌ إلى الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وصْفِ تَحْرِيمِ مَن حَرَّمَها، أيِ: الزِّينَةُ والطَّيِّباتُ مِن حَيْثُ هي هي حَلالٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فَمَن حَرَّمَها عَلى أنْفُسِهِمْ فَقَدْ حَرَمُوا أنْفُسَهم.

واللّامُ في: ”﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾“ لامُ الِاخْتِصاصِ وهو يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ، فالمَعْنى: ما هي بِحَرامٍ ولَكِنَّها مُباحَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وإنَّما حَرَمَ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهم مِن أصْنافٍ مِنها في الحَياةِ الدُّنْيا كُلِّها مِثْلَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وما في بُطُونِها، وحَرَمَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ أنْفُسَهم مِن أشْياءَ في أوْقاتٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا مِمّا حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ اللِّباسِ في الطَّوافِ وفي مِنًى، ومِن أكْلِ اللُّحُومِ والوَدَكِ والسَّمْنِ واللَّبَنِ، فَكانَ الفَوْزُ لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ اتَّبَعُوا أمْرَ اللَّهِ بِتَحْلِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ في جَمِيعِ أوْقاتِ الحَياةِ الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ: ﴿خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وحْدَهُ: بِرَفْعِ ”خالِصَةً“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ قَوْلِهِ: هي أيْ: هي لَهم في الدُّنْيا وهي لَهم خالِصَةٌ

صفحة ٩٧

يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ أيْ هي لَهُمُ الآنَ حالَ كَوْنِها خالِصَةً في الآخِرَةِ ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو أنَّ الزِّينَةَ والطَّيِّباتِ تَكُونُ خالِصَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ.

والأظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في خالِصَةٍ عائِدٌ إلى الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ …

Al-A'raaf 7:32Listen in Qur'an →
33

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin, and oppression without right, and that you associate with Allah that for which He has not sent down authority, and that you say about Allah that which you do not know."

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا أنْبَأ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] إلى آخِرِهِ، بِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ حُرِمُوا مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. وأنْبَأ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ - ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] بِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ يَعْزُونَ ضَلالَهم في الدِّينِ إلى اللَّهِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أعْقَبَ مُجادَلَتَهم بِبَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ حَقًّا وهم مُتَلَبِّسُونَ بِهِ وعاكِفُونَ عَلى فِعْلِهِ.

فالقَصْرُ المُفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ مُفادُهُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الفَواحِشَ وما ذُكِرَ مَعَها لا ما حَرَّمْتُمُوهُ مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ، فَأفادَ إبْطالَ اعْتِقادِهِمْ، ثُمَّ هو يُفِيدُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أنَّ ما عَدَّهُ اللَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتِ تَحْرِيمُها قَدْ تَلَبَّسُوا بِها، لِأنَّهُ لَمّا عَدَّ أشْياءَ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ المُحَرَّماتِ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِيها، عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ما عَيَّنَهُ مَقْصُودٌ بِهِ تَعْيِينُ ما تَلَبَّسُوا بِهِ فَحَصَلَ بِصِيغَةِ القَصْرِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ مِن جانِبَيْ ما في صِيغَةِ ”إنَّما“ مِن إثْباتٍ ونَفْيٍ: إذْ هي بِمَعْنى (ما - وإلّا)، فَأفادَ تَحْلِيلَ ما زَعَمُوهُ حَرامًا وتَحْرِيمَ ما اسْتَباحُوهُ مِنَ الفَواحِشِ وما مَعَها.

صفحة ١٠٠

والفَواحِشُ جَمْعُ فاحِشَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنى الفاحِشَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا في سُورَةِ النِّساءِ وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨] .

و(ما ظَهَرَ مِنها) هو ما يُظْهِرُهُ النّاسُ بَيْنَ قُرَنائِهِمْ وخاصَّتِهِمْ مِثْلَ البِغاءِ والمُخادَنَةِ، وما بَطَنَ هو ما لا يُظْهِرُهُ النّاسُ مِثْلَ الوَأْدِ والسَّرِقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَ هَذِهِ الفَواحِشَ وهي مَفاسِدُ قَبِيحَةٌ لا يَشُكُّ أُولُو الألْبابِ، لَوْ سُئِلُوا، أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى بِها، وقِيلَ المُرادُ بِالفَواحِشِ: الزِّنا، وما ظَهَرَ مِنهُ وما بَطَنَ حالانِ مِن أحْوالِ الزُّناةِ، وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أفْعالِهِ وأحْوالِهِ وهو بَعِيدٌ.

وأمّا الإثْمُ فَهو كُلُّ ذَنْبٍ، فَهو أعَمُّ مِنَ الفَواحِشِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الفَواحِشِ قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِنها قَبْلَ التَّحْذِيرِ مِن عُمُومِ الذُّنُوبِ، فَهو مَن ذِكْرِ الخاصِّ قَبْلَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ، كَذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ، إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ الحاصِلَ بِالتَّخْصِيصِ مَعَ التَّقْدِيمِ أقْوى لِأنَّ فِيهِ اهْتِمامًا مِن جِهَتَيْنِ.

وأمّا البَغْيُ فَهو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ بِسَلْبِ أمْوالِهِمْ أوْ بِأذاهم، والكِبْرُ عَلى النّاسِ مِنَ البَغْيِ، فَما كانَ …

Al-A'raaf 7:33Listen in Qur'an →
34

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] وبَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] لَمّا نَعى اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ ضَلالَهم وتَمَرُّدَهم، بَعْدَ أنْ دَعاهم إلى الإيمانِ، وإعْراضَهم عَنْهُ، بِالمُجادَلَةِ والتَّوْبِيخِ وإظْهارِ نَقائِصِهِمْ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ، وكانَ حالُهم حالَ مَن لا يُقْلِعُ عَمّا هم فِيهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإنْذارِهِمْ ووَعِيدِهِمْ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وإعْذارًا لَهم قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُؤَكِّدُ الغَرَضَ مِن جُمْلَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] . وتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخَبَرِ المُشْرِكِينَ، بِأنْ أقْبَلَ اللَّهُ عَلى خِطابِهِمْ أوْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِأنْ يُخاطِبَهم، لِأنَّ هَذا الخِطابَ خِطابُ وعِيدٍ وإنْذارٍ.

صفحة ١٠٣

والمَعْنى الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالخَبَرِ النَّبِيءَ ﷺ، فَيَكُونُ وعْدًا لَهُ بِالنَّصْرِ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وإعْلامًا لَهُ بِأنَّ سُنَّتَهُ سُنَّةُ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِطَرِيقَةِ جَعْلِ سُنَّةِ أُمَّتِهِ كَسُنَّةِ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ.

وذِكْرُ عُمُومِ الأُمَمِ في هَذا الوَعِيدِ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما هو مُبالَغَةٌ في الإنْذارِ والوَعِيدِ بِتَقْرِيبِ حُصُولِهِ كَما حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِشَواهِدِ التّارِيخِ في قِياسِ الحاضِرِ عَلى الماضِي فَيَكُونُ الوَعِيدُ خَبَرًا مَعْضُودًا بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. كَما قالَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أيْ: ما أنْتُمْ إلّا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجْلٌ فَأنْتُمْ لَكم أجْلٌ سَيَحِينُ حِينُهُ.

وذِكْرُ الأجَلِ هُنا دُونَ أنْ يَقُولَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَذابٌ أوِ اسْتِئْصالٌ؛ إيقاظًا لِعُقُولِهِمْ مِن أنْ يَغُرَّهُمُ الإمْهالُ فَيَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤاخِذِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، كَما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وطَمْأنَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم إنَّما هو جَرْيٌ عَلى عادَةِ اللَّهِ تَعالى في إمْهالِ الظّالِمِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] وقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .

ومَعْنى: ”لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ“ لِكُلِّ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ إمْهالٌ فَحُذِفَ وصْفُ أُمَّةٍ أيْ: مُكَذِّبَةٍ.

وجُعِلَ لِذَلِكَ الزَّمانِ نِهايَةٌ وهي الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ الإمْهالِ، فالأجَلُ يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ الإمْهالِ، ويُطْلَقُ عَلى الوَقْتِ المُحَدَّدِ بِهِ انْتِهاءُ الإمْهالِ، ولا شَكَّ أنَّهُ وُضِعَ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الآخَرِ عَلى تَأْوِيلِ مُنْتَهى المُدَّةِ أوْ تَأْخِيرِ المُنْتَهى وشاعَ الِاسْتِعْمالانِ، فَعَلى الأوَّلِ يُقالُ قَضى الأجَلَ أيِ المُدَّةَ كَما قالَ تَعالى: ”أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ“ وعَلى الثّانِي يُقالُ: ”دَنا

صفحة ١٠٤

أجَلُ فُلانٍ“ …

Al-A'raaf 7:34Listen in Qur'an →
35

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses, then whoever fears Allah and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَجِيءُ في مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ في نَظِيرَتِها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] .

والتَّأْوِيلُ الَّذِي اسْتَظْهَرْنا بِهِ هُنالِكَ يَبْدُو في هَذِهِ النَّظِيرَةِ الرّابِعَةِ أوْضَحَ، وصِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”رُسُلٌ“ وقَوْلِهِ ”يَقُصُّونَ“ تَقْتَضِي تَوَقُّعَ مَجِيءِ عِدَّةِ رُسُلٍ، وذَلِكَ مُنْتَفٍ بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ الخاتِمِ لِلرُّسُلِ الحاشِرِ العاقِبِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَذَلِكَ يَتَأكَّدُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ الحاضِرِينَ وقْتَ نُزُولِ القُرْآنِ، ويُرَجِّحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّداءاتُ الأرْبَعَةُ حِكايَةً لِقَوْلٍ مُوَجَّهٍ إلى بَنِي آدَمَ الأوَّلِينَ الَّذِي أوَّلُهُ: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَأنَّ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ قَدِيمِها وحَدِيثِها، هو مُتَمَكِّنٌ لَهم، ومُتَحَصِّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ هَذا حُكْمُ اللَّهِ في العالَمِ مُنْذُ أنْشَأهُ يُرِيدُ أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ النّاسَ هَذا الخِطابَ عَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيءٍ، مِن آدَمَ إلى هَلُمَّ جَرًّا، فَما مِن نَبِيءٍ أوْ رَسُولٍ إلّا وبَلَّغَهُ أُمَّتَهُ،

صفحة ١٠٧

وأمَرَهَمْ بِأنْ يُبَلِّغَ الشّاهِدُ مِنهُمُ الغائِبَ، حَتّى نَزَلَ في القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَلِمَتْ أُمَّتُهُ أنَّها مَشْمُولَةٌ في عُمُومِ بَنِي آدَمَ.

وإذا كانَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنًا في هَذِهِ الآيَةِ أوْ كالمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ اعْتِبارُ مِثْلِهِ في نَظائِرِها الثَّلاثِ الماضِيَةِ، فَشُدَّ بِهِ يَدَكَ، ولا تَعْبَأْ بِمَن حَرَدَكَ.

فَأمّا إذا جُعِلَ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ في زَمَنِ النُّزُولِ، بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، فَهُنالِكَ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ مَعْنى الشَّرْطِ إلى ما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ غالِبًا، كَأنَّهُ قِيلَ إنْ فاتَكُمُ اتِّباعُ ما أُنْزِلَ إلَيْكم فِيما مَضى لا يَفُتْكم فِيما بَقِيَ، ويَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ يَأْتِيَنَّكم بِمَعْنى يَدْعُوَنَّكم، ويَتَعَيَّنُ جَعْلُ جَمْعِ الرُّسُلِ عَلى إرادَةِ رَسُولٍ واحِدٍ تَعْظِيمًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] أيْ كَذَّبُوا رَسُولَهُ نُوحًا، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

وهَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها، مُتَّصِلَتا المَعْنى بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ. اتِّصالَ التَّفْصِيلِ بِإجْمالِهِ.

أكَّدَ بِهِ تَحْذِيرَهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ وفُتُونِهِ، وأراهم بِهِ مَناهِجَ الرُّشْدِ الَّتِي تُعِينُ عَلى تَجَنُّبِ كَيْدِهِ، بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إيّاهم إلى التَّقْوى والإصْلاحِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، في الخِطابِ السّابِقِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وأنْبَأهم بِأنَّ الشَّيْطانَ تَوَعَّدَ نَوْعَ الإنْسانِ فِيما حَكى اللَّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم …

Al-A'raaf 7:35Listen in Qur'an →
36

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَجِيءُ في مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ في نَظِيرَتِها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] .

والتَّأْوِيلُ الَّذِي اسْتَظْهَرْنا بِهِ هُنالِكَ يَبْدُو في هَذِهِ النَّظِيرَةِ الرّابِعَةِ أوْضَحَ، وصِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”رُسُلٌ“ وقَوْلِهِ ”يَقُصُّونَ“ تَقْتَضِي تَوَقُّعَ مَجِيءِ عِدَّةِ رُسُلٍ، وذَلِكَ مُنْتَفٍ بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ الخاتِمِ لِلرُّسُلِ الحاشِرِ العاقِبِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَذَلِكَ يَتَأكَّدُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ الحاضِرِينَ وقْتَ نُزُولِ القُرْآنِ، ويُرَجِّحُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ النِّداءاتُ الأرْبَعَةُ حِكايَةً لِقَوْلٍ مُوَجَّهٍ إلى بَنِي آدَمَ الأوَّلِينَ الَّذِي أوَّلُهُ: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَأنَّ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ قَدِيمِها وحَدِيثِها، هو مُتَمَكِّنٌ لَهم، ومُتَحَصِّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ هَذا حُكْمُ اللَّهِ في العالَمِ مُنْذُ أنْشَأهُ يُرِيدُ أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ النّاسَ هَذا الخِطابَ عَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيءٍ، مِن آدَمَ إلى هَلُمَّ جَرًّا، فَما مِن نَبِيءٍ أوْ رَسُولٍ إلّا وبَلَّغَهُ أُمَّتَهُ،

صفحة ١٠٧

وأمَرَهَمْ بِأنْ يُبَلِّغَ الشّاهِدُ مِنهُمُ الغائِبَ، حَتّى نَزَلَ في القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَلِمَتْ أُمَّتُهُ أنَّها مَشْمُولَةٌ في عُمُومِ بَنِي آدَمَ.

وإذا كانَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنًا في هَذِهِ الآيَةِ أوْ كالمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ اعْتِبارُ مِثْلِهِ في نَظائِرِها الثَّلاثِ الماضِيَةِ، فَشُدَّ بِهِ يَدَكَ، ولا تَعْبَأْ بِمَن حَرَدَكَ.

فَأمّا إذا جُعِلَ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ في زَمَنِ النُّزُولِ، بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، فَهُنالِكَ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ مَعْنى الشَّرْطِ إلى ما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ غالِبًا، كَأنَّهُ قِيلَ إنْ فاتَكُمُ اتِّباعُ ما أُنْزِلَ إلَيْكم فِيما مَضى لا يَفُتْكم فِيما بَقِيَ، ويَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ يَأْتِيَنَّكم بِمَعْنى يَدْعُوَنَّكم، ويَتَعَيَّنُ جَعْلُ جَمْعِ الرُّسُلِ عَلى إرادَةِ رَسُولٍ واحِدٍ تَعْظِيمًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] أيْ كَذَّبُوا رَسُولَهُ نُوحًا، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

وهَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها، مُتَّصِلَتا المَعْنى بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] الآيَةَ. اتِّصالَ التَّفْصِيلِ بِإجْمالِهِ.

أكَّدَ بِهِ تَحْذِيرَهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ وفُتُونِهِ، وأراهم بِهِ مَناهِجَ الرُّشْدِ الَّتِي تُعِينُ عَلى تَجَنُّبِ كَيْدِهِ، بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إيّاهم إلى التَّقْوى والإصْلاحِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، في الخِطابِ السّابِقِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وأنْبَأهم بِأنَّ الشَّيْطانَ تَوَعَّدَ نَوْعَ الإنْسانِ فِيما حَكى اللَّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم …

Al-A'raaf 7:36Listen in Qur'an →
37

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree until when Our messengers come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allah?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمُ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ السّابِقِ، وهَذِهِ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ لِتُبَيِّنَ أنَّ صِفاتِ الضَّلالِ، الَّتِي أُبْهِمَ أصْحابُها، هي حافَّةٌ بِالمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ

صفحة ١١٢

بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ - - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أوْلِياءَ الشَّياطِينِ وبَعْضَ صِفاتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧] وذَكَرَ أنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِبَنِي آدَمَ مُنْذُ القِدَمِ بِأنْ يَتَّبِعُوا مَن يَجِيئُهم مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِآياتِهِ لِيَتَّقُوا ويُصْلِحُوا، ووَعَدَهم عَلى اتِّباعِ ما جاءَهم بِنَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ وأوْعَدَهم عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ بِأنْ يَكُونُوا أصْحابَ النّارِ، فَقَدْ أعْذَرَ إلَيْهِمْ وبَصَّرَهم بِالعَواقِبِ، فَتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ: أنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ فَزَعَمَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِالفَواحِشِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي جاءَ بِها رَسُولُهُ، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا عَظِيمًا، حَتّى يُسْألَ عَمَّنْ هو أظْلَمُ مِنهُ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ: فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى إلَخْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦]) وجُمْلَةِ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ كَما سَيَأْتِي في مَوْقِعِ هَذِهِ الأخِيرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ: ”مَن أظْلَمُ مِمَّنْ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأنَّ الاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ.

والِافْتِراءُ والكَذِبُ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ. ولِهَذِهِ الآيَةِ اتِّصالٌ بِآيَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] مِن حَيْثُ ما فِيها مِنَ التَّهْدِيدِ بِوَعِيدِ عَذابِ الآخِرَةِ وتَفْظِيعِ أهْوالِهِ.

و(مَن) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في تَهْوِيلِ ظُلْمِ هَذا الفَرِيقِ، المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ (﴿مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾) . و(مَنِ) الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ، وهي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن تَتَحَقَّقَ فِيهِ الصِّلَةُ، وإنَّما كانُوا أظْلَمَ النّاسِ ولَمْ يَكُنْ أظْلَمُ مِنهم، لِأنَّ الظُّلْمَ اعْتِداءٌ عَلى حَقٍّ، وأعْظَمُ الحُقُوقِ هي حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، وأعْظَمُ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ اللَّهِ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِخْفافِ بِصاحِبِهِ العَظِيمِ، وذَلِكَ بِأنْ يُكَذِّبَ بِما جاءَهُ مِن قِبَلِهِ، أوْ بِأنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ فَيُبَلِّغُ عَنْهُ ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَإنْ جَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقَدْ عَطَّلَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ إبْطالِ ما يَدُلُّ عَلى مُرادِهِ، وجِهَةِ إيهامِ النّاسِ بِأنَّ اللَّهَ أرادَ مِنهم ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ.

صفحة ١١٣

والمُرادُ بِهَذا الفَرِيقِ: هُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ، فَإنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ، وافْتَرَوْا …

Al-A'raaf 7:37Listen in Qur'an →
38

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ

[Allah] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister until, when they have all overtaken one another therein, the last of them will say about the first of them "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire. He will say, "For each is double, but you do not know."

﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لَأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

صفحة ١٢٠

جُمْلَةُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِوَصْفِ أحْوالِهِمْ في النّارِ، وتَفْظِيعِها لِلسّامِعِ، لِيَتَّعِظَ أمْثالُهم ويَسْتَبْشِرَ المُؤْمِنُونَ بِالسَّلامَةِ مِمّا أصابَهم فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا“ داخِلَةً في حَيِّزِ الِاسْتِئْنافِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾“ إلَخْ. عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا مُرْتَبِطَةً بِجُمْلَةٍ“ ادْخُلُوا في أُمَمٍ ”بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَدْخُلُونَ حَتّى إذا ادّارَكُوا.

و(ما) في قَوْلِهِ:“ كُلَّما ”ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كُلَّ وقْتِ دُخُولِ أُمَّةٍ لَعَنَتْ أُخْتَها. والتَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهم أُخْتَها في كُلِّ أوْقاتِ دُخُولِ الأُمَّةِ مِنهم، فَتُفِيدُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ.

و(أُمَّةٌ) نَكِرَةٌ وقَعَتْ في حَيِّزِ عُمُومِ الأزْمِنَةِ، فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ دَخَلَتْ، وكَذَلِكَ: (أُخْتَها) نَكِرَةٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ نَكِرَةٍ فَلا يَتَعَرَّفُ فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْضًا، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ تَدْخُلُ تَلْعَنُ كُلَّ أُخْتٍ لَها، والمُرادُ بِأُخْتِها المُماثِلَةُ لَها في الدِّينِ الَّذِي أوْجَبَ لَها الدُّخُولَ في النّارِ، كَما يُقالُ: هَذِهِ الأُمَّةُ أُخْتُ تِلْكَ الأُمَّةِ إذا اشْتَرَكَتا في النَّسَبِ، فَيُقالُ: بَكْرٌ وأُخْتُها تَغَلِبُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:

وكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعادِ

يُرِيدُ: كَطَسْمٍ وجَدِيسٍ.

والمَقامُ يُعَيِّنَ جِهَةَ الأُخُوَّةِ، وسَبَبُ اللَّعْنِ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ إنَّما تَدْخُلُ النّارَ بَعْدَ مُناقَشَةِ الحِسابِ، والأمْرِ بِإدْخالِهِمُ النّارَ، وإنَّما يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم

صفحة ١٢١

أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ هو ضَلالٌ وباطِلٌ، وبِذَلِكَ تَقَعُ في نُفُوسِهِمْ كَراهِيَةُ ما كانُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُ الضَّلالَ والباطِلَ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ، ولِأنَّهم رَأوْا أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ كانَتْ مَجْلَبَةَ العِقابِ لَهم، فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ كَراهِيَةً لِدِينِهِمْ، فَإذا دَخَلُوا النّارَ فَرَأوْا الأُمَمَ الَّتِي أُدْخِلَتِ النّارَ قَبْلَهم عَلِمُوا، بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ العِلْمِ، أنَّهم أُدْخِلُوا النّارَ بِذَلِكَ السَّبَبِ فَلَعَنُوهم لِكَراهِيَةِ دِينِهِمْ ومَنِ اتَّبَعُوهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِأُخْتِها أسْلافُها الَّذِينَ أضَلُّوها.

وأفادَتْ كُلَّما لِما فِيها مِن مَعْنى التَّوْقِيتِ: أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَقَعُ عِنْدَ دُخُولِ الأُمَّةِ النّارَ، فَيَتَعَيَّنُ إذَنْ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ أُخْتَها السّابِقَةَ إيّاها في الدُّخُولِ في النّارِ، فالأُمَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ النّارَ أوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ لا تَلْعَنُ أُخْتَها، ويُعْلَمُ أنَّها تَلْعَنُ مَن يَدْخُلُ بَعْدَها الثّانِيَةَ، ومَن بَعْدَها بِطَرِيقِ الأوْلى، أوْ تَرُدُّ اللَّعْنَ عَلى كُلِّ أُخْتٍ لاعِنَةٍ. والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ“ …

Al-A'raaf 7:38Listen in Qur'an →
39

وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لَأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

صفحة ١٢٠

جُمْلَةُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِوَصْفِ أحْوالِهِمْ في النّارِ، وتَفْظِيعِها لِلسّامِعِ، لِيَتَّعِظَ أمْثالُهم ويَسْتَبْشِرَ المُؤْمِنُونَ بِالسَّلامَةِ مِمّا أصابَهم فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا“ داخِلَةً في حَيِّزِ الِاسْتِئْنافِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾“ إلَخْ. عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”حَتّى إذا ادّارَكُوا مُرْتَبِطَةً بِجُمْلَةٍ“ ادْخُلُوا في أُمَمٍ ”بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَدْخُلُونَ حَتّى إذا ادّارَكُوا.

و(ما) في قَوْلِهِ:“ كُلَّما ”ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كُلَّ وقْتِ دُخُولِ أُمَّةٍ لَعَنَتْ أُخْتَها. والتَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهم أُخْتَها في كُلِّ أوْقاتِ دُخُولِ الأُمَّةِ مِنهم، فَتُفِيدُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ.

و(أُمَّةٌ) نَكِرَةٌ وقَعَتْ في حَيِّزِ عُمُومِ الأزْمِنَةِ، فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ دَخَلَتْ، وكَذَلِكَ: (أُخْتَها) نَكِرَةٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ نَكِرَةٍ فَلا يَتَعَرَّفُ فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْضًا، أيْ كُلَّ أُمَّةٍ تَدْخُلُ تَلْعَنُ كُلَّ أُخْتٍ لَها، والمُرادُ بِأُخْتِها المُماثِلَةُ لَها في الدِّينِ الَّذِي أوْجَبَ لَها الدُّخُولَ في النّارِ، كَما يُقالُ: هَذِهِ الأُمَّةُ أُخْتُ تِلْكَ الأُمَّةِ إذا اشْتَرَكَتا في النَّسَبِ، فَيُقالُ: بَكْرٌ وأُخْتُها تَغَلِبُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:

وكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعادِ

يُرِيدُ: كَطَسْمٍ وجَدِيسٍ.

والمَقامُ يُعَيِّنَ جِهَةَ الأُخُوَّةِ، وسَبَبُ اللَّعْنِ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ إنَّما تَدْخُلُ النّارَ بَعْدَ مُناقَشَةِ الحِسابِ، والأمْرِ بِإدْخالِهِمُ النّارَ، وإنَّما يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم

صفحة ١٢١

أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ هو ضَلالٌ وباطِلٌ، وبِذَلِكَ تَقَعُ في نُفُوسِهِمْ كَراهِيَةُ ما كانُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُ الضَّلالَ والباطِلَ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ، ولِأنَّهم رَأوْا أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ كانَتْ مَجْلَبَةَ العِقابِ لَهم، فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ كَراهِيَةً لِدِينِهِمْ، فَإذا دَخَلُوا النّارَ فَرَأوْا الأُمَمَ الَّتِي أُدْخِلَتِ النّارَ قَبْلَهم عَلِمُوا، بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ العِلْمِ، أنَّهم أُدْخِلُوا النّارَ بِذَلِكَ السَّبَبِ فَلَعَنُوهم لِكَراهِيَةِ دِينِهِمْ ومَنِ اتَّبَعُوهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِأُخْتِها أسْلافُها الَّذِينَ أضَلُّوها.

وأفادَتْ كُلَّما لِما فِيها مِن مَعْنى التَّوْقِيتِ: أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَقَعُ عِنْدَ دُخُولِ الأُمَّةِ النّارَ، فَيَتَعَيَّنُ إذَنْ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَعَنَتْ أُخْتَها السّابِقَةَ إيّاها في الدُّخُولِ في النّارِ، فالأُمَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ النّارَ أوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ لا تَلْعَنُ أُخْتَها، ويُعْلَمُ أنَّها تَلْعَنُ مَن يَدْخُلُ بَعْدَها الثّانِيَةَ، ومَن بَعْدَها بِطَرِيقِ الأوْلى، أوْ تَرُدُّ اللَّعْنَ عَلى كُلِّ أُخْتٍ لاعِنَةٍ. والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ“ …

Al-A'raaf 7:39Listen in Qur'an →
40

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle. And thus do We recompense the criminals.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ خُلُودِ الفَرِيقَيْنِ في النّارِ، الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] فَأخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ حَرَمَهم أسْبابَ النَّجاةِ، فَسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ، وبِأنَّهُ حَرَمَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ.

وأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) لِتَأْيِيسِهِمْ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخُلُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ الكِنايَةَ عَنْ طُولِ مُدَّةِ البَقاءِ في النّارِ فَإنَّهُ ورَدَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مُرادًا بِهِ هَذا المَعْنى.

صفحة ١٢٦

ووَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِدَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَحاوِرَتَيْنِ في النّارِ، واخْتِيرَ مِن طُرُقِ الإظْهارِ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِ إيذانًا بِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها السّابِقِ آنِفًا.

والسَّماءُ أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ عَلى مَعانٍ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِها العَوالِمُ العُلْيا غَيْرُ الأرْضِيَّةِ، فالسَّماءُ مَجْمُوعُ العَوالِمِ العُلْيا وهي مَراتِبُ وفِيها عَوالِمُ القُدْسِ الإلَهِيَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّوحانِيّاتِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ، ومَصْدَرُ إفاضَةِ الخَيْراتِ الرُّوحِيَّةِ والجُثْمانِيَّةِ عَلى العالَمِ الأرْضِيِّ، ومَصْدَرُ المَقادِيرِ المُقَدَّرَةِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فالسَّماءُ هَنا مُرادٌ بِها عالَمُ القُدْسِ.

وأبْوابُ السَّماءِ أسْبابُ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الأبْوابِ لِتَقْرِيبِ حَقائِقِها إلى الأذْهانِ فَمِنها قَبُولُ الأعْمالِ، ومَسالِكُ وُصُولِ الأُمُورِ الخَيْرِيَّةِ الصّادِرَةِ مِن أهْلِ الأرْضِ، وطُرُقِ قَبُولِها، وهو تَمْثِيلٌ لِأسْبابِ التَّزْكِيَةِ، قالَ تَعالى: والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ، وما يَعْلَمُ حَقائِقَها بِالتَّفْصِيلِ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنّا، فَكَما أنَّ العُفاةَ والشُّفَعاءَ إذا ورَدُوا المَكانَ قَدْ يُقْبَلُونَ ويُرْضى عَنْهم فَتُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ القُصُورِ والقِبابِ ويَدْخُلُونَ مُكَرَّمِينَ، وقَدْ يُرَدُّونَ ويُسْخَطُونَ فَتُوصَدُ في وُجُوهِهِمُ الأبْوابُ، مَثَّلَ إقْصاءَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ وعَدَمَ الرِّضا عَنْهم في سائِرِ الأحْوالِ، بِحالِ مَن لا تُفَتَّحُ لَهُ أبْوابُ المَنازِلِ، وأُضِيفَتِ الأبْوابُ إلى السَّماءِ لِيَظْهَرَ أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن وسائِلِ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وعَدَمَ قَبُولِ الأعْمالِ والعِباداتِ، وحِرْمانَ أرْواحِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ مُشاهَدَةَ مَناظِرِ الجَنَّةِ ومَقاعِدِ المُؤْمِنِينَ مِنها. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعْنى الحِرْمانِ مِنَ الخَيْراتِ الإلَهِيَّةِ المَحْضَةِ، وإنْ كانُوا يَنالُونَ مِن نِعَمِ

صفحة ١٢٧

اللَّهِ الجُثْمانِيَّةِ ما يَنالُهُ غَيْرُهم، فَيُغاثُونَ بِالمَطَرِ، ويَأْتِيهِمُ الرِّزْقُ مِنَ اللَّهِ، وهَذا بَيانٌ …

Al-A'raaf 7:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.