۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾
إعادَةُ النِّداءِ في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ، وتَعْرِيفُ المُنادى بِطَرِيقِ الإضافَةِ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ بَنِي آدَمَ مُتابَعَةٌ لِلْخِطابِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ، مِنَ الَّتِي بَعْدَها، وهي قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الجَدَلِ، فَقُدِّمَتْ عَلى الجَدَلِ فَصارَتْ غَرَضًا بِمَنزِلَةِ دَعْوى وجُعِلَ الجَدَلُ حُجَّةً عَلى الدَّعْوى، وذَلِكَ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الإنْشاءِ في تَرْتِيبِ المَعانِي ونَتائِجِها.
فالمَقْصِدُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ إبْطالُ ما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِن لُزُومِ التَّعَرِّي في الحَجِّ في أحْوالٍ خاصَّةٍ، وعِنْدَ مَساجِدَ مُعَيَّنَةٍ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ وتَقُولُ مَن يُعِيرُنِي تِطْوافًا تَجْعَلُهُ عَلى فَرْجِها وتَقُولُ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
صفحة ٩٣
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً إلّا الحُمْسَ. والحُمْسُ قُرَيْشٌ وما ولَدَتْ، فَكانَ غَيْرُهم يَطُوفُونَ عُراةً إلّا أنْ يُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيابًا فَيُعْطِي الرِّجالُ الرِّجالَ والنِّساءُ النِّساءَ. وعَنْهُ: أنَّهم كانُوا إذا وصَلُوا إلى مِنًى طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. ورُوِيَ أنَّ الحُمْسَ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ أنْ يَطُوفَ إلّا في ثِيابِنا ولا يَأْكُلَ إذا دَخَلَ أرْضِنا إلّا مِن طَعامِنا. فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ العَرَبِ صَدِيقٌ بِمَكَّةَ يُعِيرُهُ ثَوْبًا ولا يَجِدْ ما يَسْتَأْجِرُ بِهِ كانَ بَيْنَ أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا أنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانًا وإمّا أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ فَإذا فَرَغَ مِن طَوافِهِ ألْقى ثَوْبَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَمَسَّهُ أحَدٌ وكانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمّى: اللَّقى - بِفَتْحِ اللّامِ - قالَ شاعِرُهم:
كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقًى بَيْنَ أيْدِي الطّائِفِينَ حَرامُ
وفِي الكَشّافِ، عَنْ طاوُسٍ: كانَ أحَدُهم يَطُوفُ عُرْيانًا ويَدَعُ ثِيابَهُ وراءَ المَسْجِدِ وإنْ طافَ وهي عَلَيْهِ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ لِأنَّهم قالُوا لا نَعْبُدُ اللَّهَ في ثِيابٍ أذْنَبْنا فِيها، وقَدْ أبْطَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ إذْ أمَرَ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عامَ حَجَّتِهِ سَنَةَ تِسْعٍ، أنْ يُنادِيَ في المَوْسِمِ: «أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» .
وعَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ عَبّاسٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ التَزَمُوا تَحْرِيمَ اللِّمَمِ والوَدَكَ في أيّامِ المَوْسِمِ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، ونَسَبَ في الكَشّافِ ذَلِكَ إلى بَنِي عامِرٍ، وكانَ الحُمْسُ يَقُولُونَ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ إذا دَخَلَ أرْضَنا أنْ يَأْكُلَ إلّا مِن طَعامِنا، وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ
صفحة ٩٤
عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ كانُوا إذا حَجُّوا حَرَّمُوا الشّاةَ ولَبَنَها وسَمْنَها. وفِيهِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ الآيَةَ أرادَتْ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي.
فالأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ لِلْوُجُوبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ لِلْإباحَةِ لَبَنِي آدَمَ …