Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 206

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓصٓ

Alif, Lam, Meem, Sad.

﴿المص﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ الأرْبَعَةُ المُقَطَّعَةُ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها هاتِهِ السُّورَةُ، يُنْطَقُ بِأسْمائِها ”ألِفْ، لامْ، مِيمْ، صادْ“، كَما يَنْطِقُ بِالحُرُوفِ مُلَقِّنُ المُتَعَلِّمِينَ لِلْهِجاءِ في المَكْتَبِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها أسْماءُ الحُرُوفِ لا مُسَمَّياتُها وأشْكالُها، كَما أنَّكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ أحَدٍ بِخَبَرٍ تَذْكُرُ اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ دُونَ أنْ تَعْرِضَ صُورَتَهُ أوْ ذاتَهُ، فَتَقُولُ مَثَلًا: لَقِيتُ زَيْدًا، ولا تَقُولُ: لَقِيتُ هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا لَقِيتُ هَذِهِ الذّاتَ.

فالنُّطْقُ بِأسْماءِ الحُرُوفِ هو مُقْتَضى وُقُوعِها في أوائِلِ السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها، لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ لِتَعْجِيزِ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أيْ تَعْجِيزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٠

وإنَّما رَسَمُوها في المَصاحِفِ بِصُوَرِ الحُرُوفِ دُونَ أسْمائِها، أيْ بِمُسَمَّياتِ الحُرُوفِ الَّتِي يُنْطَقُ بِأسْمائِها ولَمْ يَرْسُمُوها بِما تُقْرَأُ بِهِ أسْماؤُها، مُراعاةً لِحالَةِ التَّهَجِّي فِيما أحْسَبُ أنَّهم لَوْ رَسَمُوها بِالحُرُوفِ الَّتِي يُنْطَقُ بِها عِنْدَ ذِكْرِ أسْمائِها خَشُوا أنْ يَلْتَبِسَ مَجْمُوعُ حُرُوفِ الأسْماءِ بِكَلِماتٍ مِثْلَ ياسين، لَوْ رُسِمَتْ بِأسْماءِ حُرُوفِها أنْ تَلْتَبِسَ بِنِداءِ مَنِ اسْمُهُ سِينٌ.

فَعَدَلُوا إلى رَسْمِ الحُرُوفِ عِلْمًا بِأنَّ القارِئَ في المُصْحَفِ إذا وجَدَ صُورَةَ الحَرْفِ نَطَقَ بِاسْمِ تِلْكَ الصُّورَةِ. عَلى مُعْتادِهِمْ في التَّهَجِّي طَرْدًا لِلرَّسْمِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.

عَلى أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ سَنَّها كُتّابُ المَصاحِفِ فَأُقِرَّتْ. وإنَّما العُمْدَةُ في النُّطْقِ بِالقُرْآنِ عَلى الرِّوايَةِ والتَّلَقِّي، وما جُعِلَتْ كِتابَةُ المُصْحَفِ إلّا تَذْكِرَةً وعَوْنًا لِلْمُتَلَقِّي.

وتَقَدَّمَ هَذا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفِيما هُنا زِيادَةٌ عَلَيْهِ.

2

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

[This is] a Book revealed to you, [O Muhammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

ذَكَرْنا في طالِعَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في أوائِلِ السُّوَرِ أُعْقِبَتْ بِذِكْرِ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ أوْ في مَعْنى ذَلِكَ، وذَلِكَ يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ التَّهَجِّي، إبْلاغًا في التَّحَدِّي لِلْعَرَبِ بِالعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ وتَخْفِيفًا لِلْعِبْءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَتِلْكَ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وهي هُنا مَعْدُودَةٌ آيَةً ولَمْ تُعَدَّ في بَعْضِ السُّوَرِ.

فَقَوْلُهُ: كِتابٌ مُبْتَدَأٌ ووَقَعَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ أمّا لِأنَّها أُرِيدَ

صفحة ١١

بِها النَّوْعُ لا الفَرْدُ فَلَمْ يَكُنْ في الحُكْمِ عَلَيْها إبْهامٌ وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ جاءَنِي، أيْ لا امْرَأةَ، وتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ، وفائِدَةُ إرادَةِ النَّوْعِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ إنْكارَهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، واسْتِبْعادَهم ذَلِكَ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ كِتابٌ مِن نَوْعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، فَكَما نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ وكِتابُ مُوسى كَذَلِكَ نَزَلَ هَذا القُرْآنُ، فَيَكُونُ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْعادِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ.

وأمّا لِأنَّ التَّنْكِيرَ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِمْ ”

شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ

“ أيْ شَرٌّ عَظِيمٌ. وقَوْلُ عُوَيْفِ القَوافِي:

خَبَرٌ أتانِي عَنْ عُيَيْنَةَ مُوجِعٌ ∗∗∗ كادَتْ عَلَيْهِ تَصَدَّعُ الأكْبادُ

أيْ هو كِتابٌ عَظِيمٌ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ فَصارَ التَّنْكِيرُ في مَعْنى التَّوْصِيفِ.

وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْجِيبُ مِن شَأْنِ هَذا الكِتابِ في جَمِيعِ ما حُفَّ بِهِ مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإعْجازِ والإرْشادِ، وكَوْنُهُ نازِلًا عَلى رَجُلٍ أُمِّيٍّ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ”كِتابٍ“ فَيَكُونَ مُسَوِّغًا ثانِيًا لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الأخْبارِ تَذْكِيرُ المُنْكِرِينَ والمُكابِرِينَ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلا يَحْتاجُونَ إلى الإخْبارِ بِهِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِتَغْلِيطِ المُشْرِكِينَ والمُكابِرِينَ والقاصِدِينَ إغاظَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالإعْراضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ الِامْتِنانُ والتَّذْكِيرُ بِالنِّعْمَةِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الِامْتِنانِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مَعَ ما انْضَمَّ إلَيْهِ مِنَ

صفحة ١٢

التَّفْرِيعِ والتَّعْلِيلِ، أيْ هو كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَكُنْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِهِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ الكافِرِينَ وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ: تَسْكِينُ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ، وإغاظَةُ الكافِرِينَ، وتَأْنِيسُ المُؤْمِنِينَ، أيْ: هو كِتابٌ أُنْزِلَ لِفائِدَةٍ، وقَدْ حَصَلَتِ الفائِدَةُ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ إنْ كَذَّبُوا. وبِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ وبِعَدَمِ مُنافاةِ بَعْضِها لِبَعْضٍ يُحْمَلُ الكَلامُ عَلى إرادَةِ جَمِيعِها وذَلِكَ مِن مَطالِعِ السُّوَرِ العَجِيبَةِ البَيانِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قَدَّرُوا مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وجَعَلُوا …

3

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ: لِتُنْذِرَ بِهِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِها بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ . فالخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ المُسْلِمُونَ بِالأوْلى، فَبَعْدَ

صفحة ١٥

أنْ نَوَّهَ اللَّهُ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وبَيَّنَ أنَّ حِكْمَةَ إنْزالِهِ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، أمَرَ النّاسَ أنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ إلَيْهِمْ، كُلٌّ يَتَّبِعُ ما هو بِهِ أعْلَقُ، والمُشْرِكُونَ أنْزَلَ إلَيْهِمُ الزَّجْرَ عَنِ الشِّرْكِ والِاحْتِجاجَ عَلى ضَلالِهِمْ، والمُسْلِمُونَ أنْزَلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ والنَّهْيَ والتَّكْلِيفَ. فَكُلٌّ مَأْمُورٌ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ الأجْدَرُ هُمُ المُشْرِكُونَ تَعْرِيضًا بِأنَّهم كَفَرُوا بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ، فَوَصْفُ الرَّبِّ هُنا دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ: لِلتَّذْكِيرِ بِوُجُوبِ اتِّباعِ أمْرِهِ، لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الِامْتِثالَ لِأوامِرِهِ، ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ أوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً دُونَهُ، والمُوَجَّهُ إلَيْهِمُ النَّهْيُ هُمُ المُشْرِكُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ .

والِاتِّباعُ حَقِيقَتُهُ المَشْيُ وراءَ ماشٍ، فَمَعْناهُ يَقْتَضِي ذاتَيْنِ: تابِعًا ومَتْبُوعًا، يُقالُ: اتَّبَعَ وتَبِعَ، ويُسْتَعارُ لِلْعَمَلِ بِأمْرِ الآمِرِ نَحْوَ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢] ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ حالَتَيْنِ، ويُسْتَعارُ لِلِاقْتِداءِ بِسِيرَةٍ أوْ قَوْلٍ نَحْوَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] وهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَنْبَنِي عَلى تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمَعْقُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ .

والمُرادُ بِما أُنْزِلَ هو الكِتابُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] .

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ لِأنَّ فِيما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ الوَلِيُّ، وأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، أيْ مُجازِيهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ فِعْلُهم، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آيِ القُرْآنِ؛ والمَقْصُودُ مِن هَذا النَّهْيِ تَأْكِيدُ مُقْتَضى الأمْرِ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمِ اهْتِمامًا بِهَذا الجانِبِ مِمّا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، وتَسْجِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ، وقَطْعًا لَمَعاذِيرِهِمْ أنْ يَقُولُوا إنَّنا اتَّبَعْنا ما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما نَرى أوْلِياءَنا إلّا شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ فَما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَإنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ

صفحة ١٦

بِمِثْلِ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: ”لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مَوْقِعُ الفَصْلِ الجامِعِ مِنَ الحَدِّ، ومَوْقِعُ ”ولا تَتَّبِعُوا“ مَوْقِعُ الفَصْلِ المانِعِ في الحَدِّ.

والأوْلِياءُ جَمْعُ ولِيٍّ، وهو المُوالِي، أيِ المُلازِمُ والمُعاوِنُ، فَيُطْلَقُ عَلى النّاصِرِ، والحَلِيفِ، والصّاحِبِ الصّادِقِ المَوَدَّةِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْمَعْبُودِ …

4

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾

صفحة ١٩

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ”ولا تَتَّبِعُوا“ وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ في الآيَةِ الأوْلى والَّذِينَ قَصَدُوا مِنَ العُمُومِ. وقَدْ ثُلِّثَ هُنا بِتَمْحِيضِ التَّوْجِيهِ إلَيْهِمْ.

وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ إهْلاكُ القُرى، دُونَ ذِكْرِ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، لِأنَّ المُواجِهِينَ بِالتَّعْرِيضِ هم أهْلُ مَكَّةَ وهي أُمُّ القُرى، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدُ أهْلِها بِما أصابَ القُرى وأهْلَها ولِأنَّ تَعْلِيقَ فِعْلِ ”أهْلَكْنا“ . بِالقَرْيَةِ دُونَ أهْلِها لِقَصْدِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَهو مُغْنٍ عَنْ أدَواتِ الشُّمُولِ، فالسّامِعُ يَعْلَمُ أنَّ المُرادَ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها لِأنَّ العِبْرَةَ والمَوْعِظَةَ إنَّما هي بِما حَصَلَ لِأهْلِ القَرْيَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ونَظِيرُهُما مَعًا قَوْلُهُ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، فَكُلُّ هَذا مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى.

وأُجْرِيَ الضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ عَلى الإفْرادِ والتَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَفْظِ قَرْيَةٍ، لِيَحْصُلَ التَّماثُلُ بَيْنَ لَفْظِ المَعادِ ولَفْظِ ضَمِيرِهِ في كَلامٍ مُتَّصِلِ القُرْبِ، ثُمَّ أُجْرِيَتْ ضَمائِرُ القَرْيَةِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَنِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهُمْ﴾ . . . إلَخْ لِحُصُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الضَّمِيرِ ولَفْظِ مَعادِهِ بِجُمْلَةٍ فِيها ضَمِيرُ مَعادِهِ غَيْرَ لَفْظِ القَرْيَةِ، وهو ﴿بَأْسُنا بَياتًا﴾ لِأنَّ بَياتًا مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرِ البَأْسِ، أيْ مُبَيِّتًا لَهم، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى ضَمِيرِ القَرْيَةِ بِاعْتِبارِ أهْلِها فَقالَ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهُمْ﴾ . و”كَمْ“ اسْمُ حالٍ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ وهو هُنا خَبَرٌ عَنِ الكَثْرَةِ وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.

والإهْلاكُ: الإفْناءُ والِاسْتِئْصالُ. وفِعْلُ أهْلَكْناها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الإرادَةِ بِحُصُولِ مَدْلُولِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ.

صفحة ٢٠

والفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ: ”فَجاءَها بَأْسُنا“ عَلى جُمْلَةِ: أهْلَكْناها، وأصْلُ العاطِفَةِ أنْ تُفِيدَ تَرْتِيبَ حُصُولِ مَعْطُوفِها بَعْدَ حُصُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ مَجِيءُ البَأْسِ حاصِلًا مَعَ حُصُولِ الإهْلاكِ أوْ قَبْلَهُ، إذْ هو سَبَبُ الإهْلاكِ، عُسِرَ عَلى جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَعْنى مَوْقِعِ الفاءِ هُنا، حَتّى قالَ الفَرّاءُ إنَّ الفاءَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا، وعَنْهُ أيْضًا إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ مِثْلَ شَتَمَنِي فَأساءَ وأساءَ فَشَتَمَنِي. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ جَرى عَلى طَرِيقَةِ القَلْبِ، والأصْلُ: جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، وهو قَلْبٌ خَلِيٌّ عَنِ النُّكْتَةِ فَهو مَرْدُودٌ، والَّذِي فَسَّرَ بِهِ الجُمْهُورُ: أنَّ فِعْلَ أهْلَكْناها مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ …

5

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾

صفحة ١٩

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ”ولا تَتَّبِعُوا“ وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ في الآيَةِ الأوْلى والَّذِينَ قَصَدُوا مِنَ العُمُومِ. وقَدْ ثُلِّثَ هُنا بِتَمْحِيضِ التَّوْجِيهِ إلَيْهِمْ.

وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ إهْلاكُ القُرى، دُونَ ذِكْرِ الأُمَمِ كَما في قَوْلِهِ فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، لِأنَّ المُواجِهِينَ بِالتَّعْرِيضِ هم أهْلُ مَكَّةَ وهي أُمُّ القُرى، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدُ أهْلِها بِما أصابَ القُرى وأهْلَها ولِأنَّ تَعْلِيقَ فِعْلِ ”أهْلَكْنا“ . بِالقَرْيَةِ دُونَ أهْلِها لِقَصْدِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَهو مُغْنٍ عَنْ أدَواتِ الشُّمُولِ، فالسّامِعُ يَعْلَمُ أنَّ المُرادَ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها لِأنَّ العِبْرَةَ والمَوْعِظَةَ إنَّما هي بِما حَصَلَ لِأهْلِ القَرْيَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ونَظِيرُهُما مَعًا قَوْلُهُ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، فَكُلُّ هَذا مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى.

وأُجْرِيَ الضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ عَلى الإفْرادِ والتَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَفْظِ قَرْيَةٍ، لِيَحْصُلَ التَّماثُلُ بَيْنَ لَفْظِ المَعادِ ولَفْظِ ضَمِيرِهِ في كَلامٍ مُتَّصِلِ القُرْبِ، ثُمَّ أُجْرِيَتْ ضَمائِرُ القَرْيَةِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَنِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهُمْ﴾ . . . إلَخْ لِحُصُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الضَّمِيرِ ولَفْظِ مَعادِهِ بِجُمْلَةٍ فِيها ضَمِيرُ مَعادِهِ غَيْرَ لَفْظِ القَرْيَةِ، وهو ﴿بَأْسُنا بَياتًا﴾ لِأنَّ بَياتًا مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرِ البَأْسِ، أيْ مُبَيِّتًا لَهم، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى ضَمِيرِ القَرْيَةِ بِاعْتِبارِ أهْلِها فَقالَ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهُمْ﴾ . و”كَمْ“ اسْمُ حالٍ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ وهو هُنا خَبَرٌ عَنِ الكَثْرَةِ وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.

والإهْلاكُ: الإفْناءُ والِاسْتِئْصالُ. وفِعْلُ أهْلَكْناها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الإرادَةِ بِحُصُولِ مَدْلُولِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ.

صفحة ٢٠

والفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ: ”فَجاءَها بَأْسُنا“ عَلى جُمْلَةِ: أهْلَكْناها، وأصْلُ العاطِفَةِ أنْ تُفِيدَ تَرْتِيبَ حُصُولِ مَعْطُوفِها بَعْدَ حُصُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ مَجِيءُ البَأْسِ حاصِلًا مَعَ حُصُولِ الإهْلاكِ أوْ قَبْلَهُ، إذْ هو سَبَبُ الإهْلاكِ، عُسِرَ عَلى جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَعْنى مَوْقِعِ الفاءِ هُنا، حَتّى قالَ الفَرّاءُ إنَّ الفاءَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا، وعَنْهُ أيْضًا إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ مِثْلَ شَتَمَنِي فَأساءَ وأساءَ فَشَتَمَنِي. وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ جَرى عَلى طَرِيقَةِ القَلْبِ، والأصْلُ: جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، وهو قَلْبٌ خَلِيٌّ عَنِ النُّكْتَةِ فَهو مَرْدُودٌ، والَّذِي فَسَّرَ بِهِ الجُمْهُورُ: أنَّ فِعْلَ أهْلَكْناها مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ …

6

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾

الفاءُ في قَوْلِهِ: فَلَنَسْألَنَّ عاطِفَةٌ، لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لِأنَّ وُجُودَ لامِ القَسَمِ عَلّامَةٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ أُنُفٌ، انْتِقالٌ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ، ومِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الخَبَرِ عَنْ حالَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ إلى الخَبَرِ عَنْ أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ.

وأُكِّدَ الخَبَرُ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِإزالَةِ الشَّكِّ في ذَلِكَ.

وسُؤالُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ سُؤالٌ عَنْ بُلُوغِ الرِّسالَةِ. وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ في ذَلِكَ المَحْشَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .

وسُؤالُ المُرْسَلِينَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ سُؤالُ إرْهابٍ لِأُمَمِهِمْ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا شَهادَةَ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمْ أيْقَنُوا بِأنَّهم مَسُوقُونَ إلى العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] .

والَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، هم أُمَمُ الرُّسُلِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ فائِدَةَ الإرْسالِ هي إجابَةُ الرُّسُلِ، فَلا

صفحة ٢٧

جَرَمَ أنْ يُسْألَ عَنْ ذَلِكَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ السُّؤالِ هو الأُمَمِ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ، قُدِّمَ ذِكْرُهم عَلى ذِكْرِ الرُّسُلِ، ولِما تَدُلُّ عَلَيْهِ صِلَةُ (الَّذِي) وصِلَةُ (ال) مِن أنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ هو ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الرِّسالَةِ، وهو سُؤالُ الفَرِيقَيْنِ عَنْ وُقُوعِ التَّبْلِيغِ.

ولَمّا دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ: بِـ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ والتَّعْبِيرُ: بِـ ”المُرْسَلِينَ“ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ جَوابِ المَسْئُولِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ إثْباتُ التَّبْلِيغِ والبَلاغِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ لِلتَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ عَلى قَوْلِهِ: فَلَنَسْألَنَّ، أيْ لَنَسْألَنَّهم ثُمَّ نُخْبِرُهم بِتَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ جَوابُهم، أيْ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ تَفاصِيلَ أحْوالِهِمْ، أيْ فَعِلْمُنا غَنِيٌّ عَنْ جَوابِهِمْ ولَكِنَّ السُّؤالَ لِغَرَضٍ آخَرَ.

وقَدْ دَلَّ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ تَنْكِيرُ عِلْمٍ في قَوْلِهِ: ”بِعِلْمٍ“ أيْ عِلْمٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ تَنْوِينَ عِلْمٍ لِلتَّعْظِيمِ، وكَمالُ العِلْمِ إنَّما يَظْهَرُ في العِلْمِ بِالأُمُورِ الكَثِيرَةِ، وزادَ ذَلِكَ بَيانًا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ الَّذِي هو بِمَعْنى: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِنا شَيْءٌ بِغَيْبٍ عَنّا ونَغِيبُ عَنْهُ.

والقَصُّ: الإخْبارُ، يُقالُ: قَصَّ عَلَيْهِ، بِمَعْنى أخْبَرَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَقُصُّ الحَقَّ“ في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، وهي في مَوْقِعِ التَّذْيِيلِ.

والغائِبُ ضِدُّ الحاضِرِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجاهِلِ، لِأنَّ الغَيْبَةَ تَسْتَلْزِمُ الجَهالَةَ عُرْفًا، أيِ الجَهالَةَ بِأحْوالِ المَغِيبِ عَنْهُ، فَإنَّها ولَوْ بَلَغَتْهُ

صفحة ٢٨

بِالأخْبارِ لا تَكُونُ تامَّةً عِنْدَهُ مِثْلَ المُشاهِدِ، أيْ: وما كُنّا جاهِلِينَ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ، لِأنَّنا مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِمْ، وهَذا النَّفْيُ لِلْغَيْبَةِ مِثْلَ إثْباتِ المَعِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ …

7

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾

الفاءُ في قَوْلِهِ: فَلَنَسْألَنَّ عاطِفَةٌ، لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لِأنَّ وُجُودَ لامِ القَسَمِ عَلّامَةٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ أُنُفٌ، انْتِقالٌ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ، ومِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الخَبَرِ عَنْ حالَتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ إلى الخَبَرِ عَنْ أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ.

وأُكِّدَ الخَبَرُ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِإزالَةِ الشَّكِّ في ذَلِكَ.

وسُؤالُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ سُؤالٌ عَنْ بُلُوغِ الرِّسالَةِ. وهو سُؤالُ تَقْرِيعٍ في ذَلِكَ المَحْشَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .

وسُؤالُ المُرْسَلِينَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ سُؤالُ إرْهابٍ لِأُمَمِهِمْ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا شَهادَةَ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمْ أيْقَنُوا بِأنَّهم مَسُوقُونَ إلى العَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] .

والَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، هم أُمَمُ الرُّسُلِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ، فَإنَّ فائِدَةَ الإرْسالِ هي إجابَةُ الرُّسُلِ، فَلا

صفحة ٢٧

جَرَمَ أنْ يُسْألَ عَنْ ذَلِكَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ السُّؤالِ هو الأُمَمِ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ، قُدِّمَ ذِكْرُهم عَلى ذِكْرِ الرُّسُلِ، ولِما تَدُلُّ عَلَيْهِ صِلَةُ (الَّذِي) وصِلَةُ (ال) مِن أنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ هو ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الرِّسالَةِ، وهو سُؤالُ الفَرِيقَيْنِ عَنْ وُقُوعِ التَّبْلِيغِ.

ولَمّا دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ: بِـ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ والتَّعْبِيرُ: بِـ ”المُرْسَلِينَ“ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ جَوابِ المَسْئُولِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ إثْباتُ التَّبْلِيغِ والبَلاغِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ لِلتَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ عَلى قَوْلِهِ: فَلَنَسْألَنَّ، أيْ لَنَسْألَنَّهم ثُمَّ نُخْبِرُهم بِتَفْصِيلِ ما أجْمَلَهُ جَوابُهم، أيْ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ تَفاصِيلَ أحْوالِهِمْ، أيْ فَعِلْمُنا غَنِيٌّ عَنْ جَوابِهِمْ ولَكِنَّ السُّؤالَ لِغَرَضٍ آخَرَ.

وقَدْ دَلَّ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ تَنْكِيرُ عِلْمٍ في قَوْلِهِ: ”بِعِلْمٍ“ أيْ عِلْمٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ تَنْوِينَ عِلْمٍ لِلتَّعْظِيمِ، وكَمالُ العِلْمِ إنَّما يَظْهَرُ في العِلْمِ بِالأُمُورِ الكَثِيرَةِ، وزادَ ذَلِكَ بَيانًا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ الَّذِي هو بِمَعْنى: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِنا شَيْءٌ بِغَيْبٍ عَنّا ونَغِيبُ عَنْهُ.

والقَصُّ: الإخْبارُ، يُقالُ: قَصَّ عَلَيْهِ، بِمَعْنى أخْبَرَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَقُصُّ الحَقَّ“ في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، وهي في مَوْقِعِ التَّذْيِيلِ.

والغائِبُ ضِدُّ الحاضِرِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجاهِلِ، لِأنَّ الغَيْبَةَ تَسْتَلْزِمُ الجَهالَةَ عُرْفًا، أيِ الجَهالَةَ بِأحْوالِ المَغِيبِ عَنْهُ، فَإنَّها ولَوْ بَلَغَتْهُ

صفحة ٢٨

بِالأخْبارِ لا تَكُونُ تامَّةً عِنْدَهُ مِثْلَ المُشاهِدِ، أيْ: وما كُنّا جاهِلِينَ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ، لِأنَّنا مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِمْ، وهَذا النَّفْيُ لِلْغَيْبَةِ مِثْلَ إثْباتِ المَعِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ …

8

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”فَلَنَقُصَّنَّ“، لِما تَضَمَّنَتْهُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ العِلْمِ بِحَسَناتِ النّاسِ وسَيِّئاتِهِمْ، فَلا جَرَمَ أشْعَرَتْ بِأنَّ مَظْهَرَ ذَلِكَ العِلْمِ وأثَرَهُ هو الثَّوابُ والعِقابُ، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ العامِلِينَ ودَرَكاتِهِمْ تَفاوُتًا لا يُظْلَمُ العامِلُ فِيهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، ولا يَفُوتُ ما يَسْتَحِقُّهُ إلّا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ بِرَفْعِ دَرَجَةٍ أوْ مَغْفِرَةِ زَلَّةٍ لِأجْلِ سَلامَةِ قَلْبٍ أوْ شَفاعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ مِن عِبادِهِ، فَلِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ: ”فَلَنَقُصَّنَّ“ بِجُمْلَةِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧] ولَنُجازِيَنَّهم عَلى أعْمالِهِمْ جَزاءً لا غَبْنَ فِيهِ عَلى أحَدٍ.

والتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ:

صفحة ٢٩

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ وبِالفاءِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذٍ نَسْألُهم ونَسْألُ رُسُلَهم ونَقُصُّ ذُنُوبَهم عَلَيْهِمْ.

والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ مُعادَلَةُ جِسْمٍ بِآخَرَ لِمَعْرِفَةِ ثِقَلِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ أوْ كِلَيْهِما في تَعادُلِهِما أوْ تَفاوُتِهِما في المِقْدارِ، وإذْ قَدْ كانَ تَساوِي الجِسْمَيْنِ المَوْزُونَيْنِ نادِرَ الحُصُولِ تَعَيَّنَ جُعِلَتْ أجْسامٌ أُخْرى يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ التَّفاوُتِ، فَلا بُدَّ مِن آلَةٍ تُوضَعُ فِيها الأشْياءُ، وتُسَمّى المِيزانُ ولَها أشْكالٌ مُخْتَلِفَةٌ شَكْلًا واتِّساعًا.

والأجْسامُ الَّتِي تُجْعَلُ لِتَعْيِينِ المَقادِيرِ تُسَمّى مَوازِينُ، واحِدُها مِيزانُ أيْضًا وتُسَمّى أوْزانًا واحِدُها وزْنٌ، ويُطْلَقُ الوَزْنُ عَلى مَعْرِفَةِ مِقْدارِ حالٍ في فَضْلٍ ونَحْوِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، في الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّهُ لَيُؤْتى بِالعَظِيمِ السَّمِينِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» . ويُسْتَعارُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلتَّدْبِيرِ في أحْوالٍ، كَقَوْلِ الرّاعِي:

وزَنَتْ أُمَيَّةُ أمْرَها فَدَعَتْ لَهُ مَن لَمْ يَكُنْ غُمِرًا ولا مَجْهُولًا

فالوَزْنُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ تَعْيِينُ مَقادِيرِ ما تَسْتَحِقُّهُ الأعْمالُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ تَعْيِينًا لا إجْحافَ فِيهِ، كَتَعْيِينِ المِيزانِ عَلى حَسَبِ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ عَلى الأعْمالِ، وذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى: كَكَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ لِلَّهِ وكَوْنِهِ رِياءً، وكَكَوْنِ الجِهادِ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أوْ كَوْنِهِ لِمُجَرَّدِ الطَّمَعِ في الغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى قَدْرِ العَمَلِ، فالوَزْنُ اسْتِعارَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ فَقَدْ قِيلَ: تُوضَعُ الصَّحائِفُ الَّتِي كَتَبَتْها المَلائِكَةُ لِلْأعْمالِ في شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، يَنْطِقُ أوْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ فَيَدُلُّ عَلى مَقادِيرِ الأعْمالِ لِأرْبابِها، وذَلِكَ مُمْكِنٌ، وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ في صِفَةِ هَذا المِيزانِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنها.

والعِباراتُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ قاصِرَةٌ عَنْ وصْفِ الواقِعاتِ، لِأنَّها مِن خَوارِقِ المُتَعارَفِ، …

9

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”فَلَنَقُصَّنَّ“، لِما تَضَمَّنَتْهُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ العِلْمِ بِحَسَناتِ النّاسِ وسَيِّئاتِهِمْ، فَلا جَرَمَ أشْعَرَتْ بِأنَّ مَظْهَرَ ذَلِكَ العِلْمِ وأثَرَهُ هو الثَّوابُ والعِقابُ، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ العامِلِينَ ودَرَكاتِهِمْ تَفاوُتًا لا يُظْلَمُ العامِلُ فِيهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، ولا يَفُوتُ ما يَسْتَحِقُّهُ إلّا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ بِرَفْعِ دَرَجَةٍ أوْ مَغْفِرَةِ زَلَّةٍ لِأجْلِ سَلامَةِ قَلْبٍ أوْ شَفاعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ مِن عِبادِهِ، فَلِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ: ”فَلَنَقُصَّنَّ“ بِجُمْلَةِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧] ولَنُجازِيَنَّهم عَلى أعْمالِهِمْ جَزاءً لا غَبْنَ فِيهِ عَلى أحَدٍ.

والتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ:

صفحة ٢٩

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ وبِالفاءِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذٍ نَسْألُهم ونَسْألُ رُسُلَهم ونَقُصُّ ذُنُوبَهم عَلَيْهِمْ.

والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ مُعادَلَةُ جِسْمٍ بِآخَرَ لِمَعْرِفَةِ ثِقَلِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ أوْ كِلَيْهِما في تَعادُلِهِما أوْ تَفاوُتِهِما في المِقْدارِ، وإذْ قَدْ كانَ تَساوِي الجِسْمَيْنِ المَوْزُونَيْنِ نادِرَ الحُصُولِ تَعَيَّنَ جُعِلَتْ أجْسامٌ أُخْرى يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ التَّفاوُتِ، فَلا بُدَّ مِن آلَةٍ تُوضَعُ فِيها الأشْياءُ، وتُسَمّى المِيزانُ ولَها أشْكالٌ مُخْتَلِفَةٌ شَكْلًا واتِّساعًا.

والأجْسامُ الَّتِي تُجْعَلُ لِتَعْيِينِ المَقادِيرِ تُسَمّى مَوازِينُ، واحِدُها مِيزانُ أيْضًا وتُسَمّى أوْزانًا واحِدُها وزْنٌ، ويُطْلَقُ الوَزْنُ عَلى مَعْرِفَةِ مِقْدارِ حالٍ في فَضْلٍ ونَحْوِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، في الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّهُ لَيُؤْتى بِالعَظِيمِ السَّمِينِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» . ويُسْتَعارُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلتَّدْبِيرِ في أحْوالٍ، كَقَوْلِ الرّاعِي:

وزَنَتْ أُمَيَّةُ أمْرَها فَدَعَتْ لَهُ مَن لَمْ يَكُنْ غُمِرًا ولا مَجْهُولًا

فالوَزْنُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ تَعْيِينُ مَقادِيرِ ما تَسْتَحِقُّهُ الأعْمالُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ تَعْيِينًا لا إجْحافَ فِيهِ، كَتَعْيِينِ المِيزانِ عَلى حَسَبِ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ عَلى الأعْمالِ، وذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى: كَكَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ لِلَّهِ وكَوْنِهِ رِياءً، وكَكَوْنِ الجِهادِ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أوْ كَوْنِهِ لِمُجَرَّدِ الطَّمَعِ في الغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى قَدْرِ العَمَلِ، فالوَزْنُ اسْتِعارَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ فَقَدْ قِيلَ: تُوضَعُ الصَّحائِفُ الَّتِي كَتَبَتْها المَلائِكَةُ لِلْأعْمالِ في شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، يَنْطِقُ أوْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ فَيَدُلُّ عَلى مَقادِيرِ الأعْمالِ لِأرْبابِها، وذَلِكَ مُمْكِنٌ، وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ في صِفَةِ هَذا المِيزانِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنها.

والعِباراتُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ قاصِرَةٌ عَنْ وصْفِ الواقِعاتِ، لِأنَّها مِن خَوارِقِ المُتَعارَفِ، …

10

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فَهَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو ولِيُّ الخَلْقِ، لِأنَّهُ خالِقُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ، وخالِقُ ما بِهِ عَيْشُهُمُ الَّذِي بِهِ بَقاءُ وجُودِهِمْ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ، وتَوْبِيخٌ عَلى قِلَّةِ شُكْرِها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّ النُّفُوسَ الَّتِي لا يَزْجُرُها التَّهْدِيدُ قَدْ تَنْفَعُها الذِّكْرَياتُ الصّالِحَةُ، وقَدْ قالَ أحَدُ الخَوارِجِ وطُلِبَ مِنهُ أنْ يَخْرُجَ إلى قِتالِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ وكانَ قَدْ أسْدى إلَيْهِ نِعَمًا.

أأُقاتِلُ الحَجّاجَ عَنْ سُلْطانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بَأنَّها مَوْلاتُهُ

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وقَدِ المُفِيدِ لِلتَّحْقِيقِ، تَنْزِيلٌ لِلَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ الخِطابِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ مَضْمُونَ الخَبَرِ لِأنَّهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ كانَ حالُهم كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي مَكَّنَهم مِنَ الأرْضِ، أوْ كَحالِ مَن يُنْكِرُ وُقُوعَ التَّمْكِينِ مِن أصْلِهِ.

والتَّمْكِينُ جَعْلُ الشَّيْءِ في مَكانٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى الإقْدارِ عَلى التَّصَرُّفِ، عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في مَعْناهُ الكِنائِيِّ لا الصَّرِيحِ، أيْ جَعَلْنا لَكم قُدْرَةً، أيْ أقْدَرْناكم عَلى أُمُورِ الأرْضِ وخَوَّلْناكُمُ التَّصَرُّفَ في مَخْلُوقاتِها، وذَلِكَ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في البَشَرِ مِن قُوَّةِ العَقْلِ والتَّفْكِيرِ

صفحة ٣٤

الَّتِي أهَّلَتْهُ لِسِيادَةِ هَذا العالَمِ والتَّغَلُّبِ عَلى مَصاعِبِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّمْكِينِ هُنا القُوَّةَ والحُكْمَ كالمُرادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حاصِلًا بِجَمِيعِ البَشَرِ إلّا عَلى تَأْوِيلٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّمْكِينِ أيْضًا مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ وهو جَعْلُ المَكانِ في الأرْضِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”في الأرْضِ“ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ ولَقَدْ مَكَّنّاكُمُ الأرْضَ، وقَدْ قالَ تَعالى عَنْ عادٍ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أيْ جَعَلْنا ما أقْدَرْناهم عَلَيْهِ أعْظَمَ مِمّا أقْدَرْناكم عَلَيْهِ، أيْ في آثارِهِمْ في الأرْضِ أمّا أصْلُ القَرارِ في الأرْضِ فَهو صِراطٌ بَيْنَهُما.

ومَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وهي ما يَعِيشُ بِهِ الحَيُّ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ العَيْشِ وهو الحَياةُ، وأصْلُ المَعِيشَةِ اسْمُ مَصْدَرِ عاشَ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العَيْشُ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ الَّذِي غَلَبَ حَتّى صارَ مُساوِيًا لِلْحَقِيقَةِ.

وياءُ مَعايِشَ أصْلٌ في الكَلِمَةِ لِأنَّها عَيْنُ الكَلِمَةِ مِنَ المَصْدَرِ عَيْشٍ فَوَزْنُ مَعِيشَةٍ مَفْعِلَةٌ ومَعايِشَ مَفاعِلُ. فَحَقُّها أنْ يُنْطَقَ بِها في الجَمْعِ ياءً وأنْ لا تُقْلَبَ هَمْزَةً. لِأنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ في حَرْفِ المَدِّ الَّذِي في المُفْرَدِ أنَّهم إذا جَمَعُوهُ جَمْعًا بِألِفٍ زائِدَةٍ رَدُّوهُ إلى أصْلِهِ واوًا أوْ ياءً بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ، مِثْلَ: مَفازَةٍ ومَفاوِزَ، فِيما أصْلُهُ واوٌ مِنَ الفَوْزِ، ومَعِيبَةٍ ومَعايِبَ فِيما …

Al-A'raaf 7:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.