Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 21–30 of 206

21

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he swore [by Allah] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

(فصل)

وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾.

فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].

وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر:

؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا

فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.

ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠].

أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.

فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠].

وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟،

فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح،

وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا …

Al-A'raaf 7:21Listen in Qur'an →
22

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

(فصل)

وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾.

فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].

وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر:

؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا

فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.

ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠].

أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.

فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠].

وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟،

فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح،

وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا …

Al-A'raaf 7:22Listen in Qur'an →
23

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

(لطيفة)

حذرا من فائت ما، انتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز ﴿اسجدوا﴾ وإنما خلصه ذل ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾.

Al-A'raaf 7:23Listen in Qur'an →
24

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

[Allah] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment for a time."

Explained together with ayah 23

Al-A'raaf 7:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

Explained together with ayah 23

Al-A'raaf 7:25Listen in Qur'an →
26

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allah that perhaps they will remember.

(لطيفة)

وَكَما جَمَعَ بَيْنَ اللِّباسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾، فَذَكَرَ - سُبْحانَهُ - زِينَةَ ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ونَبَّهَهم بِالحِسِّيِّ عَلى المَعْنَوِيِّ؛ وفَهْمُ هَذا القَدْرِ زائِدٌ عَلى فَهْمِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ووَضْعِهِ في أصْلِ اللِّسانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن.

(فصل)

قوله ﷺ في الحَدِيث "إن الله جميل يحب الجمال"

يتَناوَل جمال الثِّياب المسؤول عَنهُ في نفس الحَدِيث، ويدخل فِيهِ بطرِيق العُمُوم الجمال من كل شَيْء كَما في الحَدِيث الآخر إن الله نظيف يحب النَّظافَة وفي الصَّحِيح إن الله طيب لا يقبل إلّا طيبا وفي السّنَن إن الله يحب أن يرى أثر نعْمَته على عَبده وفيها عَن أبي الأحْوَص الجُشَمِي قالَ رَآنِي النَّبِي وعليَّ أطمار فَقالَ هَل لَك من مال قلت نعم قالَ من أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبِل والشاه قالَ فلتر نعْمَته وكرامته عَلَيْك فَهو سُبْحانَهُ يحب ظُهُور أثر نعْمَته على عَبده فَإنَّهُ من الجمال الَّذِي يُحِبهُ وذَلِكَ من شكره على نعمه وهو جمال باطِن فيحب أن يرى على عَبده الجمال الظّاهِر بِالنعْمَةِ والجمال الباطِن بالشكر عَلَيْها ولمحبته سُبْحانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمّل ظواهرهم وتقوى تجمّل بواطنهم فَقالَ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِك خير﴾

وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿ولقاهم نضرة وسُرُورًا وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾

فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم

؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح

واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾

والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية.

(فصل)

وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾

أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور وفي صَحِيح مُسلم عَنهُ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكم قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك وإنَّما نفى نظر المحبَّة قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا وقالَ ولا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم …

Al-A'raaf 7:26Listen in Qur'an →
27

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

Explained together with ayah 26

Al-A'raaf 7:27Listen in Qur'an →
28

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allah has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allah does not order immorality. Do you say about Allah that which you do not know?"

Explained together with ayah 26

Al-A'raaf 7:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

Say, [O Muhammad], "My Lord has ordered justice and that you maintain yourselves [in worship of Him] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَما كَتَبَ عَلَيْكم تَكُونُونَ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: كَما بَدَأكم تَعُودُونَ شَقِيًّا، وسَعِيدًا.

وَقالَ أيْضًا: يَبْعَثُ المُسْلِمَ مُسْلِمًا والكافِرَ كافِرًا.

وَقالَ أبُو العالِيَةِ: عادُوا إلى عِلْمِهِ فِيهِمْ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠].

وَهَذا يَتَضَمَّنُ إثْباتَ عِلْمِهِ، وقَدَرِهِ السّابِقِ، وأنَّ الخَلْقَ يَصِيرُونَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وكَوْنُ هَذا مُرادَ الآيَةُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ حُكْمَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُعِيدُهم كَما بَدَأهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى المَعادِ بِالبُداءَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ هَدى فَرِيقًا وأضَلَّ فَرِيقًا، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ: بَدْؤُهم وإعادَتُهُمْ، وهِدايَةُ مَن هَدى مِنهم وإضْلالُ مَن أضَلَّ مِنهُمْ، ولَيْسَ في شُرَكائِهِمْ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

وَأمّا أمْرُ المَلَكِ " «بِكَتْبِ شَقاوَةِ العَبْدِ وسَعادَتِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ» "

وَقَوْلُهُ

" «الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» "

فَحَقٌّ لا يُخالِفُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بَلْ قَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وكَلِمَةُ الصَّحابَةِ قَبْلَهم عَلى ذَلِكَ.

وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «فِي الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: " أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا» "

فَمِثْلُ ذَلِكَ سَواءً.

و" كافِرًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ لا مُقارَنَةٌ، أيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وإلّا فَهو في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وطِفْلًا لا يَعْقِلُ كُفْرًا ولا إيمانًا.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَكَذا فَلِمَ قَتَلَهُ الخَضِرُ؟ فالجَوابُ ما قالَهُ لِمُوسى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ لِمَصْلَحَةٍ، وأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكانَ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ يَشْهَدُها أُولُو الألْبابِ.

(فائدة: الحِكْمَة الَّتِي لأجلها يُعاد بَنو آدم غرلًا)

لما وعد الله سُبْحانَهُ وهو صادِق الوَعْد الَّذِي لا يخلف وعده أنه يُعِيد الخلق كَما بدأهم أول مرّة كانَ من صدق وعده أن يُعِيدهُ على الحالة الَّتِي بدأه عَلَيْها من تَمام أعْضائِهِ وكمالها قالَ الله تَعالى ﴿يَوْم نطوي السَّماء كطي السّجل للكتب كَما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كُنّا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تعودُونَ﴾

وَأيْضًا فَإن الخِتان إنَّما شرع في الدُّنْيا لتكميل الطَّهارَة والتنزه من البَوْل وأهل الجنَّة لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُناكَ نَجاسَة تصيب الغرلة فَيحْتاج إلى التَّحَرُّز مِنها، والقلفة لا تمنع لَذَّة الجِماع ولا تعوقه هَذا إن قدر استمرارهم على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها، وإلّا فَلا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أن يستمروا على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها فَإنَّهُم يبعثون حُفاة عُراة بُهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ ويُزاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزاد في خلق أهل الجنَّة والنّار وإلّا فوقت قيامهم من القُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على ما ماتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحانَهُ كَما يَشاء وهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ في القُبُور أو تَزُول يُمكن هَذا وهَذا ولا يعلم إلّا بِخَبَر يجب المصير إلَيْهِ والله سُبْحانَهُ وتَعالى أعلم.

Al-A'raaf 7:29Listen in Qur'an →
30

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they had taken the devils as allies instead of Allah while they thought that they were guided.

(فصل)

روى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾

قال: "من ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بعمل أهل الضلالة ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة" فقال: "وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين" فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره وأن من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر كما في الحديث الصحيح:

"إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة"

وقال سعيد بن جبير في قوله: "كما بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونون"

وقال مجاهد: "كما بدأكم تعودون شقي وسعيد"

وقال أيضا: "يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا" وقال أبو العالية: "عادوا إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة"

قلت هذا المعنى صحيح في نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان فقال ﴿كما بدأكم تعودون﴾ كقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية وقوله: ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ إلى قوله: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾

أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾؟

فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية.

ومن تأمل الآية علم أن القول أولى بها ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في العبادة وهو الاقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا هدى وفريفا حق عليهم الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى والله أعلم.

فإن قيل: فما الفرق بين قوله: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وبين قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ …

Al-A'raaf 7:30Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.