Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 21–30 of 206

21

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he swore [by Allah] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

(وقاسمهما) أي حلف لهما يقال أقسم إقساماً أي حلف وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة فقد جاءت كثيراً لغير ذلك وقد قدمنا تحقيق هذا في المائدة والمراد بها هنا المبالغة في صدور الإقسام لهما من إبليس.

(إني لكما لمن الناصحين) في ذلك قيل: أنهما أقسما له بالقبول كما أقسم لهما على المناصحة، قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما.

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

Al-A'raaf 7:21Listen in Qur'an →
22

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

(فدلاهما بغرور) أي مناهما، والتدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل يقال أدلى دلوه أرسلها والمعنى أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة أو من السماء إلى الأرض، وقيل معناه أوقعهما في الهلاك وقيل خدعهما، وقيل دلاهما من الدالة وهي الجرأة أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة.

(فلما ذاقا) أي طعما الشجرة (بدت) ظهرت (لهما سؤآتهما) عوراتهما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره بسبب زوال ما كان ساتراً لها وهو تقلص النور الذي كان عليها، قال ابن عباس تهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك.

وقال قتادة: كان لباسهما ظفراً كله فقشط عنهما أي غطاء على الجسد من جنس الأظفار فنزع عنهما وبقيت الأظفار في اليدين والرجلين تذكرة وزينة وانتفاعاً. وقبل كان من ثياب الجنة وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس يتبادر فيه.

وقال مجاهد: كان لباسهما التقوى وقد تقدم في البقرة وفيه دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصداً إلى معرفة طعمه لأن الذوق يدل على الأكل اليسير.

(وطفقا) طفق يفعل كذا شرع يفعل كذا، وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب أي شرعا أو جعلا وأقبلا (يخصفان عليهما من ورق الجنة) قيل من التين، وقيل من الموز، قرأ الزهري يخصفان من أخصف، وقرأ الجمهور يخصفان من خصف، والمعنى أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها من خصف المنعل إذا جعله طبقة فوق طبقة.

عن عكرمة قال: كان لباس كل دابة منها ولباس الإنسان الظفر فأدركت آدم التوبة عند ظفره، وقال ابن عباس: كان لباس آدم وحواء كالظفر فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر وطفقا ينزعان ورق التين فيجعلانه على سؤآتهما، وعنه قال لما سكن آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه.

وعن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى قلص فصار الظفر، وقال مجاهد: يخصفان يرقعان كهيئة الثوب، وفي الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم قبيح، ألا ترى أنهما بادرا إلى ستر العورة لما تقرر في عقلهما من قبح كشفها.

(وناداهما ربهما) قائلاً لهما (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) التي نهيتكما عن أكلها، وهذا عتاب من الله تعالى لهما وتوبيخ حيث لم يحذرا ما حذرهما منه والاستفهام للتقرير (وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) أي مظهر للعداوة بترك السجود حسداً وبغياً كما قال في سورة طه فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك الآية، قال السدي: قال آدم إنه حلف لي بك ولم أكن أعلم أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً.

Al-A'raaf 7:22Listen in Qur'an →
23

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

(قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) جملة مستأنفة مبنية على تقدير سؤال، كأنه قيل فماذا قالا وهذا اعتراف منهما بالذنب وأنهما ظلما أنفسهما بما وقع منهما من المخالفة ثم قالا (وإن لم تغفر لنا) أي تستر علينا ذنبنا (وترحمنا) أي تتفضل علينا برحمتك (لنكونن من الخاسرين) أي الهالكين، قال الحسن: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه، وعن الضحاك مثله وقد استدل بهذا على صدور الذنب من الأنبياء وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى.

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

Al-A'raaf 7:23Listen in Qur'an →
24

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

[Allah] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment for a time."

(قال اهبطوا) استئناف كالتي قبلها والخطاب لآدم وحواء وذريتهما أو لهما ولإبليس قاله الرازي، وقيل لهم وللحية قاله الطبري وبه قال السدي: والمعنى اهبطوا من السماء إلى الأرض (بعضكم لبعض عدو) أي متعادين يعاديهما إبليس ويعادياه (ولكم في الأرض مستقر) أي موضع استقرار وهو المكان الذي يعيش فيه الإنسان وقال ابن عباس: يعني القبور (و) لكم فيها (متاع) تتمتعون به في الدنيا وتنتفعون به من المطعم والمشرب ونحوهما (إلى حين) إلى وقت موتكم وقيل إلى انقطاع الدنيا وقال ابن عباس إلى يوم القيامة.

Al-A'raaf 7:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

(قال فيها) أي في الأرض (تحيون وفيها تموتون) استئناف كالتي قبلها وأعيد إما للإيذان ببعد اتصال ما بعده بما قبله وإما لإظهار الاعتناء بمضمون ما بعده (ومنها تخرجون) إلى دار الآخرة، ومثله قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى) قيل الخطاب لآدم وذريته وإبليس وأولاده وقد سبق شرح هذه القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه.

Al-A'raaf 7:25Listen in Qur'an →
26

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allah that perhaps they will remember.

(يا بني آدم) هذا تذكير ببعض النعم لأجل امتثال ما هو المقصود الآتي بقوله لا يفتننكم الخ (قد أنزلنا عليكم لباساً) عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق أي خلقنا لكم لباساً، وقيل رزقناكم لباساً، وقيل أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس فكأنه أنزله عليهم، وقيل جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال كما قال تعالى وأنزلنا الحديد.

(يواري سؤآتكم) التي أظهرها إبليس حتى اضطررتم إلى لزق الأوراق فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس وقال مجاهد: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة والسوأة العورة كما سلف والكلام في قدرها وما يجب ستره منها مبين في كتب الفروع.

(وريشا) وقرئ رياشا جمع ريش وهو اللباس قال الفراء: ريش ورياش كما يقال لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان، وقيل المراد بالريش هنا الخصب ورفاهية العيش، قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة.

وعن أبي عبيدة وهبت له دابة وريشها أي ما عليها من اللباس. وقيل المراد بالريش هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله لباساً وعطفه عليه، قاله الزمخشري، وقال مجاهد والضحاك والسدي: ريشاً أي المال، وعن عروة بن الزبير مثله، وقال ابن عباس: المال واللباس والعيش والنعيم والإيمان، وقال ابن زيد: الريش الجمال، وقيل الأثاث وما ظهر مما يلبس أو يفرش.

(ولباس التقوى) أي الناشئ عنها أو الناشئة عنه والإضافة قريبة من كونها بيانية أي لباس الورع واتقاء معاصي الله وهو الورع نفسه والخشية من الله تعالى، وقيل لباس التقوى الحياء وقيل الإسلام وقيل العمل الصالح، وقيل هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع لله، وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل الله، وقيل هو ستر العورة في الصلاة، وقال عثمان: هو السمت الحسن، وقال الكلبي: هو العفاف والأول أولى.

وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب.

(ذلك) أي لباس التقوى هو (خير) أي خير لباس وأجمل زينة لأنه يستر من فضائح الأخرة، وقيل الإيمان والعمل خير من اللباس والريش قاله ابن عباس وأنشدوا في المعنى:

إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)

(ذلك) أي الإنزال المدلول عليه بأنزلنا (من آيات الله) الدالة على أن له خالقاً (لعلهم يذكرون) نعمته فيشكرونها وفيه التفات عن الخطاب، وكان مقتضى المقام لعلكم.

ثم كرر الله سبحانه النداء لبني آدم تحذيراً لهم من الشيطان فقال

Al-A'raaf 7:26Listen in Qur'an →
27

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

(يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول الجنة فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك كما في قولك لا أرينك هنا (كما أخرج) أي: كما فتن.

(أبويكم) بأن أخرجهما (من الجنة) أو لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم.

(ينزع عنهما لباسهما) قد تقدم تفسيرها وأضاف نزعه إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنه كان بسبب وسوسته فأسند إليه، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة التي وقعت فيما مضى، والنزع الجذب للشئ بقوة عن مقره ومنه (تنزغ الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) ومنه نزع القوس ويستعمل في الأعراض ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب ونزع فلان كذا سلبه، ومنه والنازعات غرقاً لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة ومنه المنازعة وهي المخاصمة والنزع عن الشيء الكف عنه والنزوع الاشتياق الشديد ومنه نزع إلى وطنه.

واختلفوا في اللباس فقيل الظفر وقيل النور وقيل التقوى، وقيل كان من ثياب الجنة، وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس.

(ليريهما سؤآتهما) اللام لام كي وقد تقدم تفسيره أيضاً، والضمير في (إنه) فيه وجهان الظاهر منهما أنه للشيطان، والثاني أن يكون ضمير الشأن، وبه قال الزمخشري ولا حاجة تدعو إلى ذلك.

(يراكم هو وقبيله) هذه الجملة تعليل لما قبلها مع ما يتضمنه من المبالغة في تحذيرهم منه، لأن من كان بهذه المثابة كان عظيم الكيد، وكان حقيقاً بأن يحترس منه أبلغ احتراس، والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضاً.

وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل، وقيل أعوانه من الشياطين وجنوده، وقال مجاهد: الجن والشياطين، وقال ابن زيد: قبيله نسله والقبيلة الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة، وقيل الجماعة ثلاثة فصاعداً من قوم شتى، قاله أبو عبيدة والجمع قبل بضمتين والقبيلة لغة فيه، وقبائل الرأس القطع المتصل بعضها ببعض وبها سميت قبائل العرب.

(من حيث لا ترونهم) أي إذا كانوا على صورهم الأصلية، أما إذا تصوروا في غيرها فترونهم كما وقع كثيراً، ومن ابتدائية أي رؤية مبتدأة من مكان لا ترونهم فيه، وقيل خلق الله في عيون الجن إدراكاً يرون به الإنس، ولم يخلق هذا في عيون الإنس.

وقالت المعتزلة: الوجه في هذا رقة أجسام الجن ولطافتها وكثافة أجسام الإنس.

وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة وليس في الآية ما يدل على ذلك وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً.

قال مالك بن دينار: إن عدواً يراكم ولا ترونه، كأن في الكلام حذفاً تقديره: جدير بأن يحذر ويتقى: مصحح، والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض، وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى " مسلم/2175 أن صفية زوج النبي أخبرته (علي بن حسين) أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنه ساعة ثم قامت تنقل وقام النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا فقال النبي على رسلكما إنها صفية بنت حي فقال سلمان الله يا رسول الله فقال رسول الله: " إن الشيطان ... كما قال تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس) فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم وقال مجاهد قال إبليس جعل لنا أربع نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا شاباً.

(إنا جعلنا) أي …

Al-A'raaf 7:27Listen in Qur'an →
28

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allah has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allah does not order immorality. Do you say about Allah that which you do not know?"

(وإذا فعلوا) أي العرب (فاحشة) هي ما يبالغ في فحشه وقبحه من الذنوب، قال أكثر المفسرين هو طواف المشركين بالبيت عراة وبه قال ابن عباس والسدي ومحمد بن كعب، وقيل هي الشرك قاله عطاء، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعاً، والمعنى أنهم إذا فعلوا ذنباً قبيحاً مبالغاً في القبح اعتذروا عن ذلك بعذرين:

الأول (قالوا وجدنا عليها آباءنا) أي: أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم وتقليداً لما وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة، والثاني (والله أمرنا بها) أي إنهم مأمورون بذلك من جهة الله سبحانه، وكلا العذرين في غاية البطلان والفساد لأن وجود آبائهم على القبيح لا يسوغ لهم فعله بل ذلك محض تقليد باطل لا أصل له والأمر من الله سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء بل أمرهم باتباع الأنبياء والعمل بالكتب المنزلة، ونهاهم عن مخالفتهما ومما نهاهم عنه فعل الفواحش.

ولهذا رد الله سبحانه عليهم بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) فكيف تدعون ذلك عليه قال قتادة: والله ما أكرم الله عبداً قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمره بها، ولكن رضي لكم طاعته ونهاكم عن معصيته، والحاصل أن الأمرين باطلان لأن الأول تقليد للرجال والثاني افتراء على ذي الجلال.

وفي الجمل: رد عليهم في المقالة الثانية ولم يتعرض لرد الأولى لوضوح فسادها لما هو معلوم أن تقليد مثل الآباء ليس بحجة.

ثم أنكر عليهم ما أضافوه إليه فقال (أتقولون على الله ما لا تعلمون) وهو من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم وفيه من التقريع والتوبيخ أمر عظيم، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحاً في كل شيء فكيف إذا كان في التقول على الله.

وفي هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق فإنهم القائلون (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) والقائلون وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها.

والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية والنصراني على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية أو البدعة وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت، والقصور الخالص.

فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في التحذير من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة فقد اختلط الشر بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا نبياً واحداً أمرهم باتباعه ونهاهم عن مخالفته فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولو كان محض رأي أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي المكلفون للناس بما لم يكلفهم الله به.

وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلد لآراء الرجال مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم ووجود آلة الفهم لديهم وملكة العقل عندهم.

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

Al-A'raaf 7:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

Say, [O Muhammad], "My Lord has ordered justice and that you maintain yourselves [in worship of Him] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

(قل أمر ربي بالقسط) أي العدل وبه قال مجاهد والسدي، وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل لا كما زعموه من أن الله أمرهم بالفحشاء وقيل القسط هنا هو لا إله إلا الله قاله ابن عباس، وقيل في الكلام حذف أي قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه.

(وأقيموا) عطف على المحذوف المقدر وقيل عطف على معنى بالقسط (وجوهكم عند كل مسجد) أي توجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم أو اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة قال مجاهد إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها وقيل اجعلوا سجودكم لله خالصاً، وقيل غير ذلك والأول أولى.

(وادعوه مخلصين له الدين) أي اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء أو العبادة له لا لغيره وقيل وحدوه ولا تشركوا به (كما بدأكم تعودون) قال السمين تقديره تعودون عوداً مثل ما بدأكم وقيل تقديره تخرجون خروجاً مثل ما بدأكم ذكرهما مكي، والأول أليق بلفظ الآية الكريمة.

قال الزجاج: كما أنشأكم في ابتداء الخلق وأوجدكم بعد العدم كذلك يعيدكم فالتشبيه في نفس الإحياء والخلق لا في الكيفية والترتيب، فيكون المقصود الاحتجاج على منكري البعث فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وقيل كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس معكم شيء فيكون مثل قوله تعالى (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) وقيل كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب وقال مجاهد تعودون أي شقي وسعيد.

وقال ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً، وعن جابر قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه، وقال الحسن ومجاهد: المعنى كما خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة.

ويدل له ما روى عن ابن عباس: قال قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموعظة فقال: " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين " أخرجه البخاري ومسلم مسلم 2860 - البخاري 1585..

Al-A'raaf 7:29Listen in Qur'an →
30

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they had taken the devils as allies instead of Allah while they thought that they were guided.

(فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة) أي تعودون فريقين سعداء وأشقياء، وفي القاموس الفرقة بالكسر الطائفة من الناس. والجمع فرق.

والفريق كالأمير أكثر منها والجمع أفرقاء وأفرقة وفروق، والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون بالله المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة هم الكفار.

عن جابر أنه ذكر القدرية فقال: قاتلهم الله أليس قد قال الله سبحانه (فريقاً هدى) الآية وفيه دليل على أن الهدى والضلالة من الله، وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " [[صحيح الجامع الصغير 1760.

وأخرجه الآجري في الشريعة/175 وابن حبان 1812 والحاكم 1/ 30 وأحمد 2/ 176 و 167 من طرق أخرى والترمذي 2/ 107 كذلك وله طرق أخرى عن ابن الديلمي.]] أخرجه الترمذي.

(إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) تعليل لقوله وفريقاً حق عليهم الضلالة أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية الله.

(و) مع هذا فإنهم (يحسبون أنهم مهتدون) ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة، وهذا أشد في تمردهم وعنادهم.

والآية حجة على أهل الاعتزال في كون الهداية والإضلال إلى الله ذي الجلال، وفيه دليل أيضاً على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق، والجاحد والمعاند في الكفر سواء، ودلت هذه الآية على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين بل لا بد من الجزم والقطع، لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم لما ذمهم بذلك.

ودلت أيضاً على أن كل من شرع في باطل فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى أو لم يحسب ذلك قاله الكرخي.

Al-A'raaf 7:30Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.