Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 206

21

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he swore [by Allah] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾

كانَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ بِقُرْبِ نَهْيِ آدَمَ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ القُرْبِ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ إشارَةً إلى أنَّهُ قُرْبٌ قَرِيبٌ، لِأنَّ تَعْقِيبَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ.

والوَسْوَسَةُ: الكَلامُ الخَفِيُّ الَّذِي لا يَسْمَعُهُ إلّا المُدانِي لِلْمُتَكَلِّمِ، قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صائِدًا: وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ سِرًّا وقَدْ أوَّنَ تَأْوِينَ العُقُقْ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَّيْطانِ وسْوَسَةً: لِأنَّهُ ألْقى إلَيْهِما تَسْوِيلًا خَفِيًّا مِن كَلامٍ كَلَّمَهُما أوِ انْفِعالٍ في أنْفُسِهِما.

كَهَيْئَةِ الغاشِّ الماكِرِ إذْ يُخْفِي كَلامًا عَنِ الحاضِرِينَ كَيْلا يُفْسِدُوا عَلَيْهِ غِشَّهُ بِفَضْحِ مَضارِّهِ فَألْقى لَهُما كَلامًا في صُورَةِ التَّخافُتِ لِيُوهِمَهُما أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما وأنَّهُ يُخافِتُ الكَلامَ، وقَدْ وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى التَّعْبِيرُ عَنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ بِالقَوْلِ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ثُمَّ دَرَجَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ وكَلامُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى تَسْمِيَةِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ النّاسِ خَواطِرَ

صفحة ٥٧

فاسِدَةً، وسْوَسَةً تَقْرِيبًا لِمَعْنى ذَلِكَ الإلْقاءِ لِلْأفْهامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤] وهَذا التَّفْضِيلُ لِإلْقاءِ الشَّيْطانِ كَيْدَهُ انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ عَنْ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ هَذِهِ خِطابٌ شامِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وهم أخْلِياءُ عَنِ العِلْمِ بِذَلِكَ فَناسَبَ تَفْظِيعَ أعْمالِ الشَّيْطانِ بِمَسْمَعٍ مِنهم.

واللّامُ في: لِيُبْدِيَ لامُ العاقِبَةِ إذا كانَ الشَّيْطانُ لا يَعْلَمُ أنَّ العِصْيانَ يُفْضِي بِهِما إلى حُدُوثِ خاطِرِ الشَّرِّ في النُّفُوسِ وظُهُورِ السَّوْءاتِ، فَشَبَّهَ حُصُولَ الأثَرِ عَقِبَ الفِعْلِ بِحُصُولِ المَعْلُولِ بَعْدَ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وإنَّما التَقَطُوهُ لِيَكُونَ لَهم قُرَّةَ عَيْنٍ، وحُسْنُ ذَلِكَ أنَّ بُدُوَّ سَوْءاتِهِما مِمّا يُرْضِي الشَّيْطانَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ العِلَّةِ الباعِثَةِ إذا كانَ الشَّيْطانُ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالإلْهامِ أوْ بِالنَّظَرِ، فالشَّيْطانُ وسْوَسَ لِآدَمَ وزَوْجِهِ لِغَرَضِ إيقاعِهِما في المَعْصِيَةِ ابْتِداءً، لِأنَّ ذَلِكَ طَبْعُهُ الَّذِي جُبِلَ عَلى عَمَلِهِ، ثُمَّ لِغَرَضِ الإضْرارِ بِهِما، إذْ كانَ يَسْعى إلى ما يُؤْذِيهِما، ويَحْدُسُهُما عَلى رِضا اللَّهِ عَنْهُما، ويَعْلَمُ أنَّ العِصْيانَ يُفْضِي بِهِما إلى سُوءِ الحالِ عَلى الإجْمالِ، فَكانَ مَظْهَرُ ذَلِكَ السُّوءِ إبْداءَ السَّوْءاتِ، فَجُعِلَ مُفَصِّلُ العِلَّةِ المُجْمَلَةِ عِنْدَ الفاعِلِ هو العِلَّةُ، وإنْ لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ حَصَلَ لَهُ مِن قَبْلُ. والحاصِلُ أنَّهُ أرادَ الإضْرارَ، لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في طَبْعِهِ عَداوَةُ البَشَرِ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ فِيما بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .

والإبْداءُ ضِدُّ الإخْفاءِ، فالإبْداءُ كَشْفُ الشَّيِّ وإظْهارُهُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مَعْرِفَةِ …

Al-A'raaf 7:21Listen in Qur'an →
22

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾

صفحة ٦١

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِما.

ومَعْنى فَدَلّاهُما أقْدَمَهُما فَفَعَلا فِعْلًا يَطْمَعانِ بِهِ في نَفْعٍ فَخابا فِيهِ، وأصْلُ دَلّى تَمْثِيلُ حالِ مَن يَطْلُبُ شَيْئًا مِن مَظِنَّتِهِ فَلا يَجِدُهُ بِحالِ مَن يُدَلِّي دَلْوَهُ أوْ رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَسْتَقِيَ مِن مائِها فَلا يَجِدُ فِيها ماءً فَيُقالُ دَلّى فُلانٌ، يُقالُ دَلّى كَما يُقالُ أدْلى.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ دَلّاهُما مُلابِسًا لِلْغُرُورِ أيْ لِاسْتِيلاءِ الغُرُورِ عَلَيْهِ، إذِ الغُرُورُ هو اعْتِقادُ الشَّيْءِ نافِعًا بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِ ولا نَفْعَ فِيهِ عِنْدَ تَجْرِبَتِهِ، وعَلى هَذا القِياسِ يُقالُ دَلّاهُ بِغُرُورٍ إذا أوْقَعَهُ في الطَّمَعِ فِيما لا نَفْعَ فِيهِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِ أبِي جُنْدُبٍ الهُذَلِيِّ هو ابْنُ مُرَّةَ ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْرِيفِهِ فَإنْ كانَ إسْلامِيًّا كانَ قَدْ أخَذَ قَوْلَهُ كَمَن يُدَلّى بِالغُرُورِ مِنَ القُرْآنِ، وإلّا كانَ مُسْتَعْمَلًا مِن قَبْلُ:

أحُصُّ فَلا أُجِيرُ ومَن أجِرْهُ فَلَيْسَ كَمَن يُدَلّى بِالغُرُورِ

وعَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ فَفِعْلُ دَلّى يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إذا جُعِلَ غَيْرُهُ مُدَلَّيًا، هَذا ما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ في هَذا اللَّفْظِ، وفِيهِ تَفْسِيراتٌ أُخْرى لا جَدْوى في ذِكْرِها.

ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ عَلى أنَّهُما فَعَلا ما وسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَوْلُهُ: فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ تَرْتِيبٌ عَلى دَلّاهُما بِغُرُورٍ فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ واسْتُغْنِيَ عَنْها بِإيرادِ الِاسْمِ الظّاهِرِ في جُمْلَةِ شَرْطِ لَمّا، والتَّقْدِيرُ: فَأكَلا مِنها، كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمّا ذاقاها بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما.

والذَّوْقُ إدْراكُ طَعْمِ المَأْكُولِ أوِ المَشْرُوبِ بِاللِّسانِ، وهو يَحْصُلُ عِنْدَ

صفحة ٦٢

ابْتِداءِ الأكْلِ أوِ الشُّرْبِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ بُدُوَّ سَوْآتِهِما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ إدْراكِ طَعْمِ الشَّجَرَةِ، دَلالَةٌ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِ الأمْرِ المَحْذُورِ عِنْدَ أوَّلِ المُخالَفَةِ، فَزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى آيَةِ البَقَرَةِ.

وهَذِهِ أوَّلُ وسْوَسَةٍ صَدَرَتْ عَنِ الشَّيْطانِ. وأوَّلُ تَضْلِيلٍ مِنهُ لِلْإنْسانِ.

وقَدْ أفادَتْ لَمّا تَوْقِيتَ بُدُوِّ سَوْآتِهِما بِوَقْتِ ذَوْقِهِما الشَّجَرَةَ، لِأنَّ لَمّا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ، فَهي لِمُجَرَّدِ تَوْقِيتِ مَضْمُونِ جَوابِها بِزَمانِ وُجُودِ شَرْطِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فاللّامُ في قَوْلِهِمْ لِوُجُودٍ بِمَعْنى عِنْدَ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم هي ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، يُرِيدُ بِاعْتِبارِ أصْلِها، وإذْ قَدِ التَزَمُوا فِيها تَقْدِيمَ ما يَدُلُّ عَلى الوَقْتِ لا عَلى المُؤَقَّتِ، شابَهَتْ أدَواتَ الشَّرْطِ فَقالُوا: حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ كَما قالُوا في لَوْ: حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، وفي لَوْلا: حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، ولَكِنَّ اللّامَ في عِبارَةِ النُّحاةِ في تَفْسِيرِ مَعْنى لَوْ ولَوْلا، هي لامُ التَّعْلِيلِ، بِخِلافِها في عِبارَتِهِمْ في ”لَمّا“ لِأنَّ ”لَمّا“ لا دَلالَةَ لَها عَلى سَبَبٍ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] إذْ لَيْسَ الإنْجاءُ بِسَبَبٍ لِلْإعْراضِ، ولَكِنْ …

Al-A'raaf 7:22Listen in Qur'an →
23

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾

صفحة ٦١

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِما.

ومَعْنى فَدَلّاهُما أقْدَمَهُما فَفَعَلا فِعْلًا يَطْمَعانِ بِهِ في نَفْعٍ فَخابا فِيهِ، وأصْلُ دَلّى تَمْثِيلُ حالِ مَن يَطْلُبُ شَيْئًا مِن مَظِنَّتِهِ فَلا يَجِدُهُ بِحالِ مَن يُدَلِّي دَلْوَهُ أوْ رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَسْتَقِيَ مِن مائِها فَلا يَجِدُ فِيها ماءً فَيُقالُ دَلّى فُلانٌ، يُقالُ دَلّى كَما يُقالُ أدْلى.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ دَلّاهُما مُلابِسًا لِلْغُرُورِ أيْ لِاسْتِيلاءِ الغُرُورِ عَلَيْهِ، إذِ الغُرُورُ هو اعْتِقادُ الشَّيْءِ نافِعًا بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِ ولا نَفْعَ فِيهِ عِنْدَ تَجْرِبَتِهِ، وعَلى هَذا القِياسِ يُقالُ دَلّاهُ بِغُرُورٍ إذا أوْقَعَهُ في الطَّمَعِ فِيما لا نَفْعَ فِيهِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِ أبِي جُنْدُبٍ الهُذَلِيِّ هو ابْنُ مُرَّةَ ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْرِيفِهِ فَإنْ كانَ إسْلامِيًّا كانَ قَدْ أخَذَ قَوْلَهُ كَمَن يُدَلّى بِالغُرُورِ مِنَ القُرْآنِ، وإلّا كانَ مُسْتَعْمَلًا مِن قَبْلُ:

أحُصُّ فَلا أُجِيرُ ومَن أجِرْهُ فَلَيْسَ كَمَن يُدَلّى بِالغُرُورِ

وعَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ فَفِعْلُ دَلّى يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إذا جُعِلَ غَيْرُهُ مُدَلَّيًا، هَذا ما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ في هَذا اللَّفْظِ، وفِيهِ تَفْسِيراتٌ أُخْرى لا جَدْوى في ذِكْرِها.

ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ عَلى أنَّهُما فَعَلا ما وسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَوْلُهُ: فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ تَرْتِيبٌ عَلى دَلّاهُما بِغُرُورٍ فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ واسْتُغْنِيَ عَنْها بِإيرادِ الِاسْمِ الظّاهِرِ في جُمْلَةِ شَرْطِ لَمّا، والتَّقْدِيرُ: فَأكَلا مِنها، كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمّا ذاقاها بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما.

والذَّوْقُ إدْراكُ طَعْمِ المَأْكُولِ أوِ المَشْرُوبِ بِاللِّسانِ، وهو يَحْصُلُ عِنْدَ

صفحة ٦٢

ابْتِداءِ الأكْلِ أوِ الشُّرْبِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ بُدُوَّ سَوْآتِهِما حَصَلَ عِنْدَ أوَّلِ إدْراكِ طَعْمِ الشَّجَرَةِ، دَلالَةٌ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِ الأمْرِ المَحْذُورِ عِنْدَ أوَّلِ المُخالَفَةِ، فَزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى آيَةِ البَقَرَةِ.

وهَذِهِ أوَّلُ وسْوَسَةٍ صَدَرَتْ عَنِ الشَّيْطانِ. وأوَّلُ تَضْلِيلٍ مِنهُ لِلْإنْسانِ.

وقَدْ أفادَتْ لَمّا تَوْقِيتَ بُدُوِّ سَوْآتِهِما بِوَقْتِ ذَوْقِهِما الشَّجَرَةَ، لِأنَّ لَمّا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ، فَهي لِمُجَرَّدِ تَوْقِيتِ مَضْمُونِ جَوابِها بِزَمانِ وُجُودِ شَرْطِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فاللّامُ في قَوْلِهِمْ لِوُجُودٍ بِمَعْنى عِنْدَ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم هي ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، يُرِيدُ بِاعْتِبارِ أصْلِها، وإذْ قَدِ التَزَمُوا فِيها تَقْدِيمَ ما يَدُلُّ عَلى الوَقْتِ لا عَلى المُؤَقَّتِ، شابَهَتْ أدَواتَ الشَّرْطِ فَقالُوا: حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ كَما قالُوا في لَوْ: حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، وفي لَوْلا: حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، ولَكِنَّ اللّامَ في عِبارَةِ النُّحاةِ في تَفْسِيرِ مَعْنى لَوْ ولَوْلا، هي لامُ التَّعْلِيلِ، بِخِلافِها في عِبارَتِهِمْ في ”لَمّا“ لِأنَّ ”لَمّا“ لا دَلالَةَ لَها عَلى سَبَبٍ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] إذْ لَيْسَ الإنْجاءُ بِسَبَبٍ لِلْإعْراضِ، ولَكِنْ …

Al-A'raaf 7:23Listen in Qur'an →
24

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

[Allah] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment for a time."

﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾

صفحة ٦٨

طَوى القُرْآنُ هُنا ذِكْرَ التَّوْبَةِ عَلى آدَمَ: لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ التَّذْكِيرُ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ وتَحْذِيرُ النّاسِ مِنَ اتِّباعِ وسْوَسَتِهِ، وإظْهارُ ما يُعْقِبُهُ اتِّباعُهُ مِنَ الخُسْرانِ والفَسادِ، ومَقامُ هَذِهِ المَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ لِلِاقْتِصارِ عَلى أسْبابِ الخَسارَةِ، وقَدْ ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ في آيَةِ البَقَرَةِ المَقْصُودِ مِنها بَيانُ فَضْلِ آدَمَ وكَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ.

والخِطابُ لِآدَمَ وزَوْجِهِ وإبْلِيسَ.

والأمْرُ تَكْوِينِيٌّ، وبِهِ صارَ آدَمُ وزَوْجُهُ وإبْلِيسُ مِن سُكّانِ الأرْضِ.

وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ: اهْبِطُوا المَرْفُوعِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ فَهَذِهِ الحالُ أيْضًا تُفِيدُ مَعْنًى تَكْوِينِيًّا وهو مُقارَنَةُ العَداوَةِ بَيْنَهم لِوُجُودِهِما في الأرْضِ، وهَذا التَّكْوِينُ تَأكَّدَتْ بِهِ العَداوَةُ الجِبِلِّيَّةُ السّابِقَةُ فَرَسَخَتْ وزادَتْ، والمُرادُ بِالبَعْضِ البَعْضُ المُخالِفُ في الجِنْسِ، فَأحَدُ البَعْضَيْنِ هو آدَمُ وزَوْجُهُ، والبَعْضُ الآخَرُ هو إبْلِيسُ، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ العَداوَةُ تَكْوِينِيَّةً بَيْنَ أصْلَيِ الجِنْسَيْنِ، كانَتْ مَوْرُوثَةً في نَسْلَيْهِما، والمَقْصُودُ تَذْكِيرُ بَنِي آدَمَ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لَهم ولِأصْلِهِمْ لِيَتَّهِمُوا كُلَّ وسْوَسَةٍ تَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ، وقَدْ نَشَأتْ هَذِهِ العَداوَةُ عَنْ حَسَدِ إبْلِيسَ، ثُمَّ سَرَتْ وتَشَجَّرَتْ فَصارَتْ عَداوَةً تامَّةً في سائِرِ نَواحِي الوُجُودِ، فَهي مُنْبَثَّةٌ في التَّفْكِيرِ والجَسَدِ، ومُقْتَضِيَةٌ تَمامَ التَّنافُرِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

وإذْ قَدْ كانَتْ نُفُوسُ الشَّياطِينِ داعِيَةً إلى الشَّرِّ بِالجِبِلَّةِ تَعَيَّنَ أنَّ عَقْلَ الإنْسانِ مُنْصَرِفٌ بِجِبِلَّتِهِ إلى الخَيْرِ، ولَكِنَّهُ مُعْرِضٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، فَيَقَعُ في شُذُوذٍ عَنْ أصْلِ فِطْرَتِهِ، وفي هَذا ما يَكُونُ مِفْتاحًا لِمَعْنى كَوْنِ النّاسِ يُولَدُونَ عَلى الفِطْرَةِ، وكَوْنِ الإسْلامِ دِينَ الفِطْرَةِ، وكَوْنِ الأصْلِ في النّاسِ الخَيْرَ. أمّا كَوْنُ الأصْلِ في النّاسِ العَدالَةَ أوِ الجَرْحِ فَذَلِكَ مَنظُورٌ فِيهِ إلى خَشْيَةِ الوُقُوعِ في الشُّذُوذِ، مِن حَيْثُ لا يَدْرِي الحاكِمُ ولا الرّاوِي، لِأنَّ أحْوالَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ الشُّذُوذِ مُبْهَمَةٌ فَوَجَبَ التَّبَصُّرُ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

صفحة ٦٩

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عَلى جُمْلَةِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ .

والمُسْتَقَرُّ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ والِاسْتِقْرارُ هو المُكْثُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] وقَوْلِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِهِ الوُجُودُ أيْ وُجُودُ نَوْعِ الإنْسانِ وبِخَصائِصِهِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الدَّفْنَ كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ ”ومَتاعٌ“ يَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ ولِأنَّ الشَّياطِينَ والجِنَّ لا يُدْفَنُونَ في الأرْضِ.

والمَتاعُ والتَّمَتُّعُ: نَيْلُ المَلَذّاتِ والمَرْغُوباتِ غَيْرِ الدّائِمَةِ، ويُطْلَقُ المَتاعُ عَلى ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الأشْياءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

والحِينُ المُدَّةُ مِنَ الزَّمَنِ، …

Al-A'raaf 7:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

أُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِعاطِفٍ، ولا مُسْتَغْنًى عَنْ فِعْلِ القَوْلِ بِواوِ عَطْفٍ، مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا، والغَرَضِ مُتَّحِدًا، خُرُوجًا عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ في مِثْلِهِ هو العَطْفُ، وقَدْ أهْمَلَ تَوْجِيهَ تَرْكِ العَطْفِ جُمْهُورُ الحُذّاقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، ولَعَلَّهُ رَأى ذَلِكَ أُسْلُوبًا مِن أسالِيبِ الحِكايَةِ، وأوَّلُ مَن رَأيْتُهُ حاوَلَ تَوْجِيهَ تَرْكِ العَطْفِ هو الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ التُّونُسِيُّ في إمْلاءاتِ التَّفْسِيرِ المَرْوِيَّةِ

صفحة ٧٠

عَنْهُ، فَإنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إذْ جَعَلَ وجْهَ إعادَةِ لَفْظِ قالَ هو ما بَيْنَ المَقالَيْنِ مِنَ البَوْنِ، فالأوَّلُ راجِعٌ إلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِبُطْلانِ عِبادَةِ الأصْنامِ في ذاتِهِ، والثّانِي إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِهِ، وقَدْ ذَكَرَ مَعْناهُ الخَفاجِيُّ عِنْدَ الكَلامِ عَلى الآيَةِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ، ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى ابْنِ عَرَفَةَ فَلَعَلَّهُ مِن تَوارُدِ الخَواطِرِ؛ وقالَ أبُو السُّعُودِ: إعادَةُ القَوْلِ إمّا لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ وإمّا لِلْإيذانِ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ بَيْنَ القَوْلَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ [الحجر: ٥٧] إثْرَ قَوْلِهِ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ [الحجر: ٥٦] فَإنَّ الخَلِيلَ خاطَبَ المَلائِكَةَ أوَّلًا بِغَيْرِ عُنْوانِ كَوْنِهِمْ مُرْسَلِينَ، ثُمَّ خاطَبَهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مُرْسَلِينَ عِنْدَ تَبَيُّنِ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ”﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ [الحجر: ٥٧]“، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] فَإنَّهُ قالَ قَوْلَهُ الثّانِيَ بَعْدَ الإنْظارِ المُتَرَتَّبِ عَلى اسْتِنْظارِهِ الَّذِي لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في مَواضِعَ أُخْرى، هَذا حاصِلُ كَلامِهِ في مَواضِعَ، والتَّوْجِيهُ الثّانِي مَرْدُودٌ إذْ لا يَلْزَمُ في حِكايَةِ الأقْوالِ الإحاطَةُ ولا الِاتِّصالُ.

والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا لَيْسَ أُسْلُوبًا في حِكايَةِ القَوْلِ يَتَخَيَّرُ فِيهِ البَلِيغُ، وأنَّهُ مُساوٍ لِلْعَطْفِ بِثُمَّ، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ وإعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [الأعراف: ٣٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨]، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ تَوْجِيهُ إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ، وكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا: إنَّهُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، إيذانًا بِتَغَيُّرِ الخِطابِ بَأنْ يَكُونَ بَيْنَ الخِطابَيْنِ تَخالُفٌ ما فالمُخاطَبُ بِالأوَّلِ آدَمُ وزَوْجُهُ والشَّيْطانُ، والمُخاطَبُ الثّانِي آدَمُ وزَوْجُهُ وأبْناؤُهُما، فَإنْ كانَ هَذا الخِطابُ قَبْلَ حُدُوثِ الذُّرِّيَّةِ لَهُما كَما هو ظاهِرُ السِّياقِ فَهو خِطابٌ لَهُما بِإشْعارِهِما أنَّهُما أبَوا خَلْقٍ كَثِيرٍ:

صفحة ٧١

كُلُّهم هَذا حالُهم، وهو مِن تَغْلِيبِ المَوْجُودِ عَلى مَن لَمْ يُوجَدْ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ بَعْدَ وُجُودِ …

Al-A'raaf 7:25Listen in Qur'an →
26

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allah that perhaps they will remember.

﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسَ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

صفحة ٧٢

إذا جَرَيْنا عَلى ظاهِرِ التَّفاسِيرِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ الآيَةَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عادَ بِهِ الخِطابُ إلى سائِرِ النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] الآياتِ وهم أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ السُّورَةِ إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وتَوابِعِهِ مِن أحْوالِ دِينِهِمُ الجاهِلِيِّ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] اسْتِطْرادًا بِذِكْرِ مَنِّهِ عَلَيْهِمْ وهم يَكْفُرُونَ بِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فَخاطَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَقْصُودَةِ في السُّورَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ووُقُوعُها في أثْناءِ آياتِ التَّحْذِيرِ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ وإنْ كانَتْ هي مِنَ الغَرَضِ الأصْلِيِّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ وما أشْبَهَهُ مِمّا افْتُتِحَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ أرْبَعَ مَرّاتٍ، مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥] فَيَكُونُ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ في ابْتِداءِ عَهْدِهِمْ بِعُمْرانِ الأرْضِ عَلى لِسانِ أبِيهِمْ، أوْ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإعْلامِ الإلَهِيِّ، ولَوْ بِالإلْهامِ، لِما تَنْشَأُ بِهِ في نُفُوسِهِمْ هَذِهِ الحَقائِقُ، فابْتَدَأ فَأعْلَمَهم بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ أنْ أنْزَلَ لَهم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِهِمْ، ويَتَجَمَّلُونَ بِهِ بِمُناسَبَةِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن تَعَرِّي أبَوَيْهِمْ حِينَ بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، ثُمَّ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] ثُمَّ بِأنْ أمَرَهم بِأخْذِ اللِّباسِ وهو زِينَةُ الإنْسانِ عِنْدَ مَواقِعِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ثُمَّ بِأنْ أخَذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُصَدِّقُوا الرُّسُلَ ويَنْتَفِعُوا بِهَدْيِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] الآيَةَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَواعِظَ تَنْفَعُ الَّذِينَ قُصَدُوا مِن هَذا القَصَصِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ

صفحة ٧٣

كَيْفَما تَفَنَّنَتْ أسالِيبُهُ وتَناسَقَ نَظْمُهُ، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الخِطاباتِ أوْ مِن حِكايَتِها هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومُكَذِّبُو مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ تَخَلَّلَتْ هَذِهِ الخِطاباتِ مُسْتَطْرِداتٌ وتَعْرِيضاتٌ مُناسِبَةٌ لِما وضَعَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّكاذِيبِ في نَقْضِ أمْرِ الفِطْرَةِ.

والجُمَلُ الثَّلاثُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ وقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] مُتَّصِلَةٌ تَمامَ الِاتِّصالِ بِقِصَّةِ …

Al-A'raaf 7:26Listen in Qur'an →
27

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

أُعِيدَ خِطابُ بَنِي آدَمَ، فَهَذا النِّداءُ تَكْمِلَةٌ لِلْآيِ قَبْلَهُ، بُنِيَ عَلى التَّحْذِيرِ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ إلى إظْهارِ كَيْدِهِ لِلنّاسِ مِنِ ابْتِداءِ خَلْقِهِمْ، إذْ كادَ لِأصْلِهِمْ.

والنِّداءُ بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ: لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ في الآيَةِ قَبْلَها، مَعَ زِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِمِنَّةِ اللِّباسِ تَوْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِحَماقَةِ الَّذِينَ يَحُجُّونَ عُراةً.

صفحة ٧٧

وقَدْ نُهُوا عَنْ أنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطانُ، وفُتُونُ الشَّيْطانِ حُصُولُ آثارِ وسْوَسَتِهِ، أيْ لا تُمَكِّنُوا الشَّيْطانَ مِن أنْ يَفْتِنَكم، والمَعْنى النَّهْيُ عَنْ طاعَتِهِ، وهَذا مِن مُبالَغَةِ النَّهْيِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا: أيْ لا تَفْعَلَنَّ فَأعْرِفُ فِعْلَكَ، وقَوْلُهم: لا أرَيَنَّكَ هُنا: أيْ لا تَحْضُرَنَّ هُنا فَأراكَ، فالمَعْنى لا تُطِيعُوا الشَّيْطانَ في فِتَنِهِ فَيَفْتِنَكم ومِثْلُ هَذا كِنايَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْ فِعْلٍ والنَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأسْبابِهِ.

وشُبِّهَ الفُتُونُ الصّادِرُ مِنَ الشَّيْطانِ لِلنّاسِ بِفَتْنِهِ آدَمَ وزَوْجَهُ إذْ أقْدَمَهُما عَلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَأخْرَجَهُما مِن نَعِيمٍ كانا فِيهِ، تَذْكِيرًا لِلْبَشَرِ بِأعْظَمِ فِتْنَةٍ فَتَنَ الشَّيْطانُ بِها نَوْعَهم، وشَمَلَتْ كُلَّ أحَدٍ مِنَ النَّوْعِ، إذْ حُرِمَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كانَ يَتَحَقَّقُ لَهُ لَوْ بَقِيَ أبَواهُ في الجَنَّةِ وتَناسَلا فِيها، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَذْكِيرٌ بِأنَّ عَداوَةَ البَشَرِ لِلشَّيْطانِ مَوْرُوثَةٌ، فَيَكُونُ أبْعَثَ لَهم عَلى الحَذَرِ مِن كَيْدِهِ.

و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِيَفْتِنَنَّكُمُ، والتَّقْدِيرُ: فُتُونًا كَإخْراجِهِ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ، فَإنَّ إخْراجَهُ إيّاهُما مِنَ الجَنَّةِ فُتُونٌ عَظِيمٌ يُشَبَّهُ بِهِ فُتُونُ الشَّيْطانِ حِينَ يُرادُ تَقْرِيبُ مَعْناهُ لِلْبَشَرِ وتَخْوِيفُهم مِنهُ.

والأبَوانِ تَثْنِيَةُ الأبِ، والمُرادُ بِهِما الأبُ والأُمُّ عَلى التَّغْلِيبِ، وهو تَغْلِيبٌ شائِعٌ في الكَلامِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ولِأبَوَيْهِ في سُورَةِ النِّساءِ. وأُطْلِقَ الأبُ هُنا عَنِ الجَدِّ لِأنَّهُ أبٌ أعْلى، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .

وجُمْلَةُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ في مَوْضِعِ الحالِ المُقارِنَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في: أخْرَجَ أوْ مِن: أبَوَيْكم والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ هَيْئَةِ الإخْراجِ بِكَوْنِها حاصِلَةً في حالِ انْكِشافِ سَوْآتِهِما لِأنَّ انْكِشافَ السَّوْءَةِ

صفحة ٧٨

مِن أعْظَمِ الفَظائِعِ والفَضائِحِ في مُتَعارَفِ النّاسِ.

والتَّعْبِيرُ عَمّا مَضى بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ مِن تَمَكُّنِهِ مِن أنْ يَتْرُكَهُما عُرْيانَيْنِ.

واللِّباسُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وهو لِباسٌ جَلَّلَهُما اللَّهُ بِهِ في تِلْكَ الجَنَّةِ يَحْجُبُ سَوْآتِهِما، كَما رُوِيَ أنَّهُ حِجابٌ مِن نُورٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كَقِشْرِ الأظْفارِ وهي رِواياتٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ نَزْعَ اللِّباسِ تَمْثِيلٌ لِحالِ التَّسَبُّبِ في ظُهُورِ …

Al-A'raaf 7:27Listen in Qur'an →
28

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allah has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allah does not order immorality. Do you say about Allah that which you do not know?"

﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فَهو مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ، وفِيهِ إدْماجٌ لِكَشْفِ باطِلِهِمْ في تَعَلُّلاتِهِمْ ومَعاذِيرِهِمُ الفاسِدَةِ، أيْ لِلَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ الإيمانَ ويَفْعَلُونَ الفَواحِشَ ويَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِها بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا آباءَهم وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَلِكَ، وهَذا خاصٌّ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ:

صفحة ٨٢

﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ والمَقْصُودُ مِن جُمْلَتَيِ الصِّلَةِ: تَفْظِيعُ حالِ دِينِهِمْ بِأنَّهُ ارْتِكابُ فَواحِشَ، وتَفْظِيعُ حالِ اسْتِدْلالِهِمْ لَها بِما لا يَنْتَهِضُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ. وجاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ إذا الَّذِي مِن شَأْنِهِ إفادَةُ اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِيُشِيرَ إلى أنَّ هَذا حاصِلٌ مِنهم لا مَحالَةَ.

والفاحِشَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فِعْلَةٌ فاحِشَةٌ ثُمَّ نَزَلَ الوَصْفُ مَنزِلَةَ الِاسْمِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ، فَصارَتِ الفاحِشَةُ اسْمًا لِلْعَمَلِ الذَّمِيمِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفُحْشِ - بِضَمِّ الفاءِ - وهو الكَثْرَةُ والقُوَّةُ في الشَّيْءِ المَذْمُومِ والمَكْرُوهِ، وغَلَبَتِ الفاحِشَةُ في الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ القُبْحِ وهي الَّتِي تَنْفِرُ مِنها الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، أوْ يَنْشَأُ عَنْها ضُرٌّ وفَسادٌ بِحَيْثُ يَأْباها أهْلُ العُقُولِ الرّاجِحَةِ، ويُنْكِرُها أُولُو الأحْلامِ، ويَسْتَحْيِي فاعِلُها مِنَ النّاسِ، ويَتَسَتَّرُ مِن فِعْلِها مِثْلَ البِغاءِ والزِّنا والوَأْدِ والسَّرِقَةِ، ثُمَّ تَنْهى عَنْها الشَّرائِعُ الحَقَّةُ، فالفِعْلُ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاحِشَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، كَأفْعالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، مِثْلَ السُّجُودِ لِلتَّماثِيلِ والحِجارَةِ وطَلَبِ الشَّفاعَةِ مِنها وهي جَمادٌ، ومِثْلَ العَراءِ في الحَجِّ، وتَرْكِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَلى الذَّبائِحِ، وهي مِن خَلْقِ اللَّهِ وتَسْخِيرِهِ، والبِغاءِ، واسْتِحْلالِ أمْوالِ اليَتامى والضُّعَفاءِ، وحِرْمانِ الأقارِبِ مِنَ المِيراثِ، واسْتِشارَةِ الأزْلامِ في الإقْدامِ عَلى العَمَلِ أوْ تَرْكِهِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ لِأنَّهُ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ، وتَحْرِيمِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ وتَحْلِيلِهِمُ الخَبائِثَ مِثْلَ المَيْتَةِ والدَّمِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالفاحِشَةِ في الآيَةِ التَّعَرِّي في الحَجِّ، وإنَّما مَحْمَلُ كَلامِهِ عَلى أنَّ التَّعَرِّيَ في الحَجِّ مِن أوَّلِ ما أُرِيدَ بِالفاحِشَةِ لا قَصْرِها عَلَيْهِ فَكَأنَّ أيِّمَةَ الشِّرْكِ قَدْ أعَدُّوا لِأتْباعِهِمْ مَعاذِيرَ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ ولَقَّنُوها إيّاهم، وجِماعُها أنْ يَنْسُبُوها إلى آبائِهِمُ السّالِفِينَ الَّذِينَ هم قُدْوَةٌ لِخَلَفِهِمْ، واعْتَقَدُوا أنَّ آباءَهم أعْلَمُ بِما في طَيِّ تِلْكَ الأعْمالِ مِن مَصالِحَ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْها المُنْكِرُونَ لَعَرَفُوا ما أنْكَرُوا، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ يَعْنُونَ أنَّ آباءَهم ما رَسَمُوها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم رَسَمُوها بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَفُهِمَ مِنهُ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا

صفحة ٨٣

لِأنْفُسِهِمْ واعْتَذَرُوا لِآبائِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ لَيْسَ ادِّعاءُ بُلُوغِ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ ولَكِنَّهم أرادُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَ …

Al-A'raaf 7:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

Say, [O Muhammad], "My Lord has ordered justice and that you maintain yourselves [in worship of Him] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

صفحة ٨٦

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسِبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

بَعْدَ أنْ أبْطَلَ زَعْمَهم أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الفَواحِشِ إبْطالًا عامًّا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] اسْتَأْنَفَ اسْتِئْنافًا اسْتِطْرادِيًّا بِما فِيهِ جُمّاعُ مُقَوِّماتِ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَجْمَعُهُ مَعْنى القِسْطِ أيِ العَدْلِ تَعْلِيمًا لَهم بِنَقِيضِ جَهْلِهِمْ، وتَنْوِيهًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يَعْلَمُوا ما شَأْنُهُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ. ولِأهَمِّيَّةِ هَذا الغَرَضِ، ولِمُضادَّتِهِ لِمُدَّعاهُمُ المَنفِيِّ في جُمْلَةِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ولَمْ يُعْطَفِ القَوْلُ عَلى القَوْلِ ولا المَقُولُ عَلى المَقُولِ: لِأنَّ في إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ وفي تَرْكِ عَطْفِهِ عَلى نَظِيرِهِ لَفْتًا لِلْأذْهانِ إلَيْهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ وهو هُنا العَدْلُ بِمَعْناهُ الأعَمِّ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي هو وسَطٌ بَيْنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأشْياءِ، وهو الفَضِيلَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ، فاللَّهُ أمَرَ بِالفَضائِلِ وبِما تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ أنَّهُ صَلاحٌ مَحْضٌ وأنَّهُ حَسَنٌ مُسْتَقِيمٌ، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فالتَّوْحِيدُ عَدْلٌ بَيْنَ الإشْراكِ والتَّعْطِيلِ، والقِصاصُ مِنَ القاتِلِ عَدْلٌ بَيْنَ إطْلالِ الدِّماءِ وبَيْنَ قَتْلِ الجَماعَةِ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ لِأجْلِ جِنايَةِ واحِدٍ مِنَ القَبِيلَةِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ. وأمَرَ اللَّهُ بِالإحْسانِ، وهو عَدْلٌ بَيْنَ الشُّحِّ والإسْرافِ، فالقِسْطُ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ في ذاتِهِ بِأنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِلصَّلاحِ عاجِلًا وآجِلًا، أيْ سالِمًا مِن عَواقِبِ الفَسادِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القِسْطَ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا هو، وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ التَّوْحِيدَ مِن أعْظَمِ القِسْطِ، وهَذا إبْطالٌ لِلْفَواحِشِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها لِأنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَواحِشِ لَيْسَ

صفحة ٨٧

بِقِسْطٍ، وكَذَلِكَ اللِّباسُ فَإنَّ التَّعَرِّيَ تَفْرِيطٌ، والمُبالَغَةَ في وضْعِ اللِّباسِ إفْراطٌ، والعَدْلُ هو اللِّباسُ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ ويَدْفَعُ أذى القَرِّ أوِ الحَرِّ، وكَذَلِكَ الطَّعامُ فَتَحْرِيمُ بَعْضِهِ غُلُوٌّ، والِاسْتِرْسالُ فِيهِ نَهامَةٌ، والوَسَطُ هو الِاعْتِدالُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ كَلامٌ جامِعٌ لِإبْطالِ كُلِّ ما يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ مِمّا لَيْسَ مِن قَبِيلِ القِسْطِ.

ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم عَنِ اللَّهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَجُمْلَةُ: وأقِيمُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ أقِيمُوا وُجُوهَكم. والقَصْدُ الأوَّلُ مِنهُ إبْطالُ بَعْضٍ مِمّا زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ بِطَرِيقِ أمْرِهِمْ بِضِدِّ ما زَعَمُوهُ لِيَحْصُلَ أمْرُهم بِما يُرْضِي اللَّهَ بِالتَّصْرِيحِ، وإبْطالُ شَيْءٍ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ بِالِالتِزامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ لِأنَّ مَن يُرِيدُ النَّهْيَ عَنْ شَيْءٍ وفَعَلَ ضِدَّهُ يَأْمُرُ بِضِدِّهِ فَيَحْصُلُ الغَرَضانِ مِن …

Al-A'raaf 7:29Listen in Qur'an →
30

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they had taken the devils as allies instead of Allah while they thought that they were guided.

صفحة ٨٦

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسِبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

بَعْدَ أنْ أبْطَلَ زَعْمَهم أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الفَواحِشِ إبْطالًا عامًّا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] اسْتَأْنَفَ اسْتِئْنافًا اسْتِطْرادِيًّا بِما فِيهِ جُمّاعُ مُقَوِّماتِ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَجْمَعُهُ مَعْنى القِسْطِ أيِ العَدْلِ تَعْلِيمًا لَهم بِنَقِيضِ جَهْلِهِمْ، وتَنْوِيهًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يَعْلَمُوا ما شَأْنُهُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ. ولِأهَمِّيَّةِ هَذا الغَرَضِ، ولِمُضادَّتِهِ لِمُدَّعاهُمُ المَنفِيِّ في جُمْلَةِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ولَمْ يُعْطَفِ القَوْلُ عَلى القَوْلِ ولا المَقُولُ عَلى المَقُولِ: لِأنَّ في إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ وفي تَرْكِ عَطْفِهِ عَلى نَظِيرِهِ لَفْتًا لِلْأذْهانِ إلَيْهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ وهو هُنا العَدْلُ بِمَعْناهُ الأعَمِّ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي هو وسَطٌ بَيْنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأشْياءِ، وهو الفَضِيلَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ، فاللَّهُ أمَرَ بِالفَضائِلِ وبِما تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ أنَّهُ صَلاحٌ مَحْضٌ وأنَّهُ حَسَنٌ مُسْتَقِيمٌ، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فالتَّوْحِيدُ عَدْلٌ بَيْنَ الإشْراكِ والتَّعْطِيلِ، والقِصاصُ مِنَ القاتِلِ عَدْلٌ بَيْنَ إطْلالِ الدِّماءِ وبَيْنَ قَتْلِ الجَماعَةِ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ لِأجْلِ جِنايَةِ واحِدٍ مِنَ القَبِيلَةِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ. وأمَرَ اللَّهُ بِالإحْسانِ، وهو عَدْلٌ بَيْنَ الشُّحِّ والإسْرافِ، فالقِسْطُ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ في ذاتِهِ بِأنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِلصَّلاحِ عاجِلًا وآجِلًا، أيْ سالِمًا مِن عَواقِبِ الفَسادِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القِسْطَ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا هو، وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ التَّوْحِيدَ مِن أعْظَمِ القِسْطِ، وهَذا إبْطالٌ لِلْفَواحِشِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها لِأنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَواحِشِ لَيْسَ

صفحة ٨٧

بِقِسْطٍ، وكَذَلِكَ اللِّباسُ فَإنَّ التَّعَرِّيَ تَفْرِيطٌ، والمُبالَغَةَ في وضْعِ اللِّباسِ إفْراطٌ، والعَدْلُ هو اللِّباسُ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ ويَدْفَعُ أذى القَرِّ أوِ الحَرِّ، وكَذَلِكَ الطَّعامُ فَتَحْرِيمُ بَعْضِهِ غُلُوٌّ، والِاسْتِرْسالُ فِيهِ نَهامَةٌ، والوَسَطُ هو الِاعْتِدالُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ كَلامٌ جامِعٌ لِإبْطالِ كُلِّ ما يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ مِمّا لَيْسَ مِن قَبِيلِ القِسْطِ.

ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم عَنِ اللَّهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَجُمْلَةُ: وأقِيمُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ أقِيمُوا وُجُوهَكم. والقَصْدُ الأوَّلُ مِنهُ إبْطالُ بَعْضٍ مِمّا زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ بِطَرِيقِ أمْرِهِمْ بِضِدِّ ما زَعَمُوهُ لِيَحْصُلَ أمْرُهم بِما يُرْضِي اللَّهَ بِالتَّصْرِيحِ، وإبْطالُ شَيْءٍ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِهِ بِالِالتِزامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ لِأنَّ مَن يُرِيدُ النَّهْيَ عَنْ شَيْءٍ وفَعَلَ ضِدَّهُ يَأْمُرُ بِضِدِّهِ فَيَحْصُلُ الغَرَضانِ مِن …

Al-A'raaf 7:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.