Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 206

21

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he swore [by Allah] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.

فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.

والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.

الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.

الثّانِي: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ أجْرَأهُما إبْلِيسُ عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ بِغُرُورٍ، والأصْلُ فِيهِ دَلَّلَهُما مِنَ الدَّلِّ، والدّالَّةُ وهي الجُرْأةُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آدَمُ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَناوَلا اليَسِيرَ قَصْدًا إلى مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُما أكَلا مِنها، لَكانَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، لِأنَّ الذّائِقَ قَدْ يَكُونُ ذائِقًا مِن دُونِ أكْلٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ ظَهَرَتْ عَوْراتُهُما، وزالَ النُّورُ عَنْهُما ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى طَفِقَ: أخَذَ في الفِعْلِ (يَخْصِفانِ) أيْ يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خَصّافٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُما كَيْفَ بادَرا إلى السَّتْرِ لِما تَقَرَّرَ في عَقْلِهِما مِن قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ قالَ عَطاءٌ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ ناداهُما أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ. قالَ بَلْ

صفحة ٤٢

حَياءً مِنكَ يا رَبِّ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يُقْسِمُ بِاسْمِكَ كاذِبًا، ثُمَّ ناداهُ رَبُّهُ أما خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ، أما نَفَخْتُ فِيكَ مِن رُوحِي، أما أسْجَدْتُ لَكَ مَلائِكَتِي، أما أسْكَنْتُكَ في جَنَّتِي في جِوارِي.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى …

Al-A'raaf 7:21Listen in Qur'an →
22

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.

فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.

والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.

الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.

الثّانِي: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ أجْرَأهُما إبْلِيسُ عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ بِغُرُورٍ، والأصْلُ فِيهِ دَلَّلَهُما مِنَ الدَّلِّ، والدّالَّةُ وهي الجُرْأةُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آدَمُ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَناوَلا اليَسِيرَ قَصْدًا إلى مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُما أكَلا مِنها، لَكانَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، لِأنَّ الذّائِقَ قَدْ يَكُونُ ذائِقًا مِن دُونِ أكْلٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ ظَهَرَتْ عَوْراتُهُما، وزالَ النُّورُ عَنْهُما ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى طَفِقَ: أخَذَ في الفِعْلِ (يَخْصِفانِ) أيْ يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خَصّافٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُما كَيْفَ بادَرا إلى السَّتْرِ لِما تَقَرَّرَ في عَقْلِهِما مِن قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ قالَ عَطاءٌ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ ناداهُما أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ. قالَ بَلْ

صفحة ٤٢

حَياءً مِنكَ يا رَبِّ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يُقْسِمُ بِاسْمِكَ كاذِبًا، ثُمَّ ناداهُ رَبُّهُ أما خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ، أما نَفَخْتُ فِيكَ مِن رُوحِي، أما أسْجَدْتُ لَكَ مَلائِكَتِي، أما أسْكَنْتُكَ في جَنَّتِي في جِوارِي.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى …

Al-A'raaf 7:22Listen in Qur'an →
23

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.

صفحة ٤٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) …

Al-A'raaf 7:23Listen in Qur'an →
24

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

[Allah] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment for a time."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.

صفحة ٤٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) …

Al-A'raaf 7:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.

صفحة ٤٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) …

Al-A'raaf 7:25Listen in Qur'an →
26

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allah that perhaps they will remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.

صفحة ٤٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) …

Al-A'raaf 7:26Listen in Qur'an →
27

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَ آدَمَ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى. فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنْ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُما مِنها وأصْلُ الفُتُونِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ وتَخْلِيصُهُ مِنَ الغِشِّ. ثُمَّ أتى في القُرْآنِ بِمَعْنى المِحْنَةِ وهَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن نَسَبَ خُرُوجَ آدَمَ وحَوّاءَ وسائِرَ وُجُوهِ المَعاصِي إلى الشَّيْطانِ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنها. فَيُقالُ لَهُ: لِمَ قُلْتُمْ أنَّ كَوْنَ هَذا العَمَلِ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ القُدْرَةَ والدّاعِيَةَ المُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ العَمَلِ، كانَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ تِلْكَ الدّاعِيَةَ بَعْدَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، وتَحْسِينِهِ تِلْكَ الأعْمالَ عِنْدَ ذَلِكَ الكافِرِ، كانَ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ.

البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ، عُقُوبَةً لَهُما عَلى تِلْكَ الزَّلَّةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٣٠) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما لِخِلافَةِ الأرْضِ وأنْزَلَهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ لِهَذا المَقْصُودِ. فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟

صفحة ٤٥

وجَوابُهُ: أنَّهُ رُبَّما قِيلَ حَصَلَ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ حالٌ، أيْ أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما وأضافَ نَزْعَ اللِّباسِ إلى الشَّيْطانِ وإنْ لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَأُسْنِدَ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ لِمَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ بِسَبَبٍ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ، وكَذَلِكَ لَمّا كانَ نَزْعُ لِباسِهِما بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وغُرُورِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ.

البَحْثُ الثّانِي: اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيُرِيَهُما) لامُ العاقِبَةِ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (لِيُبْدِيَ لَهُما) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما يَرى آدَمُ سَوْءَةَ حَوّاءَ وتَرى حَوّاءُ سَوْءَةَ آدَمَ.

البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في اللِّباسِ …

Al-A'raaf 7:27Listen in Qur'an →
28

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allah has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allah does not order immorality. Do you say about Allah that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في النّاسِ مَن حَمَلَ الفَحْشاءَ عَلى ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وفِيهِمْ مَن حَمَلَهُ عَلى أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ، والأوْلى أنْ يُحْكَمَ بِالتَّعْمِيمِ، والفَحْشاءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الكَبائِرِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُسَلِّمُونَ كَوْنَ تِلْكَ الأفْعالِ فَواحِشَ. ثُمَّ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. بَلِ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ كانَتْ في أنْفُسِها فَواحِشَ، والقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها طاعاتٌ، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إقْدامِهِمْ عَلى تِلْكَ الفَواحِشِ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: إنّا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا.

والثّانِي: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِها.

صفحة ٤٧

أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْها جَوابًا؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عَقْلِ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا حَقًّا لَلَزِمَ الحُكْمُ بِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَناقِضَيْنِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، ولَمّا كانَ فَسادُ هَذا الطَّرِيقِ ظاهِرًا جَلِيًّا لِكُلِّ أحَدٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ عَنْهُ.

وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ثَبَتَ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كَوْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مُنْكَرَةً قَبِيحَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِها ؟ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْصُوفًا في نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ الفَحْشاءِ امْتَنَعَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ في نَفْسِهِ مِنَ الفَحْشاءِ مُغايِرًا لِتَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْبِ بِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.

وجَوابُهُ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ مَصْلَحَةً لِلْعِبادِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ مَفْسَدَةً لَهم، فَقَدْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيلُ لِهَذا المَعْنى. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَخْصُوصَةِ، فَعِلْمُكم بِأنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِها حَصَلَ؛ لِأنَّكم سَمِعْتُمْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، أوْ عَرَفْتُمْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ.

أمّا الأوَّلُ: فَمَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ.

وأمّا الثّانِي: فَباطِلٌ عَلى قَوْلِكم؛ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ وقَعَتْ مَعَ …

Al-A'raaf 7:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

Say, [O Muhammad], "My Lord has ordered justice and that you maintain yourselves [in worship of Him] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

صفحة ٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الأمْرِ بِالفَحْشاءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ في نَفْسِهِ قِسْطًا لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ في ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحُسْنَ إنَّما يَحْسُنُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وبِما ظَهَرَ في المَعْقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٨) وذَلِكَ القِسْطُ لَيْسَ إلّا شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَثَبَتَ أنَّ القِسْطَ لَيْسَ إلّا قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: أنَّهُ أمَرَ بِالقِسْطِ، وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وهو يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، ثُمَّ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

وثانِيها: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ، وعَطْفُ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ لا يَجُوزُ. وجَوابُهُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ، وقُلْ: أقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

البَحْثُ الثّانِي: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أقِيمُوا) هو اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.

والثّانِي: إنَّ المُرادَ هو الإخْلاصُ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ في العِبادَةِ قَدْ تَكُونُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالإخْلاصِ في تِلْكَ العِبادَةِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مَذْكُورٌ مِن بَعْدُ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الإخْلاصِ، صارَ كَأنَّهُ قالَ: وأخْلِصُوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.

فَإنْ قِيلَ: يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، إذا عَلَّقْتَ الإخْلاصَ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.

قُلْنا: لَمّا أمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ قَصْرُهُ عَلى أحَدِهِما، خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُسَمّى دِينًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنهُ زَمانُ الصَّلاةِ أوْ مَكانُهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ إقامَةُ الوَجْهِ لِلْقِبْلَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا أنْ لا نَعْتَبِرَ الأماكِنَ، بَلْ نَعْتَبِرُ القِبْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ …

Al-A'raaf 7:29Listen in Qur'an →
30

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they had taken the devils as allies instead of Allah while they thought that they were guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

صفحة ٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الأمْرِ بِالفَحْشاءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ في نَفْسِهِ قِسْطًا لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ في ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحُسْنَ إنَّما يَحْسُنُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وبِما ظَهَرَ في المَعْقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٨) وذَلِكَ القِسْطُ لَيْسَ إلّا شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَثَبَتَ أنَّ القِسْطَ لَيْسَ إلّا قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: أنَّهُ أمَرَ بِالقِسْطِ، وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وهو يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، ثُمَّ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

وثانِيها: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ، وعَطْفُ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ لا يَجُوزُ. وجَوابُهُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ، وقُلْ: أقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

البَحْثُ الثّانِي: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أقِيمُوا) هو اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.

والثّانِي: إنَّ المُرادَ هو الإخْلاصُ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ في العِبادَةِ قَدْ تَكُونُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالإخْلاصِ في تِلْكَ العِبادَةِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مَذْكُورٌ مِن بَعْدُ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الإخْلاصِ، صارَ كَأنَّهُ قالَ: وأخْلِصُوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.

فَإنْ قِيلَ: يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، إذا عَلَّقْتَ الإخْلاصَ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.

قُلْنا: لَمّا أمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ قَصْرُهُ عَلى أحَدِهِما، خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُسَمّى دِينًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنهُ زَمانُ الصَّلاةِ أوْ مَكانُهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ إقامَةُ الوَجْهِ لِلْقِبْلَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا أنْ لا نَعْتَبِرَ الأماكِنَ، بَلْ نَعْتَبِرُ القِبْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ …

Al-A'raaf 7:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.