Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 201–206 of 206

201

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

Indeed, those who fear Allah - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَنْزَغُهُ الشَّيْطانُ وبَيَّنَ أنَّ عِلاجَ هَذِهِ الحالَةِ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حالَ المُتَّقِينَ يَزِيدُ عَلى حالِ الرَّسُولِ في هَذا البابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الشَّيْطانِ إلّا النَّزْغُ الَّذِي هو كالِابْتِداءِ في الوَسْوَسَةِ، وجَوَّزَ في المُتَّقِينَ ما يَزِيدُ عَلَيْهِ وهو أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وهَذا المَسُّ يَكُونُ لا مَحالَةَ أبْلَغَ مِنَ النَّزْغِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (طَيْفٌ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ﴿طائِفٌ﴾ بِالألِفِ. قالَ

صفحة ٨١

الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفُوا في الطَّيْفِ فَقِيلَ إنَّهُ مَصْدٌ، وقالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: طافَ يَطُوفُ طَوْفا وطَوافًا إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ، وأطافَ يُطِيفُ إطافَةً إذا جَعَلَ يَسْتَدِيرُ بِالقَوْمِ ويَأْتِيهِمْ مِن نَواحِيهِمْ، وطافَ الخَيالُ يَطِيفُ طَيْفًا إذا ألَمَّ في المَنامِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ طَيْفٌ أصْلُهُ طَيِّفٌ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا التَّشْدِيدَ، فَحَذَفُوا إحْدى الياءَيْنِ وأبْقَوْا ياءً ساكِنَةً، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ، وعَلى ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو مِن بابٍ هَيْنٍ وهَيِّنٍ ومَيْتٍ ومَيِّتٍ، ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (إذا مَسَّهم طَيِّفٌ) بِالتَّشْدِيدِ، هَذا هو الأصْلُ في الطَّيْفِ، ثُمَّ سُمِّيَ الجُنُونُ والغَضَبُ والوَسْوَسَةُ طَيْفًا، لِأنَّهُ لَمَّةٌ مِن لَمَّةِ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّيْفُ في كَلامِ العَرَبِ الجُنُونُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْغَضَبِ طَيْفٌ، لِأنَّ الغَضْبانَ يُشْبِهُ المَجْنُونَ، وأمّا الطّائِفُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّيْفِ، مِثْلَ العافِيَةِ والعاقِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا جاءَ المَصْدَرُ فِيهِ عَلى فاعِلٍ وفاعِلَةٍ، قالَ الفَرّاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: الطّائِفُ والطَّيْفُ سَواءٌ، وهو ما كانَ كالخَيالِ الَّذِي يُلِمُّ بِالإنْسانِ، ومِنهم مَن قالَ: الطَّيْفُ كالخَطْرَةِ والطّائِفُ كالخاطِرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ إنَّما يَهِيجُ بِالإنْسانِ إذا اسْتَقْبَحَ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ قادِرًا، واعْتَقَدَ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِ كَوْنَهُ عاجِزًا عَنِ الدَّفْعِ، فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الِاعْتِقاداتِ الثَّلاثَةِ إذا كانَ واقِعًا في ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ فَيَغْتَرُّ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، فَأمّا إذا انْكَشَفَ لَهُ نُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ زالَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الثَّلاثَةُ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ.

أمّا الِاعْتِقادُ الأوَّلُ: وهو اسْتِقْباحُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإذا انْكَشَفَ لَهُ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ داعِيَةً جازِمَةً راسِخَةً، ومَتى خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ تِلْكَ الدّاعِيَةَ امْتَنَعَ مِنهُ أنْ لا يَقْدَمَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا تَجَلّى هَذا المَعْنى زالَ الغَضَبُ، وأيْضًا فَقَدْ يَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ هَذِهِ الحالَةَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَفِرُّ …

Al-A'raaf 7:201Listen in Qur'an →
202

وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ

But their brothers - the devils increase them in error; then they do not stop short.

صفحة ٨٢

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ إلى ماذا تَعُودُ عَلى قَوْلَيْنِ.

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ في الغَيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ شَياطِينَ الإنْسِ إخْوانٌ لِشَياطِينِ الجِنِّ، فَشَياطِينُ الإنْسِ يُغْوُونَ النّاسَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إمْدادًا مِنهم لِشَياطِينِ الجِنِّ عَلى الإغْواءِ والإضْلالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ إخْوانَ الشَّياطِينِ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمُتَّقِينَ، فَإنَّ الشَّياطِينَ يَكُونُونَ مَدَدًا لَهم فِيهِ، والقَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ لِكُلِّ كافِرٍ أخًا مِنَ الشَّياطِينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الإمْدادِ تَقْوِيَةُ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ والإقامَةُ عَلَيْها وشَغْلُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى قَبائِحِها ومَعايِبِها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ (يَمُدُّونَهم) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِنَ الإمْدادِ، والباقُونَ (يَمُدُّونَهم) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ مَدَّ يَمُدُّ وأمَدَّ يُمِدُّ، وقِيلَ مَدَّ مَعْناهُ جَذَبَ، وأمَدَّ مَعْناهُ مِنَ الإمْدادِ.

قالَ الواحِدِيُّ: عامَّةُ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ مِمّا يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ أمْدَدْتُ عَلى أفْعَلْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطُّورِ: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] وما كانَ بِخِلافِهِ فَإنَّهُ يَجِيءُ عَلى مَدَدْتُ قالَ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥] فالوَجْهُ هَهُنا قِراءَةُ العامَّةِ وهي فَتْحُ الياءِ، ومَن ضَمَّ الياءَ اسْتَعْمَلَ ما هو الخَيْرُ لِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الإقْصارُ الكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أقْصَرَ فُلانٌ عَنِ الشَّرِّ يُقْصِرُ إقْصارًا إذا كَفَّ عَنْهُ وانْتَهى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ عَنِ الضَّلالِ والإضْلالِ، أمّا الغاوِي فَفي الضَّلالِ وأمّا المُغْوِي فَفي الإضْلالِ.

Al-A'raaf 7:202Listen in Qur'an →
203

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And when you, [O Muhammad], do not bring them a sign, they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur'an] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ لا يُقْصِرُونَ في الإغْواءِ والإضْلالِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإغْواءِ والإضْلالِ وهو أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ آياتٍ مُعَيَّنَةً ومُعْجِزاتٍ مَخْصُوصَةً عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] ثُمَّ أعادَ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْتِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، والمَعْنى لَوْلا تَقَوَّلْتَها وافْتَعَلْتَها وجِئْتَ بِها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سَبَأٍ: ٤٣] أوْ يُقالُ هَلّا اقْتَرَحْتَها عَلى إلَهِكَ ومَعْبُودِكَ إنْ كُنْتَ صادِقًا في أنَّ اللَّهَ

صفحة ٨٣

يَقْبَلُ دُعاءَكَ ويُجِيبُ التِماسَكَ ! وعِنْدَ هَذا أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ الشّافِيَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ ومَعْناهُ لَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ عَلى رَبِّي في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإنَّما أنْتَظِرُ الوَحْيَ فَكُلُّ شَيْءٍ أكْرَمَنِي بِهِ قُلْتُهُ، وإلّا فالواجِبُ السُّكُوتُ وتَرْكُ الِاقْتِراحِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحَها لا يَقْدَحُ في الغَرَضِ، لِأنَّ ظُهُورَ القُرْآنِ عَلى وفْقِ دَعْواهُ مُعْجِزَةٌ بالِغَةٌ باهِرَةٌ، فَإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ كانَتْ كافِيَةً في تَصْحِيحِ النُّبُوَّةِ، فَكانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّعَنُّتِ، فَذَكَرَ في وصْفِ القُرْآنِ ألْفاظًا ثَلاثَةً:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أصْلُ البَصِيرَةِ الإبْصارُ، ولَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِبَصائِرِ العُقُولِ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ البَصِيرَةِ، تَسْمِيَةً لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبِّبِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى﴾ والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ وما قَبْلَها أنَّ النّاسَ في مَعارِفِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ بَلَغُوا في هَذِهِ المَعارِفِ إلى حَيْثُ صارُوا كالمُشاهِدِينَ لَها وهم أصْحابُ عَيْنِ اليَقِينِ.

والثّانِي: الَّذِينَ ما بَلَغُوا إلى ذَلِكَ الحَدِّ إلّا أنَّهم وصَلُوا إلى دَرَجاتِ المُسْتَدِلِّينَ، وهم أصْحابُ عِلْمِ اليَقِينِ، فالقُرْآنُ في حَقِّ الأوَّلِينَ وهُمُ السّابِقُونَ بَصائِرُ، وفي حَقِّ القِسْمِ الثّانِي وهُمُ المُقْتَصِدُونَ هَدًى، وفي حَقِّ عامَّةِ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ، ولَمّا كانَتِ الفِرَقُ الثَّلاثُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا جَرَمَ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

Al-A'raaf 7:203Listen in Qur'an →
204

وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

So when the Qur'an is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ شَأْنَ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإنْصاتُ السُّكُوتُ والِاسْتِماعُ، يُقالُ: نَصَتَ، وأنْصَتَ، وانْتَصَتَ، بِمَعْنًى واحِدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَمُقْتَضاهُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِماعُ والسُّكُوتُ واجِبًا، ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ.

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ أهْلِ الظّاهِرِ: أنّا نُجْرِي هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمُومِها فَفي أيِّ مَوْضِعٍ قَرَأ الإنْسانُ القُرْآنَ وجَبَ عَلى كُلِّ أحَدٍ اسْتِماعُهُ والسُّكُوتُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الإنْصاتُ لِعابِرِي الطَّرِيقِ ومُعَلِّمِي الصِّبْيانِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الكَلامِ في الصَّلاةِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرُوا بِالإنْصاتِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي وهم في الصَّلاةِ فَيَسْألُهم، كَمْ صَلَّيْتُمْ وكَمْ بَقِيَ ؟ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ بِحَوائِجِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَرْكِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وراءَ الإمامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ وقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَخَلَطُوا عَلَيْهِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.

صفحة ٨٤

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في السُّكُوتِ عِنْدَ الخُطْبَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قَدِ اسْتَبْعَدَ هَذا القَوْلَ، وقالَ: اللَّفْظُ عامٌّ وكَيْفَ يَجُوزُ قَصْرُهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الواحِدَةِ. وأقُولُ هَذا القَوْلُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ لَفْظَةَ إذا تُفِيدُ الِارْتِباطَ ولا تُفِيدُ التَّكْرارَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَدَخَلَتِ الدّارَ مَرَّةً واحِدَةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً واحِدَةً، فَإذا دَخَلَتِ الدّارَ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ بِالِاتِّفاقِ لِأنَّ كَلِمَةَ (إذا) لا تُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ لا يُفِيدُ إلّا وُجُوبَ الإنْصاتِ مَرَّةً واحِدَةً، فَلَمّا أوْجَبْنا الِاسْتِماعَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ في الخُطْبَةِ، فَقَدْ وفَّيْنا بِمُوجَبِ اللَّفْظِ ولَمْ يَبْقِ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى ما وراءَ هَذِهِ الصُّورَةِ، سَلَّمْنا أنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَسْكُتُ الإمامُ، وحِينَئِذٍ يَقْرَأُ المَأْمُومُ الفاتِحَةَ في حالِ سَكْتَةِ الإمامِ، كَما قالَ أبُو سَلَمَةَ: لِلْإمامِ سَكْتَتانِ، فاغْتَنِمِ القِراءَةَ في أيِّهِما شِئْتَ، وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: سُكُوتُ الإمامِ إمّا أنْ نَقُولَ: إنَّهُ مِنَ الواجِباتِ أوْ لَيْسَ مِنَ الواجِباتِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِالإجْماعِ والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَجُوزَ لَهُ أنْ لا يَسْكُتَ. فَبِتَقْدِيرِ: أنْ لا …

Al-A'raaf 7:204Listen in Qur'an →
205

وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًۭا وَخِيفَةًۭ وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ اعْلَمْ أنَّ قارِئًا يَقْرَأُ القُرْآنَ بِصَوْتٍ عالٍ حَتّى يُمْكِنَهُمُ اسْتِماعُ القُرْآنَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ القارِئَ لَيْسَ إلّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً مَجْرى أمْرِ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْرَأ القُرْآنَ عَلى القَوْمِ بِصَوْتٍ عالٍ رَفِيعٍ، وإنَّما أمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ والرِّسالَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ الأمْرَ، بِأنْ أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّ انْتِفاعَ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ إنَّما يَكْمُلُ إذا وقَعَ الذِّكْرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأنَّهُ بِهَذا الشَّرْطِ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِقُيُودٍ:

القَيْدُ الأوَّلُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ في نَفْسِهِ كَوْنُهُ عارِفًا بِمَعانِي الأذْكارِ الَّتِي يَقُولُها بِلِسانِهِ مُسْتَحْضِرًا لِصِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعُلُوِّ والجَلالِ والعَظَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ إذا كانَ عارِيًا عَنِ الذِّكْرِ بِالقَلْبِ كانَ عَدِيمَ الفائِدَةِ، ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: بِعْتُ واشْتَرَيْتُ مَعَ أنَّهُ لا يَعْرِفُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ ولا يَفْهَمُ مِنها شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَنْعَقِدُ البَيْعُ والشِّراءُ، فَكَذا هَهُنا، ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا أحْكامٌ:

الحُكْمُ الأوَّلُ

سَمِعْتُ أنَّ بَعْضَ الأكابِرِ مِن أصْحابِ القُلُوبِ كانَ إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ واحِدًا مِنَ المُرِيدِينَ بِالخَلْوَةِ والذِّكْرِ أمَرَهُ بِالخَلْوَةِ والتَّصْفِيَةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عِنْدَ اسْتِكْمالِ هَذِهِ المُدَّةِ وحُصُولِ التَّصْفِيَةِ التّامَّةِ، يَقْرَأُ عَلَيْهِ الأسْماءَ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ، ويَقُولُ لِذَلِكَ المُرِيدِ اعْتَبِرْ حالَ قَلْبِكَ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكُلُّ اسْمٍ وجَدْتَ قَلْبَكَ عِنْدَ سَماعِهِ قَوِيَ تَأثُّرُهُ وعَظُمَ شَوْقُهُ، فاعْرِفْ أنَّ اللَّهَ إنَّما يَفْتَحُ أبْوابَ المُكاشَفاتِ عَلَيْكَ بِواسِطَةِ المُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ بِعَيْنِهِ، وهَذا طَرِيقٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ في هَذا البابِ.

الحُكْمُ الثّانِي

قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِحُصُولِ الذِّكْرِ النَّفْسانِيِّ ولا مَعْنى لِكَلامِ النَّفْسِ إلّا ذَلِكَ.

صفحة ٨٧

فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ النَّفْسانِيِّ العِلْمَ والمَعْرِفَةَ ؟ .

قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنَّ الإنْسانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ ابْتِداءً لِأنَّهُ إمّا أنْ يَطْلُبَهُ حالَ حُصُولِهِ أوْ حالَ عَدَمِ حُصُولِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا كانَ الذِّهْنُ غافِلًا عَنْهُ، والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ طالِبًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْإنْسانِ عَلى تَحْصِيلِ التَّصَوُّراتِ، فامْتَنَعَ وُرُودُ الأمْرِ بِهِ، والآيَةُ دالَّةٌ …

Al-A'raaf 7:205Listen in Qur'an →
206

إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ ۩

Indeed, those who are near your Lord are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا رَغَّبَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الذِّكْرِ وفي المُواظَبَةِ عَلَيْهِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يُقَوِّي دَواعِيَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ نِهايَةِ شَرَفِهِمْ وغايَةِ طَهارَتِهِمْ

صفحة ٩٠

وعِصْمَتِهِمْ وبَراءَتِهِمْ عَنْ بَواعِثِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وحَوادِثِ الحِقْدِ والحَسَدِ، لَمّا كانُوا مُواظِبِينَ عَلى العُبُودِيَّةِ والسُّجُودِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ، فالإنْسانُ مَعَ كَوْنِهِ مُبْتَلًى بِظُلُماتِ عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ ومُسْتَعِدًّا لِلَّذّاتِ البَشَرِيَّةِ والبَواعِثِ الإنْسانِيَّةِ أوْلى بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقالُوا لَفْظُ﴿عِنْدَ﴾ مُشْعِرٌ بِالمَكانِ والجِهَةِ.

وجَوابُهُ أنّا ذَكَرْنا البَراهِينَ الكَثِيرَةَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٤] عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ تَعالى حاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحَدِيدِ: ٤] ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ لا بِالجِهَةِ فَكَذا هُنا، وأيْضًا جاءَ في الأخْبارِ الرَّبّانِيَّةِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ العِنْدِيَّةَ لَيْسَتْ لِأجْلِ المَكانِ والجِهَةِ، فَكَذا هُنا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ القُرْبُ بِالشَّرَفِ. ويُقالُ: لِلْوَزِيرِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأمِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُرْبَ بِالجِهَةِ، لِأنَّ البَوّابَ والفَرّاشَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى المَلِكِ في الجِهَةِ والحَيِّزِ والمَكانِ مِنَ الوَزِيرِ، فَعَلِمْنا أنَّ القُرْبَ المُعْتَبَرَ هو القُرْبُ بِالشَّرَفِ لا القُرْبُ بِالجِهَةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا تَشْرِيفٌ لِلْمَلائِكَةِ بِإضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أسْكَنَهم في المَكانِ الَّذِي كَرَّمَهُ وشَرَّفَهُ وجَعَلَهُ مَنزِلَ الأنْوارِ ومَصْعَدَ الأرْواحِ والطّاعاتِ والكَراماتِ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: إنَّما قالَ تَعالى في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلى الخَلْقِ كَما يُقالُ: إنَّ عِنْدَ الخَلِيفَةِ جَيْشًا عَظِيمًا، وإنْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في البَلَدِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالعِبادَةِ والذِّكْرِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ والمَعْنى فَأنْتَ أوْلى وأحَقُّ بِالعِبادَةِ، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَتِ المَلائِكَةُ أفْضَلَ مِنهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ مِن طاعاتِهِمْ أوَّلًا كَوْنَهم يُسَبِّحُونَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ …

Al-A'raaf 7:206Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.