Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 201–206 of 206

201

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

Indeed, those who fear Allah - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾

هَذا تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَتَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ ”إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا“ إلى آخِرِها مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ إذا أحَسَّ بِنَزْغِ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ إنَّ الَّتِي هي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ تَرَدُّدٍ أوْ إنْكارٍ، كَما افْتُتِحَتْ بِها سابِقَتُها في قَوْلِهِ ”إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ“ فَيَكُونُ الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ حِينَئِذٍ قَدْ عُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ أُولاهُما: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ مَنجاةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ. والثّانِيَةُ: أنَّ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكُّرًا لِواجِبِ مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ والتَّيَقُّظِ لِكَيْدِهِ، وأنَّ ذَلِكَ التَّيَقُّظَ سُنَّةُ المُتَّقِينَ، فالرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَأْمُورٌ بِمُجاهِدَةِ الشَّيْطانِ: لِأنَّهُ مُتَّقٍ، ولِأنَّهُ يَبْتَهِجُ بِمُتابَعَةِ سِيرَةِ سَلَفِهِ مِنَ المُتَّقِينَ كَما قالَ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]

صفحة ٢٣٢

وقَدْ جاءَتِ العِلَّةُ هُنا أعَمَّ مِنَ المُعَلَّلِ: لِأنَّ التَّذَكُّرَ أعَمُّ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ.

ولَعَلَّ اللَّهُ ادَّخَرَ خُصُوصِيَّةَ الِاسْتِعاذَةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَثُرَ في القُرْآنِ الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ وكَثُرَ ذَلِكَ في أقْوالِ النَّبِيءِ ﷺ وجُعِلَ لِلَّذِينَ قَبْلَهم الأمْرُ بِالتَّذَكُّرِ، كَما ادَّخَرَ لَنا يَوْمَ الجُمُعَةِ.

و”التَّقْوى“ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهِمُ: الرُّسُلُ وصالِحُو أُمَمِهِمْ، لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهم قُدْوَةً وأُسْوَةً حَسَنَةً.

و”المَسُّ“ حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى الجِسْمِ، واسْتُعِيرَ لِلْإصابَةِ أوْ لِأدْنى الإصابَةِ.

والطّائِفُ هو الَّذِي يَمْشِي حَوْلَ المَكانِ يَنْتَظِرُ الإذْنَ لَهُ، فَهو النّازِلُ بِالمَكانِ قَبْلَ دُخُولِهِ المَكانَ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الخاطِرِ الَّذِي يَخْطُرُ في النَّفْسِ يَبْعَثُ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ نَهى اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ، شَبَّهَ ذَلِكَ الخاطِرَ في مَبْدَأِ جَوْلاتِهِ في النَّفْسِ بِحُلُولِ الطّائِفِ قَبْلَ أنْ يَسْتَقِرَّ.

وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنَّ القادِمَ إلى أهْلِ البَيْتِ، العائِذَ بِرَبِّ البَيْتِ، المُسْتَأْنِسَ لِلْقِرى يَسْتَأْنِسُ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويَسْتَأْذِنُ، كَما ورَدَ في قِصَّةِ النّابِغَةِ مَعَ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ حِينَ أنْشَدَ أبْياتَهُ الَّتِي أوَّلُها: أصَمُّ أمْ يَسْمَعُ رَبُّ القُبَّةْ

وتَقَدَّمَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، ومِن ذَلِكَ طَوافُ القادِمِينَ إلى مَكَّةَ بِالكَعْبَةِ تَشَبُّهًا بِالوافِدِينَ عَلى المُلُوكِ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الطَّوافُ عَلى جَمِيعِ المَناسِكِ وخُتِمَتْ بِالطَّوافِ أيْضًا، فَلَعَلَّ كَلِمَةَ طائِفٍ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المُلِمِّ الخَفِيِّ. قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ وقالَ - تَعالى - فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: طائِفٌ، بِألْفٍ بَعْدِ الطّاءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ: ”طَيْفٌ“ بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الطّاءِ وبِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الطّاءِ، والطَّيْفُ خَيالٌ يَراكَ في النَّوْمِ …

Al-A'raaf 7:201Listen in Qur'an →
202

وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ

But their brothers - the devils increase them in error; then they do not stop short.

﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] عَطْفُ الضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَإنَّ الضِّدْيَةَ مُناسَبَةٌ يَحْسُنُ بِها عَطْفُ حالِ الضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَلَمّا ذَكَرَ شَأْنَ المُتَّقِينَ في دَفْعِهِمْ طائِفَ الشَّياطِينِ، ذَكَرَ شَأْنَ أضْدادِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالِ، كَما وقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]

صفحة ٢٣٤

مِن جُمْلَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجَعَلَها الزَّجّاجُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] أيْ: ويَمُدُّونَهم في الغَيِّ، يُرِيدُ أنَّ شُرَكاءَهم لا يَنْفَعُونَهم بَلْ يَضُرُّونَهم بِزِيادَةِ الغَيِّ.

والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ عَلى وزْنِ فِعْلانِ مِثْلُ جَمْعِ خَرَبٍ وهو ذَكَرُ الحُبارى عَلى خِرْبانٍ.

وحَقِيقَةُ الأخِ المُشارِكِ في بُنُوَّةِ الأُمِّ والأبِ أوْ في بُنُوَّةِ أحَدِهِما ويُطْلِقُ الأخُ مَجازًا عَلى الصَّدِيقِ الوَدُودِ ومِنهُ ما آخى النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ «لَمّا خَطَبَ النَّبِيءُ مِنهُ عائِشَةَ إنَّما أنا أخُوكَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْتَ أخِي وهي حَلالٌ لِي ويُطْلَقُ الأخُ عَلى القَرِينِ كَقَوْلِهِمْ أخُو الحَرْبِ، وعَلى التّابِعِ المُلازِمِ كَقَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ» .

أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرا

أرادَ أنَّهُ عَبْدُهم، وعَلى النَّسَبِ والقُرْبِ كَقَوْلِهِمْ أخُو العَرَبِ وأخُو بَنِي فُلانٍ.

فَضَمِيرُ وإخْوانُهم عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَعُودَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ قَرِيبًا: لِأنَّ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلَهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ، وهو ”﴿يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾“ مُتَعَلِّقًا بِضَمِيرٍ يَعُودُ إلى المُتَّقِينَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَتَطَلَّبَ السّامِعُ لِضَمِيرِ ”وإخْوانُهم“ مَعادًا غَيْرَ ما هو مَذْكُورٌ في الكَلامِ بِقُرْبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ الجَماعَةُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم في هَذِهِ الآياتِ أعْنِي المُشْرِكِينَ المَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف: ١٩١] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] فَيَرُدُّ السّامِعُ الضَّمِيرَ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في أصْلِ الكَلامِ، ولِهَذا قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، أيْ وإخْوانُ المُشْرِكِينَ، أيْ أقارِبُهم ومَن هو مِن قَبِيلَتِهِمْ وجَماعَةِ دِينِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أيْ يَمُدُّ المُشْرِكُونَ بَعْضَهم بَعْضًا في الغَيِّ ويَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِ فَلا مُخَلِّصَ لَهم مِنَ الغَيِّ.

صفحة ٢٣٥

ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ آنِفًا بِاعْتِبارِ إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الأتْباعِ، كَما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى وإخْوانُ الشَّياطِينِ أيْ أتْباعُهم كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أمّا الضَّمِيرانِ المَرْفُوعانِ في …

Al-A'raaf 7:202Listen in Qur'an →
203

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And when you, [O Muhammad], do not bring them a sign, they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur'an] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."

﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] والمُناسَبَةُ أنَّ مَقالَتَهم هَذِهِ مِن جَهالَتِهِمْ والآيَةُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها خارِقُ العادَةِ أيْ هم لا يَقْنَعُونَ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ فَيَسْألُونَ آياتٍ كَما يَشاءُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: فَجِّرْ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي شَرَحْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩]

صفحة ٢٣٧

فِي سُورَةِ الأنْعامِ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والكَلْبِيِّ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِآيَةٍ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ يَقْتَرِحُونَ فِيها مَدْحًا لَهم ولِأصْنامِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْهم ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا تَأخَّرَ الوَحْيُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ هَلّا أتَيْتَ بِقُرْآنٍ مِن عِنْدِكَ. يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.

و”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ مِثْلَ هَلّا.

والِاجْتِباءُ الِاخْتِيارُ، والمَعْنى: هَلّا اخْتَرْتَ آيَةً وسَألْتَ رَبَّكَ أنْ يُعْطِيَكَها، أيْ هَلّا أتَيْتَنا بِما سَألْناكَ غَيْرَ آيَةِ القُرْآنِ فَيُجِيبَكَ اللَّهُ إلى ما اجْتَبَيْتَ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ نَصْبُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ بِخِلافِ ما يَقُولُ لَهم إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِنَ الضَّلالِ الَّذِي يَعْتَرِي أهْلَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ في فَهْمِ الأشْياءِ عَلى خِلافِ حَقائِقِها وبِحَسَبِ مَن يَتَخَيَّلُونَ لَها ويَفْرِضُونَ.

والجَوابُ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ بِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، فالِاتِّباعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاقْتِصارِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحَدِّ، أيْ لا أطْلُبُ آيَةً غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، ويُعَضِّدُ هَذا ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» ويَكُونُ المَعْنى: إنَّما أنْتَظِرُ ما يُوحى إلَيَّ ولا أسْتَعْجِلُ نُزُولَ القُرْآنِ إذا تَأخَّرَ نُزُولُهُ. فَيَكُونُ الِاتِّباعُ مُتَعَلِّقًا بِالزَّمانِ.

* * *

﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ كَلامٍ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ مُنْقَطِعَةٌ عَنِ المَقُولِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَجْمُوعِ أغْراضِ السُّورَةِ، والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِأنْ يُجِيبَهم بِهِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ وقَعَ التَّخَلُّصُ لِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

والإشارَةُ بِ ”﴿هَذا بَصائِرُ﴾“ إلى القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ أوْ مِنَ المُحاجَّةِ الأخِيرَةِ مِنها، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ.

صفحة ٢٣٨

والبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي ما بِهِ اتِّضاحُ الحَقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ …

Al-A'raaf 7:203Listen in Qur'an →
204

وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

So when the Qur'an is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.

﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

يُؤْذِنُ العَطْفُ بِأنَّ الخِطابَ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ فاسْتَمِعُوا و﴿أنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩] وفي قَوْلِهِ ”لَعَلَّكم“ تابِعٌ لِلْخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] إلَخْ، فَقَوْلُهُ ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَقُولَهُ لَهم وذَلِكَ إعادَةُ تَذْكِيرٍ لِلْمُشْرِكِينَ تَصْرِيحًا أوْ تَعْرِيضًا بِأنْ لا يُعْرِضُوا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وبِأنْ يَتَأمَّلُوهُ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وأنَّهُ بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ، لِمَن يُؤْمِنُ بِهِ ولا يُعانِدُ، وقَدْ عُلِمَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ أنَّهم كانُوا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإنْصاتِ إلى القُرْآنِ ”﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]“ .

صفحة ٢٣٩

وذِكْرُ اسْمِ القُرْآنِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، لِأنَّ القُرْآنَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِواسِطَةِ اسْمِ الإشارَةِ فَنُكْتَةُ هَذا الإظْهارِ: التَّنْوِيهُ بِهَذا الأمْرِ، وجَعَلَ جُمْلَتَهُ مُسْتَقِلَّةً بِالدَّلالَةِ غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى غَيْرِها، وهَذا مِن وُجُوهِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ ومِن دَواعِي الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ اسْتَقْرَيْتُهُ مِن كَلامِ البُلَغاءِ.

والِاسْتِماعُ الإصْغاءُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ في الفِعْلِ، والإنْصاتُ الِاسْتِماعُ مَعَ تَرْكِ الكَلامِ فَهَذا مُؤَكَّدُ لا تَسْمَعُوا. مَعَ زِيادَةِ مَعْنًى. وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِماعُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَجازِيِّ، وهو الِامْتِثالُ لِلْعَمَلِ بِما فِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨] ويَكُونُ الإنْصاتُ جامِعًا لِمَعْنى الإصْغاءِ وتَرْكِ اللَّغْوِ.

وهَذا الخِطابُ شامِلٌ لِلْكُفّارِ عَلى وجْهِ التَّبْلِيغِ، ولِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الإرْشادِ لِأنَّهم أرْجى لِلِانْتِفاعِ بِهَدْيِهِ لِأنَّ قَبْلَهُ قَوْلَهُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] .

ولا شُبْهَةَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وعَلى مُناسَبَتِها، سَواءٌ أُرِيدَ بِضَمِيرِ الخِطابِ بِها المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ مَعًا، أمْ أُرِيدَ المُسْلِمُونَ تَصْرِيحًا والمُشْرِكُونَ تَعْرِيضًا، أمْ أُرِيدَ المُشْرِكُونَ لِلِاهْتِداءِ والمُسْلِمُونَ بِالأحْرى لِزِيادَتِهِ.

فالِاسْتِماعُ والإنْصاتُ المَأْمُورُ بِهِما هُما المُؤَدِّيانِ بِالسّامِعِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، والِاهْتِداءِ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ المَقْضِيِّ إلى الإيمانِ بِهِ، ولِما جاءَ بِهِ مِن إصْلاحِ النُّفُوسِ، فالأمْرُ بِالِاسْتِماعِ مَقْصُودٌ بِهِ التَّبْلِيغُ واسْتِدْعاءُ النَّظَرِ والعَمَلُ بِما فِيهِ، فالِاسْتِماعُ والإنْصاتُ مَراتِبُ بِحَسَبِ مَراتِبِ المُسْتَمِعِينَ.

فَهَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ في مَعْنى الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ وفي مُقْتَضى الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾“، يُبَيِّنُ بَعْضَ إجْمالِها سِياقُ الكَلامِ والحَمْلُ عَلى ما يُفَسِّرُ سَبَبَها مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، ويُحالُ بَيانُ مُجْمَلِها فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ عَلى أدِلَّةٍ أُخْرى. وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ …

Al-A'raaf 7:204Listen in Qur'an →
205

وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًۭا وَخِيفَةًۭ وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.

﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾

إقْبالٌ بِالخِطابِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ، بَعْدَ أنْ أُمِرَ بِما أُمِرُ بِتَبْلِيغِهِ مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ، أنَّ أمْرَ النّاسِ بِاسْتِماعِ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقِراءَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ قِراءَةً جَهْرِيَّةً يَسْمَعُونَها، فَلَمّا فَرَغَ الكَلامُ مِن حَظِّ النّاسِ نَحْوَ قِراءَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، أقْبَلَ عَلى الكَلامِ في حَظِّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وهو التَّذَكُّرُ الخاصُّ بِهِ، فَأُمِرَ بِأنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ما اسْتَطاعَ وكَيْفَما تَسَنّى لَهُ وفي أوْقاتِ النَّهارِ المُخْتَلِفَةِ، فَجُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦] إلى هُنا.

والنَّفْسُ اسْمٌ لِلْقُوَّةِ الَّتِي بِها الحَياةُ، فَهي مُرادِفَةُ الرُّوحِ، وتُطْلَقُ عَلى الذّاتِ المُرَكَّبَةِ مِنَ الجَسَدِ والرُّوحِ، ولِكَوْنِ مَقَرِّ النَّفْسِ في باطِنِ الإنْسانِ أُطْلِقَتْ عَلى أُمُورِ باطِنِ الإنْسانِ مِنَ الإدْراكِ والعَقْلِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ مَضى في سُورَةِ المائِدَةِ، ومِن ذَلِكَ يَتَطَرَّقُ إلى إطْلاقِها عَلى خُوَيْصَّةِ المَرْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ”«وإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم“» فَقابَلَ قَوْلَهُ في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ في مَلَأٍ.

والمَعْنى: اذْكُرْ رَبَّكَ وأنْتَ في خَلْوَتِكَ كَما تَذْكُرُهُ في مَجامِعِ النّاسِ.

والذِّكْرُ حَقِيقَةٌ في ذِكْرِ اللِّسانِ، وهو المُرادُ هُنا، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وذَلِكَ يَشْمَلُ قِراءَةَ القُرْآنِ وغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ تَمْجِيدُ اللَّهِ وشُكْرُهُ ونَحْوُ ذَلِكَ، مِثْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والحَوْقَلَةِ والتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ والدُّعاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

و”التَّضَرُّعُ“ التَّذَلُّلُ، ولَمّا كانَ التَّذَلُّلُ يَسْتَلْزِمُ الخِطابَ بِالصَّوْتِ المُرْتَفِعِ في عادَةِ العَرَبِ كَنّى بِالتَّضَرُّعِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ والكِنائِيُّ

صفحة ٢٤٢

ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالخُفْيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقُوبِلَ التَّضَرُّعُ هُنا بِالخِيفَةِ وهي اسْمُ مَصْدَرِ الخَوْفِ، فَهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى صِيغَةِ الهَيْئَةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها الهَيْئَةَ، مِثْلَ الشِّدَّةِ، ولَمّا كانَتِ الخِيفَةُ انْفِعالًا نَفْسِيًّا يَجِدُهُ الإنْسانُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ كانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّخافُتِ بِالكَلامِ خَشْيَةَ أنْ يَشْعُرَ بِالمَرْءِ مَن يَخافُهُ، فَلِذَلِكَ كُنِّيَ بِها هُنا عَنِ الإسْرارِ بِالقَوْلِ مَعَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، فَمُقابَلَتُها بِالتَّضَرُّعِ طِباقٌ في مَعْنَيَيِ اللَّفْظَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ ومَعْنَيَيْهِما الكِناءَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ تَضَرُّعًا وإعْلانًا وخِيفَةً وإسْرارًا.

وقَوْلُهُ ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ هو مُقابِلٌ لِكُلٍّ مِنَ التَّضَرُّعِ والخِيفَةِ وهو الذِّكْرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِيعابُ أحْوالِ الذَّكَرِ بِاللِّسانِ، …

Al-A'raaf 7:205Listen in Qur'an →
206

إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ ۩

Indeed, those who are near your Lord are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.

صفحة ٢٤٣

﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾

تَتَنَزَّلُ مُنْزِلَةَ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرِ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِ إنَّ الَّتِي هي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، لا لِرَدِّ تَرَدُّدٍ أوْ إنْكارٍ، لِأنَّ المُخاطَبَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَرَدَّدَ في خَبَرِ اللَّهِ - تَعالى -، فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ يُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ، ويُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، والمَعْنى: الحَثُّ عَلى تَكَرُّرِ ذِكْرِ اللَّهِ في مُخْتَلَفِ الأحْوالِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ مَأْمُورُونَ بِالِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكَمالِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وفِيها تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنَّهم مُنْحَطُّونَ عَنْ تِلْكَ الدَّرَجاتِ.

والمُرادُ بِ ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المَلائِكَةُ، ووَجْهُ جَعْلِ حالِ المَلائِكَةِ عِلَّةً لِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِالذِّكْرِ: أنَّ مَرْتَبَةَ الرِّسالَةِ تُلْحِقُ صاحِبَها مِنَ البَشَرِ بِرُتْبَةِ المَلائِكَةِ، فَهَذا التَّعْلِيلُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ لِأنَّ الذِّكْرَ هو شَأْنُ قَبِيلِكَ، كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ سالِمِ بْنِ مُسافِعٍ.

فَإنْ تَتَّقُوا شَرًّا فَمِثْلُكُمُ اتَّقى وإنْ تَفْعَلُوا خَيْرًا فَمِثْلُكُمُ فَعَلْ

فَلَيْسَ في هَذا التَّعْلِيلِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ أفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ، كَما يَتَوَهَّمُهُ المُعْتَزِلَةُ لِأنَّ التَّشَبُّهَ بِالمَلائِكَةِ مِن حَيْثُ كانَ المَلائِكَةُ أسْبَقَ في هَذا المَعْنى لِكَوْنِهِ حاصِلًا مِنهم بِالجِبِلَّةِ فَهم مُثُلٌ فِيهِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَجْبُولِينَ عَلى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ، إذا تَخَلَّقُوا بِمِثْلِ خَلْقِ المَلائِكَةِ، كانَ سُمُوُّهم إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ أعْجَبَ، واسْتِحْقاقُهُمُ الشُّكْرَ والفَضْلَ لَهُ أجْدَرَ.

ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ لَفْظِ المَلائِكَةِ إلى المَوْصُولِيَّةِ: ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِمْ، فَيَتَذَرَّعُ بِذَلِكَ إلى إيجادِ المُنافِسَةِ في التَّخَلُّقِ بِأحْوالِهِمْ.

و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في رِفْعَةِ المِقْدارِ، والحُظْوَةِ الإلَهِيَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ لِأنَّ التَّنْوِيهَ بِهِمْ يَكُونُ بِأفْضَلِ مِن ذَلِكَ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ وأنَّهم عَلى النَّقِيضِ مِن أحْوالِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَخَلِيقٌ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا بُعَداءَ عَنْ مَنازِلِ

صفحة ٢٤٤

الرِّفْعَةِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ويُسَبِّحُونَهُ أيْ يُنَزِّهُونَهُ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، وهَذِهِ الصِّلَةُ هي المَقْصُودَةُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالذِّكْرِ.

واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِدَلالَتِها عَلى التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ، أوْ كَما هو المَقْصُودُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ مِن قَوْلِهِ ولَهُ يَسْجُدُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ ولا يَسْجُدُونَ لِغَيْرِهِ، وهَذا أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِغَيْرِهِ، والمُضارِعُ يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ أيْضًا.

وهُنا مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ، وهو أوَّلُها في تَرْتِيبِ الصُّحُفِ، وهو مِنَ المُتَّفَقِ عَلى السُّجُودِ فِيهِ بَيْنَ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ومُقْتَضى السَّجْدَةِ هُنا أنَّ الآيَةَ جاءَتْ لِلْحَضِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ، فَلَمّا أخْبَرَتْ عَنْ حالَةٍ مِن …

Al-A'raaf 7:206Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.