Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 201–206 of 206

201

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

Indeed, those who fear Allah - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ

واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ …

Al-A'raaf 7:201Listen in Qur'an →
202

وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ

But their brothers - the devils increase them in error; then they do not stop short.

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ

واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ …

Al-A'raaf 7:202Listen in Qur'an →
203

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And when you, [O Muhammad], do not bring them a sign, they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur'an] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."

﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ رُوِيَ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَتَأخَّرُ عَنِ النَّبِيِّ أحْيانًا، فَكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: هَلّا اجْتَبَيْتَها، ومَعْنى اللَّفْظَةِ في كَلامِ العَرَبِ تَخَيَّرْتَها واصْطَفَيْتَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُمُ: المُرادُ هَلّا اخْتَرَعْتَها واخْتَلَقْتَها مَن قِبَلِكَ ومِن عِنْدِ نَفْسِكَ، والمَعْنى: أنَّ كَلامَكَ كُلَّهُ كَذَلِكَ عَلى ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَدَّعِيهِ، كَما قالُوا: ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرى، قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اجْتَبى الشَّيْءَ بِمَعْنى جَباهُ لِنَفْسِهِ، أيْ: جَمَعَهُ، كَقَوْلِهِ: اجْتَمَعَ، أوْ جَبى إلَيْهِ فاجْتَباهُ، أيْ: أخَذَهُ، كَقَوْلِكَ: جَلَيْتُ العَرُوسَ إلَيْهِ فاجْتَلاها، والمَعْنى: هَلّا اجْتَمَعْتَها افْتِعالًا مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ: هَلّا تَلَقَّيْتَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلّا أخَذْتَها مُنَزَّلَةً عَلَيْكَ مُقْتَرَحَةً، انْتَهى، وهَذا القَوْلُ مِنهم مِن نَتائِجِ الإمْدادِ في الغَيِّ، كانُوا يَطْلُبُونَ آياتٍ مُعَيَّنَةً عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَقَلْبِ الصَّفا ذَهَبًا، وإحْياءِ المَوْتى، وتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وكَمْ جاءَتْهم مِن آيَةٍ فَكَذَّبُوا بِها واقْتَرَحُوا غَيْرَها.

﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مَجِيءُ الآياتِ إلَيْهِ، إنَّما هو مُتَّبِعٌ ما أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، ولَسْتُ بِمُفْتَعِلِها ولا مُقْتَرِحِها.

﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: هَذا المُوحى إلَيَّ الَّذِي أنا أتَّبِعُهُ لا أبْتَدِعُهُ، وهو القُرْآنُ بَصائِرُ، أيْ: حُجَجٌ وبَيِّناتٌ يُبْصَرُ بِها وتَتَّضِحُ الأشْياءُ الخَفِيّاتُ، وهي جَمْعُ بَصِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، أيْ: عَلى أمْرٍ جَلِيٍّ مُنْكَشِفٍ، وأخْبَرَ عَنِ المُفْرَدِ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى سُوَرٍ وآياتٍ؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو بَصائِرَ.

﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: دَلالَةٌ إلى الرُّشْدِ ورَحْمَةٌ في الدّارَيْنِ، وفي الدِّينِ والدُّنْيا، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَبْصِرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالوَحْيِ يَتَّبِعُونَ ما أمَرَ بِهِ فِيهِ، ويَجْتَنِبُونَ ما يُنْهَوْنَ عَنْهُ فِيهِ، ويُؤْمِنُونَ بِما تَضَمَّنَهُ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أصْلُ البَصِيرَةِ الإبْصارُ لَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِبَصائِرِ العُقُولِ في دَلالَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ البَصِيرَةِ تَسْمِيَةً لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبَّبِ، والنّاسُ في مَعارِفِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ، أحَدُها: الَّذِينَ بالَغُوا في هَذِهِ المَعارِفِ إلى حَيْثُ صارُوا كالمُشاهِدِينَ لَها، وهم أصْحابُ عَيْنِ اليَقِينِ، فالقُرْآنُ في حَقِّهِمْ بَصائِرُ، والثّانِي: الَّذِينَ وصَلُوا إلى دَرَجاتِ المُسْتَدِلِّينَ، وهم أصْحابُ عِلْمِ اليَقِينِ، فَهو في حَقِّهِمْ هُدًى، والثّالِثُ: مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الجَزْمَ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ المُسْتَدِلِّينَ، وهم عامَّةُ المُؤْمِنِينَ، فَهو في حَقِّهِمْ رَحْمَةٌ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الفِرَقُ الثَّلاثُ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، انْتَهى، وفِيهِ تَكْمِيلٌ، وبَعْضُ تَلْخِيصٍ.

Al-A'raaf 7:203Listen in Qur'an →
204

وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

So when the Qur'an is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.

﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ القُرْآنَ بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ أمَرَ بِاسْتِماعِهِ إذا شُرِعَ في قِراءَتِهِ وبِالإنْصاتِ، وهو السُّكُوتُ مَعَ الإصْغاءِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ما اشْتَمَلَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ حَرِيٌّ بِأنْ يُصْغى إلَيْهِ حَتّى يَحْصُلَ مِنهُ لِلْمُنْصِتِ هَذِهِ النَّتائِجُ العَظِيمَةُ ويَنْتَفِعَ بِها، فَيَسْتَبْصِرَ مِنَ العَمى ويَهْتَدِي مِنَ الضَّلالِ ويُرْحَمُ بِها، والظّاهِرُ اسْتِدْعاءُ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ إذا أخَذَ في قِراءَةِ القُرْآنِ ومَتى قُرِئَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وجابِرٌ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيَّبِ والزُّهْرِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، كانُوا إذا صَلّى الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُونَ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَنَزَلَتْ جَوابًا لَهم، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: هي في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ ما يُقْرَأُ في الخُطْبَةِ مِنَ القُرْآنِ قَلِيلٌ، وبِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والخُطْبَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها في الإنْصاتِ يَوْمَ الأضْحى ويَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الجُمُعَةِ وفِيما يَجْهَرُ فِيهِ الإمامُ مِنَ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: كانَ يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ في الصَّلاةِ ويُكَلِّمُهُ في حاجَتِهِ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ في الصَّلاةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأ الصَّحابَةُ رافِعِي أصْواتِهِمْ فَخَلَطُوا عَلَيْهِ فالآيَةُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ؛ إذْ أدّى الوَحْيَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: لَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ ولا غَيْرَها، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا اعْمَلُوا بِما فِيهِ، ولا تُجاوِزُوهُ، كَقَوْلِكَ: سَمِعَ اللَّهُ دُعاءَكَ، أيْ: أجابَكَ، وقالَ الحَسَنُ: هي عَلى عُمُومِها، فَفي أيِّ مَوْضِعٍ قُرِئَ القُرْآنُ وجَبَ عَلى كُلِّ حاضِرٍ اسْتِماعُهُ والسُّكُوتُ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: فاسْتَمِعُوا، إنْ كانَ لِلْكُفّارِ فَتُرْجى لَهُمُ الرَّحْمَةُ بِاسْتِماعِهِ والإصْغاءِ إلَيْهِ بِأنْ كانَ سَبَبًا لِإيمانِهِمْ وإنْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَرَحْمَتُهم هو ثَوابُهم عَلى الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَرَحْمَةُ كُلٍّ مِنهم عَلى ما يُناسِبُهُ، ولَعَلَّ باقِيَةٌ عَلى بابِها مِن تَوَقُّعِ التَّرَجِّي؛ وقِيلَ: هي لِلتَّعْلِيلِ.

Al-A'raaf 7:204Listen in Qur'an →
205

وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًۭا وَخِيفَةًۭ وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.

﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ . لَمّا أمَرَهم تَعالى بِالِاسْتِماعِ والإنْصاتِ إذا شُرِعَ في قِراءَةِ القُرْآنِ ارْتَقى مِن أمْرِهِمْ إلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ، أيْ بِحَيْثُ يُراقِبُهُ ويَذْكُرُهُ في الحالَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُ بِها أحَدٌ، وهي الحالَةُ الشَّرِيفَةُ العُلْيا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَهُ دُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، أيْ: يَذْكُرَهُ بِالقَوْلِ الخَفِيِّ الَّذِي لا يُشْعِرُ بِالتَّذَلُّلِ والخُشُوعِ مِن غَيْرِ صِياحٍ ولا تَصْوِيتٍ شَدِيدٍ، كَما تُناجى المُلُوكُ وتَسْتَجْلَبُ مِنهُمُ الرَّغائِبُ، وكَما قالَ لِلصَّحابَةِ وقَدْ جَهَرُوا بِالدُّعاءِ: «إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكم»، وكانَ كَلامُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِلرَّسُولِ ﷺ سِرارًا، وكَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] لِأنَّ في الجَهْرِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِالمُخاطَبِ، وظُهُورَ اسْتِعْلاءٍ وعَدَمَ تَذَلُّلٍ، والذِّكْرُ شامِلٌ لِكُلٍّ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّسْبِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وانْتَصَبَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما لِأنَّهُما يَتَسَبَّبُ عَنْهُما الذِّكْرُ، وهو التَّضَرُّعُ في اتِّصالِ الثَّوابِ والخَوْفِ مِنَ العِقابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَضَرِّعًا وخائِفًا، أوْ ذا تَضَرُّعٍ وخِيفَةٍ، وقُرِئَ: وخِفْيَةً، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: واذْكُرْ، خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وقِيلَ: خِطابٌ لِكُلِّ ذاكِرٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خِطابٌ لَهُ ويَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الذِّكْرِ بِالرَّبِّ تَعالى لِأنَّ اسْتِحْضارَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ اسْتِحْضارٌ لِجَمِيعِ أوْصافِها، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: واذْكُرْ نِعَمَ رَبِّكَ في نَفْسِكَ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ حَتّى لا تَنْسى نِعَمَهُ المُوجِبَةَ لِدَوامِ الشُّكْرِ، وفي لَفْظَةِ رَبِّكَ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالخِطابِ والإشْعارِ بِالإحْسانِ الصّادِرِ مِنَ المالِكِ لِلْمُلُوكِ ما لا خَفاءَ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ واذْكُرِ اللَّهَ ولا غَيْرَهُ مِنَ الأسْماءِ، وناسَبَ أيْضًا لَفْظَ الرَّبِّ قَوْلُهُ: تَضَرُّعًا وخِيفَةً، لِأنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِمَقامِ العُبُودِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ، حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِقَوْلِهِ: في نَفْسِكَ، لِعَطْفِها عَلَيْها، والعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ لا يَكُونُ في النَّفْسِ، ولا يُراعى إلّا بِحَرَكَةِ اللِّسانِ قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ فَهَذِهِ مَرْتَبَةُ السِّرِّ والمُخافَتَةِ بِاللَّفْظِ، انْتَهى، ولا دَلالَةَ في ذَلِكَ لِما زَعَمَ، بَلِ الظّاهِرُ المُغايَرَةُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ وأنَّهُما ذِكْرانِ نَفْسانِيٌّ ولِسانِيٌّ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُتَكَلِّمًا كَلامًا دُونَ الجَهْرِ، لِأنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأقْرَبُ إلى جِنْسِ التَّفَكُّرِ، انْتَهى، ولَمّا ذَكَرَ حالَتَيِ الذِّكْرِ وسَبَبَهُما وهُما التَّضَرُّعُ والخُفْيَةُ ذَكَرَ أوْقاتَ الذِّكْرِ، فَقِيلَ: أرادَ خُصُوصِيَّةَ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في وقْتَيْنِ قَبْلَ فَرْضِ الخَمْسِ، …

Al-A'raaf 7:205Listen in Qur'an →
206

إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ ۩

Indeed, those who are near your Lord are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.

﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَعْنى العِنْدِيَّةِ الزُّلْفى والقُرْبُ مِنهُ تَعالى بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ، وذَلِكَ لِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالذِّكْرِ ورَغَّبَ في المُواظَبَةِ عَلَيْهِ ذَكَرَ مِن شَأْنِهِمْ ذَلِكَ فَأخْبَرَ عَنْهم بِأخْبارٍ ثَلاثَةٍ، الأوَّلُ: نَفْيُ الِاسْتِكْبارِ عَنْ عِبادَتِهِ، وذَلِكَ هو إظْهارُ العُبُودِيَّةِ، ونَفْيُ الِاسْتِكْبارِ هو المُوجِبُ لِلطّاعاتِ كَما أنَّ الِاسْتِكْبارَ هو المُوجِبُ لِلْعِصْيانِ؛ لِأنَّ المُسْتَكْبِرَ يَرى لِنَفْسِهِ شُفُوفًا ومَزِيَّةً فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنَ الطّاعَةِ، الثّانِي: إثْباتُ التَّسْبِيحِ مِنهم لَهُ تَعالى وهو التَّنْزِيهُ والتَّطْهِيرُ عَنْ جَمِيعِ ما لا يَلِيقُ بِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، والثّالِثُ: السُّجُودُ لَهُ، قِيلَ: وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ، أيْ لا يَسْجُدُونَ إلّا لَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ المَجْرُورَ لِيَقَعَ الفِعْلُ فاصِلَةً، فَأخَّرَهُ لِذَلِكَ لِيُناسِبَ ما قَبْلَهُ مِن رُءُوسِ الآيِ، ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ ناشِئَةً عَنِ انْتِفاءِ الِاسْتِكْبارِ، وكانَتْ عَلى قِسْمَيْنِ: عِبادَةٍ قَلْبِيَّةٍ وعِبادَةٍ جُسْمانِيَّةٍ ذَكَرَهُما، فالقَلْبِيَّةُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ، والجُسْمانِيَّةُ: السُّجُودُ وهو الحالُ الَّتِي يَكُونُ العَبْدُ فِيها أقْرَبَ إلى اللَّهِ تَعالى، «وفِي الحَدِيثِ: أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ»، ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ هو مَكانُ سَجْدَةٍ، وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ أرْبَعُ سَجَداتٍ: ألم تَنْزِيلُ: وحم تَنْزِيلُ والنَّجْمِ والعَلَقِ، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها عُشْرٌ أسْقَطَ آخِرَ الحَجِّ وص وثَلاثًا في المُفَصَّلِ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ إحْدى عَشْرَةَ، أسْقَطَ آخِرَةَ الحَجِّ وثَلاثَ المُفَصَّلِ، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أرْبَعَ عَشْرَةَ أسْقَطَ ثانِيَةَ الحَجِّ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، لَكِنْ أبُو حَنِيفَةَ أسْقَطَ ثانِيَةَ الحَجِّ وأثْبَتَ ص، وعَكَسَ الشّافِعِيُّ، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أيْضًا وابْنِ حَبِيبٍ خَمْسَ عَشْرَةَ آخِرُها خاتِمَةُ العَلَقِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ سِتَّ عَشْرَةَ، وزادَ سَجْدَةَ الحِجْرِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ هو واجِبٌ ولا خِلافَ في أنَّ شَرْطَهُ شَرْطُ الصَّلاةِ مِن طَهارَةِ خَبَثٍ وحَدَثٍ ونِيَّةٍ واسْتِقْبالٍ ووَقْتٍ، إلّا ما رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وابْنِ المُنْكَدِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ يَسْجُدُ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ إلى أنَّهُ يُكَبِّرُ ويَرْفَعُ اليَدَيْنِ، وقالَ مالِكٌ: يُكَبِّرُ لَها في الخَفْضِ والرَّفْعِ في الصَّلاةِ، وأمّا في غَيْرِ الصَّلاةِ فاخْتُلِفَ عَنْهُ ويُسَلِّمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وإسْحاقُ: لا يُسَلِّمُ ووَقْتُها سائِرُ الأوْقاتِ مُطْلَقًا لِأنَّها صَلاةٌ بِسَبَبٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: ما لَمْ يُسْفِرْ ولَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وقِيلَ: لا يَسْجُدُ بَعْدَ الصُّبْحِ ولا بَعْدَ العَصْرِ، وقِيلَ: بَعْدَ الصُّبْحِ لا بَعْدَ العَصْرِ، وثَلاثَةُ الأقْوالِ هَذِهِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ يَقُولُ في سُجُودِ التِّلاوَةِ «اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِها وِزْرًا واكْتُبْ لِي بِها …

Al-A'raaf 7:206Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.