Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ الأُمَمَ في قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- بِالتَّخْوِيفِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ ثانِيًا عَلى ما بَيَّنّاهُ، والتَّرْغِيبُ إنَّما كانَ لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ، فَبَدَأ في شَرْحِ تِلْكَ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أنَّهُ خَلَقَ أبانا آدَمَ وجَعَلَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، والإنْعامُ عَلى الأبِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى الِابْنِ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨) فَمَنَعَ تَعالى مِنَ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وعَلَّلَ ذَلِكَ المَنعَ بِكَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى الخَلْقِ، وهو أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم، ثُمَّ خَلَقَ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ المَنفَعَةَ بِأنْ جَعْلَ آدَمَ خَلِيفَةً في الأرْضِ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ تَقْرِيرُ أنَّ مَعَ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لا يَلِيقُ بِهِمُ التَّمَرُّدُ والجُحُودُ فَكَذا في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ تَعالى عَيْنَ هَذا المَعْنى بِغَيْرِ هَذا التَّرْتِيبِ فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ:

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قِصَّةِ إبْلِيسَ في القُرْآنِ في سَبْعَةِ مَواضِعَ:

أوَّلُها: في سُورَةِ البَقَرَةِ، وثانِيها: في هَذِهِ السُّورَةِ، وثالِثُها: في سُورَةِ الحِجْرِ، ورابِعُها: في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وخامِسُها: في سُورَةِ الكَهْفِ، وسادِسُها: في سُورَةِ طه، وسابِعُها: في سُورَةِ ص.

صفحة ٢٦

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يُفِيدُ أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ نَحْنُ.

ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تُفِيدُ التَّراخِي، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ أمْرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وقَعَ بَعْدَ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ وصَوَّرْناكم، أيْ صَوَّرْنا آدَمَ، ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ويُوسُفَ النَّحْوِيِّ وهو المُخْتارُ، وذَلِكَ لِأنَّ أمْرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ تَأخَّرَ عَنْ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا.

أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: كَيْفَ يَحْسُنُ جَعْلُ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا كِنايَةً عَنْ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ ؟

فَنَقُولُ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلُ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ تَحْسُنَ هَذِهِ الكِنايَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (البَقَرَةِ: ٦٣) أيْ مِيثاقَ أسْلافِكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ: قَتَلَتْ بَنُو أسَدٍ فُلانًا، وإنَّما …

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ. فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ قَدْ تَناوَلَ إبْلِيسَ، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، إلّا أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِن إبْلِيسَ ما مَنَعَهُ مِن تَرْكِ السُّجُودِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنَّ المَقْصُودَ طَلَبُ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، ولِهَذا الإشْكالِ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَةَ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ؟ ! ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (القِيامَةِ: ١) مَعْناهُ: أُقْسِمُ. وقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٥) أيْ يَرْجِعُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ. وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والأكْثَرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ كَلِمَةَ (لا) هَهُنا مُفِيدَةٌ ولَيْسَتْ لَغْوًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ: لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ كَلِمَةً مِن كِتابِ اللَّهِ لَغْوٌ لا فائِدَةَ فِيها مُشْكِلٌ صَعْبٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! ويَكُونُ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ما مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن ضَرَبَهُ ظُلْمًا: ما الَّذِي مَنَعَكَ مِن ضَرْبِي، أدِينُكَ، أمْ عَقْلُكَ، أمْ حَياؤُكَ ؟ ! والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ، وما امْتَنَعْتَ مِن ضَرْبِي.

الثّانِي: قالَ القاضِي: ذَكَرَ اللَّهُ المَنعَ وأرادَ الدّاعِيَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ؟ ! لِأنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حالَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَجَّبُ مِنها ويَسْألُ عَنِ الدّاعِي إلَيْها.

* * *

صفحة ٢٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تُفِيدُ الوُجُوبَ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ ولَوْ لَمْ يُفِدِ الأمْرُ الوُجُوبَ لَما كانَ مُجَرَّدُ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ مُوجِبًا لِلذَّمِّ.

فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ في ذَلِكَ الأمْرِ كانَتْ تُفِيدُ الوُجُوبَ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ جَمِيعَ الصِّيَغِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيلَ ذَلِكَ الذَّمِّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الأمْرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ، والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ هو الأمْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ لا كَوْنُهُ أمْرًا مَخْصُوصًا في صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ مُوجِبًا لِلذَّمِّ، وذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ. فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ قَدْ تَناوَلَ إبْلِيسَ، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، إلّا أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِن إبْلِيسَ ما مَنَعَهُ مِن تَرْكِ السُّجُودِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنَّ المَقْصُودَ طَلَبُ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، ولِهَذا الإشْكالِ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَةَ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ؟ ! ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (القِيامَةِ: ١) مَعْناهُ: أُقْسِمُ. وقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٥) أيْ يَرْجِعُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ. وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والأكْثَرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ كَلِمَةَ (لا) هَهُنا مُفِيدَةٌ ولَيْسَتْ لَغْوًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ: لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ كَلِمَةً مِن كِتابِ اللَّهِ لَغْوٌ لا فائِدَةَ فِيها مُشْكِلٌ صَعْبٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! ويَكُونُ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ما مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن ضَرَبَهُ ظُلْمًا: ما الَّذِي مَنَعَكَ مِن ضَرْبِي، أدِينُكَ، أمْ عَقْلُكَ، أمْ حَياؤُكَ ؟ ! والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ، وما امْتَنَعْتَ مِن ضَرْبِي.

الثّانِي: قالَ القاضِي: ذَكَرَ اللَّهُ المَنعَ وأرادَ الدّاعِيَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ؟ ! لِأنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حالَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَجَّبُ مِنها ويَسْألُ عَنِ الدّاعِي إلَيْها.

* * *

صفحة ٢٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تُفِيدُ الوُجُوبَ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ ولَوْ لَمْ يُفِدِ الأمْرُ الوُجُوبَ لَما كانَ مُجَرَّدُ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ مُوجِبًا لِلذَّمِّ.

فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ في ذَلِكَ الأمْرِ كانَتْ تُفِيدُ الوُجُوبَ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ جَمِيعَ الصِّيَغِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيلَ ذَلِكَ الذَّمِّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الأمْرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ، والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ هو الأمْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ لا كَوْنُهُ أمْرًا مَخْصُوصًا في صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ مُوجِبًا لِلذَّمِّ، وذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٣١

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الإنْظارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى وقْتِ البَعْثِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.

ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا يَذُوقُ المَوْتَ فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

بَلْ قالَ: إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٧، ٣٨] والمُرادُ مِنهُ اليَوْمُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الأحْياءُ كُلُّهم، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يُوَقِّتِ اللَّهُ لَهُ أجَلًا، بَلْ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٨] المُرادُ مِنهُ الوَقْتُ المَعْلُومُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مُكَلَّفًا، والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ أجَلَهُ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَتى تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّ وقْتَ مَوْتِهِ هو الوَقْتُ الفُلانِيُّ أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ، فَإذا قَرُبَ وقْتُ أجَلِهِ تابَ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّ تَعْرِيفَ وقْتِ المَوْتِ بِعَيْنِهِ يَجْرِي مَجْرى الإغْراءِ بِالقَبِيحِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى.

وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ تَعْرِيفَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَوْنَهُ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَقْتَضِي إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى أقْبَحِ أنْواعِ الكُفْرِ والفِسْقِ سَواءٌ أعْلَمَهُ بِوَقْتِ مَوْتِهِ، أوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإعْلامُ مُوجِبًا إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ، ومِثالُهُ أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ أنْبِياءَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا إغْراءَهم بِالقَبِيحِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم سَواءٌ عَرَّفَهم تِلْكَ الحالَةَ أوْ لَمْ يُعَرِّفْهم هَذِهِ الحالَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ.

فَلَمّا كانَ لا يَتَفاوَتُ حالُهم بِسَبَبِ هَذا التَّعْرِيفِ، لا جَرَمَ ما كانَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ إغْراءً بِالقَبِيحِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَ العِبادِ إلى نَفْسِهِ.

فالأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ.

والثّانِي: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُتَحَيِّرًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإغْواءَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمُغْوِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِيًا لِغَيْرِهِ مِنَ الغاوِينَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ المُغْوِيَ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، …

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٣١

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الإنْظارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى وقْتِ البَعْثِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.

ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا يَذُوقُ المَوْتَ فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

بَلْ قالَ: إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٧، ٣٨] والمُرادُ مِنهُ اليَوْمُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الأحْياءُ كُلُّهم، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يُوَقِّتِ اللَّهُ لَهُ أجَلًا، بَلْ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٨] المُرادُ مِنهُ الوَقْتُ المَعْلُومُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مُكَلَّفًا، والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ أجَلَهُ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَتى تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّ وقْتَ مَوْتِهِ هو الوَقْتُ الفُلانِيُّ أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ، فَإذا قَرُبَ وقْتُ أجَلِهِ تابَ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّ تَعْرِيفَ وقْتِ المَوْتِ بِعَيْنِهِ يَجْرِي مَجْرى الإغْراءِ بِالقَبِيحِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى.

وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ تَعْرِيفَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَوْنَهُ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَقْتَضِي إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى أقْبَحِ أنْواعِ الكُفْرِ والفِسْقِ سَواءٌ أعْلَمَهُ بِوَقْتِ مَوْتِهِ، أوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإعْلامُ مُوجِبًا إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ، ومِثالُهُ أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ أنْبِياءَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا إغْراءَهم بِالقَبِيحِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم سَواءٌ عَرَّفَهم تِلْكَ الحالَةَ أوْ لَمْ يُعَرِّفْهم هَذِهِ الحالَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ.

فَلَمّا كانَ لا يَتَفاوَتُ حالُهم بِسَبَبِ هَذا التَّعْرِيفِ، لا جَرَمَ ما كانَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ إغْراءً بِالقَبِيحِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَ العِبادِ إلى نَفْسِهِ.

فالأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ.

والثّانِي: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُتَحَيِّرًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإغْواءَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمُغْوِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِيًا لِغَيْرِهِ مِنَ الغاوِينَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ المُغْوِيَ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، …

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ باءُ القَسَمِ؛ أيْ: بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ؛ أيْ: بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ونَفاذِ سُلْطانِكَ فِيَّ لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ إلى الجَنَّةِ، بِأنْ أُزَيِّنَ لَهُمُ الباطِلَ، وما يُكْسِبُهُمُ المَآثِمَ، ولَمّا كانَتِ (الباءُ) باءَ القَسَمِ، كانَتِ (اللّامُ) جَوابَ القَسَمِ (وما) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ و﴿أغْوَيْتَنِي﴾ صِلَتُها.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، والمُرادُ أنَّكَ لَمّا أغْوَيْتَنِي فَأنا أيْضًا أسْعى في إغْوائِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ لِلِاسْتِفْهامِ. كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ إثْباتَ الألِفِ إذا أُدْخِلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ قَلِيلٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ لا خِلافَ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”عَلى“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مِثالُهُ قَوْلُكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، والمَعْنى عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ. وإلْقاءُ كَلِمَةِ ”عَلى“ جائِزٌ؛ لِأنَّ الصِّراطَ ظَرْفٌ في المَعْنى: فاحْتَمَلَ ما يَحْتَمِلُهُ لِلْيَوْمِ واللَّيْلَةِ، في قَوْلِكَ: آتِيكَ غَدًا وفي غَدٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يُواظِبُ عَلى الإفْسادِ مُواظَبَةً لا يَفْتُرُ عَنْها، ولِهَذا المَعْنى ذَكَرَ القُعُودَ؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يُبالِغَ في تَكْمِيلِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ قَعَدَ حَتّى يَصِيرَ فارِغَ البالِ فَيُمْكِنُهُ إتْمامُ المَقْصُودِ. ومُواظَبَتُهُ عَلى الإفْسادِ هي مُواظَبَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ حَتّى لا يَفْتُرَ عَنْها.

والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ والمَنهَجِ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ وصِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ هو دِينُهُ الحَقُّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ مِنَ المَذْهَبِ والِاعْتِقادِ هو مَحْضُ الغَوايَةِ والضَّلالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما قالَ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ وأيْضًا كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ .

صفحة ٣٣

وإذا ثَبَتَ هَذا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَرْضى إبْلِيسُ بِذَلِكَ المَذْهَبِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ ضَلالًا وغَوايَةً وبِكَوْنِهِ مُضادًّا لِلدِّينِ الحَقِّ ومُنافِيًا لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ المَرْءَ إنَّما يَعْتَقِدُ الفاسِدَ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُهُ حَقًّا، فَأمّا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ باطِلٌ وضَلالٌ وغَوايَةٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يَخْتارَهُ ويَرْضى بِهِ ويَعْتَقِدَهُ.

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ كُفْرُ عِنادٍ لا كُفْرُ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ مَتى عَلِمَ أنَّ مَذْهَبَهُ ضَلالٌ وغَوايَةٌ، فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ضِدَّهُ هو الحَقُّ، فَكانَ إنْكارُهُ إنْكارًا بِمَحْضِ اللِّسانِ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرَ عِنادٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا. بَلْ كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ …

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ذِكْرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مِنَ الآفَةِ في الدِّينِ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي أُشَكِّكُهم في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ أُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ.

وثانِيها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والمَعْنى أُفَتِّرُهم عَنِ الرَّغْبَةِ في سَعاداتِ الآخِرَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهم في لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها وأُحَسِّنُها في أعْيُنِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الآخِرَةُ؛ لِأنَّهم يَرِدُونَ عَلَيْها ويَصِلُونَ إلَيْها، فَهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإذا كانَتِ الآخِرَةُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ كانَتِ الدُّنْيا خَلْفَهم؛ لِأنَّهم يَخْلُفُونَها.

وثالِثُها: وهو قَوْلُ الحاكِمِ والسُّدِّيِّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الآخِرَةَ، وإنَّما فَسَّرْنا ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ بِالدُّنْيا، لِأنَّها بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَسْعى فِيها ويُشاهِدُها، وأمّا الآخِرَةُ فَهي تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.

ورابِعُها: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ حاضِرِينَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الكُفْرِ والبِدْعَةِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في أنْواعِ المَعاصِي.

وثانِيها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في التَّرْغِيبِ في الباطِلِ.

وثالِثُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أُفَتِّرُهم عَنِ الحَسَناتِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أُقَوِّي دَواعِيَهم في السَّيِّئاتِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُ مَن قالَ: الأيْمانُ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَناتِ، والشَّمائِلُ عَنِ السَّيِّئاتِ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ، يُرِيدُ: اجْعَلْنِي مِنَ المُقَدَّمِينَ عِنْدَكَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُؤَخَّرِينَ. ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ يُقالُ: هو عِنْدَنا بِاليَمِينِ أيْ بِمَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ، وإذا خَبُثَتْ مَنزِلَتُهُ قالَ: أنْتَ عِنْدِي بِالشِّمالِ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. أمّا حُكَماءُ الإسْلامِ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا أُخْرى:

أوَّلُها: وهو الأقْوى الأشْرَفُ أنَّ في البَدَنِ قُوًى أرْبَعًا، هي المُوجِبَةُ لِقُوّاتِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ:

فَإحْداها: القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها مِثْلُ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، وصُوَرُ المَحْسُوساتِ إنَّما تَرِدُ عَلَيْها مِن مُقَدَّمِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ .

والقُوَّةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ .

صفحة ٣٥

والقُوَّةُ الثّالِثَةُ: الشَّهْوَةُ وهي مَوْضُوعَةٌ في الكَبِدِ وهي مِن يَمِينِ البَدَنِ. …

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

صفحة ٣٧

اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا وعَدَ بِالإفْسادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى الزَّجْرِ والإهانَةِ فَقالَ: (اخْرُجْ مِنها) مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماءِ (مَذْءُومًا) قالَ اللَّيْثَ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ فَهو مَذْءُومٌ أيْ: مَحْقُورٌ والذّامُ الِاحْتِقارُ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَأمْتُهُ إذا عِبْتَهُ يَقُولُونَ في المَثَلِ لا تَعْدَمُ الحَسْناءُ ذامًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَذْءُومُ المَذْمُومُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَذْءُومًا: مَذْمُومًا بِأبْلَغِ الذَّمِّ، قالَ أُمَيَّةُ:

وقالَ لِإبْلِيسَ رَبُّ العِبادِ أنِ اخْرُجْ دَحِيرًا لَعِينًا ذَءُوما

وقَوْلُهُ: (مَدْحُورًا) الدَّحْرُ في اللُّغَةِ الطَّرْدُ والتَّبْعِيدُ، يُقالُ دَحَرَهُ دَحْرًا ودُحُورًا إذا طَرَدَهُ وبَعَّدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا﴾ وقالَ أُمَيَّةُ:

وبِإذْنِهِ سَجَدُوا لِآدَمَ كُلُّهم ∗∗∗ إلّا لَعِينًا خاطِئًا مَدْحُورا

وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ قَوْلُهُ: (لَأمْلَأنَّ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَوى عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ: (لِمَن تَبِعَكَ) بِكَسْرِ اللّامِ بِمَعْنى (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم هَذا الوَعِيدُ) وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمَلانَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: إنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ (ولَمَن تَبِعَكَ) خَبَرُهُ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ولَدِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ كانَ مُخاطِبًا لِوَلَدِ آدَمَ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التّابِعَ والمَتْبُوعَ مَعْنِيّانِ في أنَّ جَهَنَّمَ تُمْلَأُ مِنهُما ثُمَّ إنَّ الكافِرَ تَبِعَهُ، فَكَذَلِكَ الفاسِقُ تَبِعَهُ، فَيَجِبُ القَطْعُ بِدُخُولِ الفاسِقِ النّارَ، وجَوابُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِمَّنْ تَبِعَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن تَبِعَهُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، ونَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أصْحابِ البِدَعِ والضَّلالاتِ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّهم مُتابِعُونَ لِإبْلِيسَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَسائِلَ:

أحَدُها: إنَّ قَوْلَهُ: (اسْكُنْ) أمْرُ تَعَبُّدٍ، أوْ أمْرُ إباحَةٍ وإطْلاقٍ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا مَشَقَّةَ فِيهِ. فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ.

وثانِيها: إنَّ زَوْجَ آدَمَ هو حَوّاءُ، ويَجِبُ أنْ نَذْكُرَ أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ حَوّاءَ.

وثالِثُها: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ السَّماءِ أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ الأرْضِ.

ورابِعُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلا﴾ أمْرُ إباحَةٍ لا أمْرُ تَكْلِيفٍ.

وخامِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا﴾ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أوْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ.

وسادِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ المُرادُ شَجَرَةٌ واحِدَةٌ بِالشَّخْصِ أوِ النَّوْعِ.

وسابِعُها: إنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ أيُّ شَجَرَةٍ كانَتْ.

وثامِنُها: إنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.

وتاسِعُها: أنَّهُ ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وهَلْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ ظالِمًا بِهَذا القُرْبانِ الدُّخُولُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ (هُودٍ: ١٨) .

وعاشِرُها: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ وقَعَتْ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ بَعْدَها، فَهَذِهِ المَسائِلُ العَشَرَةُ قَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُها وتَقْرِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، والَّذِي بَقِيَ عَلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ حَرْفٌ واحِدٌ،

صفحة ٣٨

وهُوَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ (البَقَرَةِ: ٣٥) بِالواوِ، وقالَ هَهُنا: (فَكُلا) بِالفاءِ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ الواوَ تُفِيدُ الجَمْعَ المُطْلَقَ، والفاءَ تُفِيدُ الجَمْعَ عَلى سَبِيلِ التَّعْقِيبِ، فالمَفْهُومُ مِنَ الفاءِ نَوْعٌ داخِلٌ تَحْتَ المَفْهُومِ مِنَ الواوِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ النَّوْعِ والجِنْسِ، فَفي سُورَةِ البَقَرَةِ ذَكَرَ الجِنْسَ وفي سُورَةِ الأعْرافِ ذَكَرَ النَّوْعَ.

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

يُقالُ: وسْوَسَ إذا تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرُهُ، وبِهِ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا وهو فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، كَقَوْلِنا: ولَوْلَتِ المَرْأةُ، وقَوْلِنا: وعْوَعَ الذِّئْبُ، ورَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِالفَتْحِ، ولَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ، وهو الَّذِي يُلْقى إلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ ألْقاها إلَيْهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ وسْوَسَ إلَيْهِ وآدَمُ كانَ في الجَنَّةِ وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ؟

والجَوابُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ يُوَسْوِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: بَلْ كانَ آدَمُ وإبْلِيسُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ كانَتْ بَعْضَ جَنّاتِ الأرْضِ، والَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ، ودَخَلَتِ الحَيَّةُ في الجَنَّةِ فَتِلْكَ القِصَّةُ الرَّكِيكَةُ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ رُبَّما قَرُبا مِن بابِ الجَنَّةِ، وكانَ إبْلِيسُ واقِفًا مِن خارِجِ الجَنَّةِ عَلى بابِها، فَيَقْرُبُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وتَحْصُلُ الوَسْوَسَةُ هُناكَ.

السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مِنَ العَداوَةِ فَكَيْفَ قَبِلَ قَوْلَهُ

والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ لَقِيَ آدَمَ مِرارًا كَثِيرَةً ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ: فَلِأجْلِ المُواظَبَةِ والمُداوَمَةِ عَلى هَذا التَّمْوِيهِ أثَّرَ كَلامُهُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٣٩

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ .

والجَوابُ: مَعْنى وسْوَسَ لَهُ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ في هَذا اللّامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ (القَصَصِ: ٨) وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِالوَسْوَسَةِ ظُهُورَ عَوْرَتِهِما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُما إنْ أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْراتُهُما، وإنَّما كانَ قَصْدُهُ أنْ يَحْمِلَهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَقَطْ.

الثّانِي: لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لامُ الغَرَضِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ العَوْرَةِ كِنايَةً عَنْ سُقُوطِ الحُرْمَةِ وزَوالِ الجاهِ، والمَعْنى: أنَّ غَرَضَهُ مِن إلْقاءِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ زَوالُ حُرْمَتِهِ وذَهابُ مَنصِبِهِ.

والثّانِي: لَعَلَّهُ رَأى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ سَمِعَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ، أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضَّرَرِ وسُقُوطِ الحُرْمَةِ، فَكانَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ.

* * *

وقَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما …

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.