Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ إيجادِ النَّوْعِ، وهي نِعْمَةُ عِنايَةٍ، لِأنَّ الوُجُودَ أشْرَفُ مِنَ العَدَمِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا قَدْ

صفحة ٣٦

يَعْرِضُ لِلْمَوْجُودِ مِنَ الأكْدارِ والمَتاعِبِ، وبِنِعْمَةِ تَفْضِيلِهِ عَلى النَّوْعِ بِأنْ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِأصِلِهِ، وأُدْمِجَ في هَذا الِامْتِنانِ تَنْبِيهٌ وإيقاظٌ إلى عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِنَوْعِ الإنْسانِ مِنَ القِدَمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِلتَّحْذِيرِ مِن وسْوَسَتِهِ وتَضْلِيلِهِ، وإغْراءً بِالإقْلاعِ عَمّا أوْقَعَ فِيهِ النّاسَ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ، وهو غَرَضُ السُّورَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وما تَلاهُ مِنَ الآياتِ، فَلِذَلِكَ كانَ هَذا بِمَنزِلَةِ الِاسْتِدْلالِ وُسِّطَ في خِلالِ المَوْعِظَةِ.

والخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهُمُ الغَرَضُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ ”بِاللّامِ“ و”قَدْ“ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾، وتَعْدِيَةُ فِعْلَيِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، لِما كانَ عَلى مَعْنى خَلْقِ النَّوْعِ الَّذِي هم مِن أفْرادٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: خَلَقْنا أصْلَكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ، وهو آدَمُ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

والخَلْقُ الإيجادُ وإبْرازُ الشَّيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ مِنهُ عِنْدَ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ وصْفِ اللَّهِ بِهِ.

والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ صُورَةً، والصُّورَةُ الشَّكْلُ الَّذِي يُشَكَّلُ بِهِ الجِسْمُ كَما يُشَكَّلُ الطِّينُ بِصُورَةِ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ”صَوَّرْناكم“ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ التَّصْوِيرِ عَنْ رُتْبَةِ الخَلْقِ، لِأنَّ التَّصْوِيرَ حالَةُ كَمالٍ في الخَلْقِ بِأنْ كانَ الإنْسانُ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ المُتْقَنَةِ حُسْنًا وشَرَفًا، بِما فِيها مِن مَشاعِرِ الإدْراكِ والتَّدْبِيرِ، سَواءٌ كانَ التَّصْوِيرُ مُقارِنًا لِلْخَلْقِ كَما في خَلْقِ آدَمَ، أمْ كانَ بَعْدَ الخَلْقِ بِمُدَّةٍ، كَما في تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ مِن عِظامٍ ولَحْمٍ وعَصَبٍ وعُرُوقٍ ومَشاعِرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] .

صفحة ٣٧

وتَعْدِيَةُ فِعْلَيْ خَلَقْنا وصَوَّرْنا إلى ضَمِيرِ الخِطابِ يَنْتَظِمُ في سِلْكِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] الآيَةَ فالخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ فِيما يَأْتِي: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] والمَقْصُودُ بِالخُصُوصِ مِنهُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ كُفْرانَ هَذِهِ النِّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى عَقِبَ ذَلِكَ: وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وقَوْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ: اتَّبِعُوا ما …

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ إيجادِ النَّوْعِ، وهي نِعْمَةُ عِنايَةٍ، لِأنَّ الوُجُودَ أشْرَفُ مِنَ العَدَمِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا قَدْ

صفحة ٣٦

يَعْرِضُ لِلْمَوْجُودِ مِنَ الأكْدارِ والمَتاعِبِ، وبِنِعْمَةِ تَفْضِيلِهِ عَلى النَّوْعِ بِأنْ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِأصِلِهِ، وأُدْمِجَ في هَذا الِامْتِنانِ تَنْبِيهٌ وإيقاظٌ إلى عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِنَوْعِ الإنْسانِ مِنَ القِدَمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِلتَّحْذِيرِ مِن وسْوَسَتِهِ وتَضْلِيلِهِ، وإغْراءً بِالإقْلاعِ عَمّا أوْقَعَ فِيهِ النّاسَ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ، وهو غَرَضُ السُّورَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وما تَلاهُ مِنَ الآياتِ، فَلِذَلِكَ كانَ هَذا بِمَنزِلَةِ الِاسْتِدْلالِ وُسِّطَ في خِلالِ المَوْعِظَةِ.

والخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهُمُ الغَرَضُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ ”بِاللّامِ“ و”قَدْ“ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾، وتَعْدِيَةُ فِعْلَيِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، لِما كانَ عَلى مَعْنى خَلْقِ النَّوْعِ الَّذِي هم مِن أفْرادٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: خَلَقْنا أصْلَكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ، وهو آدَمُ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

والخَلْقُ الإيجادُ وإبْرازُ الشَّيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ مِنهُ عِنْدَ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ وصْفِ اللَّهِ بِهِ.

والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ صُورَةً، والصُّورَةُ الشَّكْلُ الَّذِي يُشَكَّلُ بِهِ الجِسْمُ كَما يُشَكَّلُ الطِّينُ بِصُورَةِ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ”صَوَّرْناكم“ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ التَّصْوِيرِ عَنْ رُتْبَةِ الخَلْقِ، لِأنَّ التَّصْوِيرَ حالَةُ كَمالٍ في الخَلْقِ بِأنْ كانَ الإنْسانُ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ المُتْقَنَةِ حُسْنًا وشَرَفًا، بِما فِيها مِن مَشاعِرِ الإدْراكِ والتَّدْبِيرِ، سَواءٌ كانَ التَّصْوِيرُ مُقارِنًا لِلْخَلْقِ كَما في خَلْقِ آدَمَ، أمْ كانَ بَعْدَ الخَلْقِ بِمُدَّةٍ، كَما في تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ مِن عِظامٍ ولَحْمٍ وعَصَبٍ وعُرُوقٍ ومَشاعِرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] .

صفحة ٣٧

وتَعْدِيَةُ فِعْلَيْ خَلَقْنا وصَوَّرْنا إلى ضَمِيرِ الخِطابِ يَنْتَظِمُ في سِلْكِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] الآيَةَ فالخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ فِيما يَأْتِي: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] والمَقْصُودُ بِالخُصُوصِ مِنهُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ كُفْرانَ هَذِهِ النِّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى عَقِبَ ذَلِكَ: وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وقَوْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ: اتَّبِعُوا ما …

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ إيجادِ النَّوْعِ، وهي نِعْمَةُ عِنايَةٍ، لِأنَّ الوُجُودَ أشْرَفُ مِنَ العَدَمِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا قَدْ

صفحة ٣٦

يَعْرِضُ لِلْمَوْجُودِ مِنَ الأكْدارِ والمَتاعِبِ، وبِنِعْمَةِ تَفْضِيلِهِ عَلى النَّوْعِ بِأنْ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِأصِلِهِ، وأُدْمِجَ في هَذا الِامْتِنانِ تَنْبِيهٌ وإيقاظٌ إلى عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِنَوْعِ الإنْسانِ مِنَ القِدَمِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِلتَّحْذِيرِ مِن وسْوَسَتِهِ وتَضْلِيلِهِ، وإغْراءً بِالإقْلاعِ عَمّا أوْقَعَ فِيهِ النّاسَ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ، وهو غَرَضُ السُّورَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وما تَلاهُ مِنَ الآياتِ، فَلِذَلِكَ كانَ هَذا بِمَنزِلَةِ الِاسْتِدْلالِ وُسِّطَ في خِلالِ المَوْعِظَةِ.

والخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهُمُ الغَرَضُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ ”بِاللّامِ“ و”قَدْ“ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾، وتَعْدِيَةُ فِعْلَيِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، لِما كانَ عَلى مَعْنى خَلْقِ النَّوْعِ الَّذِي هم مِن أفْرادٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: خَلَقْنا أصْلَكم ثُمَّ صَوَّرْناهُ، وهو آدَمُ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

والخَلْقُ الإيجادُ وإبْرازُ الشَّيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ مِنهُ عِنْدَ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ وصْفِ اللَّهِ بِهِ.

والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ صُورَةً، والصُّورَةُ الشَّكْلُ الَّذِي يُشَكَّلُ بِهِ الجِسْمُ كَما يُشَكَّلُ الطِّينُ بِصُورَةِ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ”صَوَّرْناكم“ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ التَّصْوِيرِ عَنْ رُتْبَةِ الخَلْقِ، لِأنَّ التَّصْوِيرَ حالَةُ كَمالٍ في الخَلْقِ بِأنْ كانَ الإنْسانُ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ المُتْقَنَةِ حُسْنًا وشَرَفًا، بِما فِيها مِن مَشاعِرِ الإدْراكِ والتَّدْبِيرِ، سَواءٌ كانَ التَّصْوِيرُ مُقارِنًا لِلْخَلْقِ كَما في خَلْقِ آدَمَ، أمْ كانَ بَعْدَ الخَلْقِ بِمُدَّةٍ، كَما في تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ مِن عِظامٍ ولَحْمٍ وعَصَبٍ وعُرُوقٍ ومَشاعِرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] .

صفحة ٣٧

وتَعْدِيَةُ فِعْلَيْ خَلَقْنا وصَوَّرْنا إلى ضَمِيرِ الخِطابِ يَنْتَظِمُ في سِلْكِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٠] الآيَةَ فالخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ فِيما يَأْتِي: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] والمَقْصُودُ بِالخُصُوصِ مِنهُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ كُفْرانَ هَذِهِ النِّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى عَقِبَ ذَلِكَ: وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وقَوْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ: اتَّبِعُوا ما …

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾

لَمّا كَوَّنَ اللَّهُ فِيهِ الصَّغارَ والحَقارَةَ بَعْدَ عِزَّةِ المَلَكِيَّةِ وشَرَفِها انْقَلَبَتْ مَرامِي هِمَّتِهِ إلى التَّعَلُّقِ بِالسَّفاسِفِ - إذا ما لَمْ تَكُنْ إبِلٌ فَمَعْزًى - فَسَألَ النَّظِرَةَ بِطُولِ الحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، إذْ كانَ يَعْلَمُ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الحَوادِثِ الباقِيَةِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ العالَمِ الباقِي، فَلَمّا أُهْبِطَ إلى العالَمِ الأرْضِيِّ ظَنَّ أنَّهُ صائِرٌ إلى العَدَمِ فَلِذَلِكَ سَألَ النَّظِرَةَ إبْقاءً لِما كانَ لَهُ مِن قَبْلُ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، وبَدَرَ مِن إبْلِيسَ طَلَبُ النَّظِرَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيْ إنَّكَ مِنَ المَخْلُوقاتِ الباقِيَةِ.

وقَدْ أفادَ التَّأْكِيدُ بِإنَّ والإخْبارُ بِصِيغَةِ مِنَ المُنْظَرِينَ: أنَّ إنْظارَهُ أمْرٌ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ مِن قَبْلِ سُؤالِهِ، أيْ تَحَقَّقَ كَوْنُكَ مِنَ الفَرِيقِ الَّذِينَ أُنْظِرُوا إلى يَوْمِ البَعْثِ، أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا وقَدَّرَ بَقاءَهم إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَكَشَفَ لِإبْلِيسَ أنَّهُ بَعْضٌ مِن جُمْلَةِ المُنْظَرِينَ مِن قَبْلِ حُدُوثِ المَعْصِيَةِ مِنهُ، وإنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُغَيِّرٍ ما قَدَّرَهُ لَهُ، فَجَوابُ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ تَحَقَّقَ، ولَيْسَ

صفحة ٤٦

إجابَةً لِطِلْبَةِ إبْلِيسَ، لِأنَّهُ أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن أنْ يُجِيبَ لَهُ طَلَبًا، وهَذِهِ هي النُّكْتَةُ في العُدُولِ عَنْ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: أنْظَرْتُكَ أوْ أجَبْتُ لَكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَكْرِمَةٍ بِاسْتِجابَةِ طَلَبِهِ، ولَكِنَّهُ أعْلَمَهُ أنَّ ما سَألَهُ أمْرٌ حاصِلٌ فَسُؤالُهُ تَحْصِيلٌ حاصِلٌ.

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾

لَمّا كَوَّنَ اللَّهُ فِيهِ الصَّغارَ والحَقارَةَ بَعْدَ عِزَّةِ المَلَكِيَّةِ وشَرَفِها انْقَلَبَتْ مَرامِي هِمَّتِهِ إلى التَّعَلُّقِ بِالسَّفاسِفِ - إذا ما لَمْ تَكُنْ إبِلٌ فَمَعْزًى - فَسَألَ النَّظِرَةَ بِطُولِ الحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ، إذْ كانَ يَعْلَمُ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الحَوادِثِ الباقِيَةِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ العالَمِ الباقِي، فَلَمّا أُهْبِطَ إلى العالَمِ الأرْضِيِّ ظَنَّ أنَّهُ صائِرٌ إلى العَدَمِ فَلِذَلِكَ سَألَ النَّظِرَةَ إبْقاءً لِما كانَ لَهُ مِن قَبْلُ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، وبَدَرَ مِن إبْلِيسَ طَلَبُ النَّظِرَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيْ إنَّكَ مِنَ المَخْلُوقاتِ الباقِيَةِ.

وقَدْ أفادَ التَّأْكِيدُ بِإنَّ والإخْبارُ بِصِيغَةِ مِنَ المُنْظَرِينَ: أنَّ إنْظارَهُ أمْرٌ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ مِن قَبْلِ سُؤالِهِ، أيْ تَحَقَّقَ كَوْنُكَ مِنَ الفَرِيقِ الَّذِينَ أُنْظِرُوا إلى يَوْمِ البَعْثِ، أيْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا وقَدَّرَ بَقاءَهم إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَكَشَفَ لِإبْلِيسَ أنَّهُ بَعْضٌ مِن جُمْلَةِ المُنْظَرِينَ مِن قَبْلِ حُدُوثِ المَعْصِيَةِ مِنهُ، وإنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُغَيِّرٍ ما قَدَّرَهُ لَهُ، فَجَوابُ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ تَحَقَّقَ، ولَيْسَ

صفحة ٤٦

إجابَةً لِطِلْبَةِ إبْلِيسَ، لِأنَّهُ أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن أنْ يُجِيبَ لَهُ طَلَبًا، وهَذِهِ هي النُّكْتَةُ في العُدُولِ عَنْ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: أنْظَرْتُكَ أوْ أجَبْتُ لَكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَكْرِمَةٍ بِاسْتِجابَةِ طَلَبِهِ، ولَكِنَّهُ أعْلَمَهُ أنَّ ما سَألَهُ أمْرٌ حاصِلٌ فَسُؤالُهُ تَحْصِيلٌ حاصِلٌ.

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] - ثُمَّ قَوْلُهُ - ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] .

فَقَدْ دَلَّ مَضْمُونُ ذَيْنِكَ الكَلامَيْنِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في نَفْسِ إبْلِيسَ مَقْدِرَةً عَلى إغْواءِ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] وإنَّهُ جَعَلَهُ باقِيًا مُتَصَرِّفًا بِقُواهُ الشِّرِّيرَةُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَأحَسَّ إبْلِيسُ أنَّهُ سَيَكُونُ داعِيَةً إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، بِجِبِلَّةٍ قَلَبَهُ اللَّهُ إلَيْها قَلْبًا وهو مِنَ المَسْخِ النَّفْسانِيِّ، وإنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ هو ضَلالٌ وفَسادٌ، فَصُدُورُ ذَلِكَ مِنهُ كَصُدُورِ النَّهْشِ مِنَ الحَيَّةِ، وكَتَحَرُّكِ الأجْفانِ عِنْدَ مُرُورِ شَيْءٍ عَلى العَيْنِ، وإنْ كانَ صاحِبُ العَيْنِ لا يُرِيدُ تَحْرِيكَهُما.

والباءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾“ سَبَبِيَّةٌ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ لَأقْعُدَنَّ، أيْ أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ لَهم حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنِّي بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ. واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ: قَصْدُ تَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِ العَزْمِ عَلَيْهِ.

صفحة ٤٧

وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ اسْتُحِقَّ التَّقْدِيمُ فَإنَّ المَجْرُورَ إذا قُدِّمَ قَدْ يُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» في رِوايَةٍ جَزَمَ تَكُونُوا مَعَ عَدَمِ مُعامَلَةِ عامِلِهِ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ بِعَلامَةِ الجَزْمِ فَلَمْ يُرْوَ يُوَلّى إلّا بِالألْفِ في آخِرِهِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الجَزْمِ. وذَلِكَ يَحْصُلُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُتَعَلِّقِ، إذْ كانَ هو السَّبَبُ في حُصُولِ المُتَعَلَّقِ بِهِ، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّقْدِيمُ مُنافِسًا لِتَصْدِيرِ لامِ القَسَمِ في جُمْلَتِها، عَلى أنّا لا نَلْتَزِمُ ذَلِكَ فَقَدْ خُولِفَ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ والقُعُودُ كِنايَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: قُعُودًا لَدى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهم رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ أيْ مُلازِمِينَ أبْياتًا لِغَيْرِهِمْ يُرِيدُ الجُلُوسَ، إذْ قَدْ يَكُونُونَ يَسْألُونَ واقِفِينَ، وماشِينَ، ووَجْهُ الكِنايَةِ هو أنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ تَسْتَلْزِمُ الإعْياءَ مِنَ الوُقُوفِ عِنْدَهُ، فَيَقْعُدُ المُلازِمُ طَلَبًا لِلرّاحَةِ، ومِن ثَمَّ أُطْلِقَ عَلى المُسْتَجِيرِ اسْمُ القَعِيدِ، ومِن إطْلاقِ القَعِيدِ عَلى المُلازِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أيْ مُلازِمٍ إذِ المَلَكُ لا يُوصَفُ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ.

ولَمّا ضُمِّنَ فِعْلُ: لَأقْعُدَنَّ مَعْنى المُلازَمَةِ انْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ تَضَمَّنَهُ مَعْنى لَأقْعُدَنَّ تَقْدِيرُهُ: فامْنَعَنَّ صِراطَكَ أوْ فَأقْطَعَنَّ عَنْهم صِراطَكَ، واللّامُ في لَهم لِلْأجَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .

وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ الكافِ أيِ الصِّراطِ الَّذِي هو لَكَ أيِ الَّذِي جَعَلْتُهُ …

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] - ثُمَّ قَوْلُهُ - ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] .

فَقَدْ دَلَّ مَضْمُونُ ذَيْنِكَ الكَلامَيْنِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في نَفْسِ إبْلِيسَ مَقْدِرَةً عَلى إغْواءِ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] وإنَّهُ جَعَلَهُ باقِيًا مُتَصَرِّفًا بِقُواهُ الشِّرِّيرَةُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَأحَسَّ إبْلِيسُ أنَّهُ سَيَكُونُ داعِيَةً إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، بِجِبِلَّةٍ قَلَبَهُ اللَّهُ إلَيْها قَلْبًا وهو مِنَ المَسْخِ النَّفْسانِيِّ، وإنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ هو ضَلالٌ وفَسادٌ، فَصُدُورُ ذَلِكَ مِنهُ كَصُدُورِ النَّهْشِ مِنَ الحَيَّةِ، وكَتَحَرُّكِ الأجْفانِ عِنْدَ مُرُورِ شَيْءٍ عَلى العَيْنِ، وإنْ كانَ صاحِبُ العَيْنِ لا يُرِيدُ تَحْرِيكَهُما.

والباءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾“ سَبَبِيَّةٌ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ لَأقْعُدَنَّ، أيْ أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ لَهم حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنِّي بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ. واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ: قَصْدُ تَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِ العَزْمِ عَلَيْهِ.

صفحة ٤٧

وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ اسْتُحِقَّ التَّقْدِيمُ فَإنَّ المَجْرُورَ إذا قُدِّمَ قَدْ يُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» في رِوايَةٍ جَزَمَ تَكُونُوا مَعَ عَدَمِ مُعامَلَةِ عامِلِهِ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ بِعَلامَةِ الجَزْمِ فَلَمْ يُرْوَ يُوَلّى إلّا بِالألْفِ في آخِرِهِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الجَزْمِ. وذَلِكَ يَحْصُلُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُتَعَلِّقِ، إذْ كانَ هو السَّبَبُ في حُصُولِ المُتَعَلَّقِ بِهِ، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّقْدِيمُ مُنافِسًا لِتَصْدِيرِ لامِ القَسَمِ في جُمْلَتِها، عَلى أنّا لا نَلْتَزِمُ ذَلِكَ فَقَدْ خُولِفَ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ والقُعُودُ كِنايَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: قُعُودًا لَدى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهم رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ أيْ مُلازِمِينَ أبْياتًا لِغَيْرِهِمْ يُرِيدُ الجُلُوسَ، إذْ قَدْ يَكُونُونَ يَسْألُونَ واقِفِينَ، وماشِينَ، ووَجْهُ الكِنايَةِ هو أنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ تَسْتَلْزِمُ الإعْياءَ مِنَ الوُقُوفِ عِنْدَهُ، فَيَقْعُدُ المُلازِمُ طَلَبًا لِلرّاحَةِ، ومِن ثَمَّ أُطْلِقَ عَلى المُسْتَجِيرِ اسْمُ القَعِيدِ، ومِن إطْلاقِ القَعِيدِ عَلى المُلازِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أيْ مُلازِمٍ إذِ المَلَكُ لا يُوصَفُ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ.

ولَمّا ضُمِّنَ فِعْلُ: لَأقْعُدَنَّ مَعْنى المُلازَمَةِ انْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ تَضَمَّنَهُ مَعْنى لَأقْعُدَنَّ تَقْدِيرُهُ: فامْنَعَنَّ صِراطَكَ أوْ فَأقْطَعَنَّ عَنْهم صِراطَكَ، واللّامُ في لَهم لِلْأجَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .

وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ الكافِ أيِ الصِّراطِ الَّذِي هو لَكَ أيِ الَّذِي جَعَلْتُهُ …

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

أعادَ اللَّهُ أمْرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السَّماءِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي: قالَ: ”﴿اهْبِطْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٣]“ إلى قَوْلِهِ فاخْرُجْ.

ومَذْءُومٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن ذَأمَهُ مَهْمُوزًا إذا عابَهُ وذَمَّهُ ذَأْمًا وقَدْ تُسَهَّلُ هَمْزَةُ ذَأمَ فَتَصِيرُ ألِفًا فَيُقالُ ذامَ ولا تُسَهَّلُ في بَقِيَّةِ تَصارِيفِهِ.

مَدْحُورٌ مَفْعُولٌ مِن دَحَرَهُ إذا أبْعَدَهُ وأقْصاهُ، أيِ: اخْرُجْ خُرُوجَ مَذْمُومٍ مَطْرُودٍ، فالذَّمُّ لِما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ، والطَّرْدُ لِتَنْزِيهِ عالَمِ القُدُسِ عَنْ مُخالَطَتِهِ.

واللّامُ في ﴿لَمَن تَبِعَكَ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.

ومَن شَرْطِيَّةٌ، واللّامُ في لَأمْلَأنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، والجَوابُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ مَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنهم ومِنكَ، وغُلِّبَ في الضَّمِيرِ حالُ الخِطابِ لِأنَّ الفَرْدَ المَوْجُودَ مِن هَذا العُمُومِ هو المُخاطَبُ، وهو إبْلِيسُ، ولِأنَّهُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن هَذا الوَعِيدِ لِأنَّهُ وعِيدٌ عَلى فِعْلِهِ، وأمّا وعِيدُ اتِّباعِهِ فَبِالتَّبَعِ لَهُ، بِخِلافِ الضَّمِيرِ في آيَةِ الحِجْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنْ وعِيدٍ بِفِعْلِهِ والِاهْتِمامِ بِبَيانِ مَرْتَبَةِ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِوَعِيدِ الغاوِينَ.

وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ:

صفحة ٥٢

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] .

والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ لِئَلّا يُحْمَلَ عَلى التَّغْلِيبِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ جَرى عَلى أُمَّةٍ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لِواحِدٍ، والعَرَبُ قَدْ تُجْرِي العُمُومَ في مِثْلِ هَذا عَلى المَجْمُوعِ دُونَ الجَمِيعِ، كَما يَقُولُونَ: قَتَلَتْ تَمِيمٌ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ بَعْضُهم، قالَ النّابِغَةُ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

الواوُ مِن قَوْلِهِ: ويا آدَمُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] الآيَةَ، فَهَذِهِ الواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، فالنِّداءُ والأمْرُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيِّ يُقالُ: أيْ قالَ اللَّهُ لِإبْلِيسَ اخْرُجْ مِنها وقالَ لِآدَمَ: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾، وهَذا مِن عَطْفِ المُتَكَلِّمِ بَعْضَ كَلامِهِ عَلى بَعْضٍ، إذا كانَ لِبَعْضِ كَلامِهِ اتِّصالٌ وتَناسُبٌ مَعَ بَعْضِهِ الآخَرِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدُ الكَلامَيْنِ مُوَجَّهًا إلى الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِ الكَلامُ الآخَرُ، مَعَ اتِّحادِ مَقامِ الكَلامِ، كَما يَفْعَلُ المُتَكَلِّمُ مَعَ مُتَعَدِّدِينَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ فَيُقْبِلُ عَلى كُلِّ مُخاطَبٍ مِنهم بِكَلامٍ يَخُصُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في قَضِيَّةِ الرَّجُلِ والأنْصارِيِّ الَّذِي كانَ ابْنُ الرَّجُلِ عَسِيفًا عَلَيْهِ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ «لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أمّا الغَنَمُ والجارِيَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وعَلى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، واغَدُ يا أُنَيْسُ عَلى زَوْجَةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» ومِن أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] حِكايَةً لِكَلامِ العَزِيزِ، أيِ العَزِيزِ عَطَفَ خِطابَ امْرَأتِهِ عَلى خِطابِهِ لِيُوسُفَ.

صفحة ٥٣

فَلَيْسَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ بِعاطِفَةٍ عَلى أفْعالِ القَوْلِ الَّتِي قَبْلَها حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ النُّكَتَ الَّتِي ذَكَرْناها، وذَلِكَ في حَضْرَةٍ واحِدَةٍ كانَ فِيها آدَمُ والمَلائِكَةُ وإبْلِيسُ حُضُورًا.

وفِي تَوْجِيهِ الخِطابِ لِآدَمَ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ بِحُضُورِ إبْلِيسَ بَعْدَ طَرْدِهِ زِيادَةُ إهانَةٍ، لِأنَّ إعْطاءَ النِّعَمِ لِمَرْضِيٍّ عَلَيْهِ في حِينِ عِقابِ مَنِ اسْتَأْهَلَ العِقابَ زِيادَةُ حَسْرَةٍ عَلى المُعاقَبِ، وإظْهارٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّ الإنْعامِ ومُسْتَحِقِّ العُقُوبَةِ فَلا يُفِيدُ الكَلامُ مِنَ المَعانِي ما أفادَهُ العَطْفُ عَلى المَقُولِ المَحْكِيِّ، ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَأُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ. ثُمَّ إنْ كانَ آدَمُ خُلِقَ في الجَنَّةِ، فَكانَ مُسْتَقِرًّا بِها مِن قَبْلُ، فالأمْرُ في قَوْلِهِ: اسْكُنْ إنَّما هو أمْرُ تَقْرِيرٍ: أيِ ابْقَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ خُلِقَ خارِجَ الجَنَّةِ فالأمْرُ لِلْإذْنِ تَكْرِيمًا لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي هَذا الأمْرِ، بِمَسْمَعٍ مِن إبْلِيسَ، مَقْمَعَةٌ لِإبْلِيسَ، لِأنَّهُ إنْ كانَ إبْلِيسُ مُسْتَقِرًّا في الجَنَّةِ مِن قَبْلُ فالقَمْعُ ظاهِرٌ إذْ أطْرَدَهُ اللَّهُ وأسْكَنَ الَّذِي تَكَبَّرَ هو عَنِ السُّجُودِ إلَيْهِ في المَكانِ المُشَرَّفِ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلَ تَكَبُّرِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ ساكِنًا في الجَنَّةِ قَبْلُ فَإكْرامُ الَّذِي احْتَقَرَهُ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ قَمْعٌ لَهُ، فَقَدْ دَلَّ مَوْقِعُ هَذا الكَلامِ، في هَذِهِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنًى عَظِيمٍ مِن قَمْعِ إبْلِيسَ زائِدٍ عَلى ما في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وإنْ كانَتا مُتَماثِلَتَيْنِ في اللَّفْظِ، ولَكِنَّ هَذا المَعْنى البَدِيعَ اسْتُفِيدَ مِنَ المَوْقِعِ وهَذا مِن بَدائِعِ إعْجازِ القُرْآنِ.

ووُجِدَ إيثارُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ إنَّ هَذا …

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾

كانَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ بِقُرْبِ نَهْيِ آدَمَ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ القُرْبِ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ إشارَةً إلى أنَّهُ قُرْبٌ قَرِيبٌ، لِأنَّ تَعْقِيبَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ.

والوَسْوَسَةُ: الكَلامُ الخَفِيُّ الَّذِي لا يَسْمَعُهُ إلّا المُدانِي لِلْمُتَكَلِّمِ، قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صائِدًا: وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ سِرًّا وقَدْ أوَّنَ تَأْوِينَ العُقُقْ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَّيْطانِ وسْوَسَةً: لِأنَّهُ ألْقى إلَيْهِما تَسْوِيلًا خَفِيًّا مِن كَلامٍ كَلَّمَهُما أوِ انْفِعالٍ في أنْفُسِهِما.

كَهَيْئَةِ الغاشِّ الماكِرِ إذْ يُخْفِي كَلامًا عَنِ الحاضِرِينَ كَيْلا يُفْسِدُوا عَلَيْهِ غِشَّهُ بِفَضْحِ مَضارِّهِ فَألْقى لَهُما كَلامًا في صُورَةِ التَّخافُتِ لِيُوهِمَهُما أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما وأنَّهُ يُخافِتُ الكَلامَ، وقَدْ وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى التَّعْبِيرُ عَنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ بِالقَوْلِ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ثُمَّ دَرَجَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ وكَلامُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى تَسْمِيَةِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ النّاسِ خَواطِرَ

صفحة ٥٧

فاسِدَةً، وسْوَسَةً تَقْرِيبًا لِمَعْنى ذَلِكَ الإلْقاءِ لِلْأفْهامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤] وهَذا التَّفْضِيلُ لِإلْقاءِ الشَّيْطانِ كَيْدَهُ انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ عَنْ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ هَذِهِ خِطابٌ شامِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وهم أخْلِياءُ عَنِ العِلْمِ بِذَلِكَ فَناسَبَ تَفْظِيعَ أعْمالِ الشَّيْطانِ بِمَسْمَعٍ مِنهم.

واللّامُ في: لِيُبْدِيَ لامُ العاقِبَةِ إذا كانَ الشَّيْطانُ لا يَعْلَمُ أنَّ العِصْيانَ يُفْضِي بِهِما إلى حُدُوثِ خاطِرِ الشَّرِّ في النُّفُوسِ وظُهُورِ السَّوْءاتِ، فَشَبَّهَ حُصُولَ الأثَرِ عَقِبَ الفِعْلِ بِحُصُولِ المَعْلُولِ بَعْدَ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وإنَّما التَقَطُوهُ لِيَكُونَ لَهم قُرَّةَ عَيْنٍ، وحُسْنُ ذَلِكَ أنَّ بُدُوَّ سَوْءاتِهِما مِمّا يُرْضِي الشَّيْطانَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ العِلَّةِ الباعِثَةِ إذا كانَ الشَّيْطانُ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالإلْهامِ أوْ بِالنَّظَرِ، فالشَّيْطانُ وسْوَسَ لِآدَمَ وزَوْجِهِ لِغَرَضِ إيقاعِهِما في المَعْصِيَةِ ابْتِداءً، لِأنَّ ذَلِكَ طَبْعُهُ الَّذِي جُبِلَ عَلى عَمَلِهِ، ثُمَّ لِغَرَضِ الإضْرارِ بِهِما، إذْ كانَ يَسْعى إلى ما يُؤْذِيهِما، ويَحْدُسُهُما عَلى رِضا اللَّهِ عَنْهُما، ويَعْلَمُ أنَّ العِصْيانَ يُفْضِي بِهِما إلى سُوءِ الحالِ عَلى الإجْمالِ، فَكانَ مَظْهَرُ ذَلِكَ السُّوءِ إبْداءَ السَّوْءاتِ، فَجُعِلَ مُفَصِّلُ العِلَّةِ المُجْمَلَةِ عِنْدَ الفاعِلِ هو العِلَّةُ، وإنْ لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ حَصَلَ لَهُ مِن قَبْلُ. والحاصِلُ أنَّهُ أرادَ الإضْرارَ، لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في طَبْعِهِ عَداوَةُ البَشَرِ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ فِيما بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .

والإبْداءُ ضِدُّ الإخْفاءِ، فالإبْداءُ كَشْفُ الشَّيِّ وإظْهارُهُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مَعْرِفَةِ …

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.