Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 191–200 of 206

191

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:191Listen in Qur'an →
192

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And the false deities are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:192Listen in Qur'an →
193

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:193Listen in Qur'an →
194

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:194Listen in Qur'an →
195

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muhammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعْجِيبٍ وتَبْيِينُ أنَّهم جَمادٌ لا حَراكَ لَهم، وأنَّهم فاقِدُونَ لِهَذِهِ الأعْضاءِ، ومَنافِعِها الَّتِي خُلِقَتْ لِأجْلِها، فَأنْتُمْ أفْضَلُ مِن هَذِهِ الأصْنامِ أذَلَّكم هَذا التَّصَرُّفُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ قَدْ يَتَوَجَّهُ الإنْكارُ فِيهِ إلى انْتِفاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ وانْتِفاءِ مَنافِعِها، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ عَلى المَجْمُوعِ كَما فَسَّرْناهُ؛ لِأنَّ تَصْوِيرَهم هَذِهِ الأعْضاءَ لِلْأصْنامِ لَيْسَتْ أعْضاءً حَقِيقَةً، وقَدْ يَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى الوَصْفِ، أيْ: وإنْ كانَتْ لَهم هَذِهِ الأعْضاءُ مُصَوَّرَةً فَقَدِ انْتَفَتْ هَذِهِ المَنافِعُ الَّتِي لِلْأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّكم أفْضَلُ مِنَ الأصْنامِ بِهَذِهِ الأعْضاءِ النّافِعَةِ، وأمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وهو إضْرابٌ عَلى مَعْنى الِانْتِقالِ لا عَلى مَعْنى الإبْطالِ، وإنَّما هو تَقْدِيرٌ عَلى نَفْيِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ، وكانَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ هَكَذا؛ لِأنَّهُ بُدِئَ بِالأهَمِّ ثُمَّ أُتْبِعَ بِما هو دُونَهُ إلى آخِرِها، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ونافِعٌ بِكَسْرِ الطّاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِضَمِّها، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَعَلَّقَ بَعْضُ الأغْمارِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى، فَقالُوا: جَعَلَ عَدَمَها لِلْأصْنامِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَهُ تَعالى لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِها لَهُ تَعالى، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ وأكْمَلُ حالًا مِنَ الصَّنَمِ؛ لِأنَّهُ لَهُ رِجْلٌ ماشِيَةٌ ويَدٌ باطِشَةٌ وعَيْنٌ باصِرَةٌ وأُذُنٌ سامِعَةٌ، والصَّنَمُ وإنْ صُوِّرَتْ لَهُ هَذِهِ الأعْضاءُ بِخِلافِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ أكْمَلُ وأفْضَلُ فَلا يَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ، والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلُ وهي ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] يَعْنِي كَيْفَ يَحْسُنُ عِبادَةُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ، ثُمَّ قَرَّرَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ انْتَفَتْ عَنْها هَذِهِ الأعْضاءُ ومَنافِعُها، فَلَيْسَتْ قادِرَةً عَلى نَفْعٍ ولا ضَرٍّ، فامْتَنَعَ كَوْنُها آلِهَةً، أمّا اللَّهُ تَعالى فَهو وإنْ كانَ مُتَعالِيًا عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ، فَهو مَوْصُوفٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضَّرِّ وبِكَمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.

* *

﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ لَمّا أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ وحَقَّرَ شَأْنَها وأظْهَرَ كَوْنَها جَمادًا عارِيَةً عَنْ شَيْءٍ مِنَ القُدْرَةِ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: لا مُبالاةَ بِكم ولا بِشُرَكائِكم فاصْنَعُوا ما تَشاءُونَ، وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ، أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنكم دُعاءٌ لِأصْنامِكم ولا كَيْدٌ لِي، وكانُوا قَدْ خَوَّفُوهُ آلِهَتَهم، ومَعْنى ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ اسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلى إيصالِ الضَّرِّ إلَيَّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾، أيِ: امْكُرُوا بِي ولا تُؤَخِّرُونَ عَمّا تُرِيدُونَ بِي مِنَ الضُّرِّ، وهَذا كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ …

Al-A'raaf 7:195Listen in Qur'an →
196

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ

Indeed, my protector is Allah, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ لَمّا أحالَهم عَلى الِاسْتِنْجادِ بِآلِهَتِهِمْ في ضَرِّهِ وأراهم أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنادِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإعْلامِ أنَّهُ تَعالى هو ناصِرُهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ جِهَةَ نَصْرِهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ أوْحى إلَيْهِ كِتابَهُ وأعَزَّهُ بِرِسالَتِهِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ ويَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ ولا يَخْذُلُهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ وهي ياءُ فَعِيلٍ أُدْغِمَتْ في لامِ الكَلِمَةِ، وبِياءِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَها مَفْتُوحَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ورَفْعِ الجَلالَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ لا يَخْلُو مِن أنْ يُدْغِمَ الياءَ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَنْفَكُّ الإدْغامُ الأوَّلُ، أوْ تُدْغَمُ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، ويُحْذَفُ لامُ الفِعْلِ فَلَيْسَ إلّا هَذا، انْتَهى، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ لا يَكُونَ ولِيٌّ مُضافًا إلى ياءِ مُتَكَلِّمٍ، بَلْ هو اسْمٌ نَكِرَةٌ اسْمُ إنَّ، والخَبَرُ اللَّهُ وحُذِفَ مِن ولِيٍّ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ، وقَوْلِهِ: ولا ذاكِرُ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ ولِيًّا حَقَّ ولِيٍّ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ، وجَعْلُ اسْمِ إنَّ نَكِرَةً والخَبَرُ مَعْرِفَةٌ في فَصِيحِ الكَلامِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎وإنَّ حَرامًا أنْ أسُبَّ مُجاشِعًا بِآبائِيَ الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ

وهَذا تَوْجِيهٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ سَهْلٌ، واخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنِ الجَحْدَرِيِّ، فَنَقَلَ عَنْهُ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ: إنَّ ولِيِّ، بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لَمّا سَكَنَتِ التَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتْ، كَما تَقُولُ: إنَّ صاحِبِي الرَّجُلُ الَّذِي تَعَلَّمَ، ونَقَلَ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: إنَّ ولِيَّ اللَّهِ، بِياءٍ واحِدَةٍ مَنصُوبَةٍ مُضافَةٍ إلى اللَّهِ، وذَكَرَها الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وخَرَّجَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ جِبْرِيلَ، قالَ الأخْفَشُ: فَيَصِيرُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ مِن صِفَةِ جِبْرِيلَ بِدَلالَةِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، وفي قِراءَةِ العامَّةِ مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى، يَعْنِي أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ هو قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾، قالَ الأخْفَشُ: فَأمّا ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَفْسِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ المُرادَ بِها جِبْرِيلُ وإنِ احْتَمَلَها لَفْظُ الآيَةِ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ولا ما بَعْدَها، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ مِنَ الإعْرابِ ولا يَكُونُ المَعْنى جِبْرِيلَ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ﴿ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ اسْمَ إنَّ، والَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ هو الخَبَرُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، والمَوْصُولُ هو النَّبِيُّ ﷺ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ ولِيَّ اللَّهِ الشَّخْصُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطُ جَوازِ الحَذْفِ المَقِيسِ لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎وإنَّ لِسانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ وهْوَ عَلى مَن صَبَّهُ …

Al-A'raaf 7:196Listen in Qur'an →
197

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾، أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ ويَتَعَيَّنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِن دُونِهِ عَلى اللَّهِ، وبِذَلِكَ يَضْعُفُ مَن فَسَّرَ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] بِجِبْرِيلَ، وهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِحالِ الأصْنامِ وعَجْزِها عَنْ نُصْرَةِ أنْفُسِها، فَضْلًا عَنْ نُصْرَةِ غَيْرِها. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] قالَ الواحِدِيُّ: أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ وهَذا مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ لَهُ العِبادَةُ وبَيْنَ مَن لا تَجُوزُ، كَأنَّهُ قِيلَ الإلَهُ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ صالِحَةً لِلْإلَهِيَّةِ، انْتَهى، ومَعْنى قَوْلِهِ: عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ، أنَّ قَوْلَهُ: و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَخْلُقُ﴾ [الأعراف: ١٩١] وهو في حَيِّزِ الإنْكارِ، والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ عَلى إشْراكِهِمْ مَن لا يُمْكِنُ أنْ يُوجِدَ شَيْئًا ولا يُنْشِئَهُ ولا يَنْصُرَ نَفْسَهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَما ذُكِرَ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ ومُنْدَرِجَةً تَحْتَ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٥] فَهَذِهِ الجُمَلُ مَأْمُورٌ بِقَوْلِها، وخِطابُ المُشْرِكِينَ بِها إذْ كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ، فَأمَرَ أنْ يُخاطِبَهم بِهَذِهِ الجُمَلِ تَحْقِيرًا لَهم ولِأصْنامِهِمْ، وإخْبارًا لَهم بِأنَّ ولَيَّهُ هو اللَّهُ فَلا مُبالاةَ بِهِمْ ولا بِأصْنامِهِمْ.

Al-A'raaf 7:197Listen in Qur'an →
198

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ . تَناسُقُ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في: ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣] هو لِلْأصْنامِ، ونَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِأنَّها جَمادٌ لا تُحِسُّ، وأثْبَتَ لَهُمُ النَّظَرَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ بِمَعْنى أنَّهم صَوَّرُوهم ذَوِي أعْيُنٍ فَهم يُشْبِهُونَ مَن يَنْظُرُ ومَن قَلَبَ حَدَقَتَهُ لِلنَّظَرِ، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الإبْصارَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ومَعْنى إلَيْكَ أيُّها الدّاعِي، وأفْرَدَ لِأنَّهُ اقْتَطَعَ قَوْلَهُ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ واسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهم بِحالِهِمُ السَّيِّئِ في انْتِفاءِ الإبْصارِ كانْتِفاءِ السَّماعِ، وقِيلَ: المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أيْ يُحاذُونَكَ، مِن قَوْلِهِمُ: المَنازِلُ تَتَناظَرُ، إذا كانَتْ مُتَحاذِيَةً يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ، لِأنَّ النَّظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْأصْنامِ، اخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، قالَ: ومَعْنى الآيَةِ تَبْيِينُ جُمُودِها وصِغَرِ شَأْنِها، قالَ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمَها كانَ مُتَمَكِّنًا مِن نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَّمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ؛ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فائِدَةٌ، ولا حَصَلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ إثْباتُ النَّظَرِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، ويُحَسِّنُ هَذا التَّأْوِيلَ الآيَةُ بَعْدَ هَذِهِ إذْ في آخِرِها: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أيِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا ويَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ، فَتَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ وهي الجَهْلُ.

Al-A'raaf 7:198Listen in Qur'an →
199

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ

Take what is given freely, enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ . هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وهي أمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعُرْوَةُ والجُمْهُورُ: أيِ اقْبَلْ مِنَ النّاسِ في أخْلاقِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ بِما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ ولا تَحَرُّجٍ، والعَفْوُ ضِدُّ الجَهْدِ، أيْ لا تَطْلُبْ مِنهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَنْفِرُوا، وقَدْ أمَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» . وقالَ حاتِمٌ:

؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ

وقالَ الآخَرُ: إذا ما بُلْغَةٌ جاءَتْكَ عَفْوًا فَخُذْها فالغِنى مَرْعى وشُرْبُ إذا اتَّفَقَ القَلِيلُ وفِيهِ سِلْمٌ فَلا تَرِدِ الكَثِيرَ وفِيهِ حَرْبُ وقالَ الشَّعْبِيُّ: سَألَ الرَّسُولُ ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾، فَأخْبَرَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: هي في الأمْوالِ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، أمَرَ أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ النّاسِ، أيْ ما فَضَلَ وزادَ، ثُمَّ فُرِضَتِ الزَّكاةُ فَنُسِخَتْ هَذِهِ، وتُؤْخَذُ طَوْعًا وكَرْهًا، وقالَ مَكِّيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ العَفْوَ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ جَمِيعُها في مُداراةِ الكُفّارِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ، انْتَهى، والَّذِي يَظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ مِن أنَّهُ أمَرَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ في النّاسِ لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ، فَكَلَّمَ عُمَرَ كَلامًا فِيهِ غِلْظَةٌ، فَأرادَ عُمَرُ أنْ يَهُمَّ بِهِ، فَتَلا الحُرُّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمَرَ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها.

والعُرْفُ: المَعْرُوفُ والجَمِيلُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ﴿بِالعُرْفِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَنِ الجاهِلِينَ حَضٌّ عَلى التَّخَلُّقِ بِالحِلْمِ والتَّنَزُّهِ عَنْ مُنازَعَةِ السُّفَهاءِ وعَلى الإغْضاءِ عَمّا يَسُوءُ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، وقَوْلِ الآخَرانِ: كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، وكالَّذِي جَذَبَ رِداءَهُ حَتّى جَزَّ في عُنُقِهِ، وقالَ: أعْطِنِي مِن مالِ اللَّهِ، وخَرَّجَ البَزّارُ في مَسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ ما وصّاهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ ولا تُحَقِّرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا وأنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ وأنْ تُفْرِغَ مِن فَضْلِ دَلْوِكَ في إناءِ المُسْتَسْقِي وإنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِما لا يَعْلَمُ مِنكَ فَلا تَسُبَّهُ بِما تَعْلَمُ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ أجْرًا وعَلَيْهِ وِزْرًا، ولا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ» . وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.

Al-A'raaf 7:199Listen in Qur'an →
200

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allah. Indeed, He is Hearing and Knowing.

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْعٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يَنْخَسَنَّكَ بِأنْ يَحْمِلَكَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلى ما لا يَلِيقُ، فاطْلُبِ العِياذَةَ بِاللَّهِ مِنهُ وهي اللِّواذُ والِاسْتِجارَةُ، قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآيَةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ والغَضَبُ، فَنَزَلَتْ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُ يَنْزَغَنَّكَ هو نَزْغٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ، أوْ عَلى إطْلاقِ المَصْدَرِ، والمُرادُ بِهِ نازَغَ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ بِالنِّسْيانِ، وتُجْدِي إلّا بِاسْتِحْضارِ مَعْناها، فالمَعْنى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ عَلِيمٌ بِما في الضَّمائِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، ونَزْغُ الشَّيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ لِلْمَلِكِ لَمَّةً وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً» وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، انْتَهى. واسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الِاسْتِجارَةِ بِاللَّهِ، أيْ: لا تَسْتَعِذْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُ، أوِ السَّمِيعُ لِما تَقُولُهُ الكُفّارُ فِيكَ حِينَ يَرُومُونَ إغْضابَكَ، العَلِيمُ بِقَصْدِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، أوِ العَلِيمُ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الكَيْدِ لَكَ، فَهو يَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ ويُجِيرُكَ مِنهم.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ النَّزْغُ مِنَ الشَّيْطانِ أخَفُّ مِن مَسِّ الطّائِفِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ النَّزْغَ أدْنى حَرَكَةٍ، والمَسَّ الإصابَةُ، والطّائِفُ ما يَطُوفُ بِهِ ويَدُورُ عَلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ لا مَحالَةَ، فَحالُ المُتَّقِينَ تَزِيدُ في ذَلِكَ عَلى حالِ الرَّسُولِ، وانْظُرْ لِحُسْنِ هَذا البَيانِ حَيْثُ جاءَ الكَلامُ لِلرَّسُولِ كانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ إنَّ المُحْتَمِلَةِ لِلْوُقُوعِ ولِعَدَمِهِ، وحَيْثُ كانَ الكَلامُ لِلْمُتَّقِينَ كانَ المَجِيءُ بِإذا المَوْضُوعَةِ لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لِلتَّرْجِيحِ، وعَلى هَذا فالنَّزْغُ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ويُمْكِنُ أنْ لا يَقَعَ، والمَسُّ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ، وهو إلْصاقُ البَشَرَةِ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ، وفي تِلْكَ الجُمْلَةِ أُمِرَ هو ﷺ بِالِاسْتِعاذَةِ، وهُنا جاءَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً في ضِمْنِها الشَّرْطُ، وجاءَ الخَبَرُ تَذَكَّرُوا فَدَلَّ عَلى تَمَكُّنِ مَسِّ الطّائِفِ حَتّى حَصَلَ نِسْيانٌ فَتَذَكَّرُوا ما نَسُوهُ، والمَعْنى: تَذَكَّرُوا ما أمَرَ بِهِ تَعالى وما نَهى عَنْهُ، وبِنَفْسِ التَّذَكُّرِ حَصَلَ إبْصارُهم فاجَأهم إبْصارُ الحَقِّ والسَّدادِ، فاتَّبَعُوهُ وطَرُّوا عَنْهم مَسَّ الشَّيْطانِ الطّائِفِ، واتَّقَوْا قِيلَ: عامَّةٌ في كُلِّ ما يُتَّقى؛ وقِيلَ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ؛ وقِيلَ: عِقابَ اللَّهِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: طَيْفٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن طافَ يَطِيفُ طَيْفًا، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎أنّى ألَمَّ بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ

واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن طَيِّفٍ كَمَيِّتٍ ومَيْتٍ، أوْ كَلَيْنٍ مِن لَيِّنٍ؛ لِأنَّ طافَ …

Al-A'raaf 7:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.