Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 191–200 of 206

191

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ كَلامٌ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المَسُوقَيْنِ لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، مُخاطِبٌ بِها النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمُونَ، لِلتَّعْجِيبِ مِن عُقُولِ المُشْرِكِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَبْلُغُ مَسامِعَهم.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُشْرِكُونَ“ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ هَذا الإشْراكِ مِنهم. ونَفْيُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”ما لا يَخْلُقُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ عَنْهم.

صفحة ٢١٦

وأصْلُ مَعْنى التَّجَدُّدِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المُسْنَدُ الفِعْلِيُّ، هو حُدُوثُ مَعْنى المُسْنَدِ لِلْمُسْنِدِ إلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثُبُوتٍ وتَقَرُّرٍ، فَيُعْلَمُ مِنهُ: أنَّهم لا يَخْلُقُونَ في الِاسْتِقْبالِ، وأنَّهم ما خَلَقُوا شَيْئًا في الماضِي، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَلْقُ صِفَةً ثابِتَةً لَهم لَكانَ مُتَقَرِّرًا في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يُشْرِكُونَ“، أيْ: والمُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، ومَعْنى الحالِ زِيادَةُ تَفْظِيعِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ أصْنافًا لا تَخْلُقُ شَيْئًا في حالِ أنَّ المُشْرِكِينَ يُخْلَقُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، أيْ يَتَجَدَّدُ خَلْقُهم، والمُشْرِكُونَ يُشاهِدُونَ الأصْنامَ جاثِمَةً في بُيُوتِها ومَواضِعِها لا تَصْنَعُ شَيْئًا، فَصِيغَةُ المُضارِعِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

ودَلالَةُ المُضارِعِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّكَرُّرِ دَلالَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مَعْنى التَّجَدُّدِ الَّذِي في أصْلِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، وهي دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ القَرائِنِ المُعَيِّنَةِ لَها ولا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ ولا مَجازٍ لِذَلِكَ، ومَعْنى تَجَدُّدِ مَخْلُوقِيَّتِهِمْ: هو أنَّ الضَّمِيرَ صادِقٌ بِأُمَّةٍ وجَماعَةٍ، فالمَخْلُوقِيَّةُ لا تُفارِقُهم لِأنَّها تَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا بِازْدِيادِ المَوالِيدِ، وتَغَيُّرِ أحْوالِ المَواجِيدِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”وهم يُخْلَقُونَ“ حالًا مِن ضَمِيرِ ”أيُشْرِكُونَ“ .

والمُفَسِّرُونَ أعادُوا ضَمِيرَ ”هم يُخْلَقُونَ“ عَلى ”ما لا يَخْلُقُ“، أيِ الأصْنامُ، ولَمْ يُبَيِّنُوا مَعْنى كَوْنِ الأصْنامِ مَخْلُوقَةً وهي صُوَرٌ نَحَتَها النّاسُ، ولَيْسَتْ صُوَرُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ أنَّ مادَّتَها مَخْلُوقَةٌ وهي الحِجارَةُ.

وجَعَلُوا إجْراءَ ضَمائِرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ ”وهم“ وقَوْلِهِ ”يُخْلَقُونَ“ وما بَعْدَهُ عَلى الأصْنامِ وهي جَماداتٌ لِأنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، بِناءً عَلى اعْتِقادِ المَحْجُوجِينَ فِيهِمْ، ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ ”يُخْلَقُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ هَذا الخَلْقَ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ في ”لَهم نَصْرًا“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ المَجْرُورَ بِاللّامِ بَعْدَ فِعْلِ الِاسْتِطاعَةِ ونَحْوِهِ هو الَّذِي لِأجْلِهِ يَقَعُ الفِعْلُ مِثْلَ ”﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧]“

صفحة ٢١٧

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا“ فَتَكُونُ صِلَةً ثانِيَةً.

والقَوْلُ في …

Al-A'raaf 7:191Listen in Qur'an →
192

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And the false deities are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ كَلامٌ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المَسُوقَيْنِ لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، مُخاطِبٌ بِها النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمُونَ، لِلتَّعْجِيبِ مِن عُقُولِ المُشْرِكِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَبْلُغُ مَسامِعَهم.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُشْرِكُونَ“ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ هَذا الإشْراكِ مِنهم. ونَفْيُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”ما لا يَخْلُقُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ عَنْهم.

صفحة ٢١٦

وأصْلُ مَعْنى التَّجَدُّدِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المُسْنَدُ الفِعْلِيُّ، هو حُدُوثُ مَعْنى المُسْنَدِ لِلْمُسْنِدِ إلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثُبُوتٍ وتَقَرُّرٍ، فَيُعْلَمُ مِنهُ: أنَّهم لا يَخْلُقُونَ في الِاسْتِقْبالِ، وأنَّهم ما خَلَقُوا شَيْئًا في الماضِي، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَلْقُ صِفَةً ثابِتَةً لَهم لَكانَ مُتَقَرِّرًا في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يُشْرِكُونَ“، أيْ: والمُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، ومَعْنى الحالِ زِيادَةُ تَفْظِيعِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ أصْنافًا لا تَخْلُقُ شَيْئًا في حالِ أنَّ المُشْرِكِينَ يُخْلَقُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، أيْ يَتَجَدَّدُ خَلْقُهم، والمُشْرِكُونَ يُشاهِدُونَ الأصْنامَ جاثِمَةً في بُيُوتِها ومَواضِعِها لا تَصْنَعُ شَيْئًا، فَصِيغَةُ المُضارِعِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

ودَلالَةُ المُضارِعِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّكَرُّرِ دَلالَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مَعْنى التَّجَدُّدِ الَّذِي في أصْلِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، وهي دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ القَرائِنِ المُعَيِّنَةِ لَها ولا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ ولا مَجازٍ لِذَلِكَ، ومَعْنى تَجَدُّدِ مَخْلُوقِيَّتِهِمْ: هو أنَّ الضَّمِيرَ صادِقٌ بِأُمَّةٍ وجَماعَةٍ، فالمَخْلُوقِيَّةُ لا تُفارِقُهم لِأنَّها تَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا بِازْدِيادِ المَوالِيدِ، وتَغَيُّرِ أحْوالِ المَواجِيدِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”وهم يُخْلَقُونَ“ حالًا مِن ضَمِيرِ ”أيُشْرِكُونَ“ .

والمُفَسِّرُونَ أعادُوا ضَمِيرَ ”هم يُخْلَقُونَ“ عَلى ”ما لا يَخْلُقُ“، أيِ الأصْنامُ، ولَمْ يُبَيِّنُوا مَعْنى كَوْنِ الأصْنامِ مَخْلُوقَةً وهي صُوَرٌ نَحَتَها النّاسُ، ولَيْسَتْ صُوَرُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ أنَّ مادَّتَها مَخْلُوقَةٌ وهي الحِجارَةُ.

وجَعَلُوا إجْراءَ ضَمائِرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ ”وهم“ وقَوْلِهِ ”يُخْلَقُونَ“ وما بَعْدَهُ عَلى الأصْنامِ وهي جَماداتٌ لِأنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، بِناءً عَلى اعْتِقادِ المَحْجُوجِينَ فِيهِمْ، ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ ”يُخْلَقُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ هَذا الخَلْقَ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ في ”لَهم نَصْرًا“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ المَجْرُورَ بِاللّامِ بَعْدَ فِعْلِ الِاسْتِطاعَةِ ونَحْوِهِ هو الَّذِي لِأجْلِهِ يَقَعُ الفِعْلُ مِثْلَ ”﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧]“

صفحة ٢١٧

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا“ فَتَكُونُ صِلَةً ثانِيَةً.

والقَوْلُ في …

Al-A'raaf 7:192Listen in Qur'an →
193

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعْوَتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا“ زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ بِذِكْرِ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الشِّرْكِ عَلى ما فِيهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ووَهَنِ الدَّلِيلِ، بَعْدَ ذِكْرِ ما هو كافٍ لِتَزْيِيفِهِ.

فَضَمِيرُ الخِطابِ المَرْفُوعِ في وإنْ تَدْعُوهم مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، وضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِ المَنصُوبِ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما عادَ

صفحة ٢١٨

ضَمِيرُ ”أيُشْرِكُونَ“ فَبَعْدَ أنْ عَجَّبَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ أنْبَأهم بِأنَّهم لا يَقْبَلُونَ الدَّعْوَةَ إلى الهُدى.

ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى الغالِبِ مِنهم، وإلّا فَقَدْ آمَنَ بَعْضُهم بَعْدَ حِينٍ وتَلاحَقُوا بِالإيمانِ، عَدا مَن ماتُوا عَلى الشِّرْكِ.

وهَذا الوَجْهُ هو الألْيَقُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨] الآيَةَ، لِيَكُونَ المُخْبَرُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ المُخْبَرِ عَنْهم في الآيَةِ الآتِيَةِ؛ لِظُهُورِ تَفاوُتِ المَوْقِعِ بَيْنَ ”لا يَتْبَعُوكم“ وبَيْنَ ”لا يَسْمَعُوا“ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في ”تَدْعُوهم“ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ عَنْهم بِضَمائِرِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]“ إلى هُنا، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوهم، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقِ الخِطابِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ تَوَجُّهًا إلَيْهِمْ بِالخِطابِ لِأنَّ الخِطابَ أوْقَعُ في الدَّمْغِ بِالحُجَّةِ.

و”الهُدى“ عَلى هَذا الوَجْهِ ما يُهْتَدى إلَيْهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ إذا دَعَوْتُمُوهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم فَيُعْلَمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكانَ عَدَمُ اتِّباعِهِمْ دَعْوَتَهم أوْلى.

وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.

و”سَواءٌ“ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي غَيْرَهُ أيْ لَيْسَ أوْلى مِنهُ في المَعْنى المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، والهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ ”سَواءٌ“ يُقالُ لَها هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ، وأصْلُها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ اسْتُعْمِلَتْ في التَّسْوِيَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ سَواءٌ دَعْوَتُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنِ الدَّعْوَةِ.

و”عَلى“ فِيها لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهي بِمَعْنى العِنْدِيَّةِ أيْ: سَواءٌ عِنْدَهم. وإنَّما جُعِلَ الأمْرانِ سَواءٌ عَلى المُخاطَبِينَ ولَمْ يُجْعَلا سَواءً عَلى المَدْعُوِّينَ فَلَمْ يَقُلْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا سَواءً عَلَيْهِمْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ هو تَأْيِيسُ

صفحة ٢١٩

المُخاطَبِينَ مِنَ اسْتِجابَةِ المَدْعُوِّينَ إلى ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ لا الإخْبارُ، وإنْ كانَ المَعْنَيانِ مُتَلازِمَيْنِ كَما أنَّهُما في قَوْلِهِ ”﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]“ مُتَلازِمانِ فَإنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ سَواءٌ: عَلى …

Al-A'raaf 7:193Listen in Qur'an →
194

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في كَوْنِ المُخاطَبِ، بِقَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣]“ الآيَةَ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتَقَلَ بِهِ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ مُساواةَ الأصْنامِ إيّاهم في العُبُودِيَّةِ، وفِيهِ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ: الأصْنامُ، فَتَعْرِيفُها بِالمَوْصُولِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ، في حِينٍ هي لَيْسَتْ أهْلًا لِذَلِكَ، فَهَذا المَوْصُولُ كالمَوْصُولِ في قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ.

إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا

ويَجِيءُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في الخِطابِ السّابِقِ: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانًا وتَعْلِيلًا

صفحة ٢٢١

لِجُمْلَةِ ”﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣]“ أيْ لِأنَّهم عِبادٌ أيْ مَخْلُوقُونَ.

و”العَبْدُ“ أصْلُهُ المَمْلُوكُ، ضِدَّ الحُرِّ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقَدْ أُطْلِقَ في اللِّسانِ عَلى المَخْلُوقِ: كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ولِذَلِكَ يُطْلَقُ العَبِيدُ عَلى النّاسِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَخْلُوقاتِ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَيَكُونُ إطْلاقُ العِبادِ عَلى الأصْنامِ كَإطْلاقِ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلَيْها بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الإطْلاقِ، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إطْلاقَ تَهَكُّمٍ واسْتِهْزاءٍ بِالمُشْرِكِينَ، يَعْنِي أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ فَلَوْ بَلَغُوا تِلْكَ الحالَةَ لَما كانُوا إلّا مَخْلُوقِينَ مِثْلَكم، قالَ: ولِذَلِكَ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ”﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعراف: ١٩٥]“ إلى آخِرِهِ.

والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ إطْلاقُ العِبادِ عَلَيْهِمْ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ رُوعِيَ في حُسْنِهِ المُشاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ لِأنَّهُ لَمّا ماثَلَهم بِالمُخاطَبِينَ في المَخْلُوقِيَّةِ وكانَ المُخاطَبُونَ عِبادَ اللَّهِ أطْلَقَ العِبادَ عَلى مُماثَلِيهِمْ مُشاكَلَةً.

وفَرَّعَ عَلى المُماثَلَةِ أمْرَ التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِ ”﴿فادْعُوهُمْ﴾“ فَإنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ بِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمُ المُتَضَمِّنِ إجابَةَ الأصْنامِ إيّاهم، لِأنَّ نَفْسَ الدُّعاءِ مُمْكِنٌ ولَكِنَّ اسْتِجابَتَهُ لَهم لَيْسَتْ مُمْكِنَةً، فَإذا دَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم تَبَيَّنَ عَجْزُ الآلِهَةِ عَنِ الِاسْتِجابَةِ لَهم، وعَجْزُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَحْصِيلِها مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِها لِإنْهاضِ حُجَّتِهِمْ، فَآلَ ظُهُورُ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ الِاسْتِجابَةِ لِعِبادِها إلى إثْباتِ عَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنْ نُهُوضِ حُجَّتِهِمْ لِتَلازُمِ العَجْزَيْنِ قالَ - تَعالى - ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] .

والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالدَّعْوَةِ المَأْمُورِ بِها الدَّعْوَةُ لِلنَّصْرِ والنَّجْدَةِ كَما قالَ …

Al-A'raaf 7:194Listen in Qur'an →
195

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muhammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾

تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلَها مِن أمْرِ التَّعْجِيزِ وثُبُوتِ العَجْزِ لِأنَّهُ إذا انْتَفَتْ عَنِ الأصْنامِ أسْبابُ الِاسْتِجابَةِ تَحَقَّقَ عَجْزُها عَنِ الإجابَةِ وتَأكَّدَ مَعْنى أمْرِ التَّعْجِيزِ المُكَنّى بِهِ عَنْ عَجْزِ الأصْنامِ وعَجْزِ عَبَدَتِها، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِانْتِفاءِ المُلْكِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ كالتَّقْدِيمِ في قَوْلِ حَسّانَ:

لَهُ هِمَمٌ لا مُنْتَهى لِكِبارِها

ووَصْفُ الأرْجُلِ بِ يَمْشُونَ والأيْدِي بِ يَبْطِشُونَ والأعْيُنِ بِ يُبْصِرُونَ والآذانِ بِ يَسْمَعُونَ إمّا لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ العَجْزِ عَلَيْهِمْ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاصِرُ، وأمّا لِأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مَجْعُولَةً عَلى صُوَرِ الآدَمِيِّينَ مِثْلَ هُبَلَ، وذِي الكَفَّيْنِ، وكُعَيْبٍ في صُوَرِ الرِّجالِ، ومِثْلَ سُواعٍ كانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، فَإذا كانَ لِأمْثالِ أُولَئِكَ صُوَرُ أرْجُلٍ وأيْدٍ وأعْيُنٍ وآذانٍ فَإنَّها عَدِيمَةُ العَمَلِ الَّذِي تَخْتَصُّ بِهِ الجَوارِحُ، فَلا يَطْمَعُ طامِعٌ في نَصْرِها، وخَصَّ الأرْجُلَ والأيْدِي والأعْيُنَ والآذانَ، لِأنَّها آلاتُ العِلْمِ والسَّعْيِ والدَّفْعِ لِلنَّصْرِ، ولِهَذا لَمْ يُذْكَرِ الألْسُنَ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ الِاسْتِجابَةَ مُرادٌ بِها النَّجْدَةُ والنُّصْرَةُ ولَمْ يَكُونُوا يَسْألُونَ عَنْ سَبَبِ الِاسْتِنْجادِ، ولَكِنَّهم يُسْرِعُونَ إلى الِالتِحاقِ بِالمُسْتَنْجِدِ.

والمَشْيُ انْتِقالُ الرِّجْلَيْنِ مِن مَوْضِعٍ انْتِقالًا مُتَوالِيًا.

والبَطْشُ الأخْذُ بِاليَدِ بِقُوَّةٍ، والإضْرارُ بِاليَدِ بِقُوَّةٍ، وقَدْ جاءَ مُضارِعُهُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ عَلى الغالِبِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّ الطّاءِ، وهُما لُغَتانِ.

و”أمْ“ حَرْفٌ بِمَعْنى أوْ يَخْتَصُّ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي تَكُونُ مِثْلَ ”أوْ“ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، ولِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الأشْياءِ، أوِ الإباحَةِ أيِ الجَمْعِ بَيْنَها، فَإذا وقَعَتْ

صفحة ٢٢٣

بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المَطْلُوبُ بِها التَّعْيِينُ كانَتْ مِثْلَ ”أوْ“ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] أيْ عَيِّنُوا أحَدَهُما. وإنْ وقَعَتْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ كانَ بِمَعْنى ”أوِ“ الَّتِي لِلْإباحَةِ، وتُسَمّى، حِينَئِذٍ، مُنْقَطِعَةً ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إنَّها بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي مُلازِمَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَكُلَّما وقَعَتْ في الكَلامِ قُدِّرَ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، فالتَّقْدِيرُ هُنا، بَلْ ألَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها بَلْ ألَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها بَلْ ألَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها.

وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجَوارِحِ الأرْبَعِ عَلى حَسَبِ ما في الآيَةِ مَلْحُوظٌ فِيهِ أهَمِّيَّتُها بِحَسْبَ الغَرَضِ، الَّذِي هو النَّصْرُ والنَّجْدَةُ، فَإنَّ الرِّجْلَيْنِ تُسْرِعانِ إلى الصَّرِيخِ قَبْلَ التَّأمُّلِ، واليَدَيْنِ تَعْمَلانِ عَمَلَ النَّصْرِ وهو الطَّعْنُ والضَّرْبُ، وأمّا الأعْيُنُ والآذانُ فَإنَّهُما وسِيلَتانِ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَأُخِّرا، وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ الأعْيُنِ هُنا عَلى خِلافِ مُعْتادِ القُرْآنِ في تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ كَما سَبَقَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ هُنا كانَ بِطَرِيقِ التَّرَقِّي.

* * * …

Al-A'raaf 7:195Listen in Qur'an →
196

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ

Indeed, my protector is Allah, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

صفحة ٢٢٤

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهْوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ هَذا مِنَ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ، وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِوُقُوعِها مَوْقِعَ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ التَّحَدِّي في قَوْلِهِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآيَةَ الَّذِي هو تَحَقُّقُ عَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ، فَهَذا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَألُّبِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ، ولِثِقَتِهِ بِأنَّهُ مُنْتَصِرٌ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ والنَّهْيُ التَّعْجِيزِيّانِ. والتَّأْكِيدُ لِرَدِّ الإنْكارِ.

والوَلِيُّ النّاصِرُ والكافِي وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] .

وإجْراءُ الصِّفَةِ لِاسْمِ اللَّهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِن عَلاقاتِ الوِلايَةِ، فَإنَّ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ وهو أُمِّيٌّ دَلِيلُ اصْطِفائِهِ وتَوَلِّيهِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، أيِ الكِتابُ الَّذِي عَهِدْتُمُوهُ وسَمِعْتُمُوهُ وعَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو القُرْآنُ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي نَزَلَ مِنهُ إلى حَدِّ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذا التَّوَلِّي وتَجَدُّدِهِ وأنَّهُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ، فَكَما تَوَلّى النَّبِيءَ يَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ المُسْتَقِيمِينَ عَلى صِراطِ نَبِيِّهِمْ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ كَما نَصَرَ نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ.

والصّالِحُونَ هُمُ الَّذِينَ صَلُحَتْ أنْفُسُهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾، وسُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَأِ المُخاطَبِينَ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِلْعِبادَةِ، بِعَجْزِها عَنْ نَصْرِ أتْباعِها وعَنْ نَصْرِ أنْفُسِها. والقَوْلُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.

وأُعِيدَ لِأنَّهُ هُنا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهُنالِكَ حِكايَةٌ عَنْهم لِلنَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وإبانَةُ المُضادَّةِ بَيْنَ شَأْنِ ولِيِّ المُؤْمِنِينَ وحالِ أوْلِياءِ المُشْرِكِينَ ولِيَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَقِلًّا في المَوْضِعَيْنِ مَعَ ما يَحْصُلُ في تَكْرِيرِهِ مِن تَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ.

Al-A'raaf 7:196Listen in Qur'an →
197

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

صفحة ٢٢٤

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهْوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ هَذا مِنَ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ، وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] لِوُقُوعِها مَوْقِعَ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ التَّحَدِّي في قَوْلِهِ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآيَةَ الَّذِي هو تَحَقُّقُ عَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ، فَهَذا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَألُّبِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ، ولِثِقَتِهِ بِأنَّهُ مُنْتَصِرٌ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ والنَّهْيُ التَّعْجِيزِيّانِ. والتَّأْكِيدُ لِرَدِّ الإنْكارِ.

والوَلِيُّ النّاصِرُ والكافِي وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] .

وإجْراءُ الصِّفَةِ لِاسْمِ اللَّهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِن عَلاقاتِ الوِلايَةِ، فَإنَّ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ وهو أُمِّيٌّ دَلِيلُ اصْطِفائِهِ وتَوَلِّيهِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، أيِ الكِتابُ الَّذِي عَهِدْتُمُوهُ وسَمِعْتُمُوهُ وعَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ وهو القُرْآنُ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي نَزَلَ مِنهُ إلى حَدِّ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذا التَّوَلِّي وتَجَدُّدِهِ وأنَّهُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ، فَكَما تَوَلّى النَّبِيءَ يَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، وهَذِهِ بِشارَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ المُسْتَقِيمِينَ عَلى صِراطِ نَبِيِّهِمْ ﷺ بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ كَما نَصَرَ نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ.

والصّالِحُونَ هُمُ الَّذِينَ صَلُحَتْ أنْفُسُهم بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾، وسُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَأِ المُخاطَبِينَ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِلْعِبادَةِ، بِعَجْزِها عَنْ نَصْرِ أتْباعِها وعَنْ نَصْرِ أنْفُسِها. والقَوْلُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.

وأُعِيدَ لِأنَّهُ هُنا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهُنالِكَ حِكايَةٌ عَنْهم لِلنَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وإبانَةُ المُضادَّةِ بَيْنَ شَأْنِ ولِيِّ المُؤْمِنِينَ وحالِ أوْلِياءِ المُشْرِكِينَ ولِيَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَقِلًّا في المَوْضِعَيْنِ مَعَ ما يَحْصُلُ في تَكْرِيرِهِ مِن تَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ.

Al-A'raaf 7:197Listen in Qur'an →
198

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

صفحة ٢٢٥

﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧] الآيَةَ أيْ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ: وإنْ تَدْعُوا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا.

والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمُشْرِكِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، أيِ الأصْنامُ.

والهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ ما فِيهِ رُشْدٌ ونَفْعٌ لِلْمَدْعُوِّ. وذِكْرُ ”إلى الهُدى“ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ سَماعِ الأصْنامِ، وعَدَمِ إدْراكِها، لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ دَعْوَةِ ما يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلّا لِعَدَمِ الإدْراكِ.

ولِهَذا خُولِفَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنا لا يَسْمَعُوا وقَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ لا يَتْبَعُوكم لِأنَّ الأصْنامَ لا يَتَأتّى مِنها الِاتِّباعُ، إذْ لا يَتَأتّى مِنها المَشْيُ الحَقِيقِيُّ ولا المَجازِيُّ أيِ الِامْتِثالُ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ ”وتَراهم“ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ فَهو مِن خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ. ومَعْنى ”يَنْظُرُونَ إلَيْكَ“ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ تَراهم كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، لِأنَّ صُوَرَ كَثِيرٍ مِنَ الأصْنامِ كانَ عَلى صُوَرِ الأناسِيِّ وقَدْ نَحَتُوا لَها أمْثالَ الحِدَقِ النّاظِرَةِ إلى الواقِفِ أمامَها. قالَ في الكَشّافِ ”لِأنَّهم صَوَّرُوا أصْنامَهم بِصُورَةِ مَن قَلَّبَ حَدَقَتَهُ إلى الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ“ .

Al-A'raaf 7:198Listen in Qur'an →
199

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ

Take what is given freely, enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾

أشْبَعَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أفانِينِ قَوارِعِ المُشْرِكِينَ وعِظَتِهِمْ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وبَعَثَتْهم عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ في دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وهُدى دِينِهِ وكِتابِهِ وفَضْحِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ والتَّشْوِيهِ بِشُرَكائِهِمْ، وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِتَسْجِيلٍ بِمُكابَرَتِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ يَرْكَبُونَ رُءُوسَهم، وكَيْفَ يَنْأوْنَ بِجانِبِهِمْ، وكَيْفَ يُصِمُّونَ أسْماعَهم، ويُغْمِضُونَ أبْصارَهم عَمّا دُعُوا إلى سَماعِهِ وإلى النَّظَرِ فِيهِ، ونُظِرَتْ أحْوالُهم بِأحْوالِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِن قَبْلِهِمْ،

صفحة ٢٢٦

وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فَحَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِن أصْنافِ العَذابِ، وأنْذَرَ هَؤُلاءِ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، ثُمَّ أعْلَنَ بِاليَأْسِ مِنَ ارْعِوائِهِمْ، وبِانْتِظارِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وبِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ وتَبْشِيرِهِمْ والثَّناءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، فَكانَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ عِبْرَةٌ لِلْمُتَبَصِّرِينَ، ومَسْلاةٌ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُسْلِمِينَ، وتَنْوِيهٌ بِفَضْلِهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ مِن شَأْنِ ذَلِكَ أنْ يُثِيرَ في أنْفُسِ المُسْلِمِينَ كَراهِيَةَ أهْلِ الشِّرْكِ، وتُحَفِّزَهم لِلِانْتِقامِ مِنهم ومُجافاتِهِمْ والإعْراضِ عَنْ دُعائِهِمْ إلى الخَيْرِ، لا جَرَمَ شَرَعَ في اسْتِئْنافِ غَرَضٍ جَدِيدٍ، يَكُونُ خِتامًا لِهَذا الخَوْضِ البَدِيعِ، وهو غَرَضُ أمْرِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِقِلَّةِ المُبالاةِ بِجَفاءِ المُشْرِكِينَ وصَلابَتِهِمْ، وبِأنْ يَسَعُوهم مِن عَفْوِهِمْ والدَّأْبِ عَلى مُحاوَلَةِ هَدْيِهِمْ والتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ”﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾“ الآياتِ.

والأخْذُ حَقِيقَتُهُ تَناوُلُ شَيْءٍ لِلِانْتِفاعِ بِهِ أوْ لِإضْرارِهِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العَدُوَّ مِن تَلابِيبِهِ، ولِذَلِكَ يُقالُ في الأسِيرِ أخِيذٌ، ويُقالُ لِلْقَوْمِ إذا أُسِرُوا: أُخِذُوا، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا فاسْتُعِيرَ لِلتَّلَبُّسِ بِالوَصْفِ والفِعْلِ مِن بَيْنِ أفْعالٍ لَوْ شاءَ لَتَلَبَّسَ بِها، فَيُشَبِّهُ ذَلِكَ التَّلَبُّسَ واخْتِيارَهُ عَلى تَلَبُّسٍ آخَرَ بِأخْذِ شَيْءٍ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أشْياءَ، فَمَعْنى خُذِ العَفْوَ: عامِلْ بِهِ واجْعَلْهُ وصْفًا ولا تَتَلَبَّسْ بِضِدِّهِ. وأحْسَبُ اسْتِعارَةَ الأخْذِ لِلْعَفْوِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، ولِذَلِكَ أُرَجِّحُ أنَّ البَيْتَ المَشْهُورَ وهو: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِـي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ هو لِأبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وأنَّهُ اتَّبَعَ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ، وأنَّ نِسْبَتَهُ إلى أسْماءَ بْنِ خارِجَةَ الفَزازِيِّ أوْ إلى حاتِمٍ الطّائِيِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.

والعَفْوُ الصَّفْحُ عَنْ ذَنْبِ المُذْنِبِ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَعُمُّ العَفْوَ عَنِ المُشْرِكِينَ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِمْ بِجَفائِهِمْ ومُساءَتِهِمُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ.

وقَدْ عَمَّتِ الآيَةُ صُوَرَ العَفْوِ كُلَّها: لِأنَّ التَّعْرِيفَ في العَفْوِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَهو مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْراقِ إذا لَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُ مِن مَعْنى الحَقِيقَةِ والعَهْدِ، …

Al-A'raaf 7:199Listen in Qur'an →
200

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allah. Indeed, He is Hearing and Knowing.

﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

وهَذا الأمْرُ مُرادٌ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْتِداءً وهو شامِلٌ لِأُمَّتِهِ.

إمّا هَذِهِ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ اتَّصَلَتْ بِها ”ما“ الزّائِدَةُ الَّتِي تُزادُ عَلى بَعْضِ الأسْماءِ غَيْرِ أدَواتِ الشُّرُوطِ فَتُصَيِّرُها أدَواتِها، نَحْوَ ”مَهْما“ فَإنَّ أصْلَها ما ما، ونَحْوَ ”إذْما“ و”أيْنَما“ و”أيّانَما“ و”حَيْثُما“ و”كَيْفَما“ فَلا جَرَمَ أنَّ ”ما“ إذا اقْتَرَنَتْ بِما يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ أكْسَبَتْهُ قُوَّةً شَرْطِيَّةً فَلِذَلِكَ كُتِبَتْ إمّا هَذِهِ عَلى صُورَةِ النُّطْقِ بِها ولَمْ تُكْتَبْ مَفْصُولَةَ النُّونِ عَنْ ”ما“ .

والنَّزْغُ النَّخْسُ والغَرْزُ، كَذا فَسَّرَهُ في الكَشّافِ وهو التَّحْقِيقُ، وأمّا الرّاغِبُ وابْنُ عَطِيَّةَ فَقَيَّداهُ بِأنَّهُ دُخُولُ شَيْءٍ في شَيْءٍ لِإفْسادِهِ. قُلْتُ: ”وقَرِيبٌ مِنهُ الفَسْخُ بِالسِّينِ وهو الغَرْزُ بِإبْرَةٍ أوْ نَحْوِها لِلْوَشْمِ“ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ فِعْلِ الشَّيْطانِ ”﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] .

وإطْلاقُ النَّزْغِ هُنا عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ اسْتِعارَةٌ: شَبَّهَ حُدُوثَ الوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِيَّةِ في النَّفْسِ بِنَزْغِ الإبْرَةِ ونَحْوِها في الجِسْمِ بِجامِعِ التَّأْثِيرِ الخَفِيِّ، وشاعَتْ

صفحة ٢٣٠

هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْءانِ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ.

والمَعْنى إنْ ألْقى إلَيْكَ الشَّيْطانُ ما يُخالِفُ هَذا الأمْرَ بِأنْ سَوَّلَ لَكَ الأخْذَ بِالمُعاقَبَةِ أوْ سَوَّلَ لَكَ تَرْكَ أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ أوْ يَأْسًا مِن هُداهم، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ لِيَدْفَعَ عَنْكَ حَرَجَهُ ويَشْرَحَ صَدْرَكَ لِمَحَبَّةِ العَمَلِ بِما أُمِرْتَ بِهِ.

والِاسْتِعاذَةُ مَصْدَرُ طَلَبِ العَوْذِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلطَّلَبِ، والعَوْذُ الِالتِجاءُ إلى شَيْءٍ يَدْفَعُ مَكْرُوهًا عَنِ المُلْتَجِئِ، يُقالُ: عاذَ بِفُلانٍ، وعاذَ بِالحَرَمِ، وأعاذَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي عاذَ مِن أجْلِهِ.

فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِالعَوْذِ بِاللَّهِ، والعَوْذُ بِاللَّهِ هو الِالتِجاءُ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ بِالعِصْمَةِ، أوِ اسْتِحْضارُ ما حَدَّدَهُ اللَّهُ لَهُ مِن حُدُودِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ فِيما عَسُرَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ عَلى نِعْمَةِ الرِّسالَةِ والعِصْمَةِ، فَإنَّ العِصْمَةَ مِنَ الذُّنُوبِ حاصِلَةٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يَشْكُرُ اللَّهَ بِإظْهارِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإدامَتِها عَلَيْهِ، وهَذا مِثْلُ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ في حَدِيثِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» . فالشَّيْطانُ لا يَيْأسُ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّها تَنْبَعِثُ عَنْهُ بِطَبْعِهِ، وإنَّما يَتَرَصَّدُ لَهم مَواقِعَ خَفاءِ مَقْصِدِهِ طَمَعًا في زَلَّةٍ تَصْدُرُ عَنْ أحَدِهِمْ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إغْواءَهم، ولَكِنَّهُ لا يُفارِقُ رَجاءَ حَمْلِهِمْ عَلى التَّقْصِيرِ في مَراتِبِهِمْ، ولَكِنَّهُ إذا ما هَمَّ بِالوَسْوَسَةِ شَعَرُوا بِها فَدَفَعُوها، ولِذَلِكَ عَلَّمَ اللَّهُ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الِاسْتِعانَةَ عَلى دَفْعِها بِاللَّهِ - تَعالى - . رَوى الدّارَقُطْنِيُّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ …

Al-A'raaf 7:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.