Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: وبِالعَمَلِ بِهِ يَعْدِلُونَ. وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وكانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "هَذِهِ أُمَّتِي، بِالحَقِّ يَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ ويَقْضُونَ" .» وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآَيَةَ قالَ: "هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِي القَوْمُ مِثْلَها" ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ:١٥٩] .»

والثّانِي: أنَّهم مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ. والرّابِعُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قالَ الخَلِيلُ ابْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ في خِفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا ولا يَهْجُمُ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَ الرّاقِي والنّازِلُ يَرْقى ويَنْزِلُ مَرْقاةً مَرْقاةً؛ ومِنهُ: دَرَجَ الكِتابُ: إذا طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ ودَرَجَ القَوْمُ: إذا ماتُوا بَعْضَهم في أثَرِ بَعْضٍ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَأْتِيَهُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُباغِتُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم. وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَغْتَبِطُهم بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُونَ. قالَ الضَّحّاكُ: كُلَّما جَدَّدُوا لَنا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا يُعْلِمُونَ بِالِاسْتِدْراجِ. والثّانِي: بِالهَلَكَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَيْدُ: المَكْرُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ عالَجْتَهُ فَأنْتَ تَكِيدُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكْرُ اللَّهِ وكَيْدُهُ: مُجازاةُ أهْلِ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] و[آَلِ عِمْرانَ:٥٤] مِن ذَكْرِ الِاسْتِهْزاءِ والخِداعِ والمَكْرِ.

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ قالَ الخَلِيلُ ابْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ في خِفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا ولا يَهْجُمُ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَ الرّاقِي والنّازِلُ يَرْقى ويَنْزِلُ مَرْقاةً مَرْقاةً؛ ومِنهُ: دَرَجَ الكِتابُ: إذا طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ ودَرَجَ القَوْمُ: إذا ماتُوا بَعْضَهم في أثَرِ بَعْضٍ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الِاسْتِدْراجُ: أنْ يَأْتِيَهُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُباغِتُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم. وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَغْتَبِطُهم بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُونَ. قالَ الضَّحّاكُ: كُلَّما جَدَّدُوا لَنا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِن حَيْثُ لا يُعْلِمُونَ بِالِاسْتِدْراجِ. والثّانِي: بِالهَلَكَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَيْدُ: المَكْرُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ عالَجْتَهُ فَأنْتَ تَكِيدُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَكْرُ اللَّهِ وكَيْدُهُ: مُجازاةُ أهْلِ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] و[آَلِ عِمْرانَ:٥٤] مِن ذَكْرِ الِاسْتِهْزاءِ والخِداعِ والمَكْرِ.

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ، والجَحْدَرِيُّ: آَجالهمْ ومَعْنى الآَيَةِ: أوْلَمَ يَنْظُرُوا في المَلَكُوتِ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها، وفي أنْ عَسى أنْ تَكُونَ آَجالُهم قَدْ قَرُبَتْ فَيَهْلَكُوا عَلى الكُفْرِ، ويَصِيرُوا إلى النّارِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ وما فِيهِ مِنَ البَيانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ونَذَرُهم " بِالنُّونِ والرَّفْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويَذَرُهم " بِالياءِ مَعَ الجَزْمِ خَفِيفَةً. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ اسْتَأْنَفَ، ومَن جَزَمَ " ويَذَرْهم " عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَوْضِعُها جَزْمٌ؛ فالمَعْنى: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ؛ وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:١٥] مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ، فَبَيِّنْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ عُرْوَةُ: الَّذِي سَألَهُ عَنَ السّاعَةِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. والمُرادُ بِالسّاعَةِ هاهُنا الَّتِي يَمُوتُ فِيها الخَلْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مَتى مَرْساها؟ أيْ: مُنْتَهاها. ومَرَسا السَّفِينَةِ: حَيْثُ تَنْتَهِي. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "أيّانَ" بِمَعْنى: مَتى؛ و"مَتى" بِمَعْنى: أيْ حِينَ، ونَرى أنَّ أصْلَها: أيْ أوانُ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ [والواوُ]، وجُعِلَ الحَرْفانِ واحِدًا، ومَعْنى الآَيَةِ: مَتى ثُبُوتُها؟ يُقالُ: رَسا في الأرْضِ، أيْ: ثَبَتَ، ومِنهُ قِيلَ لَلْجِبالِ: رَواسِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: مَتى وُقُوعُها؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ: قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها ﴿لا يُجَلِّيها﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: ثَقُلَ وُقُوعُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَجْهُهُ أنَّ الكُلَّ يَخافُونَها، مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم.

والثّانِي: عَظُمَ شَأْنُها في السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: خَفِيَ أمَرُها، فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى كَوْنُها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ "فِي" بِمَعْنى "عَلى" فالمَعْنى: ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ. فَجْأةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فَتَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: بَرٌّ بِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ:٤٧] . قالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْباطُ عَنِ السُّدِّيُّ: كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم.

والثّانِي: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، مُجِيبٌ لَهم. قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم. وقالَ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: كَأنَّكَ تُحِبُّ أنْ يَسْألُوكَ عَنْها. وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.

والثّالِثُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ. والرّابِعُ: كَأنَّكَ اسْتَحْفَيْتَ السُّؤالَ عَنْها حَتّى عَلِمْتَها، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كَأنَّكَ سَؤُولٌ عَنْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ مَعْنِيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، والحَفِيُّ في كَلامِ العَرَبِ: المَعْنِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا هو ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ: المُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّها كائِنَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ، فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ، فَتَرْتَحِلَ عَنْها إلى ما قَدْ أُخْصِبَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي المُرادِ بِالنَّفْعِ والضَّرِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَنْفَعُ ويَضُرُّ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ النَّفْعَ: الهُدى، والضُّرُّ: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا ما أرادَ أنْ أُمَلِّكَهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّايَ؛ ومَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُ عِلْمَ السّاعَةِ. !

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ بِجَدْبِ الأرْضِ وقَحْطِ المَطَرِ قَبْلَ كَوْنِ ذَلِكَ لَهَيَّأْتُ لِسَنَةِ الجَدْبِ ما يَكْفِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما أرْبَحُ فِيهِ إذا اشْتَرَيْتُهُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى أمُوتُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما أسْألُ عَنْهُ مِنَ الغَيْبِ لِأجَبْتُ عَنْهُ. ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقْنِي تَكْذِيبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا الغَيْبُ، فَهو كُلُّ ما غابَ عَنْكَ. ويَخْرُجُ في المُرادِ بِالخَيْرِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: المالُ. والثّالِثُ: الرِّزْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ما يَسُوءُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: الجُنُونُ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ مُبْتَدَأ، والمَعْنى: وما بِي مِن جُنُونٍ إنَّما أنا نَذِيرٌ، وعَلى باقِي الأقْوالِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ.

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ. ومَعْنى ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: جامَعَها. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ. والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ. والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟ ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا. وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ. يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟ فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟ فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟ قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ. وقَرَأ نافِعٌ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٧٣] . والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. …

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ. ومَعْنى ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: جامَعَها. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ. والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ. والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟ ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا. وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ. يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟ فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟ فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟ قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ. وقَرَأ نافِعٌ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٧٣] . والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.