Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ مَخْلُوقُونَ لِلنّارِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لِيُبَيِّنَ أيْضًا أنَّ كَثِيرًا مِنهم مَخْلُوقُونَ لِلْجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في قِصَّةِ مُوسى قَوْلَهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٩ ] فَلَمّا أعادَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ هَهُنا حَمَلَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها هَذِهِ الأُمَّةُ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: («هَذِهِ فِيهِمْ وقَدْ أعْطى اللَّهُ قَوْمَ مُوسى مِثْلَها» ) وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: («إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ» ) وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُهاجِرِينَ والأنْصارَ. قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو زَمانٌ البَتَّةَ عَمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ زَمانَ وُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو الزَّمانُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ. أوِ المُرادُ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ زَمانٌ مِنَ الأزْمِنَةِ حَصَلَ فِيهِ قَوْمٌ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، أوِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَخْلُو زَمانٌ مِنَ الأزْمِنَةِ عَنْ قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ ظاهِرًا لِكُلِّ النّاسِ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ عَلى الحَقِّ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى يُخْرِجُهُ عَنِ الفائِدَةِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ زَمانٌ ما في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ حَصَلَ فِيهِ جَمْعٌ مَنِ المُحِقِّينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ. وهو أدَلُّ عَلى أنَّهُ ما خَلا زَمانٌ عَنْ قَوْمٍ مِنَ المُحِقِّينَ وأنَّ إجْماعَهم حُجَّةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ سائِرِ الأُمَمِ حُجَّةٌ.

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الأُمَّةِ الهادِيَةَ العادِلَةَ، أعادَ ذِكْرَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ صِفَةَ العُمُومِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، إلّا ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خُرُوجِهِ مِنهُ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فالِاسْتِدْراجُ الِاسْتِفْعالُ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى الِاسْتِصْعادِ أوِ الِاسْتِنْزالِ، دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَ القَوْمُ، ماتَ بَعْضُهم عَقِيبَ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّرْجِ وهو لَفُّ الشَّيْءِ وطَيُّهُ جُزْءًا فَجُزْءًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى سَنُقَرِّبُهم إلى ما يُهْلِكُهم، ونُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أتَوْا بِجُرْمٍ أوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ والخَيْرِ في الدُّنْيا، فَيَزْدادُونَ بَطَرًا وانْهِماكًا في الفَسادِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، ويَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ تِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ

صفحة ٦١

يَأْخُذُهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حُمِلَ إلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرى: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مُسْتَدْرَجًا فَإنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الإمْلاءُ في اللُّغَةِ الإمْهالُ وإطالَةُ المُدَّةِ ونَقِيضُهُ الإعْجالُ والمَلِيُّ زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الدَّهْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أيْ طَوِيلًا. ويُقالُ: مَلْوَةٌ ومُلْوَةٌ ومِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ طَوِيلٌ، فَمَعْنى﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم وأُطِيلُ لَهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ لِيَتَمادُوا في المَعاصِي ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ عَلى المَعْصِيَةِ لِيُقْلِعُوا عَنْها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ، والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو القَوِيُّ، يُقالُ مَتُنَ مَتانَةً.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، وهي الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ والكَيْدُ المَتِينُ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعَبْدِ ما يَسُوقُهُ إلى الكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ ضِدُّ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.

أجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِدْراجِ، أنَّهُ تَعالى اسْتَدْرَجَهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ حَتّى يَقَعُوا فِيهِ بَغْتَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ. قالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُجْبِرَةِ المُرادُ: سَنَسْتَدْرِجُهم إلى الكُفْرِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَ: وذَلِكَ فاسِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِتَقَدُّمِ كُفْرِهِمْ، فالَّذِي يَسْتَدْرِجُهم إلَيْهِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ؛ …

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الأُمَّةِ الهادِيَةَ العادِلَةَ، أعادَ ذِكْرَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ صِفَةَ العُمُومِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، إلّا ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خُرُوجِهِ مِنهُ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فالِاسْتِدْراجُ الِاسْتِفْعالُ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى الِاسْتِصْعادِ أوِ الِاسْتِنْزالِ، دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَ القَوْمُ، ماتَ بَعْضُهم عَقِيبَ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّرْجِ وهو لَفُّ الشَّيْءِ وطَيُّهُ جُزْءًا فَجُزْءًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى سَنُقَرِّبُهم إلى ما يُهْلِكُهم، ونُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أتَوْا بِجُرْمٍ أوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ والخَيْرِ في الدُّنْيا، فَيَزْدادُونَ بَطَرًا وانْهِماكًا في الفَسادِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، ويَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ تِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ

صفحة ٦١

يَأْخُذُهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حُمِلَ إلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرى: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مُسْتَدْرَجًا فَإنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الإمْلاءُ في اللُّغَةِ الإمْهالُ وإطالَةُ المُدَّةِ ونَقِيضُهُ الإعْجالُ والمَلِيُّ زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الدَّهْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أيْ طَوِيلًا. ويُقالُ: مَلْوَةٌ ومُلْوَةٌ ومِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ طَوِيلٌ، فَمَعْنى﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم وأُطِيلُ لَهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ لِيَتَمادُوا في المَعاصِي ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ عَلى المَعْصِيَةِ لِيُقْلِعُوا عَنْها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ، والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو القَوِيُّ، يُقالُ مَتُنَ مَتانَةً.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، وهي الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ والكَيْدُ المَتِينُ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعَبْدِ ما يَسُوقُهُ إلى الكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ ضِدُّ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.

أجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِدْراجِ، أنَّهُ تَعالى اسْتَدْرَجَهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ حَتّى يَقَعُوا فِيهِ بَغْتَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ. قالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُجْبِرَةِ المُرادُ: سَنَسْتَدْرِجُهم إلى الكُفْرِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَ: وذَلِكَ فاسِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِتَقَدُّمِ كُفْرِهِمْ، فالَّذِي يَسْتَدْرِجُهم إلَيْهِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ؛ …

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُعْرِضِينَ عَنْ آياتِهِ، الغافِلِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ وبَيِّناتِهِ، عادَ إلى الجَوابِ عَنْ شُبَهاتِهِمْ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ والتَّفَكُّرُ طَلَبُ المَعْنى بِالقَلْبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فِكْرَةَ القَلْبِ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ، والتَّعَقُّلِ في الشَّيْءِ والتَّأمُّلِ فِيهِ والتَّدَبُّرِ لَهُ، وكَما أنَّ الرُّؤْيَةَ بِالبَصَرِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ إلى جِهَةِ المَرْئِيِّ: طَلَبًا لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ، فَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ بِالبَصِيرَةِ، وهي المُسَمّاةُ بِالعِلْمِ واليَقِينِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى الجَوانِبِ طَلَبًا لِذَلِكَ الِانْكِشافِ والتَّجَلِّي، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِنَظَرِ العَقْلِ وفِكْرَتِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالفِكْرِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والتَّرَوِّي لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ كَما هي عِرْفانًا تامًّا، وفي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، والجِنَّةُ حالَةٌ مِنَ الجُنُونِ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ ودُخُولُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ.

واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُخالِفًا لِفِعْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلًا عَلى الآخِرَةِ، مُشْتَغِلًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فَكانَ العَمَلُ مُخالِفًا لِطَرِيقَتِهِمْ، فاعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ لَيْلًا عَلى الصَّفا يَدْعُو فَخِذًا فَخِذًا مِن قُرَيْشٍ. فَقالَ يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، وكانَ يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ وعِقابَهُ، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ، واظَبَ عَلى الصِّياحِ طُولَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَثَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما دَعا لِلْإنْذارِ لا لِما نَسَبَهُ إلَيْهِ الجُهّالُ.

الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَغْشاهُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ فَيَتَغَيَّرُ وجْهُهُ ويَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وتَعْرِضُ لَهُ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالغَشْيِ، فالجُهّالُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ جُنُونٌ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ويُقِيمُ الدَّلائِلَ القاطِعَةَ والبَيِّناتِ الباهِرَةَ، بِألْفاظٍ فَصِيحَةٍ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عَنْ مُعارَضَتِها، وكانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ، مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ نَقِيَّ السِّيرَةِ، مُواظِبًا عَلى أعْمالٍ حَسَنَةٍ صارَ بِسَبَبِها قُدْوَةً لِلْعُقَلاءِ العالِمِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالجُنُونِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ اجْتِهادَهُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ إنَّما كانَ لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أرْسَلَهُ …

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ القَدِيمِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ فَصَّلْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الدَّلائِلَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ عالَمِ الأجْسامِ والأرْواحِ فَهي بُرْهانٌ باهِرٌ، ودَلِيلٌ قاهِرٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولِنُقَرِّرْ هَذا المَعْنى بِمِثالٍ. فَنَقُولُ: إنَّ الضَّوْءَ إذا وقَعَ عَلى كُوَّةِ البَيْتِ ظَهَرَ الذَّرّاتُ والهَباءاتُ، فَلْنَفْرِضِ الكَلامَ في ذَرَّةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مِن جُمْلَةِ الأحْيازِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الخَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، وكُلُّ حَيِّزٍ مِن تِلْكَ الأحْيازِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَرَضْنا وُقُوعَ تِلْكَ الذَّرَّةِ فِيهِ كانَ اخْتِصاصُها بِذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ مِنَ المُمْكِناتِ والجائِزاتِ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ وذَلِكَ المُخَصَّصُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأيْضًا فَتِلْكَ الذَّرَّةُ لا تَخْلُو عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَإنَّ حُدُوثَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وبَعْدَهُ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَدِيمٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُخَصِّصُ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأيْضًا إنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ الأجْسامِ في التَّحَيُّزِ والحَجْمِيَّةِ. ومُخالِفَةٌ لَها في اللَّوْنِ والشَّكْلِ والطَّبْعِ والطَّعْمِ وسائِرِ الصِّفاتِ. واخْتِصاصُها بِكُلِّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها خالَفَتْ سائِرَ الأجْسامِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، واعْتِباراتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ أجْزاءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، مُفْرَداتِهِ ومُرَكَّباتِهِ وسُفْلِيّاتِهِ وعُلْوِيّاتِهِ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ لَكَ صِدْقُ ما قالَ الشّاعِرُ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَحِينَئِذٍ ظَهَرَتِ الفائِدَةُ لَكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ والدَّقائِقِ اللَّطِيفَةِ، أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّرْغِيبَ الشَّدِيدَ في الإتْيانِ بِهَذا النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فَقالَ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ ولَفْظَةُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ عَسى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ عَسى، والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والمَعْنى: لَعَلَّ آجالَهم …

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى إلى نَعْتِ أحْوالِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ مِثْلُ ما سَبَقَ في الآيَةِ السّالِفَةِ، وتَأْوِيلاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوابُنا عَنْها مِثْلُ ما تَقَدَّمَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ رَفْعٌ بِالِاسْتِئْنافِ وهو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”ويَذَرُهُمْ“ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ لِتَقَدُّمِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ، ووَجْهُ ذَلِكَ فِيما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِأنَّ مَوْضِعَ الفاءِ وما بَعْدَها جَزْمٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، فَحَمْلُ ”ويَذَرُهُمْ“ عَلى مَوْضِعِ الَّذِي هو جَزْمٌ.

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في نَظْمِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدَرِ أتْبَعَهُ بِالكَلامِ في المَعادِ، لِما بَيَّنّا أنَّ المَطالِبَ الكُلِّيَّةَ في القُرْآنِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ باعِثًا بِذَلِكَ عَنِ المُثابَرَةِ إلى التَّوْبَةِ والإصْلاحِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ لِيَتَحَقَّقَ في القُلُوبِ أنَّ وقْتَ السّاعَةِ مَكْتُومٌ عَنِ الخَلْقِ، فَيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى المُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ وأداءِ الواجِباتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ مَن هو ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ،

صفحة ٦٦

فاذْكُرْ لَنا مَتى السّاعَةُ ؟ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السّاعَةُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِالسّاعَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً، أوْ لِأنَّ حِسابَ الخَلْقِ يُقْضى فِيها في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَسُمِّيَ بِالسّاعَةِ لِهَذا السَّبَبِ أوْ لِأنَّها عَلى طُولِها كَساعَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ الخَلْقِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”أيّانَ“ مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي يَجِيءُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الزَّمانِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أيّانَ بِمَعْنى مَتى، وفي اشْتِقاقِهِ قَوْلانِ:

المَشْهُورُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْنِ وأنْكَرَهُ ابْنُ جِنِّي وقالَ: ﴿أيّانَ﴾ سُؤالٌ عَنِ الزَّمانِ، وأيْنَ سُؤالٌ عَنِ المَكانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أحَدُهُما مَأْخُوذًا مِنَ الآخَرِ.

والثّانِي: وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جِنِّي أنَّ اشْتِقاقَهُ مِن أيِّ فَعْلانَ مِنهُ، لِأنَّ مَعْناهُ أيُّ وقْتٍ، ولَفْظَةُ أيٍّ فَعْلٌ مِن أوَيْتُ إلَيْهِ، لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى مَكانِ الكُلِّ مُتَسانِدًا إلَيْهِ هَكَذا. قالَ ابْنُ جِنِّي: وقَرَأ السُّلَمِيُّ ”إيانَ“ بِكَسْرِ الهَمْزِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُرْساها ”المُرْسى“ هَهُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإرْساءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] أيْ إجْراؤُها وإرْساؤُها، والإرْساءُ الإثْباتُ يُقالُ رَسا يَرْسُو إذا ثَبَتَ، قالَ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٢] فَكانَ الرُّسُوُّ لَيْسَ اسْمًا لِمُطْلَقِ الثَّباتِ، بَلْ هو اسْمٌ لِثَباتِ الشَّيْءِ إذا كانَ ثَقِيلًا ومِنهُ إرْساءُ الجَبَلِ، وإرْساءُ السَّفِينَةِ، ولَمّا كانَ أثْقَلُ الأشْياءِ عَلى الخَلْقِ هو السّاعَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا جَرَمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى وُقُوعَها وثُبُوتَها بِالإرْساءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ لا يَعْلَمُ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ يَحْصُلُ قِيامُ القِيامَةِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ …

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ أنا لا أدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٨ - ٤٩] رُوِيَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالرُّخْصِ والغَلاءِ حَتّى نَشْتَرِيَ فَنَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تَجْدُبُ لِنَرْتَحِلَ إلى الأرْضِ الخِصْبَةِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: «لَمّا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ جاءَتْ رِيحٌ في الطَّرِيقِ فَفَرَّتِ الدَّوابُّ مِنها، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِ رِفاعَةَ بِالمَدِينَةِ وكانَ فِيهِ غَيْظٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقالَ: انْظُرُوا أيْنَ ناقَتِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ قَوْمِهِ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا الرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ ولا يَعْرِفُ أيْنَ ناقَتُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وناقَتِي في هَذا الشِّعْبِ قَدْ تَعَلَّقَ زِمامُها بِشَجَرَةٍ“ فَوَجَدَها عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ»﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوهُ بِالإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ وطالَبُوهُ بِإعْطاءِ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ والدَّوْلَةِ العَظِيمَةِ ذَكَرَ أنَّ قُدْرَتَهُ قاصِرَةٌ وعِلْمَهُ قَلِيلٌ، وبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَبْدًا كانَ كَذَلِكَ، والقُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ المُحِيطُ لَيْسا إلّا لِلَّهِ تَعالى، فالعَبْدُ كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ وهَذا العِلْمُ ؟ واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ والإيمانُ نَفْعٌ والكُفْرُ ضُرٌّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ مِرارًا أنَّ القُدْرَةَ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ مُرِيدًا لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ امْتَنَعَ صُدُورُ الكُفْرِ عَنْها بَدَلًا عَنِ الإيمانِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِ داعِيَةٍ جازِمَةٍ، فَخالِقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ يَكُونُ مُرِيدًا

صفحة ٦٩

لِلْكُفْرِ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ لا يَمْلِكُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضُرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ.

أجابَ القاضِي عَنْهُ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِهِ هو أنَّ الكُفّارَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِوَقْتِ السِّعْرِ الرَّخِيصِ …

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدَمُ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ ! إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ لَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ لَهُ شَرِيكًا، والمُرادُ بِهِ الحارِثُ، هَذا تَمامُ القِصَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ.

الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ ”مَن“ لا بِصِيغَةِ ”ما“ .

الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اسْمَ إبْلِيسَ هو الحارِثُ، فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اسْمَهُ هو الحارِثُ كَيْفَ سَمّى ولَدَ نَفْسِهِ بِعَبْدِ الحارِثِ ؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ ؟ .

الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، …

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدَمُ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ ! إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ لَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ لَهُ شَرِيكًا، والمُرادُ بِهِ الحارِثُ، هَذا تَمامُ القِصَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ.

الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ ”مَن“ لا بِصِيغَةِ ”ما“ .

الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اسْمَ إبْلِيسَ هو الحارِثُ، فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اسْمَهُ هو الحارِثُ كَيْفَ سَمّى ولَدَ نَفْسِهِ بِعَبْدِ الحارِثِ ؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ ؟ .

الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.