Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُسْلِمِينَ في هَدْيِهِمْ واهْتِدائِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في ضَلالِهِمْ، أيْ أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ فَإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ الأُمَّةِ هُمُ المُسْلِمُونَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِ لَبِيَدٍ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ نَفْسَهُ فَإنَّها بَعْضُ النُّفُوسِ. رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ الآيَةَ ”هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها“» .

وقَوْلُهُ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . وبَقِيَّةُ ألْفاظِ الآيَةِ عُرِفَ تَفْسِيرُها مِن نَظَرِهِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩١

والَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ بِالباءِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الإنْكارِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والِاسْتِدْراجُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّرَجَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وهي طَبَقَةٌ مِنَ البِناءِ مُرْتَفِعَةٌ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ ما تَرْتَفِعُ الرِّجْلُ لِلِارْتِقاءِ مِنها إلى ما فَوْقَها تَيْسِيرًا لِلصُّعُودِ في مِثْلِ العُلُوِّ أوِ الصَّوْمَعَةِ أوِ البُرْجِ، وهي أيْضًا واحِدَةُ الأعْوادِ المَصْفُوفَةِ في السُّلَّمِ يُرْتَقى مِنها إلى الَّتِي فَوْقَها، وتُسَمّى هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِرَقاةً، فالسِّينُ والتّاءُ في فِعْلِ الِاسْتِدْراجِ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَتَدَرَّجَ، أيْ صاعِدًا أوْ نازِلًا، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ القاصِدِ إبْدالَ حالِ أحَدٍ إلى غَيْرِها بِدُونِ إشْعارِهِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَنْزِلَ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلى المَكانِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ يَشْتَمِلُ عَلى تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ حُسْنِ الحالِ بِرِفْعَةِ المَكانِ وضِدُّهُ بِسَفالَةِ المَكانِ، والقَرِينَةُ تُعِينُ المَقْصُودَ مِنَ انْتِقالٍ إلى حالٍ أحْسَنَ أوْ أسْوَأ.

ومِمّا يُشِيرُ إلى مُراعاةِ هَذا التَّمْثِيلِ في الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ الِاسْتِدْراجُ مَعْنى الإيصالِ إلى المَقْصُودِ عُلِّقَ بِفِعْلِهِ مَجْرُورٌ بِمِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ مُبْتَدِئًا اسْتِدْراجَهم مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إلى المَبْلَغِ الضّارِّ، فَ حَيْثُ هُنا لِلْمَكانِ عَلى أصْلِها، أيْ مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ ما يُفْضِي إلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ الِاسْتِدْراجِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لا يَعْلَمُونَ تَدَرُّجَهُ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ اسْتِدْراجٌ عَظِيمٌ لا يُظَنُّ بِالمَفْعُولِ بِهِ أنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ.

والإمْلاءُ إفْعالٌ وهو الإمْهالُ، وهَمْزَةُ هَذا المَصْدَرِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، مُشْتَقٌ مِنَ المِلاوَةِ مُثَلَّثَةِ المِيمِ وهي مُدَّةُ الحَياةِ، يُقالُ أمَلاهُ ومَلّاهُ إذا أمْهَلَهُ وأخَّرَهُ، كِلاهُما بِالألِفِ دُونَ …

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُسْلِمِينَ في هَدْيِهِمْ واهْتِدائِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في ضَلالِهِمْ، أيْ أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ فَإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ الأُمَّةِ هُمُ المُسْلِمُونَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِ لَبِيَدٍ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ نَفْسَهُ فَإنَّها بَعْضُ النُّفُوسِ. رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ الآيَةَ ”هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها“» .

وقَوْلُهُ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . وبَقِيَّةُ ألْفاظِ الآيَةِ عُرِفَ تَفْسِيرُها مِن نَظَرِهِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩١

والَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ بِالباءِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الإنْكارِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والِاسْتِدْراجُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّرَجَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وهي طَبَقَةٌ مِنَ البِناءِ مُرْتَفِعَةٌ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ ما تَرْتَفِعُ الرِّجْلُ لِلِارْتِقاءِ مِنها إلى ما فَوْقَها تَيْسِيرًا لِلصُّعُودِ في مِثْلِ العُلُوِّ أوِ الصَّوْمَعَةِ أوِ البُرْجِ، وهي أيْضًا واحِدَةُ الأعْوادِ المَصْفُوفَةِ في السُّلَّمِ يُرْتَقى مِنها إلى الَّتِي فَوْقَها، وتُسَمّى هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِرَقاةً، فالسِّينُ والتّاءُ في فِعْلِ الِاسْتِدْراجِ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَتَدَرَّجَ، أيْ صاعِدًا أوْ نازِلًا، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ القاصِدِ إبْدالَ حالِ أحَدٍ إلى غَيْرِها بِدُونِ إشْعارِهِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَنْزِلَ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلى المَكانِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ يَشْتَمِلُ عَلى تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ حُسْنِ الحالِ بِرِفْعَةِ المَكانِ وضِدُّهُ بِسَفالَةِ المَكانِ، والقَرِينَةُ تُعِينُ المَقْصُودَ مِنَ انْتِقالٍ إلى حالٍ أحْسَنَ أوْ أسْوَأ.

ومِمّا يُشِيرُ إلى مُراعاةِ هَذا التَّمْثِيلِ في الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ الِاسْتِدْراجُ مَعْنى الإيصالِ إلى المَقْصُودِ عُلِّقَ بِفِعْلِهِ مَجْرُورٌ بِمِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ مُبْتَدِئًا اسْتِدْراجَهم مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إلى المَبْلَغِ الضّارِّ، فَ حَيْثُ هُنا لِلْمَكانِ عَلى أصْلِها، أيْ مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ ما يُفْضِي إلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ الِاسْتِدْراجِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لا يَعْلَمُونَ تَدَرُّجَهُ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ اسْتِدْراجٌ عَظِيمٌ لا يُظَنُّ بِالمَفْعُولِ بِهِ أنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ.

والإمْلاءُ إفْعالٌ وهو الإمْهالُ، وهَمْزَةُ هَذا المَصْدَرِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، مُشْتَقٌ مِنَ المِلاوَةِ مُثَلَّثَةِ المِيمِ وهي مُدَّةُ الحَياةِ، يُقالُ أمَلاهُ ومَلّاهُ إذا أمْهَلَهُ وأخَّرَهُ، كِلاهُما بِالألِفِ دُونَ …

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُسْلِمِينَ في هَدْيِهِمْ واهْتِدائِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في ضَلالِهِمْ، أيْ أعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ فَإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ الأُمَّةِ هُمُ المُسْلِمُونَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِ لَبِيَدٍ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يُرِيدُ نَفْسَهُ فَإنَّها بَعْضُ النُّفُوسِ. رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ الآيَةَ ”هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها“» .

وقَوْلُهُ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . وبَقِيَّةُ ألْفاظِ الآيَةِ عُرِفَ تَفْسِيرُها مِن نَظَرِهِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩١

والَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ التَّكْذِيبِ بِالباءِ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى الإنْكارِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والِاسْتِدْراجُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّرَجَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وهي طَبَقَةٌ مِنَ البِناءِ مُرْتَفِعَةٌ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ ما تَرْتَفِعُ الرِّجْلُ لِلِارْتِقاءِ مِنها إلى ما فَوْقَها تَيْسِيرًا لِلصُّعُودِ في مِثْلِ العُلُوِّ أوِ الصَّوْمَعَةِ أوِ البُرْجِ، وهي أيْضًا واحِدَةُ الأعْوادِ المَصْفُوفَةِ في السُّلَّمِ يُرْتَقى مِنها إلى الَّتِي فَوْقَها، وتُسَمّى هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِرَقاةً، فالسِّينُ والتّاءُ في فِعْلِ الِاسْتِدْراجِ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَتَدَرَّجَ، أيْ صاعِدًا أوْ نازِلًا، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ القاصِدِ إبْدالَ حالِ أحَدٍ إلى غَيْرِها بِدُونِ إشْعارِهِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَنْزِلَ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى بِحَيْثُ يَنْتَهِي إلى المَكانِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ يَشْتَمِلُ عَلى تَشْبِيهاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ حُسْنِ الحالِ بِرِفْعَةِ المَكانِ وضِدُّهُ بِسَفالَةِ المَكانِ، والقَرِينَةُ تُعِينُ المَقْصُودَ مِنَ انْتِقالٍ إلى حالٍ أحْسَنَ أوْ أسْوَأ.

ومِمّا يُشِيرُ إلى مُراعاةِ هَذا التَّمْثِيلِ في الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا تَضَمَّنَ الِاسْتِدْراجُ مَعْنى الإيصالِ إلى المَقْصُودِ عُلِّقَ بِفِعْلِهِ مَجْرُورٌ بِمِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ مُبْتَدِئًا اسْتِدْراجَهم مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إلى المَبْلَغِ الضّارِّ، فَ حَيْثُ هُنا لِلْمَكانِ عَلى أصْلِها، أيْ مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُونَ ما يُفْضِي إلَيْهِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ الِاسْتِدْراجِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ لا يَعْلَمُونَ تَدَرُّجَهُ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ اسْتِدْراجٌ عَظِيمٌ لا يُظَنُّ بِالمَفْعُولِ بِهِ أنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ.

والإمْلاءُ إفْعالٌ وهو الإمْهالُ، وهَمْزَةُ هَذا المَصْدَرِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، مُشْتَقٌ مِنَ المِلاوَةِ مُثَلَّثَةِ المِيمِ وهي مُدَّةُ الحَياةِ، يُقالُ أمَلاهُ ومَلّاهُ إذا أمْهَلَهُ وأخَّرَهُ، كِلاهُما بِالألِفِ دُونَ …

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

لَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ مُنْبَعِثًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ مَن جاءَ بِها، وناشِئًا عَنْ ظَنٍّ أنَّ آياتِ اللَّهِ لا يَجِيءُ بِها البَشَرُ وأنَّ مَن يَدَّعِي أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ مَجْنُونٌ، عَقَّبَ الإخْبارَ عَنِ المُكَذِّبِينَ، ووَعِيدَهم بِدَعْوَتِهِمْ لِلنَّظَرِ في حالِ الرَّسُولِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ كَما يَزْعُمُونَ.

واسْتِعْمالُ العَرَبِ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ المُشْرَكَةِ في الحُكْمِ اسْتِعْمالٌ عَجِيبٌ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهي ابْتِداءُ كَلامٍ في مُحاجَّتِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم مُسْتَدْرَجُونَ ومُمْلًى لَهم.

الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ وما في قَوْلِهِ ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ نافِيَةٌ كَما يُؤْذِنُ بِهِ دُخُولُ مِن عَلى مَنفِيِّ ما لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ.

وفِعْلُ ”يَتَفَكَّرُوا“ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِما

صفحة ١٩٤

دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ في قَوْلِهِ ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ ألَمْ يَكُونُوا مِنَ المُفَكِّرِينَ أهْلَ النَّظَرِ، والفِعْلُ المُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ ولا مُتَعَلِّقٌ.

والمَقْصُودُ مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ هو الِانْتِقالُ مِن عِلْمِ الظّانِّ إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ المَظْنُونِ وجَعْلِهِ قَضِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَصِيرُ الكَلامُ بِمَنزِلَةِ خَبَرَيْنِ خَبَرٍ مِن جانِبِ الظّانِّ ونَحْوِهِ، وخَبَرٍ مِن جانِبٍ المُتَكَلِّمِ دَخَلَ في قِسْمِ الواقِعاتِ. فَنَحْوُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] هو في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ لا يَنْطِقُونَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، أيْ ذَلِكَ عِلْمُكَ وهَذا عِلْمِي، وقَوْلُهُ هُنا ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ في قُوَّةِ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، صاحِبُهم غَيْرُ مَجْنُونٍ، ما بِصاحِبِهِمْ مِن جَنَّةٍ. فَتَعْلِيقُ أفْعالِ القَلْبِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الإيجازِ، وأحْسَبُ هَذا هو الغَرَضُ مِن أُسْلُوبِ التَّعْلِيقِ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي، وأنَّ خَصائِصَ العَرَبِيَّةِ لا تَنْحَصِرُ.

و”الصّاحِبُ“ حَقِيقَتُهُ الَّذِي يُلازِمُ غَيْرَهُ في حالَةٍ مِن سَفَرٍ أوْ نَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩]، وسُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ صاحِبَةً، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الَّذِي لَهُ مَعَ غَيْرِهِ حادِثٌ عَظِيمٌ وخَبَرٌ، تَنْزِيلًا لِمُلازَمَةِ الذِّكْرِ مَنزِلَةَ مُلازَمَةِ الذّاتِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ لِامْرَأتِهِ، أُمِّ مَعْبَدٍ، لَمّا أخْبَرَتْهُ بِدُخُولِ النَّبِيءِ ﷺ بَيْتَها في طَرِيقِ الهِجْرَةِ ووَصَفَتْ لَهُ هَدْيَهُ وبَرَكَتَهُ ”هَذا صاحِبُ قُرَيْشٍ“، وقَوْلُ الحَجّاجِ في بَعْضِ خُطَبِهِ لِأهْلٍ العِراقِ ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ يُرِيدُ أنَّهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوهُ بِالأهْوازِ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ أصْحابَهُ أنَّهُ كَثُرَ اشْتِغالُهُ بِهِمْ. وقَوْلُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ:

كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا

فَوَصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ صاحِبُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ: هو بِمَعْنى الَّذِي …

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

تَرَقٍّ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في حالِ رَسُولِهِمْ، إلى الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِيما هو أوْضَحُ مِن ذَلِكَ وأعَمُّ، وهو مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ مِمّا هو آياتٌ مِن آياتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى - الَّتِي دَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى الإيمانِ بِها. والمُناسَبَةُ بَيْنَ الكَلامَيْنِ: أنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ هو مِن أكْبَرِ بَواعِثِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .

وعُدِّيَ فِعْلُ ”النَّظَرِ“ إلى مُتَعَلِّقِهِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المُرادَ التَّأمُّلُ بِتَدَبُّرٍ وهو التَّفَكُّرُ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وتَقُولُ نَظَرْتُ في شَأْنِي، فَدَلَّ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ عَلى أنَّ هَذا التَّفَكُّرَ عَمِيقٌ مُتَغَلْغِلٌ في أصْنافِ المَوْجُوداتِ، وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ.

والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ والأرْضِ بَيانِيَّةٌ أيِ المُلْكُ الَّذِي هو السَّماواتُ والأرْضُ أيْ مُلْكُ اللَّهِ لَهُما، فالمُرادُ السَّماءُ بِمَجْمُوعِها والأرْضُ بِمَجْمُوعِها الدّالَّيْنِ عَلى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى - .

وعَطَفَ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى مَلَكُوتِ فَقَسَّمَ النَّظَرَ إلى نَظَرٍ في عَظِيمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى -، وإلى نَظَرٍ في مَخْلُوقاتِهِ ودَقائِقِ أحْوالِها الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعالى -، فالنَّظَرُ إلى عَظَمَةِ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ - تَعالى - فَهو الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِ، والنَّظَرُ إلى المَخْلُوقاتِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ - تَعالى -، وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالصُّنْعِ فَهو الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ، فَلَوْ نَظَرُوا في ذَلِكَ نَظَرَ اعْتِبارٍ لَعَلِمُوا أنْ

صفحة ١٩٧

صانِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، فَلَزالَ إنْكارُهم دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ.

وقَوْلُهُ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .

و”أنْ“ هَذِهِ هي أنَّ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةُ النُّونِ خُفِّفَتْ، فَكانَ اسْمُها ضَمِيرَ شَأْنٍ مُقَدَّرًا. وجُمْلَةُ: عَسى أنْ يَكُونَ إلَخْ خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.

و”أنْ“ الَّتِي بَعْدَ عَسى مَصْدَرِيَّةٌ هي الَّتِي تُزادُ بَعْدَ عَسى غالِبًا في الِاسْتِعْمالِ.

واسْمُ ”يَكُونَ“ ضَمِيرُ شَأْنٍ أيْضًا مَحْذُوفٌ لِأنَّ ما بَعْدَ ”يَكُونَ“ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يُعْتَبَرَ اسْمًا لِكانَ، والمَعْنى ألَمْ يَنْظُرُوا في تَوَقُّعٍ قُرْبِ أجَلِهِمْ.

وصِيغَ الكَلامُ عَلى هَذا النَّظْمِ لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ، بِجَعْلِ مُتَعَلِّقٍ النَّظَرِ مِن مَعْنى الإخْبارِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْطُرَ في النُّفُوسِ، وأنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النّاسُ، وأنَّهُ قَدْ صارَ حَدِيثًا وخَبَرًا فَكَأنَّهُ أمْرٌ مُسَلَّمٌ مُقَرَّرٌ.

وهَذا مَوْقِعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ حَيْثُما ورَدَ، ولِذَلِكَ يُسَمّى: ضَمِيرُ القِصَّةِ اعْتِدادًا بِأنَّ …

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، لِإفادَةِ أنَّ ضَلالَهم أمْرٌ قَدَّرَ اللَّهُ دَوامَهُ فَلا طَمَعَ لِأحَدٍ في هَدْيِهِمْ، ولَمّا كانَ هَذا الحُكْمُ حاقًّا عَلى مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّكْذِيبِ، وعَدَمِ التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَدَمِ النَّظَرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ، وفي تَوَقُّعِ اقْتِرابِ اسْتِئْصالِهِمْ، كانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الِاهْتِداءِ فَرِيقًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ لِلنّاسِ وإنَّما يَنْفَرِدُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ويُطْلِعُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ويَنْكَشِفُ بَعْضُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، وهَذِهِ هي المَسْألَةُ المُلَقَّبَةُ بِالمُوافاةِ عِنْدَ عُلَماءِ الكَلامِ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وانْتِفاءِ هَدْيِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ كَما وقَعَ في الماضِي.

وتَفْسِيرُ نَذَرُهم تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا﴾ [الأنعام: ٧٠]

صفحة ٢٠٠

فِي سُورَةِ الأنْعامِ وتَفْسِيرُ طُغْيانَ ويَعْمَهُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ،: ”نَذَرُهم“ بِالنُّونِ وبِالرَّفْعِ، عَلى أنَّهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والجَزْمِ، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وهو جَوابُ الشَّرْطِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ: بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وبِالرَّفْعِ، والوَجْهُ ظاهِرٌ.

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَذْكُرُ بِهِ شَيْءٌ مِن ضَلالِهِمْ ومُحاوَلَةِ تَعْجِيزِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِتَعْيِينِ وقْتِ السّاعَةِ.

ومُناسِبَةُ هَذا الِاسْتِئْنافِ هي التَّعَرُّضُ لِتَوَقُّعِ اقْتِرابِ أجَلِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] سَواءٌ أفُسِّرَ الأجَلُ بِأجَلِ إذْهابِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ في الدُّنْيا، وهو الِاسْتِئْصالُ، أمْ فُسِّرَ بِأجَلِهِمْ وأجَلِ بَقِيَّةِ النّاسِ وهو قِيامُ السّاعَةِ، فَإنَّ لِلْكَلامِ عَلى السّاعَةِ مُناسَبَةً لِكِلا الأجَلَيْنِ.

وقَدْ عُرِفَ مِن شِنْشَنَةِ المُشْرِكِينَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وتَهَكُّمُهم بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ - مِن أجْلِ إخْبارِهِ عَنِ البَعْثِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٧]، وقَدْ جَعَلُوا يَسْألُونَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ السّاعَةِ ووَقْتِها تَعْجِيزًا لَهُ، لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم بِأمْرِها فَهو يَدَّعِي العِلْمَ بِوَقْتِها ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٢٩]

صفحة ٢٠١

فالسّائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وقَدْ حُكِيَ عَنْهم مِثْلُ هَذا السُّؤالِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ وقَوْلِهِ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ١] يَعْنِي البَعْثَ والسّاعَةَ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المَعْنِيُّ بِالسّائِلِينَ اليَهُودُ أرادُوا امْتِحانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَنِ السّاعَةِ، وهَذا لا يَكُونُ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ كُلُّها وقِيلَ إنَّ آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ الآيَةَ فِيما اخْتُلِفَ في مَكانِ نُزُولِهِ، والسُّوَرُ الَّتِي حُكِيَ فِيها مِثْلُ هَذا السُّؤالِ مَكِّيَّةٌ أيْضًا نازِلَةٌ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ.

والسّاعَةُ مُعَرَّفَةٌ بِاللّامِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى وقْتِ فَناءِ هَذا العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ والدُّخُولِ في العالَمِ الأُخْرَوِيِّ، وتُسَمّى: يَوْمَ البَعْثِ، ويَوْمَ القِيامَةِ.

وأيّانَ اسْمٌ يَدُلُّ عَلى السُّؤالِ عَنِ الزَّمانِ وهو جامِدٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ مُرَكَّبٌ مِن ”أيِّ“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ و”آنَ“ وهو الوَقْتُ، ثُمَّ خُفِّفَتْ ”أيُّ“ وقُلِبَتْ هَمْزَةُ آنَ ياءً لِيَتَأتّى الإدْغامُ فَصارَتْ أيّانَ بِمَعْنى أيُّ زَمانٍ، ويَتَعَيَّنُ الزَّمانُ المَسْئُولُ عَنْهُ بِما بَعْدَ أيّانَ، ولِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَعْنًى لا اسْمَ ذاتٍ، إذْ لا يُخْبَرُ بِالزَّمانِ عَنِ الذّاتِ، وأمّا اسْتِعْمالُها اسْمَ شَرْطٍ لِعُمُومِ الأزْمِنَةِ فَذَلِكَ بِالنَّقْلِ مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الشَّرْطِ كَما نُقِلَتْ مَتى مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الشَّرْطِيَّةِ، وهي تَوْسِيعاتٌ في اللُّغَةِ تَصِيرُ مَعانِيَ مُتَجَدِّدَةً. وقَدْ …

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

هَذا ارْتِقاءٌ في التَّبَرُّؤِ مِن مَعْرِفَةِ الغَيْبِ ومِنَ التَّصَرُّفِ في العالَمِ، وزِيادَةٌ مِنَ التَّعْلِيمِ لِلْأُمَّةِ بِشَيْءٍ مِن حَقِيقَةِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، وتَمْيِيزُ ما هو مِن خَصائِصِها عَمّا لَيْسَ مِنها.

صفحة ٢٠٧

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ قُصِدَ مِنَ اسْتِئْنافِها الِاهْتِمامُ بِمَضْمُونِها، كَيْ تَتَوَجَّهَ الأسْماعُ إلَيْها، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ مَعَ تَقَدُّمِهِ مَرَّتَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] لِلِاهْتِمامِ بِاسْتِقْلالِ المَقُولِ، وأنْ لا يَنْدَرِجَ في جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيِّ قَبْلَهُ، وخُصَّ هَذا المَقُولُ بِالإخْبارِ عَنْ حالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَحْوَ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ لِيَقْلِعَ مِن عُقُولِ المُشْرِكِينَ تَوَهُّمَ مُلازِمَةِ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ لِصِفَةِ النُّبُوَّةِ، إعْلانًا لِلْمُشْرِكِينَ بِالتِزامِ أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطاعِنٍ في نُبُوَّتِهِ حَتّى يَسْتَيْئِسُوا مِن تَحَدِّيهِ بِذَلِكَ، وإعْلامًا لِلْمُسْلِمِينَ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ ما تَقْتَضِيهِ النُّبُوَّةُ وما لا تَقْتَضِيهِ، ولِذَلِكَ نَفى عَنْ نَفْسِهِ مَعْرِفَةَ أحْوالِهِ المُغَيَّبَةِ، فَضْلًا عَلى مَعْرِفَةِ المُغَيَّباتِ مِن أحْوالِ غَيْرِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ.

فِي تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ عِنْدَ الغَلاءِ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ فَتَرْتَحِلَ مِنها إلى الَّتِي قَدْ أخْصَبَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ ما تَوَرَّكُوا بِهِ مِثْلَ السُّؤالِ عَنِ السّاعَةِ، وقَدْ جُمِعَ رَدُّ القَوْلَيْنِ في قِرْنٍ.

ومَعْنى المُلْكِ هُنا الِاسْتِطاعَةُ والتَّمَكُّنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ المائِدَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ هُنا: ما يَشْمَلُ العِلْمَ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ لِأنَّ المَقامَ لِنَفْيِ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ، ولِأنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ هو مُوجِبُ تَوَجُّهِ النَّفْسِ إلى عَمَلِهِ.

وقَدَّمَ النَّفْعَ في الذِّكْرِ هُنا عَلى الضُّرِّ: لِأنَّ النَّفْعَ أحَبُّ إلى الإنْسانِ، وعَكَسَ في آيَةِ المائِدَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوَيْنُ أمْرِ مَعْبُوداتِهِمْ، وأنَّها لا يُخْشى غَضَبُها.

وإنَّما عَطَفَ قَوْلَهُ ﴿ولا ضَرًّا﴾ مَعَ أنَّ المَرْءَ لا يَتَطَلَّبُ إضْرارَ نَفْسِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْمِيمُ الأحْوالِ إذْ لا تَعْدُو أحْوالُ الإنْسانِ عَنْ نافِعٍ وضارٍّ فَصارَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الضِّدَّيْنِ مِثْلَ ذِكْرِ المَساءِ والصَّباحِ وذِكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّرِّ والخَيْرِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣] في سُورَةِ الفُرْقانِ. وجَعَلَ نَفْيَ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ نَفْعًا أوْ ضَرًّا مُقَدِّمَةً لِنَفْيِ العِلْمِ بِالغَيْبِ، لِأنَّ غايَةَ النّاسِ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى

صفحة ٢٠٨

مَعْرِفَةِ …

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

صفحة ٢١٠

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عادَ بِها الكَلامُ إلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ مِنَ الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ الآيَةَ، ولَيْسَتْ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] لِأنَّ ذَلِكَ المَقُولَ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ المُلازِمَةِ بَيْنَ وصْفِ الرِّسالَةِ وعِلْمِ الرَّسُولِ بِالغَيْبِ، وقَدْ تَمَّ ذَلِكَ، فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ الآخَرُ كَلامًا مُوَجَّهًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - إلى المُشْرِكِينَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ عُقُولِهِمْ في إشْراكِهِمْ وإشْراكِ آبائِهِمْ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ جَرَيانُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وضَمِيرُ الخِطابِ في ”خَلَقَكم“ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَجِ والتَّذْكِيرِ، وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الكَلامِ يَشْمَلُ جَمِيعَ البَشَرِ. وقَدْ صَدَّرَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ النَّوْعِ المُبْتَدَأِ بِخَلْقِ أصْلِهِ وهو آدَمُ وزَوْجُهُ حَوّاءُ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ.

وتَعْلِيقُ الفِعْلِ بِاسْمِ الجَمْعِ، في مِثْلِهِ، في الِاسْتِعْمالِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ المَجْمُوعِيَّ، أيْ جُمْلَةُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، أيْ خَلَقَ مَجْمُوعَ البَشَرِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَتَكُونُ النَّفْسُ هي نَفْسُ آدَمَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنهُ جَمِيعُ البَشَرِ.

وثانِيهِما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ الجَمِيعِيَّ أيْ خَلَقَ كُلَّ أحَدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَتَكُونُ النَّفْسُ هي الأبُ، أيْ أبُو كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .

ولَفْظُ ”نَفْسٍ واحِدَةٍ“ وحْدَهُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ في كِلا الخَلْقَيْنِ امْتِنانًا، وفي كِلَيْهِما اعْتِبارًا واتِّعاظًا.

وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّفْسَ الواحِدَةَ آدَمَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنهم جَعَلُوا الأبَ لِكُلِّ أحَدٍ، وهو المَأْثُورُ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومَشى عَلَيْهِ الفَخْرُ، والبَيْضاوِيُّ

صفحة ٢١١

وابْنُ كَثِيرٍ، والأصَمُّ، وابْنُ المُنِيرِ، والجُبّائِيُّ.

ووُصِفَتِ النَّفْسُ بِواحِدَةٍ عَلى أُسْلُوبِ الإدْماجِ بَيْنَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ، لِأنَّ كَوْنَها واحِدَةً أدْعى لِلِاعْتِبارِ إذْ يَنْسَلُّ مِنَ الواحِدَةِ أبْناءٌ كَثِيرُونَ حَتّى رُبَّما صارَتِ النَّفْسُ الواحِدَةُ قَبِيلَةً أوْ أُمَّةً فَفي هَذا الوَصْفِ تَذْكِيرٌ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسِعَةِ العِلْمِ حَيْثُ بَثَّهُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ في طالِعَةِ سُورَةِ النِّساءِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ في الكَلامِ اسْتِخْدامًا في ضَمِيرَيِ ”تَغَشّاها“ وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ فِيما آتاهُما وبِهَذا يَجْمَعُ …

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

صفحة ٢١٠

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عادَ بِها الكَلامُ إلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ مِنَ الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ الآيَةَ، ولَيْسَتْ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] لِأنَّ ذَلِكَ المَقُولَ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ المُلازِمَةِ بَيْنَ وصْفِ الرِّسالَةِ وعِلْمِ الرَّسُولِ بِالغَيْبِ، وقَدْ تَمَّ ذَلِكَ، فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ الآخَرُ كَلامًا مُوَجَّهًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - إلى المُشْرِكِينَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ عُقُولِهِمْ في إشْراكِهِمْ وإشْراكِ آبائِهِمْ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ جَرَيانُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وضَمِيرُ الخِطابِ في ”خَلَقَكم“ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَجِ والتَّذْكِيرِ، وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الكَلامِ يَشْمَلُ جَمِيعَ البَشَرِ. وقَدْ صَدَّرَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ النَّوْعِ المُبْتَدَأِ بِخَلْقِ أصْلِهِ وهو آدَمُ وزَوْجُهُ حَوّاءُ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ.

وتَعْلِيقُ الفِعْلِ بِاسْمِ الجَمْعِ، في مِثْلِهِ، في الِاسْتِعْمالِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ المَجْمُوعِيَّ، أيْ جُمْلَةُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، أيْ خَلَقَ مَجْمُوعَ البَشَرِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَتَكُونُ النَّفْسُ هي نَفْسُ آدَمَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنهُ جَمِيعُ البَشَرِ.

وثانِيهِما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ الجَمِيعِيَّ أيْ خَلَقَ كُلَّ أحَدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَتَكُونُ النَّفْسُ هي الأبُ، أيْ أبُو كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .

ولَفْظُ ”نَفْسٍ واحِدَةٍ“ وحْدَهُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ في كِلا الخَلْقَيْنِ امْتِنانًا، وفي كِلَيْهِما اعْتِبارًا واتِّعاظًا.

وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّفْسَ الواحِدَةَ آدَمَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنهم جَعَلُوا الأبَ لِكُلِّ أحَدٍ، وهو المَأْثُورُ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومَشى عَلَيْهِ الفَخْرُ، والبَيْضاوِيُّ

صفحة ٢١١

وابْنُ كَثِيرٍ، والأصَمُّ، وابْنُ المُنِيرِ، والجُبّائِيُّ.

ووُصِفَتِ النَّفْسُ بِواحِدَةٍ عَلى أُسْلُوبِ الإدْماجِ بَيْنَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ، لِأنَّ كَوْنَها واحِدَةً أدْعى لِلِاعْتِبارِ إذْ يَنْسَلُّ مِنَ الواحِدَةِ أبْناءٌ كَثِيرُونَ حَتّى رُبَّما صارَتِ النَّفْسُ الواحِدَةُ قَبِيلَةً أوْ أُمَّةً فَفي هَذا الوَصْفِ تَذْكِيرٌ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسِعَةِ العِلْمِ حَيْثُ بَثَّهُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ في طالِعَةِ سُورَةِ النِّساءِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ في الكَلامِ اسْتِخْدامًا في ضَمِيرَيِ ”تَغَشّاها“ وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ فِيما آتاهُما وبِهَذا يَجْمَعُ …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.