Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .

وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في …

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .

وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في …

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ مَن ذَرَأ لِلنّارِ ذَكَرَ مُقابِلَهم، وفي لَفْظَةِ: (ومِمَّنْ) دَلالَةٌ عَلى التَّبْعِيضِ، وأنَّ المُعْظَمَ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَيْسُوا هُداةً إلى الحَقِّ، ولا عادِلِينَ بِهِ، قِيلَ: هُمُ العُلَماءُ والدُّعاةُ إلى الدِّينِ؛ وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ؛ وقِيلَ: هُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأها قالَ: هَذِهِ لَكم وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٥٩] الآيَةَ، وعَنْهُ: إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أخْبَرَ فِيها أنَّ مِمَّنْ خَلَقَ أُمَّةً مَوْصُوفُونَ بِكَذا، فَلا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينٍ لا في أشْخاصٍ، ولا في أزْمانٍ، وصَلَحَتْ لِكُلِّ هادٍ بِالحَقِّ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ، كَما أنَّ مُقابِلَها في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ أشْخاصٍ ولا زَمانٍ، وإنَّما هَذا تَقْسِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ لِلنّارِ والمَخْلُوقِ لِلْجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: (ومِمَّنْ خَلَقْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ إثْباتُ مُقابِلِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .

وقالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا يَخْلُوَ زَمانٌ ألْبَتَّةَ مِمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، انْتَهى، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما زَعَمَ الجُبّائِيُّ، وما قالَهُ مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى شِرارِ الخَلْقِ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ»، «ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُسَرّى عَلى كِتابِ اللَّهِ فَلا يُبْقى مِنهُ حَرْفٌ»، أوْ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: سَنَطْوِي أعْمارَهم في اغْتِرارٍ مِنهم، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِدْراجُ أنْ تَدْرُجَ إلى الشَّيْءِ في خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، ولا تَهْجُمَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ مِنَ الدَّرَجَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرّاقِيَ والنّازِلَ يَرْقى ويَنْزِلُ مِرْقاةً مِرْقاةً، ومِنهُ دَرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَرَجَ القَوْمُ ماتُوا بَعْضُهم في إثْرِ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يُذِيقَهم مِن بَأْسِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُتابِعُهم بِهِ ولا يُجاهِرُهم، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَنَأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُ بابًا مِنَ النِّعْمَةِ يَغْتَبِطُونَ بِهِ ويَرْكَنُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهم عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، انْتَهى، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، والمَعْنى: سَنَسْتَرِقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِّعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في …

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَّفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَّباحِ»، وكانُوا يَقُولُونَ: شاعِرٌ مَجْنُونٌ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ ما قالُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مُحَذِّرٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، والآيَةُ باعِثَةٌ لَهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وانْتِفاءِ الجِنَّةِ عَنْهُ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ قِيلَ: مَعْناهُ التَّوْبِيخُ؛ وقِيلَ: التَّحْرِيضُ عَلى التَّأمُّلِ، والجِنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦]، والمَعْنى: مِن مَسِّ جِنَّةٍ، أوْ تَخْبِيطِ جِنَّةٍ؛ وقِيلَ: هي هَيْئَةٌ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ أُرِيدَ بِها المَصْدَرُ، أيْ: ما بِصاحِبِهِمْ مِن جُنُونٍ، والظّاهِرُ أنَّ يَتَفَكَّرُوا، مُعَلَّقٌ عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَتفَكَّرُوا بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ التَّفَكُّرَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَتَأمَّلُوا ويَتَدَبَّرُوا في انْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّهُ مُنْتَفٍ لا مَحالَةَ، ولا يُمْكِنُ لِمَن أنْعَمَ الفِكْرَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: ثَمَّ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، وزَعَمَ أنَّ (تَفَكَّرُوا) لا تُعَلَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ، قالَ: ودَلَّ التَّفَكُّرُ عَلى العِلْمِ، وقالَ أصْحابُنا: إذا كانَ فِعْلُ القَلْبِ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ قُدِّرَتِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ومَن هم مَن زَعَمَ أنَّهُ يُضَمَّنُ الفِعْلُ الَّذِي تَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى واحِدٍ، أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ إلى واحِدٍ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ، فَعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا حاجَةَ إلى هَذا المُضْمَرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ؛ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: يَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إخْبارًا بِانْتِفاءِ الجَنَّةِ وإثْباتِ النِّذارَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في ما وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّها باقِيَةٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في قَوْلِهِمْ بِهِ جِنَّةٌ، والثّانِي أنَّها اسْتِفْهامٌ، أيْ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أيَّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِنَ الجُنُونِ مَعَ انْتِظامِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ؟ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الَّذِي، تَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في ما بِصاحِبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ خَرَجَ عَلى زَعْمِهِمُ، انْتَهى، وهي تَخْرِيجاتٌ ضَعِيفَةٌ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْها، وتَفَكَّرَ مِمّا ثَبَتَ في اللِّسانِ تَعْلِيقُهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ.

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَمّا حَضَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مُفَرِّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ، أعْقَبَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ووُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فُرِّدَ مِنَ المَوْجُوداتِ مَحَلٌّ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ ووَحْدانِيَّتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ

﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ (وأنْ) مَعْطُوفٌ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: وما خَلَقَ، وُبِّخُوا عَلى انْتِفاءِ نَظَرِهِمْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهي أعْظَمُ المَصْنُوعاتِ وأدِلَّتِها عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا عامًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فانْدَرَجَ السَّماواتُ والأرْضُ في ما خَلَقَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخُصُّ أنْفُسَهم، وهو انْتِفاءُ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في أنَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، فَيُبادِرُهُمُ المَوْتُ عَلى حالَةِ الغَفْلَةِ عَنِ النَّظَرِ في ما ذَكَرَ فَيَئُولُ أمْرُهم إلى الخَسارِ وعَذابِ النّارِ، نَبَّهَهم عَلى الفِكْرِ في اقْتِرابِ الأجَلِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ، وإلى طَلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ قَبْلَ مُقانَصَةِ الأجَلِ، وأجَلُهم وقْتُ مَوْتِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاقْتِرابِ الأجَلِ اقْتِرابُ السّاعَةِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها عَسى وما تَعَلَّقَتْ بِهِ، وقَدْ وقَعَ خَبَرُ الجُمْلَةِ غَيْرِ الخَبَرِيَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مِثْلِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] فَـ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] جُمْلَةُ دُعاءٍ، وهي غَيْرُ خَبَرِيَّةٍ، فَلَوْ كانَتْ أنْ مُشَدَّدَةً لَمْ تَقَعْ عَسى ولا جُمْلَةُ الدُّعاءِ لَها، لا يَجُوزُ: عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا عَسى أنْ يَخْرُجَ، ولا عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وأنْتَ تُرِيدُ الدُّعاءَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً يَعْنِي أنْ تَكُونَ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّها تُوصَلُ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ مُطْلَقًا، يَعْنُونَ ماضِيًا ومُضارِعًا وأمْرًا، فَشَرَطُوا فِيهِ التَّصَرُّفَ، وعَسى فِعْلٌ جامِدٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِأنْ، وعَسى هُنا تامَّةٌ، وأنْ يَكُونَ فاعِلٌ بِها، نَحْوَ: قَوْلِكَ عَسى أنْ تَقُومَ، واسْمُ يَكُونَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أجَلُهُمْ﴾، وقَدِ اقْتَرَبَ الخَبَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: اسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ، في مَوْضِعِ خَبَرِ يَكُونَ، وأجَلُهم فاعِلٌ بِاقْتَرَبَ، وما أجازَهُ الحَوْفِيُّ فِيهِ خِلافٌ، فَإذا قُلْتَ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ زَيْدًا هو الِاسْمُ، ويَقُومُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ في ذَلِكَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجَوازُ اخْتِيارُ ابْنِ مالِكٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ …

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَمّا حَضَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في حالِ الرَّسُولِ ﷺ، وكانَ مُفَرِّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ، أعْقَبَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ ووُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فُرِّدَ مِنَ المَوْجُوداتِ مَحَلٌّ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ ووَحْدانِيَّتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ

﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ (وأنْ) مَعْطُوفٌ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: وما خَلَقَ، وُبِّخُوا عَلى انْتِفاءِ نَظَرِهِمْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وهي أعْظَمُ المَصْنُوعاتِ وأدِلَّتِها عَلى عَظَمَةِ الصّانِعِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا عامًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ فانْدَرَجَ السَّماواتُ والأرْضُ في ما خَلَقَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخُصُّ أنْفُسَهم، وهو انْتِفاءُ نَظَرِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في أنَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ، فَيُبادِرُهُمُ المَوْتُ عَلى حالَةِ الغَفْلَةِ عَنِ النَّظَرِ في ما ذَكَرَ فَيَئُولُ أمْرُهم إلى الخَسارِ وعَذابِ النّارِ، نَبَّهَهم عَلى الفِكْرِ في اقْتِرابِ الأجَلِ لَعَلَّهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ، وإلى طَلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ اللَّهِ قَبْلَ مُقانَصَةِ الأجَلِ، وأجَلُهم وقْتُ مَوْتِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاقْتِرابِ الأجَلِ اقْتِرابُ السّاعَةِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها عَسى وما تَعَلَّقَتْ بِهِ، وقَدْ وقَعَ خَبَرُ الجُمْلَةِ غَيْرِ الخَبَرِيَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مِثْلِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] فَـ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النور: ٩] جُمْلَةُ دُعاءٍ، وهي غَيْرُ خَبَرِيَّةٍ، فَلَوْ كانَتْ أنْ مُشَدَّدَةً لَمْ تَقَعْ عَسى ولا جُمْلَةُ الدُّعاءِ لَها، لا يَجُوزُ: عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا عَسى أنْ يَخْرُجَ، ولا عَلِمْتُ أنَّ زَيْدًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وأنْتَ تُرِيدُ الدُّعاءَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ أنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً يَعْنِي أنْ تَكُونَ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّها تُوصَلُ بِفِعْلٍ مُتَصَرِّفٍ مُطْلَقًا، يَعْنُونَ ماضِيًا ومُضارِعًا وأمْرًا، فَشَرَطُوا فِيهِ التَّصَرُّفَ، وعَسى فِعْلٌ جامِدٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِأنْ، وعَسى هُنا تامَّةٌ، وأنْ يَكُونَ فاعِلٌ بِها، نَحْوَ: قَوْلِكَ عَسى أنْ تَقُومَ، واسْمُ يَكُونَ، قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أجَلُهُمْ﴾، وقَدِ اقْتَرَبَ الخَبَرُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: اسْمُ يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ، في مَوْضِعِ خَبَرِ يَكُونَ، وأجَلُهم فاعِلٌ بِاقْتَرَبَ، وما أجازَهُ الحَوْفِيُّ فِيهِ خِلافٌ، فَإذا قُلْتَ كانَ يَقُومُ زَيْدٌ فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ زَيْدًا هو الِاسْمُ، ويَقُومُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، ومِنهم مَن مَنَعَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ في ذَلِكَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجَوازُ اخْتِيارُ ابْنِ مالِكٍ، والمَنعُ اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ …

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ . أيِ: اللَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ السّاعَةِ عُمُومًا ثُمَّ خُصِّصَ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِها، جاءَ الجَوابُ عُمُومًا عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾، ثُمَّ خُصِّصَتْ مِن حَيْثُ الوَقْتُ، فَقِيلَ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، وعِلْمُ السّاعَةِ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْها مِنَ الغَيْبِ أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، والمَعْنى لا يُظْهِرُها ويَكْشِفُها لِوَقْتِها الَّذِي قُدِّرَ أنْ تَكُونَ فِيهِ إلّا هو، قالُوا: وحِكْمَةُ إخْفائِها أنَّهم يَكُونُونَ دائِمًا عَلى حَذَرٍ، فَإخْفاؤُها أدْعى إلى الطّاعَةِ وأزْجَرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، كَما أخْفى الأجَلَ الخاصَّ وهو وقْتُ المَوْتِ لِذَلِكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، أيْ لا تَزالُ خَفِيَّةً ولا يُظْهِرُ أمْرَها ويَكْشِفُ خَفاءَ عِلْمِها إلّا هو وحْدَهُ إذا جاءَ بِها في وقْتِها بَغْتَةً، لا يُجَلِّيها بِالخَبَرِ عَنْها قَبْلَ مَجِيئِها أحَدٌ مِن خَلْقِهِ لِاسْتِمْرارِ الخَفاءِ بِها عَلى غَيْرِهِ إلى وقْتِ وُقُوعِها. انْتَهى، وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ وعُجْمَةٌ.

﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْناهُ ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ أنْفُسِها، لِتَفَطُّرِ السَّماواتِ وتَبَدُّلِ الأرْضِ ونَسْفِ الجِبالِ، وقالَ الحَسَنُ: ثَقُلَتْ لِهَيْبَتِها والفَزَعِ مِنها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْنى ثَقُلَتْ خَفِيَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ مَتى تَكُونُ، وما خَفِيَ أمْرُهُ ثَقُلَ عَلى النُّفُوسِ، انْتَهى، ويُعَبَّرُ بِالثِّقَلِ عَنِ الشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ، كَما قالَ: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، أيْ شَدِيدًا صَعْبًا، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِعَلى، تَقُولُ: ثَقُلَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ثَقِيـــلٌ عَلَـــى الأعْــــداءِ

فَإمّا أنْ يُدَّعى أنَّ في بِمَعْنى عَلى، كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أيْ: ويُضَمَّنُ ثَقُلَتْ مَعْنى يَتَعَدّى بِفي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: كُلٌّ مِن أهْلِها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ أهَمَّهُ شَأْنُ السّاعَةِ، ووَدَّ أنْ يَتَجَلّى لَهُ عِلْمُها وشَقَّ عَلَيْهِ خَفاؤُها وثَقُلَ عَلَيْهِ أوْ ثَقُلَتْ فِيهِما؛ لِأنَّ أهْلَهُما يَتَوَقَّعُونَها ويَخافُونَ شَدائِدَها وأهْوالَها؛ ولِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لا يُطِيقُها ويَقُومُ لَها، فَهي ثَقِيلَةٌ فِيهِما.

﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى غَفْلَةٍ مِنكم وعَدَمِ شُعُورٍ بِمَجِيئِها، وهَذا خِطابٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وفي الحَدِيثِ: إنَّ السّاعَةَ لَتَهْجُمُ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَسُومُ سائِمَتَهُ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ.

﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، أيْ مُحِبٌّ لَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم عَنْها، وعَنْهُ أيْضًا: كَأنَّكَ مُجْتَهِدٌ في السُّؤالِ مُبالِغٌ في الإقْبالِ عَلى ما تُسْألُ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ طالِبٌ عِلْمَها، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِالسُّؤالِ عَنْها والِاشْتِغالِ بِها حَتّى حَصَلْتَ عَلَيْها، أيْ تُحِبُّهُ وتُؤْثِرُهُ، أوْ بِمَعْنى أنَّكَ تَكْرَهُ …

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ أهْلُ مَكَّةَ: ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَ وتَرْبَحَ ؟ وبِالأرْضِ الَّتِي تَجْدُبُ فَتَرْحَلَ عَنْها إلى ما أخْصَبَ ؟ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ المُصْطَلِقِ جاءَتْ رِيحٌ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَتْ بِمَوْتِ رِفاعَةَ، وكانَ فِيهِ غَيْظُ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: انْظُرُوا أيْنَ ناقَتِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا الرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ ولا يَعْرِفُ أيْنَ ناقَتُهُ ! فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ وناقَتِي في الشِّعْبِ، وقَدْ تَعَلَّقَ زِمامُها بِشَجَرَةٍ فَرُدُّوها عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا، وهَذا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ وانْتِفاءٌ عَنْ ما يَخْتَصُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ القُدْرَةِ وعِلْمِ الغَيْبِ ومُبالَغَةٌ في الِاسْتِسْلامِ، فَلا أمْلِكُ لِنَفْسِي اجْتِلابَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضَرٍّ، فَكَيْفَ أمْلِكُ عِلْمَ الغَيْبِ ؟ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] وقَدَّمَ هُنا النَّفْعَ عَلى الضَّرِّ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، فَقَدَّمَ الهِدايَةَ عَلى الضَّلالِ، وبَعْدَهُ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فَناسِبَ تَقْدِيمُ النَّفْعِ، وقَدَّمَ الضَّرَّ في يُونُسَ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لِلَّهِ تَكُونُ خَوْفًا مِن عِقابِهِ أوَّلًا، ثُمَّ طَمَعًا في ثَوابِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، فَإذا تَقَدَّمَ النَّفْعُ فَلِسابِقَةِ لَفْظٍ تَضَمَّنَهُ، وأيْضًا فَفي يُونُسَ مُوافَقَةُ ما قَبْلَها، فَفِيها ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا؛ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠] وفي يُونُسَ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] )، وتَقَدَّمَهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وفي الأنْبِياءِ قالَ: ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]، وتَقَدَّمَهُ قَوْلُ الكُفّارِ لِإبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وفي الفُرْقانِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] وتَقَدَّمَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ونِعَمٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا النَّوْعُ مِن لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ وساطِعِ بَراهِينِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَمْكِينِي مِنهُ فَإنِّي أمْلِكُهُ، وذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، انْتَهى، ولا حاجَةَ لِدَعْوى الِانْقِطاعِ مَعَ إمْكانِ الِاتِّصالِ.

* *

﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَكانَتْ حالِي عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ مِنِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ واسْتِغْزارِ المَنافِعِ …

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] صَمَتَ يَصْمُتُ بِضَمِّ المِيمِ صَمْتًا وصُماتًا سَكَتَ، وإصْمِتْ فَلاةَ مَعْرُوفَةٌ، وهي مُسَمّاةٌ بِفِعْلِ الأمْرِ قُطِعَتْ هَمْزَتُهُ؛ إذْ ذاكَ قاعِدَةٌ في تَسْمِيَتِهِ بِفِعْلٍ فِيهِ هَمْزَةُ وصْلٍ، وكُسِرَتِ المِيمُ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يَأْنَسُ بِالتَّغْيِيرِ، ولِئَلّا يَدْخُلَ في وزْنٍ لَيْسَ في الأسْماءِ. البَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ، بَطَشَ يَبْطِشُ بِضَمِّ الطّاءِ وكَسْرِها، النَّزْعُ أدْنى حَرَكَةٍ، ومِنَ الشَّيْطانِ أدْنى وسْوَسَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةٌ مُفْسِدَةٌ؛ وقِيلَ: هو لُغَةُ الإصابَةِ تَعْرِضُ عِنْدَ الغَضَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: الإغْراءُ والإغْضابُ الإنْصاتُ، قالَ الفَرّاءُ: هو السُّكُوتُ لِلِاسْتِماعِ، يُقالُ: نَصَتَ وأنْصَتَ وانْتَصَتَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ ورَدَ الإنْصاتُ مُتَعَدِّيًا في شِعْرِ الكُمَيْتِ قالَ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيْهِ بِنَصْرِهِ فَأنْصَتَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قائِلِ

قالَ: يُرِيدُ فَأسْكَتَ عَنِّي. الآصالُ جَمْعُ أصْلٍ، وهو العَشِيُّ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ، أوْ جَمْعُ أصِيلٍ كَيَمِينٍ وأيْمانٍ، ولا حاجَةَ لِدَعْوى أنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، كَما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.