۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them, [and Allah said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allah."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عن هَذا غافِلِينَ﴾
"نَتَقْنا" مَعْناهُ: اقْتَلَعْنا ورَفَعْنا، فَكَأنَّ النَتْقَ اقْتِلاعُ الشَيْءِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَتَقْتُ الزُبْدَةَ مِن فَمِ القِرْبَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ونَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا
والناتِقُ: الرَحِمُ الَّتِي تُقْلِعُ الوَلَدَ مِنَ الرَجُلِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:
؎ لَمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغَداءِ وأُمُّهم ∗∗∗ ∗∗∗ دَحَقَتْ عَلَيْكَ بِناتِقٍ مِذْكارِ
وفِي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "عَلَيْكم بِتَزْوِيجِ الأبْكارِ فَإنَّهُنَّ أنَتَقُ أرْحامًا وأطْيَبُ أفْواهًا"» الحَدِيثُ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ بَدَلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها "رَفَعْنا"، و"فَوْقَهُمْ" أعْطَتِ الرَفْعَ بِزِيادَةِ قَرِينَةٍ هي أنَّ الجَبَلَ اقْتَلَعَتْهُ المَلائِكَةُ وأمَرَ اللهُ إيّاهُ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَوْراةِ فَقالَ عَنِ اللهِ تَعالى: هَذا كِتابُ اللهِ، أتَقْبَلُونَهُ بِما فِيهِ؟ فَإنَّ فِيهِ بَيانَ ما أُحِلَّ لَكم وما حُرِّمَ عَلَيْكم وما أمَرَكم وما نَهاكُمْ، قالُوا: انْشُرْ عَلَيْنا ما فِيها، فَإنْ كانَتْ فَرائِضُها يَسِيرَةً وحُدُودُها خَفِيفَةً قَبِلْناها، قالَ: اقْبَلُوها بِما فِيها، قالُوا: لا، فَراجَعَهم مُوسى فَراجَعُوا ثَلاثًا فَأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الجَبَلِ فانْقَلَعَ وارْتَفَعَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى ﷺ: ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَوْراةَ بِما فِيها لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا الجَبَلِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: فَلَمّا رَأوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، ونَظَرَ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَيْسَ في الأرْضِ يَهُودِيُّ يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَجْدَةُ الَّتِي رَفَعَتْ بِها عَنّا العُقُوبَةَ.
و"الظُلَّةُ": ما أظَلَّ، ومِنهُ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ومِنهُ ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ومِنهُ «قَوْلُ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَرَأْتُ البارِحَةَ فَغَشِيَ الدارَ مِثْلُ الظُلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "تِلْكَ السَكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ".» فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الجَبَلُ ظُلَّةً فَما مَعْنى: "كَأنَّهُ"؟ فالجَوابُ أنَّ البَشَرَ إنَّما اعْتادُوا هَذِهِ الأجْرامَ الأرْضِيَّةَ ظُلُلًا إذا كانَتْ عَلى عُمُدٍ، فَلَمّا كانَ الجَبَلُ عَلى غَيْرِ عُمُدٍ قِيلَ: ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، أيْ: كَأنَّهُ عَلى عُمُدٍ، "وَظَنُّوا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أيْقَنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، بَلْ هو مَوْضِعُ غَلَبَةِ الظَنِّ مَعَ بَقاءِ الرَجاءِ، وكَيْفَ يُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَقُولُ: إنَّ الرَمْيَ بِهِ إنَّما هو بِشَرْطِ ألّا يَقْبَلُوا التَوْراةَ، والظَنُّ إنَّما يَقَعُ ويُسْتَعْمَلُ في اليَقِينِ مَتى كانَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ لَمْ يَخْرُجْ إلى الحَواسِّ، وقَدْ تَبَيَّنَ هَذا فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. ثُمَّ قِيلَ لَهم في وقْتِ ارْتِفاعِ الجَبَلِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ فَأخَذُوها والتَزَمُوا …